زهير كاظم عبود: “رؤيا الغائب” رواية العراقي “سلام إبراهيم” (ملف/6)

إشارة:

مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.   

 

سلسلة طويلة من المعاناة مستلة من بين وسط الذاكرة التي أشعلت كل هذا الحنين في هذا الزمن البارد لأمكنة لم تزل رغم أنسحاقها الأكثر دفئاً وأنسانية ، وللأشخاص الذين لم تزل الذاكرة العبقة تفسح لها في أركانها القصية أمكنة مبجلة ، فيغدو الماضي المضطرب بوجعه مليئاً بالبهجة مثلما هو مليئاً بہ 7لحزن .
لغة دافئة يدلقها علينا القاص سلام أبراهيم حين يخلط الأسطورة بالواقع ، والألم بالحزن ، فيؤسس من خلال تفاصيل المكان حين يجعلك تشم عبق ترابه وتتحسس رطوبته وتستنشق ترابه المرشوش بالماء رغم هذا البعد الشاسع بالصورة التي نختزنها في ذاكرتنا نحن جيل الخمسينات والتي بدأن تضمحل من الجيل الجديد.
يحاول القاص سلام أبراهيم توظيف لمحات أنسانية وأرهاصات مليئة بالشجن ، ولمحات حزينة ممتلئة بأنين أنساني خافت ، فيملأها بأحاسيس وحقائق تنبثق من معاناة الأنسان ، المقهور والمطارد وسط أزقة وطنه المستباح ، الأنسان الذي لايجد في وطنه ملاذاً من خوف أو دفء من محبة أو سكون من رعب .
ملامسة أعماق الروح الأنسانية لاتكتمل عند سلام أبراهيم بأقتناص لحظات في ( رؤيا الغائب ) ولابملامسة مشاعره الأنسانية الكامنة ، فكفاح لايتحدد بالغائب مثلما يتسع صدر الأم وعبد سوادي يتسع ليشمل الأهل كلهم .

سلام ابراهيم وخلفه دار الأوبرا- 2019

لاألقول سراً أنني تورطت بقراءة (( رؤيا الغائب )) ، لم أستطع أن أجد منفذاً لعمل ما أو فرصة حتى أو ربما لأستعادة أنفاسي ، فقد تمكن مني وقطع عليٌ زمني وراحتي وسلب مني وقتي حتى أحالني الى جزء من روايته ، أعتقدت أنني أسعى وسط أزقة منطقة ( الجديدة ) أو
( الحي العصري ) أتلمس تقاسيم وجه كفاح الجميل ، أو أقدم له كل تعابير المودة ، ثم أنحني للسيد عبد سوادي فألمس يديه مع التقدير وهو يتشح بنضاله المتواضع ، ثم أتنفس رائحة النسوة اللواتي لطمن صدورهن وسط الغرف العتيقة واللون الأسود المتميز لأمهات العراق .
اللغة السهلة والسلسة التي جعلتني أسير الأحداث …. المفردات التي تتداخل في أحداث القصة المتوزعة بين الساحة أو في متاهة الأعماق السحيقة والخلوة الضيقة للأنسان .
يعود ( سلام أبراهيم ) لأعتماد لغة المشاعر الصادقة ، ربما يستل المفردات من وجع روحه ، ربما يكتب عن معاناته ، لكنه موفق جداً في رسم تفاصيل الصورة والأحساس الذي ينقش تفاصيل الذاكرة .
يعود سلام أبراهيم لاليسردها بأصابع معروقة أو مرتجفة ، أنما يكرر محاولته وحكايته فيدس أصابعه وسط ذاكرتنا ، وحين نلتفت اليه مندهشين من كلماته ، نجده يمد يده الأخرى يشير الى المسافة القصيرة التي تفصلنا سوية عن أحداث حكايته ، فنذهب مبهورين بمعرفة الحدث ، غير أننا نلتفت فلا نجد سوى أنفسنا ن_ caعايش مع غبش الديوانية وأفريز الجامع أو عبق الأمكنة المتهدمة في شارع المحكمة القديم ، ثم يحدثنا تارة عن الأساطير وألوان السحر والبخور والجنيات ولهب الشموع ، ويوغل في متاهة فنصل معه الى أستدارة وجه الشيخ المضيء والمرتحل في رحابة السجع المنساب بصمت على أيقاع التجويد وتعالي ضجة الآذان ف_ ed الفجر الفراتي ثم يختفي .
ويعود سلام أبراهيم ليشير الى المكان مرة أخرى .. ( ضريح شعبان بيك ) .. ( دكان خليل الحلاق ) .. ( حمدي وفكتور بائع الخمور ) ..
( بستان عجة والأزقة الضيقة ) ، وستحاول أن تقطع متابعة الرواية لعلنا نصدق أنها ذكريات خاصة بسلام أبراهيم نفسه ، وهو لاغيرة من يحاول أن يرسمها ويحيط بها المكان الذي يعتمد في هذا على لغة خاصة تخضع للحدث والمكان دون أن يتقيد للزمان ، أذ يجعلها طليقة خارج حدود الزمن .
المحنة التي يتلبسها القاص سلام أبراهيم يوزعها على قراء مجموعتة القصصية فيقدم لهم عمقاً جديداً مستلاً من أعماق المدينة التس تعطيولاتأخذ ، والتي يتنفس القاص نفسه شخوصها داخل روحه ويخفق قلبه بنبض كلمات نحن طرف منها .
في ( رؤيا الغائب ) يقتنص القاص سلام أحداث قصصه من الزمن الذي هربت منه الأحلام والأساطير والرموز ، فالنخلة التي شهقت سريعاً تلمع عثوقها بالضوء الساقط من مصباح الطريق هي ثابتة ، والمدينة بنهرها الفراتي الصغير والذي يشطر جسدها الممتد جوار أسيجة البساتين الطينية ثابتة أيضاً ، وبهذا فقد وفر نصرين أساسيين في قصصه ، أولهما الصدق في الأحداث ، وثانيهما تقديس الزمان دون أن يقيد نفسه بضوابط الزمن ، أن سرد الأحداث لم يكن بالشكل الميكانيكي الممل ، فقد كانت تنفيساً للقاص مع أنه خلط كل هذا بقدرته في توظيف الحدث لصالح قضية الأنسان .
وحين تتوغل أكثر في غابة الأحداث تقتنع أكثر من كونك طرفاً مهماً في هذه الأحداث ، صراخ وسكون ، حلم ويقظة ، هدوء عند الفجر يصاحب صراخ موجوع بالتعذيب ، غريب يهيم في الطرقات ، وأحضان دافئة ، وصمت ونغمات ناعمة ، كل هذا يرد حتى يتمكن القاص من أشعال حرائق الروح .
يعتمد القاص سلام أبراهيم طريقة أن يتحدد بالحدث فلايخرج عنه ، مما يجعل مهمته القصصية صعبة نوعما وشاقة ، لأرتباطها بالمكان ، الا انه أستطاع أن يتخلص من هذا بأقناعه القاريء أنه سيكون دليله في الولوج لكل هذه الأمكنة وفي التعرف لشخصيات القصة ، لكنه يترك المهمة ويبقي القاريء يبني وفق سعة خيا_ e1ة وأستيعابة للأحداث وبناءه دوره في الأحداث .
(( رؤيا الغائب )) كلمات تختلط بوجع الروح قبل أن تغسل حروفها بدمع العيون ، وأسلوب يتوغل في لحظات المسرة والفرح المؤقت لكنه مغلف حتى العظم بحزن عميق ، ميزة سلام أبراهيم قدرته على الأقناع وتوظيف الأحداث مع المكان لصالح القصة .
وتأتي قصة رؤيا الغائب أصدار دار المدى بدمشق بعد مجموعة ( رؤيا اليقين ) الأولى للكاتب وبعد مجموعته الثانية ( سرير الرمل ) ، وتشكل قصص سلام بمجموعها أدانة لسلطات القمع والدم ومساهمة ثقافية عراقية أصيلة ترفد الحركة القصصية في الثقافة العراقية الجديدة .

شاهد أيضاً

ميرنا ريمون الشويري: عالم من دون حدود في رواية مخيم المواركة (ملف/37)

إشارة : طبع القاص والروائي “جابر خليفة جابر” بصمته الأسلوبية المميزة على خارطة السرد العراقي …

حمدي العطار: رحل رزاق ابراهيم “غوركي العراق” (ملف/3)

شكل رحيل الكاتب والشاعر والناقد “رزاق ابراهيم حسن” يوم الجمعة المصادف 7/9 /2018 خسارة كبرى …

عزيز لطيف: الوطن عند حسين مردان (ملف/10)

إشارة : في العراق، وعبر مجموعته الصادمة قصائد عارية-1949 ، أكمل الشاعر الكبير حسين مردان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *