أحمد غانم عبد الجليل: الـسـيـدة الأولى

طريق طويل وشاق مضت خطاها فيه منذ أن كانت في سن السادسة عشرة، حينما جلبتها إحدى قريباتها معها إلى العاصمة بعد أن بهرها جمالها المتوهج بلفح الشمس وألق الليالي المقمرة العذبة، تتذكر جيداً متى استأجرت تلك الدار الصغيرة، ومن ثم اشترتها بعد ذلك، بمعونة وحماية أحد عشاقها ذوي الشأن في البلاد آنذاك، لتتخلص من سطوة قريبتها تلك التي استنزفت من جمالها الرّيان ما استطاعت، ومن غيرة ومكائد قريناتها، حتى من يمكن أن تفوقها جمالاً، ورغم امتلاكها عدة دور فخمة وكبيرة في شتى المناطق، إلا أنها ظلت متمسكة بتلك الدار المقفلة، تحرص على إرسال من ينظفها باستمرار كي تكون جاهزة لإيوائها في أي وقت شاءت فيه الهروب من عالمها والانزواء عن إمبراطوريتها التي أقامتها من لا شيء، المملكة العامرة ذات السلطة التي تتعدى سلطة الأسِرة بكثير.
في أولى تلك السنوات القصية توطدت علاقتها بالصديقين (الشيوعي والقومي) وخبرت خلافاتهما، وعداءهما بعد ذلك، لم يكونا كأي من الزبائن بالنسبة لديها، وهي أيضاً، لم تكن مجرد فتاة ليل لأي منهما، وكأنها صارت من ضمن المكتسبات السياسية التي يتصارعان عليها ويحاول كل منهما امتلاكها نكايةً بالآخر، كانت تضحك في دلال متباهية أمام كل منهما لمّا يحاول إلحاقها بفلك أفكاره وأحلامه مشرعة الأبواب نحو المستقبل:
(أفكاركما قد فرقتكما؛ أما فراشي فيجمع شهواتكما دون أي جدال ولا إقتتال).
عندما حدث انقلاب عسكري في البلاد بقيادة الشيوعيين صارت تعلو واجهة الدار راية حمراء كبيرة، كلون مصابيح الغرف، إلى جانب رسم مميَز للمطرقة والمنجَل، بالإضافة إلى صور لينين وستالين التي علقت على الجدران، وراح (الرفاق) يجوبون أنحاء الدار طيلة الوقت بصخبهم ومناقشاتهم، وتوَهج فحولتهم المنتشية.
كانت تستلقي بين أحضان سليم، الذي سطع نجمه في تلك المرحلة، ومنير يشغل ذهنها المتتبع تشرده ما بين السجون ومطاردات رجال الأمن، وقد تلوح لها قسماته في وجه صاحبه القديم أحياناً، فلا تعرف أتعشقه أكثر أم تحمِله بعض المسؤولية عن اختفائه من حياتها بعد لجوئه إلى دارها، متخفياً عن الأنظار، كان كالطفل المذعور، يتلمس بعض الأمان أكثر من أي شيء آخر، ولم تداخلها بعض السكينة نحوه إلا عندما أخبرها سليم بنجاحه في التسلل عبر الحدود إلى بلدٍ مجاور ونأيه عن أي خطر يمكن أن يداهمه، وكأنه هو من أعانه على ذلك وإن أبت نبرة صوته أن تعلن ما هجست من كلامه.
هجست أيضاً بانفعالات سليم، ما يعانيه من ضغوط وصراعات مع رفاقه، توتره يتزايد مع الأيام، كما لو أنه يتوقع دوماً وقوع كارثة تزلزل الأرض تحت قدميه رغم كل ما يحظى به من امتيازات وسلطة في العهد الجديد.
صلر أكثر تعلقاً بها إلى حد أنه أراد أن تكون له وحده، لا يشاركه بها شخص آخر حتى وإن كان صاحب المنصب الكبير في الدولة، لكن ذلك كان أشبه بالمستحيل بالنسبة لكلٍ منهما، كل ما استطاعه أن يجعلها تختلس أطول وقت ممكن من مشاغلها لتمضيه معه في بيته، خاصة في ليالِ الأرق المرهق الطويلة، يطاردان قلقه وخوفها عليه بسطوة عناقهما، ثم ينصت سكون الليل إلى هذر ثرثرة سكرانة حتى حلول الفجر، أو قبله بقليل، فلا تتنيه غفوتها لمّا ينسحب من جانبها ويرتدي ثيابه، يخرج نحو الجامع القريب من بيت أهله، يرقب عن بعد خروج والده من الجامع عقب الصلاة، وما أن تقع عينا الشيخ الجليل عليه حتى يبدأ يجلده بنظرات غامضة لا يدرك لها معنى سواه، تجمِده في مكانه وتسري في جسده رجفة غريبة تنتفض على كل ما حققه من مهابة السلطة، تلك النظرات قد تغزوه لدى استلقائه إلى جانبها، ولطالما أيقظها ارتجافه وكأن حمى شديدة ألمت به رغم عدم ارتفاع درجة حرارته، فتحتضنه بقوة حانية حتى يستسلم لنوم مضطرب غالباً ما ينتابه الهذيان.
بالكاد استطاعت الوصول إلى بيته ما أن بدأت الحركة تدب في الشوارع التي تعج بالمسلحين والدبابات والسيارات العسكرية المسرعة، كان باب البيت المفتوح وواجهته مرقشَين بالرصاص، فيما كان زجاج النوافذ مهشماً بالكامل، وكأن معركة حربية شرسة وقعت في ذات مكان وقوفها المفزوع أمامه، كاد قلبها ينتزَع من بين أضلعها لهول المشهد، فيما راحت أعين الجيران الذين كانوا يتجنبون رفعها في وجهها قبل يومين ترمقها بنظرات مشمئزة أقرب ما تكون إلى البصق في ملامح وجهها المنهارة.
لم يٌهدِئ من روعها شيء سوى أخبار منير عنه بعد عدة أيام، وقد سهَل له الهروب من أحد الأزقة بعد أن كاد هو ورفاقه يحاصرون مجموعته التي تشبثت بالمقاومة حتى النهاية.
( مؤكد أنه سوف يحاول الذهاب إلى الجنوب للالتحاق ببقية رفاقه المختبئين هناك ليعيدوا تنظيم أنفسهم، ثم يبدؤون المقاومة المكثفة، أعرفه، غبي وعنيد، ولن يقبل التسليم بأن كل شيء قد انتهى وما لهم من عودة).
قالت في حنق شديد: (أنتما الإثنان غبيان ولن يجدي أي شيء في تغييركما حتى تقتلان، ومن أجل ماذا؟ لا أفهم ولا أريد أن أفهم).
كادت تطرده لتفرض على نفسها عزلة لا تسمح لها برؤية أحد خاصة في ظل الظروف الجديدة التي لا تعلم مدى تأثيرها في المقبلات من الأيام العاصفة عليها وعلى فتياتها الكادحات، لكن شوقها إلى منير وخوفها على سليم الطريد في البراري كانا أقوى من كل شيء.
بلاد العرب أوطاني.
الوحدة العربية هي سبيلنا إلى المستقبل الواعد.
صورة كبيرة تجمع أعلام متوهجة الألوان لبلدان تكاد تسمع عنها لأول مرة في حياتها، موَزعة على جدران صالة بيتها الجديد، أما واجهته فقد تزينت بلوحة كبيرة من الفسيفساء تمثل خريطة تجمع ما بين المحيط والخليج.
سِحر آخر تمَلك عشق منير، أكثر عمقاً وألقا، كأنه أراد أن يعوِض نفسه عن سنوات الشتات التي أمضاها بعيداً عنها وعن البلاد، حتى جاء وقت خافت فيه أن تطغى علاقتها به على ما شغل تفكيرها منذ البداية، تكوين صرح شامخ لا ينال من سلطانه أي أمر، ومهما طغت قوة فتكه في البلاد بأسرها، وبينما راح ينصاع، ولو رغما عنه، لتقلب السياسة وأهوائها كمن يركب أرجوحة معلَقة في دولاب كبير لا تلبث أن ترتفع به قليلًا حتى يعتريها اهتزاز كبير يعربد بمفصلاتها ويكاد يسقطها في هاوية سحيقة، كانت هي تشق طريقها سريعاً نحو إقامة ذلك الصرح العتيد وبعقلية فاجأت بها نفسها قبل الآخرين.
أسست شبه نظام داخلي للدور التي ملكتها، نظام صارم لا يرضى التهاون أبداً ألزمت به الفتيات المسؤولات عن هذه الدور أمامها، كانت اجتماعاتها بهنّ كل حين تشبه إلى حد كبير اجتماعات القيادات السياسية الكبرى، توزع عليهنّ خلالها مختلف النصائح والإرشادات التي تخص أحدث فنون الأسِرة من أجل تلقينها للفتيات اللواتي تحت إمرتهنّ للحصول على أكبر فائدة ممكنة في الفراش وخارجه، كما كانت تستلم منهنّ ما يشبه التقارير عن سير عمل كل فتاة، خاصة المستجدات منهنّ، حرصت على انتقائهنّ بنفسها وفق مواصفات خاصة لا تتعلق فقط بالجمال، وسيرة ذاتية ملخَصة عن كل واحدة، كذلك طباعها وما يمكن أن تتمَيز به عن الأخريات في ظروف ومواقف معينة وما يمكن أن ينتابها من ارتباك في مواقف أخرى لتعرف أي الزبائن تناسب أكثر، فالزبائن لديها أيضاً درجات، ضمن معايير مختلفة عرفت من خلال خبرتها كيفية الحكم عليها، وبالإضافة إلى كل ذلك كانت تستلم بالخفاء معلومات شبه تفصيلية من كل فتاة في تلك الدور عن زميلاتها، والمسؤولة عنهنّ أيضاً، وهي تظن إنها الوحيدة التي تحوز على ثقة السيدة الأولى الممسكة بمفردها بزمام الأمور.
كانت في غاية السخاء مع من تنال رضاها، وفي غاية الحزم وربما القسوة مع من تجد فيها نية تمرد أو إهمال في تنفيذ الأوامر بحذافيرها، ولتدارك أخطاء الماضي أمرت بتخصيص أوقات خاصة، في الخفاء، لرجال العهود القديمة، ففي مثل هذه البلاد كل شيء ممكن وقابل للتغيير، كذلك حرصت على الاحتفاظ بالصور والشعارات واللوحات دائمة التغيير، مع جدول دقيق للمواعيد والأيام التي على كل فتاة الالتزام بها دون تهاون إلا لظروف طارئة خارجة عن إرادتها، وغير ذلك من التدابير والأفكار المتجددة الأخرى.
لدى سفرها إلى فرنسا مع أحد المسئولين المهمين والمختفين عن الأنظار دوماً من أجل توقيع عقد من العقود المهمة في عصر الحروب الذي تحياه البلاد التقت بسليم في أحد فنادق باريس الكبيرة، كانت قد علمت من أحد أصدقائه إنه استطاع الفرار إلى موسكو، معقل حلمه القديم، لكنها عندما رأته عرفت أنه قد خلع الثوب الأحمر الذي أمضى سنين شبابه متسربلاً به وكاد يضحي بحياته من أجله، صار رجل أعمال، يجوب بلاد أوروبا سعياً لمزيد من الثراء، الشيء الوحيد المتبقي من ذلك الشاب الثوري الذي تعرفت عليه في بداية حياتها هو طموحه الذي لا يرضى التوقف عند حد أبداً.
كان الفراش بالنسبة لهما تلك المرة، أكثر من أي شيء آخر، اجترار لذكريات قديمة طواها العمر المنصرم في حزمته الكبرى، ذات الأمر عندما تكون مع منير في دارها الصغيرة الأولى، منصرفين عن أعبائهما وضغوط الحياة، وقسوتها عليه، بعد أن أفلتَ جميع الرايات من يديه، دخل المعتقل لسنوات طوال كادت تنسيه أي شيء خبره أو عرفه في حياته، ربما حتى زوجته وأولاده، تركهم دون عائد أو ثروة يعتمدون عليها أثناء غيابه، لا كما فعل جلّ أصحابه المناضلين، اليوم هو صاحب معرض صغير لبيع الأجهزة الكهربائية، المستوردة الأجنبية فقط.
كان وجوده المستمر، ولو على فترات متقطِعة، يمدها بالحنان الذي تفتقده، وكانت تغزوه برقة فتاة في العشرينات لم تنهل رشفة حب من قبل، فيكاد يعاودها هاجسها القديم بعدم تركه أبداً.
فاجأته بعقديّ عمل لولديه، براتبين وامتيازات مغرية في إحدى الدول النفطية، دون مقابل تتحصل عليه عادةً ممن يسعون إليها خفية عن العيون، طامعين بوساطة منها لدى هذا المسؤول أو ذاك، ومعارفها في هذه البلاد أو تلك، باستثناء الذين تجد ظروفهم الصعبة بعض الشفقة لديها.
انقلاب جديد شديد البأس جاء لينقذ البلاد من الفوضى التي عصفت بها منذ عقود، هذه المرة بزعامة الأحزاب والحركات الدينية التي طال صمتها، تريد أن تعيد البلاد إلى حظيرة الإسلام، ضمان العدل والخير والحياة الكريمة التي حُرِم منها أبناء الشعب المؤمن، كما جاء في البيان الأول للثورة.
خيَمَ السكون التام على بيوتها لفترة، لكن الأبواب لم تلبث أن فُتِحت على وسعها من جديد، وبنشاط لم تشهده تلك البيوت منذ مدة طويلة.
صارت وفتياتها الفاتنات مثالاً للنسوة المحصنات والمستترات بالأحجبة والجلاليب الفضفاضة، يوزعنّ أموال الزكاة والصدقات على مستحقيها بابتسامات مشعة تقربهنّ من هيئات الملائكة، ويستقبلنّ طالبات العلم والدعاة والعلماء الموَقرين ليلقوا محاضراتهم الدينية ومواعظهم التي تذرَف لها الدموع في ذات الغرف، بعد أن فرِغت من أثاثها وتعَبقت بروائح البخور الثمين والأنفاس الطاهرة والدعوات المرتفعة إلى عنان السماء.
في المساء كانت السيارات الحكومية الفخمة ومظللة الزجاج تتوقف أمام تلك الدور، يترجل منها عدد من رجال العهد الجديد، ذوي اللحى المسترسلة نحو الأعناق والمسبحات الطويلة، بلباسهم العربي وعباءاتهم الغالية مذَهبة الأطراف، فتتبارك الدور بدخولهم لمناقشة أمور الدين ومسار الدولة الإسلامية الوليدة مع الأخوات المؤمنات التائبات من بعد عصيان.
بينما كانت تستلقي على فراشها شبه غافية في غرفة من غرف نومها فخمة الأثاث، انسل من الباب الذي غفلت عن إيصاده بالمفتاح شاب ملتحٍ، مستغلاً لهو حراسها الشخصيين بمداعبة الفتيات، اقترب من السرير بخطا خفيفة ووجه ممتقع بلون الدماء المغلولة في عروقه والموشكة على الانفجار، جلست بسرعة مندهشة من جرأته على اقتحام غرفتها، كانت عيناه تحملقان فيها بوحشية ضارية مخيفة، ومن قبل أن تنطق بكلمة أو تحاول الإتيان بحركة وجدته يعاجلها بطعنة سكين كبير كان يحمله في يده المرتجفة بتأجج الندم الساري كالسم في أوردته على الخطيئة الكبرى التي أقدم عليها قبل قليل مع إحدى بناتها مقتدياً بشيوخه الأجلاء.
شهقت شهقة عظيمة ابتلعت صرختها التي أرادت أن تطلقها ثم ارتمت على الفراش منهارة القوى فيما ظل بريق عينيها الأخير يتسلط على وجهه المتجهم ووقفته المتخشبة بلا أن يجد قدرة على الحركة، قالت متهَدجة الأنفاس وظلال ابتسامة غريبة تطل من شفتيها:
(كنت أتصور منذ زمن، أن تكون نهايتي بمثل هذه الطريقة، صمتت ثم فاجأته بضحكة رنانة، ولكن ليس على يد شاب غر مثلك).
استيقظت نافضة الحلم الغريب عن جفنيها ثم راحت تدنو أكثر من منير النائم إلى جانبها حتى التصقت به، واجهتها لحيته المستعارة الملقاة على الطاولة الصغيرة قرب السرير، انتابتها ضحكة خافته لم تيقظه، ألقت برأسها على صدره المترهل، تستريح من عناء سفر متَعرِج المسالك، تمطره بقبلاتٍ حرّى تستنجد بأيام الشبق القديم للعاشقين الهائمين في دنيا تضُج بالأحلام الكبيرة.

شاهد أيضاً

زهير بهنام بردى: نصّان

قواربُ الظلّ ٠٠٠٠ هشٌّ بعجبٍ ومثيرٌ بتأوّهٍ ما يتدفّقُ منّي أنا الراهب في صومعتي اتمتم …

صالح البياتي: الوجوه

إعتدت التطلع لوجه الإنسان، دون سائر أجزاء الجسد، سواء عندي الجنسين، ولَم اعرف الدافع لذلك، …

سأقاتل أمريكا!
د. أفنان القاسم

لأنَّ العقلَ هُوَ القَدَرْ والقلبَ هُوَ الحَجَرْ والقولونَ هُوَ محمدٌ بنُ سلمانْ سأقاتلُ أمريكا! * …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *