د. قيس كاظم الجنابي: ثلاثية السراب الأحمر (التاريخ السياسي والسيرة) (ملف/13)

-1-
جاء عنوان الجزء الأول من هذه ثلاثية (السراب الأحمر) لعلي الشوك ،مع عنوان ثانوي هو( سيرة حياة هشام المقدادي) مذيلاً بنهاية هذا الجزء بهامش يشير الى أنه بدأ بكتابة هذا الجزء يوم 2/6/ 2006م،وتوقف في نهاية أيلول 2004م، وفرغ منها في 12/ 6/ 200م. ثم راجعها بين تموز وأيلول 2005م. أما الجزء الثاني فكان بعنوان(مثلث متساوي الساقين) متبوعاً بالعنوان الثانوي الذي ذكره في الجزء الأول، وهو(سيرة حياة هشام المقدادي)، وكذلك سيفعل في الجزء الثالث؛ مما يجعل العنوان الثانوي مهيمناً على سيرورة الرواية بوصفها رواية سيرة.
وقد أشار في الجزء الثاني الى أن هذا هو امتداد الى الجزء الأول وأنه بدأ بكتابته في 15/ 9/ 2005م وفرغ منه في 30/11/ 2005م مع الاستفادة من بعض الأوراق التي كتبها في عام 1980م، أما الجزء الثالث فكان عنوانه (زنابق بين الألغام)، أشار فيه الى أنه جزء من مشروع روائي وأنه كتبه بين 23/7/ 2007 -6/7/ 2007م.
والعنوان الثانوي الذي لازم الثلاثية، يشير الى أنها رواية سيرة، ولكن ليست رواية سيرة ذاتية؛ ذلك أنه سردها عبر ضمير الغائب(هو)، بالرغم من كون مصطلح رواية قريب جداً من مصطلح (السيرة الذاتية) وهذا الأخير قريب جداً من كلمة (السيرة) ؛ مما يسمح بالخلط بينهما.(1)

-2-
في الجزء الأول (السراب الأحمر) من سيرة علي الشوك الموضوعية، ثمة اشارة الى (سراب الحركة الشيوعية في الحصول على السلطة في العراق)؛ وفي هذه الرواية التي يبدو الكاتب علي الشوك فيها متحفظاً وسارداً ثقيل الحركة في تقديم صورة موجزة عن تاريخه السياسي، فهو يكرر الكثير من الأحداث ويعود الى علاقته ببعض الشخصيات، معتمداً على أسلوب سردي لا يرقى الى مستوى كتابة الرواية؛ لهذا وضع العنوانات الثانوية لتقليل الصدمة على القارئ المحترف ،ولربما كان الكشف عن اسمه وسيرته الذاتية الحقيقية من الصعوبة بمكان بالنسبة له ، لهذا استخدم المراوغة في تدوين هذه السيرة، وهي مراوغة ربما أساءت الى عمله هذا بوصفه سيرة أو رواية معاً، وقد سلسل فصول الجزء على وفق ترتيب تسلسل الأرقام، بصفة فصول كما فعل في الجزء الثاني، متخذاً من ضمير الغائب وسيلة في السرد مع أن استخدام ضمير المتكلم يعد مصدر راحة للكاتب في مجال كتابة الرواية ،لأنه أسلوب يتكون على هواه، ولأن البطل يمنح القصة وحدة غير قابلة للانفصال بمجرد عملية سردها.(2)
ويضع الكاتب الكثير من رفاقه في الحزب الشيوعي العراقي في موضع الاتهام، ويكشف عن علاقته بهم وعن ظروفه الخاصة ولقائه بداليا اللبنانية التي سيتزوجها فيما بعد، ولكن السرد الروائي لديه يتحرك على هواه ،وهو يتحدث عن سيرة هشام المقدادي، فقد كشف عن زواجه الأول من (كارين) ثم موتها وزواجه الثاني الفاشل من (سهام) الذي ترك نُدباً في حياته لن ينساها” وكان ذلك في النصف الأول من عقد السبعينات ، الذي اتسم بتسامح نسبي من السلطة، هو في حقيقة الأمر محاولة لإزالة اللطخة السوداء التي شوهت سمعة حزب السلطة في السنوات الماضية(…) عاد هشام تاركاً ابنه زيد مع والدي أمه كارين ليواصل دراسته في الولايات المتحدة”.(3)
وهذا ما يكشف عن رغبة البطل أن يبقى قريباً من المرأة ، مع اهتمامه بإشباع رغبته الجنسية، كما يبدو ذلك من سرده لسيرة المقدادي لما بعد الجزء الأول، بعد أن ترك توظيفه للأحداث السياسية والتاريخ السياسي للعراق، حيث يبرز التاريخ السياسي محكوماً بعقدة الجسد/ الجنس، وأن المنتصر فيه لابدّ أن يثبت رجولته فهو لا يشعر بانتصاره الا اذا تفوق من هذا الجانب.
أما الجزء الثاني من هذه السيرة، فيتناول سيرة هشام المقدادي بعد هجرته وسفره الى البلدان الاشتراكية، بعد تعرضه الى مضايقات عديدة خلال عمله في الجامعة بصفة استاذ متخصص بعلم الاحصاء، اذ تبدأ رحلته في مطار بغداد فيلتقي بالدكتور علي جواد الطاهر، وزوجته فخرية الصفار، ثم يستقر مؤقتاً في مدينة (براغ) عاصمة تشيكوسلوفاكيا، وهذه السيرة بالرغم من كونها سيرة موضوعية يسردها عبر ضمير الغائب الا أنها تنطلق من منظور ايديولوجي يمثل فكر علي الشوك نفسه، فهو يناهض الأحزاب والسلطات التي حكمت بعد مصرع عبدالكريم قاسم حتى الاحتلال الأمريكي للعراق.
وفي هذا العمل السردي يتمازج السرد مع التاريخ في تكوين رؤية ومسار سياسي خاص يهتم بسيرة الكاتب وحركة الزمان والمكان ؛ فبالرغم من كون العمل هو عمل سردي روائي له ضوابطه ومستلزماته ،الا أن الكاتب يخرق هذه الضوابط لكي يتابع حركة هذه الشخصية التي يعدها صورة من صوره بشيء من الأنا، وعدم الالتزام بالضرورات الفنية، كما في قوله:” قبل اغلاق الطائرة ،وقع بصر هشام ، في صالة الانتظار ، على وجوه معروفة لديه بين المسافرين. كان بينهم الناقد الأدبي والاستاذ الجامعي الدكتور علي جواد الطاهر وزوجته”.(4) ولكن الكاتب حاول أن يغيّر بعض أسماء الشخصيات، كما فعل مع شخصية (أبي گاطع) واستبدلها بـ( أبو ناصر)، كما أنه كشف عن عمليات التعذيب التي لحقت بكوادر الحزب الشيوعي العراقي كالدكتور خليل عام 1963م، وعما حدث لداليا من تعذيب وحشي واغتصاب، كما كشف عن طبيعة شخصية بطل السيرة هشام المقدادي بما اتصفت به من التقلب وايثار المصلحة الشخصية ونسيان أقرب الناس اليه ،بما في ذلك زوجته ،كما حصل في (السراب الأحمر) وكذلك حاله مع صديقاته وعشيقاته؛ فكان يضرب الواحدة بالأخرى، مستغلاً صفة الغيرة لدى النساء.
لقد كانت علاقة (هشام) مع (أولريكا) علاقة جسدية في بداية دخوله مدينة (براغ) وكان ينام معها في فراش واحد ،مع أنها كانت متزوجة من (يوهان) المصاب بمرض خطير سيؤدي الى وفاته لاحقاً، وكانت لا تخفي انبهارها به كرجل شرقي يوفر لها المتعة الجسدية؛ وهذا يشير الى ضعف جانب الالتزام الايديولوجي لديه واستفحال الجانب المصلحي والنفعي؛ كما كان (يوهان) بسبب أزمته النفسية ومعرفته بعلاقة زوجته مع هشام يكتب بعض النصوص التي تعبر عن وضعه النفسي والجسدي ، فقد وصفها بأنها” جنون .. جنون بصيغة نثر، وشعر، وقصة حتى رسم من أجل زيغريد .أنت تدري ، مريض وملازم الفراش أربعاً وعشرين ساعة، وبعيد عن الأهل .. المهم ،أن هذا الخطاب الطويل ،أو الاعتراف “.(5)
لقد كان (يوهان) يشعر بالإهانة من هذه العلاقة ؛ لهذا كانت ( أولريكا) تقول لهشام على لسانه أنه كان يمسح دموعه ويقول:” أنه لا مانع لدي مطلقاً في أن يزورنا هشام، ويقيم في بيتنا ما شاء له أن يقيم”.(6)ومن هذا المنطلق يمكن النظر الى هذه السيرة بوصفها نوعاً من الاعتراف غير المباشر لعلي الشوك نفسه، وبأنها تداعيات كتبها في فترات مختلفة.
في الجزء الثالث المعنون (زنابق بين الألغام) الذي كتبه بين 23/2/2007- 6/7/ 2007م، والذي يبدأ من بداية التسعينات، بعد أن خصص الجزء الثاني لمرحلة الثمانينات، مستمراً في سرد التاريخ السياسي حيث يزور بلده مع زوجته (داليا البارودي) اللبنانية الأصل؛ بينما كانت ابنته (شهرزاد) متعلقة بأخيها غير الشقيق( زيد) بشكل يوحي بأن المقدادي تزوج ثلاث مرات ماعدا مغامراته النسائية؛ فقد كانت (داليا) في عام 1990م في أوائل الأربعين من عمرها.
ويبدأ هذا الجزء بحصول كابوس للطفلة (شهرزاد) فتنتفض من نومها لتدخل غرفة والديها فتشاهدهما عاريين يماسان الجنس فتهرع الى أخيها (زيد) مما يشكل انتهاكاً للمسكوت عنه في العلاقة بين الرجل والمرأة، فيستمر في حشو الرواية برؤى وأفكار معرفية حتى الفصل الرابع، حيث يتحول أسلوب الرواية من السرد الاعتيادي الى بناء ما وراء السرد من خلال يوميات (داليا) عبر ضمير المتكلم (أنا)،ومحاولاتها في كتابة رواية عبر ضمير الغائب، مما يشكل ارباكاً حقيقياً للقارئ حيث يصبح لديه ثلاثة ضمائر ساردة( سرد اعتيادي هو استمرار للجزأين الأول والثاني عبر ضمير الغائب، وسرد على لسان الغائب يمثل مشروع داليا في كتابة رواية، وسرد على لسان المتكلم يمثل يومياتها)، يستمر في حتى نهاية الرواية وهو نوع من السرد باستخدام بنية (المخطوطة) أو الميتا سرد.
يساند ذلك قراءات الكاتب لبعض الكتب والروايات والمسرحيات، بحيث يبدو التاريخ السياسي مضمراً غير مصرح به ،ولكنه من خلال مشروع (داليا) ويومياتها يجسد تأثير الحرب النفسي على النسق الاخلاقي الذي كان العراق يعيشه بسبب الحصار وسياسة السلطة، حيث ترد العديد من الاشارات الى تفشي الانحراف ؛ كما في اشاراته الى تصرفات بعض بنات الجامعات.
وقد حظيت الرواية باهتمام الكاتب بالموسيقى والسينما، وبالمواقف التي تشير الى علاقة الاحتلال الأمريكي بالعراق ؛ فقد شارك هشام عام 1991م فيما يسمى بميثاق 1991م،ولكنه امتنع عن التوقيع لأنه يتضمن فقرة تمثل وجهة نظر الغرب حول العراق ،وهي مطالبة الحكومة العراقية ” بإلغاء الجيش ،انطلاقاً من أنّ كان أداة قمع لجماهير الشعب ،وهو منطق لم يجده هشام مقبولاً، لأن الجيوش وجدت للدفاع عن تربة الوطن، هذا الى أن من المخالفات لطبيعة الأشياء أن يطالب العراق وحده ،ومن دون بقية الدول، بإلغاء جيشه”.(7)
و لا تخلو الرواية من مواقف وآراء نقدية يمثلها موقف وثقافة الكاتب كإشارته الى موضوع (السرديات الكبرى) التي انهارت مع انهيار الأنظمة الاستبدادية وسقوط جدار برلين.
-2-
يحيل التاريخ السياسي للعراق منذ ثورة 14 تموز 1958م، وحتى نهاية الثمانينات الى صراع دموي بين التيارات والأحزاب ، وقراءة التاريخ بوصفه أدباً /سرداً روائياً، يربك في غالب الأحيان البناء السردي للرواية، ويجعلها مجرد مشجب لرواية الأحداث وتكرارها، وخصوصاً وأن العراقيين المنفيين ميالين الى تجسيد تاريخهم الشخصي أكثر من تاريخ بلدهم، ولديهم نزعة ثأرية بالكتابة يعتقدون من خلالها أنها ضرورة تطهيرية ، وكأنهم لا يعلمون أن التاريخ يمكن أن يكتب بصفة مذكرات أو مصنفات أو استذكارات وليس بشكل روائي؛ لهذا لن أتحدث عن الهفوات الكثيرة التي لحقت بالرواية نتيجة إصرار الكاتب على تسويق هذا الأسلوب ،لأن البناء الروائي تعرض للكثير من التصدعات، وان حاول التقليل منها من خلال توظيف الموسيقى والسينما والأحلام، كروافد لشدّ عرى البناء السردي، لكن استخدام أسلوب ما وراء الرواية( الميتا سرد) جاء تعبيراً عن وجود أزمة حقيقية في كتابة النص الروائي نفسه، لحدوث تداخل بين محورين أو مؤثرين ، كما في أشارته الى يوميات يوليوس فوتشيك (تحت أعواد المشانق) وحديثه عن رواية (موبي ديك) وعن العجوز الصينية ، وذكره للعديد من التصانيف المؤلفات من المسرحيات والروايات؛ والحقيقة أن أسلوب التلميح غير المستند الى نصوص طويلة لا يغير من المسألة شيئاً.
يفترض نقاد السيرة أن من شروطها أن ” يكون النص حكياً قبل كل شيء، غير أننا نعرف المكانة التي يشغلها الخطاب في السرد الاتوبيوغرافي، كما أن المنظور الاستعادي بالأساس لا يقصي مقاطع من الاتوبورتريه، ويومية خاصة بالعمل المنجز أو بالحاضر المزامن لتحريره، والبناءات الزمنية الجد معقدة، كما يجب أن يكون الموضوع أساساً هو الحياة الفردية وتكوّن الشخصية . غير أنه يمكن يشتمل الى جانب ذلك على التعاقب والتاريخ الاجتماعي أو السياسي .فالأمر يتعلق هنا بمسألة تناسبية او بالأخرى بمسألة تراتبية : اذ تقام بالطبع عدة تبادلات مع باقي أنواع الأدب الشخصي (مذكرات ، يومية، مقالة)،وتبقى للمصنف حرية معينة في فحص الحالات الخاصة”.(8)
وفي الجزء الثاني( مثلث متساوي الساقين) تكشف الرواية عن علاقتها بالتاريخ السياسي منذ أواخر السبعينات حتى نهاية الثمانينات تقريباً، ولكن التاريخ يبدو مقحماً ويميل الى المباشرة، فيحاول الكاتب اكماله بالجانب المعرفي، حتى يعطي الرواية طاقة معرفية، وحضورية مهمة، ويجعل من سيرة الشخصية رصيداً وافراً من المعرفة والوعي، كما في سرده عن شخصية (هيلما) صديقة طارق الصراف والتي أنهت الدكتوراه في لايبزك في الأدب الفرنسي ، فكانت أطروحتها (حول نظرية الرواية الجديدة في فرنسا) التي كان ألن روب غرييه من أبرز ممثليها، حتى كانت حواراته يطغى عليها الجانب المعرفي ، كما في حوار هشام مع يوهان.
لقد استحوذ بناء (الميتا سرد) على مشاهد كثيرة من هذه الرواية، من خلال استذكار الكاتب للكثير من المعارف لشحن الرواية بقوة معرفية وابعادها من الملل والرتابة، ولكنه ولضرورات معينة لم يفعل ذلك في الثلث الأول منها، ومن ثم انطلق باستخدام الرسائل المتبادلة بين الشخصيات ،مثل رسائل (أولريكا) لهشام ورسائل هشام لها، وقد احتوت هذه الرسائل على جانب معرفي مهم، واستطاعت ان تكسر نمطية السرد الرتيب ،وأحداث حركة حوارية داخلية في بناء الرواية ؛ لهذا شاهد هشام(أولريكا) تبكي وهي تقرأ رسالته بعد ان طلب منها” أن تضع علاقتها مع يوهان في المقام الأول ،والاّ تفرط بحياتها العائلية”.(9)
وهذا ما نقل الرواية من السرد المباشر الى مديات أخرى، كما أسهمت القراءة في زيادة ثقافة البطل وقدرته على التعبير عن وعيه ومعرفته بتاريخ بلده المعرفي ،كما في اهتمامه بملحمة جلجامش وقراءته لرواية نابكوف (لوليتا) وانبهار صديقته بها والتي وصفتها بأنها تشبه اعترافات قديس ،وتطلعه الى معرفة التصانيف التي كتبت باللغة الانكليزية عن آثار الشرق الأوسط، وكتب الفلسفة والأدب، وكذلك اشارته الى مخطوطة (درة التاج) وكيفية تحقيقه ؛ مما يشير بطريقة ما الى أسلوب (المخطوطة) في كتابة الرواية، مثل اهتمامه بمجموعة (تورغنيف) القصصية و”يوميات صياد”، وروايتي “أنا كارنينا” و”البعث” لتولستوي ، وحديثه عن الحضارة السومرية وبحثه الموسوم(الرياضيات منذ فجر التاريخ وحتى هذا اليوم)،وقد تزامن هذا الحشد المعرفي مع تقنيات معينة مثل التوسل بالسينما والموسيقى والاحلام والرؤى والمسرح، وكذلك متابعته لشخصية فردوس معلمة الموسيقى التي كانت تدرِّس البيانو في مدرسة الراهبات ،وعلاقته بالشابة اليهودية( شولاميت) التي كانت مغرمة بالموسيقى ،وهو هنا يحاول ان يوازن بين ما هو تاريخي وما هو معرفي وما هو جسدي وخصوصاً في الجزء الثالث.
لقد نال الجسد اهتمام الكاتب في معظم أجزاء الرواية الثلاثة، وهو يحاول جاهداً أن يتجاوز الممنوعات الثلاثة (السياسة والدين والجنس)؛فأشار الى الشذوذ الجنسي والاغتصاب والاتصال الجنسي بطرق شتى، مثل قيام بعض الأزواج غير المنجبين بتلقيح نسائهم بمني رجال آخرين، وفض البكارة والملامسات، كما في حديث البطل عن زوجته الثانية بأنها كانت مجرد بغي/ جسد يتمتع به؛ لهذا كان زواجه بها فاشلاً، وكذلك حديثه عن صديقه (رمزي) وموقفه من المرأة في المجتمعات الذكورية” مشيراً الى أنّ عضوها هو سبب مشاكلها، ملتقياً هنا مع رأي سيمون دو بوفوار من المرأة لن تتحرر تماماً الا اذا تحررت من عضوها”.(10) ومهما يكن الجسد فإنه فضاء مكاني له صلة بالفضاء الزمني لأنه هو الاطار الذي تقع فيه الأحداث.(11)

-3-
ومن حيث بناء السيرة الروائية هذه، فإن نصوص الرسائل واليوميات في الجزء الثالث المتمثلة بيوميات داليا ومشروعها الروائي، تهيمن على السيرة، الى جانب السرد الاعتيادي الخارجي؛ بينما يعد الميتا سرد نوعاً من التوغل الداخلي في البناء السردي، لأنه يكشف عن خفايا البناء وتوجهات الكاتب المضمرة، وهي لعبة فنية عالية تكشف عن وعي حقيقي بالبناء السردي، ولكنه يصلح للبناء الروائي وليس لبناء السيرة، فقد بدأ برسائل متبادلة بين زوجته داليا وعشيقته السابقة في براغ (أولريكا)؛ وهذه الرسائل تشير الى التنافس الجسدي والصراع بين الشرق والغرب، فقد توفي زوج (أولريكا) وتزوجت شخصاً آخر؛ وهذه احالة الى تبدل النظام السياسي الذي كان سائداً في أوربا الشرقية بعد تصدع جدار برلين، وكذلك في زواج هشام من داليا البارودي اللبنانية وترك هشام لها عند أسرته في العراق؛ فالجسد يبدو احالة الى تبني الموقف السياسي حيث غدت صلة المقدادي بوطنه هامشية بعد عمله في أمريكا وبحثه عن وطن بديل عنه، فبعد ضرب الولايات المتحدة للعراق عام 1991م تعرضت مواقف الكثير من الشخصيات للازدواج مثلها مثل المواقف الدولية، فحتى (نبيل البارودي) الذي لم يكن مواقفاً على زواج ابنته داليا من المقدادي لأنه كان شيوعاً أصبح يحن للأنظمة الاشتراكية.
وكذلك كان حال بناء الرواية هذه تبدل نظام السرد فيها من المباشر الى غير المباشر، فقد نقلت يوميات داليا مشروعها الروائي من السرد الى ما وراء السرد، بطريقة تشبه الى حدٍّ ما المقارنة بين جسد (أولريكا) وجسد(داليا)، حينما كان هشام يشرح لزوجته مواطن الاثارة في جسد عشيقته، فقد كان الاحساس ينتقل من اللذة الجسدية المحتشمة مع الزوجة الى اللذة الجسدية الخالصة مع العشيقة(وهي اللذة الابيقورية)، لقد كان حوارهما على الفراش مثيراً لإحساس داليا الجسدي، كما في الحوارية التالية:
قال هشام:” أولاً، شعر العانة، أشقر صارخ، وناعم كالحرير.”
” وكيف، قل لي.”
” كنت ألامسه بشفتيّ ،وأحسسه بأنفي!”
“أوه، هشام، أنت تثيرني كثيراً.”
” كان ملمسه مذهلاً.”
“أوه، هشام.”(12)
ولعل هذا المشهد الحواري دفعها للكتابة حتى تعوّض عن احساسها بالغيرة ،وربما بالحرمان، ذلك لأنها تزوجت رجلاً أكبر منها سناً؛ فقد ” أصبحت داليا مسكونة بهاجس الكتابة، وأصبحت تشعر بأن أيامها ستكون أسعد وأغنى ، لكنها تعيش حياة أخرى أيضاً، هي عالم الرواية التي ستكتبها.”(13)
ومن هنا تحاول (أولريكا) أن تمارس الجنس الجماعي مع هشام بحضور زوجته داليا ،وكان الكاتب لمح في الجزء الثاني من السيرة الى أن (أولريكا) تجد متعة مع نفسها أكثر من وصالها معه.
-4-
كانت قراءات داليا المتعددة، تهدف الى اكساب الرواية جانبين مهمين :
الأول، معرفي لتزويد القارئ بأفكار ومضامين معرفية.
الثاني، سردي يهدف الى تطوير بناء الروائية السردي، وبعضه يهدف الى تكوين دليل لكتابة الرواية؛ فقد بدأت داليا بقراءة (موت أريتميو كروز)، ووصفها الكاتب بانها” من أجمل الروايات التي قرأها. وأشار الى أنه هو هشام ، كان قد ترجم لمؤلفها كارلوس فوينتس أقصوصة طويلة مما يدخل في باب الكتابات الجديدة”.(14)
وهذا القول يعد تنويهاً لولوج يوميات داليا في السيرة منذ يوم 11 تموز1991، وهو يشير الى قول داليا منذ البدء:” اذا استثنينا المقالات، والدراسات القصيرة، التي كان يُطلب منا كتابتها في (الجونير كوليج)، أنا لم أكتب في حياتي سوى مقالين ، ترجمها هشام الى العربية بقلمه الرشيق، ونشرا في احدى الصحف العربية(…) والمقالان هما تحت عنوان (انطباعات أفقية وعمودية في نيويورك)؛ و(مونبيلييه الثلاث)،وأظن أنني كتبت المقال الثاني بعد الأول بعام”.(15)
وتستمر داليا في سرد هذه اليوميات مع بعض الرسائل الأخرى ،أما مشروعها الروائي فهو يتبادل مع اليوميات حركة البناء بين ضمير المتكلم وضمير الغائب، فهما يتعامدان مع المسار الاعتيادي للرواية. وداليا تحاول استثمار قدراتها في كتابة الرواية ، من خلال الانفتاح على ممارسة الجنس، وخصوصاً النساء، كما في تورط لميس في ممارسة البغاء عن طريق الفم مع بعض الطلبة لقاء خمسة دنانير في زوايا الحرم الجامعي، وان كانت من أسرة موسرة.
و كذلك تتورط داليا في الكتابة فتصل الى طريق مسدود، ومن المحتمل أن يكون الكاتب كان ينوي كتابة رواية مستقلة، لكنه فشل في ذلك فأودعها في هذه السيرة مع يوميات داليا، لهذا تصرح داليا بالقول:” أشعر هنا أنني تورطت في اعطاء دور الليدي ماكبث الى عطارد. فهي لا تصلح لهذا الدور. بكل المقاييس”.(16) فلما عرضت ما كتبته قال لها هشام:” يبدو أنك غشيمة في فن الحبكة الروائية، يا عزيزتي”.(17)
لقد أشارت داليا في يومياتها الى طبيعة بناء الرواية ،وخصوصاً موضوع (الحشو) الذي قرأت عنه وهي تفسره بقولها:” أي أن هناك أحداثاً جوهرية في الرواية، وفي ما بينها يأتي الحشو. فهل اعتبر دور سوسن ،زوجة الاستاذ سمير، حشواً في عملي ،أم انه ينضاف الى الأحداث الجوهرية؟..”.(18)
وهذا يكشف لنا أن داليا وعلى لسان الكاتب تحاول أن توجه القارئ حول مشروعها الروائي، من خلال ثقافة الكاتب النقدية التي يمتلكها، كما أنها منحت الكاتب فرصة التواري عن الانظار والسماح لداليا بدخول معترك سيرة المقدادي، وهذا يشعر القارئ غير المحترف بتعدد الخيوط والمراكز المهيمنة، وخصوصاً عندما يوظف البناء السينمائي والميتا سرد والايقاع الموسيقي والأحلام، والاعتماد على أكثر من ضمير سارد، ولعل السبب في ذلك هو الانفتاح على أكثر من اتجاه وموضوع ؛ بما يوازي عصر الفوضى في العالم، لكن الكاتب يراقب الأحداث ويتدخل في كتابة بعض الفصول مع داليا ، لهذا تشعر بالحبور حينما تتمكن من كتابة فصل بمساعدته أو تدخله. ولكنها تصل الى نوع من التوزع حينما يدخل مازن الى الساحة ، ويصبح جزءاً من مدار الأحداث.
بيد أن هذا الأسلوب السردي يعقد حركة الرواية، ذلك أن الكاتب يمارس لعبة كتابة هذه كجزء من السيرة (بطريقة سرد الرواية داخل الرواية مرتين)؛ كنوع من احساسه بوجود عالم خيالي آخر غير هذا العالم، أي غير عالمه الذي يحاول من خلاله تسليط الضوء على الواقع العراقي من زوايا مختلفة، كما يفعل ذلك لكي يموه على القارئ ويتجنب قول بعض الحقائق التي يحتاجها فن كتابة السيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: السيرة الذاتية والميثاق والتاريخ الأدبي: فيليب لوجون، ترجمة وتقديم عمر حلي، المركز الثقافي العربي( بيروت- الدار البيضاء، 1994م )،ص52.
(2) صنعة الرواية: بيرسي لوبوك، ترجمة عبدالستار جواد، وزارة الثقافة والاعلام( بغداد، 1981م)،ص 124.
(3) السراب الأحمر: علي الشوك، دار المدى( دمشق، 2007م)، ص20.
(4) مثلث متساوي الساقين: علي الشوك، دار المدى (دمشق، 2008م)، ص 7.
(5) مثلث متساوي الساقين، ص 144.
(6) مثلث متساوي الساقين، ص 145.
(7) زنابق بين الألغام: علي الشوك، دار المدى(دمشق، 2009م)، ص 143.
(8) ينظر: السيرة الذاتية والميثاق والتاريخ الأدبي: فيليب لوجون ،ص23.
(9) مثلث متساوي الساقين، ص 121.
(10) السراب الأحمر، ص 215.
(11) ينظر: بناء الرواية، دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ : سيزا قاسم، دار التنوير(بيروت، 1985م)، ص102.
(12) زنابق بين الالغام، ص179.
(13) زنابق بين الالغام، ص 187.
(14) زنابق بين الالغام، ص 189.
(15) زنابق بين الالغام، ص 190.
(16) زنابق بين الالغام، ص 297.
(17) زنابق بين الالغام، ص 308.

شاهد أيضاً

أ.د. صدام فهد الأسدي.. سيرة حافلة بالعطاء (ملف/1)

الأستاذ الدكتور صدام فهد طاهر شريف الحمد الأسدي تولد قضاء القرنة 1/7/1953 حصل على شهادة …

سلام إبراهيم: عن أسرار الكتابة والحوار (ملف/112)

صباح هذا اليوم وفي حوار مع أستاذي محمد خضير حول القصة القصيرة كتبت له وهو …

سلام إبراهيم… بين وحشة العزلة وتخمة الذاكرة
حسن الفرطوسي (ملف/111)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *