د. إنعام الهاشمي : مع ديوان فائز الحداد – مدان في مدن

” لعلّ صدورّ ديوانٍ جديدٍ لشاعرٍ له اصداراتٌ سابقة وباعٌ طويلٌ في الشعرِ، كالشاعر فائز الحدّاد، يمثِّل له حدثاً اعتيادياّ ‏كما يخيَّلَ إليّ أحياناً؛ ولكن القارئ لما يكتبُه الشاعر الحداد يعلمُ أنَّه في كلِّ جديدٍ له هو جديدٌ ومتفرِّدٌ في حداثتِه مما ‏يتركُ بصمَتَهُ الواضحةَ في العالمِِ الأدبيِّ والثقافيّ، ولا يمكنُ بأيِّ حالٍ أن يعتبرَه ضمنَ المعتاد.‏
أبارك لكَ مولودَكّ الجديد…‏
وأتمّنى لكَ المزيدَ من التحقيقاتِ والانجازاتِ الأدبية والثقافيّة؛ ‏”
بهذه الكلمات باركتُ للشاعرٍ فائز الحدّاد صدورَ مجموعتِه الجديدة ِفي ديوان “مدان في مدن” الذي صدرَ في دمشق عن دارِ العراب للنشر في يوليو 2011. واليوم وأنا أتصفَّحُ نسختَهُ الإلكترونية أجد أنَّ هناك الكثيرُ مما يمكنُ، بل ويجبُ قولَه عن هذا الديوانِ والقصائد ِالتي وردت فيه،  وعن الشاعرِ وحركتِه التبشيريِّة ِبالاختلاف.
فماذا وجدتُ في الديوان؟ وما الذي يتميَّز به عمّا عداه؟
قبل الدخولِ في تفاصيلِ الديوانِ هناكَ تساؤلاتٌ تتبادرُ للذهنِ يحتِّمُها الحديثُ عن شعرِ الحداثةِ و شعرِ فائز الحداد بالذات الذي يتصدَّرُ حركةً جديدةً  في الشِعرِ الحديثِ، وما يؤكِّدُ هو على تسميتِه بـ”القصيدة الحرّة الحقّة”،  منها:
هل على الشاعرِ أن يكتبَ ما يفهمُه القارئ؟ أم على القارئ أن يفهمَ ما يكتبُه الشاعر؟ وهل هناكَ نقطةُ وسط ٍبين هذا وذاك؟ ثم ما الفرق بين الكتاب المدرسي الذي يشرح للطالب المبادئ لكل فرع من فروع العلم وبين الكتاب الأدبي أو الكتاب الفلسفي من الناحية الأخرى؟
أو لنطرح سؤالاً آخرَ أكثرَ توغّلاً ؛  ما الفرقُ بين نصٍّ فلسفيٍّ ونصٍّ أدبيّ؟ وما هي نقطة ُالالتقاء؟ ولنمضِ أكثر في السؤال، هل يمكن أن يكونَ الهدفُ مشتَركا بين النصِّ الفلسفيِّ والنصِّ الأدبيّ؟ ثمَّ ، هل الغنائيَّة شرط ُمشروطٌ في النصِّ الشِعريّ ؟ إن كان الجوابُ نعم، إذاً ما الفرقُ بين القصيدةِ والأغنيةِ والـ”الطقطوقة”؟ و إن كان بعضُ القصائد قد لُحِّنَ وغنّاه كبارُ المطربينَ والمطربات، فهل القصائد التي لم تلحَّن، وهي الغالبية العظمى،  قد أهمِلت لخللٍ فيها كونها لا تصلحُ للغناء؟
 وتساؤلٌ أخيرٌ يفرضُ نفسَه، هل تصلحُ القصيدةُ النثريَّة للغناء؟
جوابِي هو نعم،  مع فارِقٍ لابدَّ من ذِكرِه ؛ ففي حين أنَّ القصيدةَ الكلاسيكيَّة الغنائيَِة تعطي نفسَها للحن، نجدُ أنَّ على الملحِّن أن يطوِّعَ ألحانَه لتسايِرَ القصيدةََ النثريَّة شريطةَ أن تكونَ محتوية على جرس الكلمةِ والإيقاعاتِ الداخليَّةِ الملائِمة ؛ وهو إن فَعَلَ ذلك ونَجَحَ  كانَ مُبِدعاً حقيقيّاً!
 ولكن يبقى السؤالُ الذي يعيدُنا لنقطةِ الصِفر؛ من سيستمعُ لهذه الأغنية؟ النخبة أم العامّة التي تبحث عن تسليةِ سريعةٍ والتي تجدُ تسلِيتَها في أغاني “الرَدْح” كالبرتقالة والعكربة والشلغمة والمشمشة وما شابه؟
وإن عدنا للسؤالِ الأوَّل فجوابي له أنَّ على القارئ أن يبذلَ بعضَ الجهدِ لفهمِ النصِّ الأدبيّ، وإن هو فَعَلَ ذلك فلا شكِّ أن  أثَر النصِّ في نفسِهِ أعمقُ أشواطاًً من النصِّ المباشِر الذي يفهمُه تلميذُ الصفوفِ الابتدائيّة، على ألاّ يبالغ النصُّ في رمزيَّتِه وأن لا يدخلَ في عدادِ الهذياناتِ التي لا هي بالمسليِّة ولا هي ممّا يمكنُ وصفه بعمقِ المعانِي.
فأين تقعُ النصوصُ الشِعرِيَّة للشاعِرِ فائز الحداد من هذه التساؤلات؟ أين هي من الفلسفةِ ، وأين هي من الغنائيّة، وأين هي من المباشَرَة، وأين هي من التعقيدِ والغموض؟ هل يمكنٌ القولُ أنَّها من الهذياناتِ إن كانَ البعضُ قد صعُبَ عليهِم سَبرَ أغوارِ معانِيها والوصولِ إلى غاياتِها و مرامِيها؟
للإجابةِ على مثلِ هذه الأسئلةِ لابدِّ من إخضاعِ نصوصِ فائز الحداد لأكثرَ من دراسةٍ نقديِّةٍ واحدةٍ وأكثرَ من وجهةِ نظرٍ واحدةٍ وأكثرَ من رأيٍ واحدٍ للوقوفِ على خاصَّتِها والتعريفِ بما تتميَّزُ به من  أسلوب حداثيّ.  ولكن ما يمكنُ الجزمَ به أنَّ ما يكتبُهُ فائز الحداد لا يمكنُ المرورَ بهِ مروراً عابِراً لِما فيه من تفرُّد ٍ واختلافٍ في تراكيبِ جُمَلِهِ واستعاراتِه ِ التعبيريَّةِ وتعابيرِه اللغويَّةِ  وما فيه من الفكرِ الذي قد يتجاوزُ ويتحدّى التابواتِ المعتادةَ أو التقليدية ، العقائديَّةِ منها واللغويِّة.
وعلى من يتقدَّم لدراسَةِ هذا الديوان وغيرِه من نِتاجاتِ فائز الحدّاد أن يغتسِلَ من كلِّ ما علِقَ به من تعصُّبات، فإن من الظلمِ والإجحافِ أن يقدِّمَ النقدَ للشِعرِ الحديثِ من عُرِفَ بتعصُّبِهِ لكلاسيكيّةِ الشِعرِ، والعموديّ منه بالذات؛ فمن يبحثُ في نقدِ الحديثِ المختِلفِ عليه أن يتوجَّهَ له بذِهنٍ خالٍ من التعصُّباتِ والأحكامِ المسبقةِ  والولاءِ لأيِّ بحثٍ مسبقٍ ناهيكَ عن التمسُّكِ بهِ  كما لو كان تنزيلاً؛ بل وعليه أن يدخلَ  ساحةَ النقدِ وهو لا يحمِلُ معه إلاّ معرفَتَه وحِسَّهُ الشِعرِيّ  والكثيرَ من الانفتاحِ على المختَلِف، وإلاّ عليه أن يتنَحَّى ويتعلَّمَ من التجاربِ الجديدة، أو يجلسَ متذمِّراً لاعِناً الذوقَ الذي أفسدَته الحداثةُ ويتركَ عجلةَ الزمانِ تدورُ، فقد تجاوَزَ عصرُنا الثورَ والمحراثَ رغمَ أنَّ العجلةَ كانت أروعَ اختراعٍ قدّمته حضارتُنا للبشرية! ألا ترَونَ أنَّ الزمانَ قد اعتمدَ في دوَرانِه على هذا الاختراعِ الجليلِ واستفادَ من الحداثةِ حينذاك؟ وهو لن يتوقَّفَ عندَ أيَّةِِ نقطةٍ لاجترارِ ما قدَّمته الأفكارُ القديمة، رغمَ أنَّ المعرفةَ بالماضِي هي  من الأسسِ المهمَّة ِللتطوُّرِ وهي الوقودُ لعجلتِه.
ومن غريبِ الأمور أن أجد بعض المتمسكين بالكلاسيكيَّة يلجأ ون إلى  أقوالِ من أسَّسوا لبعضِ أنواعِ الحداثةِ وما وضعوه من سِماتٍ وشروطٍ للقصيدة الحداثية ، كأدونيس مثلاً في الأدبِ العربيّ، وكأنَّ أقوالَهم أصبحت التنزيلّ بعد تنزيلِ بحورِ الشِعرِ الكلاسيكيَّة، وينسَونَ أنَّ هؤلاءَ أنفسَهم قد كسروا قيودَ من سبقهم وانطلقوا إلى مفاهيمَ جديدةٍ مخالِفة ، فإن لم يلتزموا هم أنفسُهم بشروطِ وقواعدَ من سبقهم كيف لهم أن يقيِّدوا من يأتي بعدَهم؟  وكيف لهم أن يتوقَّعوا أن الجيلَ الذي يليهم لن ينطلقَ خارِجَ حدودِ فِكرِهم ؟ فمجرَّد جعلِهم مرجِعاً يُستنَدُ إليه هو دليلٌ على أنَّهم أنفسَهم قد أصبحوا ضِمنَ الماضي، فكلُّ جديدٍ يصبحُ قديماً ويحلُّ محلَّه ما هو أجدُّ منه آجِلا أم عاجِلاً! كما أنَّ الكثيرين َممَّن يقفونَ في وجهِ التجديدِ يتَّكِئون على مرجِعٍ رئيسيٍّّ  لتحديدِ سِمات “قصيدة النثر” ألا وهو كتاب سوزان برنار “قصيدة النثر من بودلير حتى الآن” الصادر سنة 1968 والمترجم سنة 1989،فكيف لـ “الحداثة” اليوم أن  تبقى مستندةً عل مرجِعِ مضى على صدورِه أكثرَ من أربعةَ عقودٍ وكُتِبَ أساساً عن الأدبِ الفرنسي والخروجِ على بحورِ الشِعرِ الفرنسيَّة التي عجَزَ المترجِمُ عن ترجمَتِها واضطرَّ لحذفِها من الترجَمَة؟ أليسَ من المنطِقِ الانطلاقُ في الحداثَةِ من الواقِعِ العربيّ؟ وفي يومِنا هذا مع الاستئناسِ بما طرأ على الشِعرِ العربيِّ من تطوُّراتٍ منذ بدءِ حركاتِ التحرُّرِ من البحورِ والقافية؟ وإلاّ فأينَ المنطقُ في قياسِ الحداثةِ بمقاييسَ قديمةٍ؟
بعد العنوانِ يظهرُ ما يوحي للقارئ أنه  الإهداء ولكنَّه يبدو بهيئةِ خِطاب:
 
                 أصدقائي الصعاليك :
               أنتم رهبان الأرض ..
               اعبثوا .. كي تقرّبوا العروش من حقيقة الفناء
 
الإهداءُ يتناسبُ جداً مع عنوان ِ الديوان؛  فلمن يهدي المُدان في المُدن ديوانَ شِعرِه؟
فهل هو إهداءٌ أم افتتاحيَّة؟
 
أما مقدّمةُ الكتابِ فهي  ليست ككلِّ المقدِّمات،  وهي الأخرى تظهرُ على هيئةِ خِطاب:
 
 في قلب الجحيم
                      قبل بدء العزاء ، أغني ..
للديمقراطية العربية  ، على  منع تداولي قرائيا في الشارع العربي ،
فأنا موشوم بالإرهاب ، وعلى جبهتي صليب الشعر ..
                    دليل إدانة ..؟؟ّّّّ
 
يقعُ الديوانُ في  160 صفحةٍ من القطعِ المتوسِّط  ويحتوي على 33 قصيدة تتنوَّع في محتواها بينَ الغَزَلِِ والوَطَنِ وما بينهما  من حبٍّ ومشاعرَ يصوغُها الشاعرُ بلغتِهِ المتفرِّدةِ في صوَرِها،ويطِلُّ في صفحاتِه وجعُ العراقِ  صارخاً من بين أضلاعِ القصائد:
 
(لك وجعي .. العراق ..
 تميمة حب مثقبة الجنان
 أحملها على خريطة وسخة ..
 صيّرتها المسابح قبورا مرقطة)
فمن هو فائز الحداد؟؟
ولد في مدينة الفلّوجة وَسَطِ العراق وفي أواسط الخمسينات من القرنِ الماضِي في هذا الجيلِ الذي يحقُّ لنا أن نسمِّيه الجيلَ الذهبيّ؛
درسَ العلومَ السياسيَّة في جامعةِ بغداد؛
كتبَ الشِعرَ العموديّ في سنٍّ مبكرةٍ، وأوَّل قصيدةٍ عموديَّةٍ نُشِرَت له وهو في سنِّ العشرين، ولكنَّه ، حسبَ تعبيرِه، هجرَ  سجنَ العروضِ ورياضيّاتِ البحورِ صوبَ القصيدةِ الحديثة ؛
له  العديدُ من الإصداراتِ آخرها “مدان في مدن”
كتبَ العديدَ من الدراساتِ في الشعرِ والأدَبِ و لديه العديد من المخطوطاتِ النقِديَّة والشِعريَّة التي تنتظِر الطبع .
يقولُ عن نفسِه:
” هو ميتٌ على قيدِ حياةِ الشِعرِ
هو كسيرٌ لكنَّه صلِفُ المشيمةِ
يتماسَكُ مثلَ زجاجةٍ متصدعةٍ
أو .. كموسٍ في حنجرةِ صائِمٍ
فانكسارُه حادٌّ جدّاً ..!”
وماذا عن المُدن في الديوان:
مدنُ فائز الحداد رمزُها الفلّوجة،  فهي عنوانُ رأسِه المرفوعِ كما  يظهرُه بوضوحٍٍ فيما اقتطفَه على الغلافِ الخلفيِّ للديوان  من قصيدة ” الفلوجة” ::
( صرنا كالحلاقين نستبدل..ا
الرؤوس بالرؤوس ، والمقص واحد
لكنني مبتدأ .. مرفوع الرأس
وعلامة رفعي الفلوجة )
 
والفلّوجةُُ ، مسقطُ رأسِ الشاعر، هي الزهرةُ وهي البتولُ وهي القصيدةُ التي لم يقلها الشعرُ بعد ؛  فرغم َكلِّ ما كُتِبَ عنها من أهزوجاتٍ وأناشيدَ في الحصارِ التاريخي عليها، و رغمَ تكرارِ ذِكرِها في الديوان في أكثرَ من قصيدةٍ،  فهي مازالت بالنسبةِ له قصيدةً لم تُكتب!
وأوَّلُ القصائِدِ التي تطلُّ منها الفلّوجة علينا في هذا الديوان هي قصيدة “على صهوات الدفوف ” ( ص 18) وفيها يقول:
 
(  تمنيت وجهك جزيرة ..
 تستعير ملامحي في دجى الغرباء
 وأنا سميّك البكر، فيما تختارين من عنادل
 لأغنّيك قصيدة لم يقلها الشعر بعد
 والنخل يرتل آياتك المثلى على جهات الأرض
فما سلوتك .. زهرتي الفلوجة ، الطلع والهوى
 ولا تيمم جرحي بغير ملحك
فلوجتي البتول ..
 شهادة اليمام المهاجر في مدافن الغيوم
 لازلت أحمل صوتها ..
 فاتحة للمدن الراشدة ، نحو بغداد فارعة )
ثم ويقول:
 
( يا لبهاء أسمائها الفلوجة الحسنى
يا التي من ذهب الجباه النازفة ..
حياءً على المنابر الصدئة
 يا صوت أمي الغائر بالصدى ..
لا لن أشرب الماء من كف دجلة بعزة العبيد
 ولا أحمل ثديها ملحا ،  إلا و جبينها ..
يرتفع في النسغ الطالع جلالاً
 ولن أطوّق خصرها بسنا بغداد ..
 إلا وشهرزاد ..
 تنفض عن شعرها غبار الرعاع !!) …..  (ص 21 – 22)
 
 
ثم قصيدة ” علامة رفعي الفلوجة ” (ص  100)
وفيها يقول:
 
(صرنا كالحلاقين نستبدل..
الرؤوس بالرؤوس ، والمقص واحد
لكنني مبتدأ .. مرفوع الرأس
وعلامة رفعي الفلوجة )
 
 
وفي نفس  القصيدة يصوِّر الحال الذي آلت إليه مدينتُه كجزءٍ من العراقِ المحتلّ من قبلِ قوىً عديدة ٍ تتقاسمُه وتعبثُ بمقدرّاته :
 
( الشائع في جزارة الرأي ..
أننا نؤسس لمذابح الأمكنة  أشلاء
مآخوذين بحواجز المنع ، كأسمنت بشري
هواجسنا المفخخات ..ورسائلنا الرصاص
 نتبادلها بدموع باردة .. فالهوى شمالي ؟!
 هكذا .. الكل مجرور بالتبعية
 لكنني رجل ..أحلق كشيخ الصقور
بعينين من لظى وشارب نظيف
وفي جعبتي وطن ..
يعلم السماوات ، أبجدية  الآلهة
سل الحواريين عن لعبة الحوار
الحقيقة مقصلة البراءة  دائما
فياليتني تعثرت بالبكاء ..
وظل وجهك جوازي
فأنا الآن بدون برهان ..
أطلق الأسى كلاعب ، أضاع الشباك
واستضافه العنكبوت بقبضة جزاء !!
الردى أرحم من المنفى ، في تلاوة الحريم
فالغيمة تشق صدرها الريح .. لتسقي )
أنا  ظامىء ، وأجادل السماء بزرقتي
 أعزل وتخافني المنايا
وبكسرة امرأة أزلزل العروش
وأرقص على زانة الحلم
فيا حسرتي على مرضعة
أضعتها بين زمزم والحليب !
وضعت خديجا بين ” زمزميتين ”    ) …..  (ص 100 – 102)
 
وهنا أقترحُ أن تؤخذَ هذه القصيدةَ في دراسةٍ منفصلةٍ ففيها الكثيرُ من وَجَعِ العراقِ الذي سترويهِ وتتحَدَّثُ عنه الأجيالُ القادمة.
 
وفي  قصيدة   ” دمعة على عرش”  (ص 115) يتحدَّثُ عن مُدنِهِ  الباكيةِ بقوله:
 
(تلك مدني الباكية
تحت خيمة البيت الأصفر
والرأي الأحمر،  ورمال الربع  الخالي
بقايا أجساد ،  تعرف ما..
بحقيبة ( البابا ) من شهادات ختان
لفرسان الذهب الأسود .. !!
لعله  .. يعرفني من وشم الفلوجة
ويخشى  عمى الألوان في دمي
فأنا ..
ممهور ب ( الإرهاب )
وعلى جبهة الشمس صليبي..
دليل إدانة ..؟!
 وهذه القصيدةُ (دمعة على عرش)… (ص 115 –  124) فيها من العمقِ  ما يحتِّمُ تناولَها في دِراسةٍ مستقلَّةٍ؛  وقد تجاوزتُ التطرُّق لتفاصيل أدَقَّ منها ، لما لها من الأهمِيََةِ ،  تجنُّباًً للقصورِ في إيفائِها حقِّّها إن لم تُعطَ المساحةََ  الكافيةََ والتحليلَ الوافيَ لسبرِ ما فيها من رموزٍ  وتفاصيلَ عن وجعِ العراقِ ومحنتِه ومحنةِ من حَمَلَ هويًّتِه.
 
المرأة والمدن في الديوان:
 
يُخَيَّلُ إليّ وأنا أقرأ لفائز الحداد أنَّ المرأةَ في شِعرِهِ هي المدنُ التي تسكنُ روحَه، تضاجِعُ أحلامَه، تثيرُ شَجنَه، تدِرُّ دمعَتَه، وتمسِكُ بزِمامِ الوحيِ في شِعرِه…  جسدُها في شِعرِهِ هو الروحُ المقدَّسَةُ التي تسرِي في عروقِهِ، وحينَ يتَّجِهُ إليها ببصَرِهِ وحواسِّهِ فهو يتوَجَّهُ بابتهالاتِ الروحِ نحوَ محرابِها الذي لا يقترِبُ منه إلاّ المطهرّون؛ وهو حينَ يقترِبُ من تفاصيلِ جسدِها،  فهو يسبِّح آياتِ الله في بَدِيعِ خَلقِه.
 
فأيُّ مدينةٍ هذه التي يناغيها بقولهِ:
 
(فيا البلورة الجارحة..اجرحي ..
يا صبا الندى ، وصاب الانتحاب
ويا فرزانة  النساء  العاصية
على ملوك الشرق
أي سرّ .. هذا الذي تملكين
وأي بوصلة ضياع ..
لكِ في منفى الجراح ؟!!
أسعى إلى سراب ظلّك ..
مثل ذبابة فوق خارطة
فأتلاشى في مجاهيلك غربا
هل سأهتدي ..
إلى صهباء لذّتك الحرام
وأزهر كالمرافيء بآخر فنار ؟
إليك ِ وحدك ،  رجع الجنائن
مهما تآجل الطلع
ودون أجفانك ..
تتهاوى الأحلام .. نذرا
وتنتحر الزهور !! (ص  96 _ 97)
 
وهي التي يتحدَّثُ إليها بلغتِهِ الفريدةِ قائلاً:
 
(في حديث الأصابع ، وارتعاش المسامات
فمنذ ألف سكّرة وقبلتين ..
ألفت الخيط ، ما بين القات وزمزم !!
سالكا سبيل القرى… إلى وشم الجيد
هنالك فقط ، تصهل أنفاسي
وأضيع في لهيب اللهاث)    …..  (ص 95)
 
وأيُّ لغةٍ تلكَ التي يدَّعي أنَّه لا يجيدُها؟
 
(قد لا أجيد الكيل بالقبل
كعهد بدوي ، شرارته امرأة
تجهل طعنة الرمال …
فأنازع الأذى بلجة الصبر
لكن النهر بعض صباي ..
يرتّل تعاويذ الحفيف على كتفي
ويبلّل وجنتي بدم الكروم !!)  ….  (ص 96)
(من قصيدة إجلالاً لسيادة النهد )
 
 
••       إباءُ الرَجُل في الديوان:
 
رغمَ الانكساراتِ التي تتركُ شظاياها مبعثرةً في أرجاءِ  وطنِه وقد تكالبت عليه الضمائرُ المعلولةُ والمطامعُ والمعاولُ، يقفُ الرَجُلُ البدويُّ ممسِكاً بشظاياه مقاوماً التصَدُّع  بكل إباء؛
 
 فكما يظهرُ إباءُ الرجلِ عندَ ذِكرِ الفلّوجة بقولِه :
 
(لكنني مبتدأ .. مرفوع الرأس
وعلامة رفعي الفلوجة)  …. (ص 100)
 
ثمَّ  في قوله:
 
( أعزل وتخافني المنايا
وبكسرة امرأة أزلزل العروش
وأرقص على زانة الحلم)
 
فهو يعاوِدَ الظهورَ في مواضِعَ أخرى حينما يحزُّ الوَجَعُ جوانِحَ الشاعِرِ كما في هذا المقتطف:
 
( هكذا .. الكل مجرور بالتبعية
 لكنني رجل ..أحلّق كشيخ الصقور
بعينين من لظى وشارب نظيف
وفي جعبتي وطن ..
يعلم السماوات ، أبجدية  الآلهة )           (ص 100)
 
 
 ويظهَرُ الإباءُ  كذلِكَ في  المقطع ِالتالي من قصيدة ِ “خريف الخدج”  (ص 9) ، وهو يقول:
 
(تلك سفني .. نجوم
 تتشظّى بين أصابعي
فأتماسك كمرآة متصدّعة
كي لا ترى انكساري)
 
 
ثمَّ في قصيدة “أنت  .. ثم ابتكر الله الكروم”  (ص 33)
 
(أرفضني سحورا يبرد ، في إناء الرهس
أرفضني سحورا لليلك الأخير ..
 وخمرتي مبعثرة الجهات .. لا تنام)  …  (ص 33  )
 
 
انكساراتُ الرَجُل:
 
 انكساراتُ الرجُل لم تمرّ دونَ تدوينٍ من فائز الحداد ؛ فهو كما فعلَ في إظهارِ الإباءِ سواءً في الحبِّ أو في الصراعِ بعيداً عن الوَطَن صور الانكسار؛ وانكساراتُ الرَجُلِ تظهَرُ على أشدِّها في قصيدةِ ” سيد الآثام الجليلة” (ص 38) :
في قوله:
 
(الردى أرحم يا صاحبي ..
 من الصيام عن حجة الوطن
أو التسول على مطابخ السفارات !!
أزاحم الكلاب فتنة القطط..
وأحلم بطبخة لجوء لا تعري هزائمي ؟!
لقد كنت جميلا .. يوم كان لي وطن جميل
ولم تكن المسافة ..
 بين الحلاج والبصري.. إلا  قدح ماء
 أضعتها .. وصرتُ الأعزل في القافلة
 كملك خصيّ .. أحرق المحراب بتاريخ مدان
وأبكي شهادة ميلادي .. بضمير مستعار)
 
وكيف لا ينكسِر الرَجُلُ وهو يئِنُّ حاملاً وَجَعَ وَطَنٍ جَرِيح؟ وخيرُ دليلٍ على ذلكَ قولُه:
 
(وما من شيء يوجعني .. إلاك
كدمعة ملك على عرش
فنحن ملوك  .. ونهبنا ..
آآآآآآآآآآآآآآه .. ياعراق
أطلقها بحجم جرحك ، والذاكرة الذبيحة
فاكتب مرثيتي في الودائع المؤجلة
أكتبها أرجوانية اللون .. فلك زلزال
لاتدركه الجثامين القادمة
ولا قبّعات من ضاعوا كبول الخيول)
 وكما يقولُ في المقتطفِ التالي من قصيدةِ “تراتيل كهرمانة”  (ص 48)
 
(فأوقدي ما أطفأه السجّان في جسدي
واعتقي مسافة الوهم بين قبلتين
 لأموت كالحطاب فوق فأسي
 وإصبعي مابين نابين ..
آه لم أشر إليك بي ، ولا للطبول بكتاب
 لم أشر إلى الضامرات بدمعة كأس
وضعت بين شقتين أستأنف الخمرة بجرح
 و أتساقط بلا حياء
ليتني تعثرت بالبكاء يا بغداد
وظل وجهك  جوازي
 فأنا الآن بلا برهان .. بلا عين تجادل
بلا تفاحة ، قضمناها معا ..
 وعدت بحبة منها ، جمرة على شغاف
أطلق الأسى كلاعب أضاع الشباك
والبرد يلسعني كشظايا الزجاج
ألوذ بالرفض كطير ذبيح ، وجنحي ضائع المدى
 وما من ضلع يلغي الحواجز حول عشي)
 
 
وحينما يغضب الرَجُل:
 
ويظهرُ الغضبُ بزواياه الحادَّةِ وبتعابيرَ قد لا يجدها البعضُ مما يلائِم الرِقَّةَ المفتَرضَةَ في اللغةِ الشِعرية؛  ولكنَّه الغضبُ،  وقد صوَّرَهُ غيرُهُ من الشعراءِ بتعابيرَ أكثرَ حِدَّةً فيما وصلَ من  الشتائِم أقصاها ، إلاّ أنَّ فائز الحداد يدخِلُها كجزءٍ من الصورةِ البشِعةِ لما يريدُ تصويرَه للقارئ،  وهناك عددٌ منها في الديوان ، ومثالُ ذلك قولُه:
 
(دع الليل .. لمن دالت خيمته غجريا
لذّته ..ما تلد النساء من خناجر
يزكمن الأنوف بعرق الإبط
وينمن على مبولة الجيوب
فبل .. وقل ذي إفصاحة طفلٍ
 حين يتشهى ) …..    (ص 6)
 
 
و ماذا بعد؟
ما وجدتُه خارجاً عن نمَطِ الديوانِ هو ما جاءَ في المقتطفِ التالي الذي وَرَدَ  في  نصِّ “رواية قصيرة جداً”؛
 فقد بدا لي وكأنَّه استِرجاعٌ لذكرى أو  لواقِعٍ،  فهو لا يشابِهُ أسلوبَ فائز الحداد الذي قرأناه في هذا الديوان، وربّما وجدَ طريقَهُ للديوانِ من خلالِ الخلفيَّةِ الفنيَّةِ للشاعرِ التي لم يِشَأ أن يبخلَ ببعضٍ من فيضِها على القارئ؛
بدا لي وأنا أقرأ هذه الأبيات وكأنِّ فائز الحداد قد أمسكَ عُودَه وانطلقَ يغنّي:
 
 
( يا لشامة الجيد التي ودعتها بحمرة الوجد
ياما غنيتت لها ..
  يا شامة في الجيد يقطر خمرها
                         للآن يقطر خمرها ع الجيد
  ماغردت شفتي وبلبلها انتشى
                          إلا وثغرك  خمرة التغريد )
وهذا النموذج يدلُّ على أنَّ فائز الحدّاد متعدِّد الجوانِب والمواهِبِ ، كماسةٍ لا تكتمل رؤيتها إن أنتَ أطِلتَ النظرَ إليها من حيثُ تقف، وما عليكَ إلاّ النظرَ إليها من زاويةٍ أخرى كي ترى ما غاب عن ناظِرَيك.
 
 
الخاتمة:
 
في الختامِ أودُّ أن أشيرَ لبعضِ ملَكاتِ الشاعرِ فائز الحداد التي تمكِّنُه من أن يقفَ بثقةٍ في طريقِ التميُّزِ الذي عُرِفَ به ويسيرُ فيه بخُطىً ثابتة:
معرفَتُه وإحساسُه الخاص بجرَسِ الكلِمةِ والإيقاعاتِ الداخليَّةِ للجُملةِ الشِعرِيَّة، وهذا نابعٌ من كونِهِ متذوِّقاً للموسيقى وملمَّاً كلَّ الإلمامِ بالمقاماتِ الموسيقيَّةِ التي تحكمُها،  إضافةً إلى كونِهِ عازفاً مُجيداً لآلةِ العود؛ وهو حين يكتبُ جُمَلَه الشِعرِيَّةَ إنَّما يصغِي لمَشورَةِ أذنِهِ وإحساسها الموسيقيّ.  هذا إضافةً إلى إلمامِه الكامل بالبحورِ الخليليَّة،  فقد كَتبَ الشِعرَ العَمودِيّ في سنٍّ مبكِّرة قبل انتقالِه عمداً إلى حرَّية الشعر واختلافِه ليقودَ مدرسةً جديدةً في هذا المِضمار.
تمَكُّنه من اللغة ِالعربيةِ ومفرداتها يمكِّنُه من التلاعُب بالمفردةِ وتطويعِها ببلاغةٍ فائقةٍ لصياغةِ الصورة ِالاستعاريَّة التي يضمِّنُها المعني المقصودَ وتجسيدِ الفكرة التي يرغب إيصالها للقارئ في قالبٍ شعريٍّ متكاملِ البناءِ وخالٍ من الحشوِ اللغوي المكرَّر والمباشَرةِ الممجوجة، وبأسلوبٍ سلسٍ ، وفي الوقت ِ ذاته لا يخلو من التعقيدِ والغموضِِ المحبَّب الذي يرسل بالفكرِ محلقاً في عددٍ من الاحتمالاتِ دونَ إجهادٍ كبيرٍ ودونَ أن يشطَّ بعيدا عن الحيِّزِ الذي أرادَ الشاعرُ أن يرسلَ بِه إليه. بلاغةُ التعابيرِ وتركيباتها تتغلَّبُ في شعر فائز الحداد  على التعقيد فيها،  وقد اكتشفتُ ذلك عند ترجمتي لقصائدِه وأوَّلها قصيدةُ “الجنرالة” التي نُشرت في صحيفةِ المثقف مع مقدّمة تحليليَّة لها، وكذلك في ترجمتي لثلاثيتِه المقدَّسة التي ستنشر قريباً، والتي تضمُّ ثلاثَ قصائدَ يطوفُ  فيها الشاعرُ ما بين الذاتِ والحبيبةِ والرموزِ الدينيةِ والتاريخيةِ بالمغزى الذي يرسمُه هو لها.  وجدتُ أنّه على خلافِ الشعراءِ الآخرين الذين يتلاعبونَ بالمفردةِ بشكل لغويٍّ بحتٍ مما يضعفُ القصيدةَ في الترجمةِ إلى حدِّ الهزال، فهو يطوِّع المفردةَ لتعميقِ المعنى مما يعطي الترجمةَ القوةَ التي أرادها أساساً  لصورِه الشعريّة، شريطةَ أن يتعمَّقَ المترجمُ مع المفرداتِ والجملِ الشِعريَّة  و يغوصَ كصيّادِ اللآلئ في عمقِ معانيها.
امتلاكُه ثروةٍ ثقًافيةٍ وتاريخيةِ  تمكِّنه من استعمالِ رموزٍ تاريخية لها دلالاتها المتميزة في سياقِ قصائِدِه مما يجعلُ فهمَها لمن تقصرُ ثقافتُه عمّا لدى فائز من ثقافةٍ  في حين يدركُ من يوازيه ثقافةً عمقَ معانِيه وترميزاتِه.
امتلاكُه الجرأةِ الأدبيّةِ لاقتحامِ تعابيرَ قد تمثِّل تحدِّياً للمعتقدِ السائدِ وكسرِ التابوات التي لا يجرؤ الكثيرُ من الشعراءِ  التقرُّبَ منها ويكتفونَ باللفِّ والدورانِ حولَها باستعمالِ تعابيرَ كلاسيكيَّةٍ تحيلُ نصوصَهم إلى هياكلَ خشبيَّةٍ لا نَسغَ فيها رغمَ الزخرفاتِ والنقوشِ التي تحتويها.
الديوانُ يحتوي على عددٍ لا يستهانُ به من القصائِدِ التي تستحِقُّ الوقوفَ عندَها ودراسَتَها دراسةً نقديةً مستفيضةً لما تمثله من اختلافٍ عمّا سَبقَها من التجاربِ في التجديدِ في ضوءِ الحركةِ التي يقودُها الشاعرُ فائز الحداد تحتَ مسمّى “حركة اختلاف.”
لدي القناعةُ التامَّةُ أنَّ هذا الديوانَ سوف يخضَعُ لأكثرَ من دراسةٍ من النقّاد المهتمَّين بحركاتِ التجديد، ولكنّي أيضاً أتمنّى ، بل وأنتظرُ من الشاعرِ فائز الحداد أن يقدِّمَ لنا أكثرَ من بحثٍ في تجربتِه الشِعريّةِ الحديثةِ ؛  فالشاعرُ هو أفضلُ العارِفينَ في تجربتِه والأسسِ التي يقِفُ عليها بنيانُها، فهناك الكثيرُ من الخفايا ومحاورُ الاختلافِ عمّا سبقَها من التجاربِ التي على أساسِها استحقَّت أو تستحقُّ أن تسمّى مدرسةً والتي قد لا يراها الناقدُ بمحدوديَّة معرفتِهِ بمثلِ هذه التجربةِ أو بحكمِ ولاءاته للسائِرِ والمُعتاد.
 
و كما يقولُ فائز الحداد نفسه: “لا خيرَ في شاعِرٍ لا يستطيعُ الدفاعَ عن مشروعِه !”
وأختتم بقولي:
إنَّ فائز الحداد شاعرٌ يكتبُ بمدادِ روحِهِ ومعانِيه لا بصنعَةِ حروفِهِ وقوافِيه!
**********
 
________________
لم تكن هذه ضمن خربشاتي بعد منتصف الليل!
 
حرير و ذهب (إنعام)
الولايات المتحدة
 
ِAugust 8, 2011

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.