بولص آدم: ضراوة الحياة اللآمتوقعة (ملف/1)

إشارة :

“ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”.

يهمّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن تجربة الأديب العراقي “بولص آدم” مبتدئة بنشر نصوص كتابيه: “ضراوة الحياة اللامتوقعة” و”اللون يؤدي إليه” اللذين وضع لنصوصهما جنساً هو “الواقعية المتوحّشة”، وهذا امتيازه الفذّ في ابتكار جنس من رحم الأهوال العراقية، فقد أدرك أنّ النصّ العراقي يجب أن يُكتب بطريقة تكوي أصابع من يقرأه وقد يشتعل بين يديه. وهي ليست نصوصا “مفتوحة” بل الرؤية التي ينبغي أن يُكتب وفقها النص العراقي الحقيقي. بلاد تُجمع فيها الأشلاء المجهولة لأجساد أبنائها المُقطّعة بالمفخخات في “بابل” في “طشت الخردة” لا يمكن لنصوصها أن تُكتب إلا بطريقة بولص آدم “المتوحشة”. وبهذا المعنى فهي أيضا درس في أن أدب الحرب الكبير يُكتب بعد الحرب. حرب العراقي لم تنته. لقد بدأت الآن خلف سواتر الذاكرة المؤرِّقة الشعواء لتخرّب حياتنا إلى الأبد نحن جيل الخسارات الابدية: “حياتي ضراوة لامتوقعة- لاتسألني رجاءً عن باقي النص”. تحية للمبدع العراقي بولص آدم ودعوة للنقد العراقي لدراسة نصوص قد تمهّد لمدرسة.

النصّ: 

لوحة الغلاف للفنان العراقي لوثر ايشو ادم

اهدي الكتاب الى والدتي

جرد الأزمنة في نصوص واقعيتي الوحشية

كل ورقة للنور يقشرها الظلام
تعيش ممزقة
ترتبك قامات في الصور المقطبة
المجهول من ملامحي دوامة الحلم
ابحث عن لحظتي قبل ان يحضر السكين بين اصابع الظلم
كل ورقة للنور يقشرها الظلام
تعيش ممزقة
اعرض على ازمنتي جدل التريث
اصاب برشح التجدد
سعادتي تقليب السواكن وترميم قناعاتي لكي لاافنى فيحقق الظلام استباحتي
وتتمنى امي نجاتي
واتمنى لها ثانية لقائي
في الحرب واوهام السلام
ايام حشو مخاريط الفجر بالبارود
اكبر في دار حضانة الخراب
واسجل تلميذا في ابتدائية الموت تحت سبورات
تعلوها صورة محمضة في استوديو بابل

النفكير في ضراوة الحياة اللامتوفعة

.. جيئة وذهابا على سطح الدار
محسودا من ناشرة الغسيل
جيئة وذهابا على انقسامي بين علم الحياة
وسيناريو التشضي ، تخذلني طاقة الكلام
احفظ درسا وانجح بلا فائدة .. اتقن درسا في الفن
تلفظني الحروب وافشل تماما في الحرب !
اعيش متوحشا اسكر من خمرة الأحباط وافرغ انفجارات الروح في الرخام
العب مع ازمنتي لعبة جر الحلم
اكتب مقتربا من الخمسين عن سنوات سجني وزرع الثوم في ارض اجدادي
اسهر ليالي سنوات الجراد والمارثون
و اقلب الصور المنهكة في البوم ازمنتي
ادحرج اسطوانة الغربة باسفل قدمي
وامزج الألوان على لوحة العمر بريشة كرامتي
منقذا الموضوع كله من فراشي الخوف
مصليا لصفاء الماء و نزع مسامير الرعب من جسد الحياة
وهكذا اغادر .. للقاء ماساة بلا تبرير ..

Tauben Markt

هل هذا كل شئ ؟

في ذعر تقليب المصير ،
حاولت اخراج ماتبقى من مشاهد في حياتي ..
هل هذا ،
في هذه المدينة مكاني الأخير ؟!
….
عطش انا الى ايماءات الصورة فقط
مللت كل محادثة .
اشتقت الى عجن الضوء والخط معا
الى ديباجة حقة هي المقولة الحقة
.. زخرفة من صنع العامل
لا المحصل القبيح ابدا ..
الآن يحضر العاقل !
قرر لنا موتنا في حكمتك ؟
الآن يحضر الشاعر..
اين الشعر يا شاعر الفودكا ليمون ؟!
اين امراة القافلة
افيقوا يارجال على بلوى الزمان
ياالهي
ساقرا كتبك ثانية

يارب ،
استر !
…..
اليوم صباحا ، عندما اقتربت من مركز هذه المدينة ،
حاكيت نفسي ، حقا عتقت هنا وهذه المدينة هي كما هي ،
بسرعة لفلفت مشاعر غريب اربك روحي ، زار كرائحة حرق نظراتي ،
هل في القلق وفقدان ماكان ، هل حقا تشعر المدينة بان فيها ،
ذلك الأنسان ؟
…..
ماذا بعد سنة من حماوة خرائط العالم المفترسة
بعد فرسخين من محاولة سيزيف ،
بعد عدد اكبر من التهاويم ،
هل حقا ..
هو تقرير حياة مؤكد ؟
هل الشخص الذي احمله في جسدي ،
الذي يتقدم نحو مركز مدينة في النمسا ،
هو هنا من يشيخ ؟!
…..
اقف في تقاطع ( تاوبن ماركت ) ،
كم انا من لم يترك عادته في الربط بين اسم المكان والحمام ؟
في كل مرة اقارن اشياء كثيرة بالنافورة التي تغلف بالخشب كل شتاء ،
وافكر ببداهة ان السنوات تسارعت هنا ايضا ،
ما تبقى هنا في تقاطع الحمام هو اسم لسوق قديم .
…..
ومضيت ، فكرت بنفسي كالمتسول ، لعل احدا ما يضع في يدي وطني ..
فكرت باضطراب ،
هل ثمة امل ،
هل انا الذي سيشيخ في دار العجزة ويموت ،
ام الى وطنه يعود ؟
…..
اشكر هذه البلاد ، على الأقل تعلمت من فيلسوف فيها ،
)تقبل الحياة كما هي .. تماما كما هي !(
هل هذا كل شئ ؟!
…..
صبيحة عيد التنكر في هذه المدينة ،
رجل مقنع يضع على راسه سلة فيها طيور وزهور ،
يرتدي شرائط ملونة وفي فمه صافرة ..
هل هذا..
كم هي الحياة من عادية ..
بل اعتباطية
التفت خلفي ، يكون رجل متنكر قد اختفى في الزحام،
يقابلني اخرون في القطط والأرانب ، البطاريق والأشباح متنكرون ،
يكفيني التنكر دون زي غريب فانا حقا ذلك الغريب
.. تتبعت المشهد التالي لأخراجه ،
كان الأهم ،
كيف سانهيه ،
هل انا الذي هنا سشيخ
ام
الى …. ؟
…..

اكتفيت بذاك القدر من محاكاة نفسي ،
قريبا من النافورة المغلفة بالخشب تماما كالهرم ،
هبط كالعادة سرب الحمام

شاهد أيضاً

د. عدنان الظاهر: ضراوة الحياة اللامُتوقعة (*)
(شعر وقص للكاتب الفنان السيد بولص آدم ) (ملف/17)

إشارة : “ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”. يهمّ أسرة …

بولص آدم: اللون يؤدي اليه (4) (ملف/16)

إشارة : “ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”. يهمّ أسرة …

رزاق ابراهيم حسن: مَنْ يتحمل مسؤولية موت المؤرخ حميد المطبعي؟ (ملف/5)

سنوات عدة عاشها حميد المطبعي مريضا مقعدا ومرغما على ملازمة البيت، ولكنه طوال هذه السنوات …

3 تعليقات

  1. بولص آدم

    شكراً أخي د. حسين سرمك وأسرة الموقع على جهودكم الكبيرة في ملفات المبدعين والأبداع العراقي، ونغبط النفس لهذا الشرف يامن نتشرف بكم أحبتي، هي بمثابة مَناعة إبداعية جماعية وعقارنا الوحيد كأناس سلام وتحضر ضد فيروسات السلطات الفتاكة التي تعاقبت على بلدنا، فتحية لكُم، واقع الحروب والحصار والطائفية والارهاب. هو واقع وحشي، مشروعي الأدبي مستمر ضمن واقعية بافق جمالي تعبر النصوص عنه.

  2. صالح الرزوق

    لفت انتباهي عبارة ارض اجدادي. و يزرع فيها الثوم. Garlic. المعروف بقوته الطاردة لمصاص الدماء دراكولا.
    المونولوج لا يختلف مثيرا عن عجائب و سريالية جلجامش التي خرجت من منطقة تعتبر تاريخيا للآثوريين.
    يوجد حساسية كونية في القصائد تراهن على محورين: الماضي الحضاري لوادي الرافدين و رسالته الانسانية التي تضع في مدار الهم البشري بشكل عام.
    يبقى ان اقرل ان التراكيب مبتكرة و هي مباشرة تتكلم عن طواحين الحياة و معاناة الإنسان المفرد و انكسارات تجربته الشخصية.

  3. بولص آدم

    حول الثوم ومصاصي الدماء. فياأخي الذكي اللماح د. صالح. فهي فكرة، لما لا؟ الفيروس وجد لهم حلا بالحجر على المتظاهرين، فللشباب أن يزرعوا مزيدا من الثوم حول وفي الباحات الشرقية الداخلية للبيوت فيكون شكلاً جديدا للتظاهر السلمي وطرد مصاصي الدماء وقتلتهم المأجورين!!
    أما ملاحظاتك النقدية المركزة وباتقان، أشكرك عليها جزيل الشكر، فهي تناسب تماما وتلبي بطبيعتها ماتنتظره نصوصي من تشخيص نقدي سليم، وأضفت لبنة جديدة في تعريف واقعيتي الوحشية! فلك عزيزي كل التقدير ودمت بألف خير..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *