علي الجنابي- بغداد: (تهنئة) إلى صديقٍ مغتربٍ: لحظةَ أنْ سَبَحَ البُلبلُ في صَحنِ الوَطنِ

إيِهٍ , يا مَن كُنتَ خليلي , فهَجرتَني و هجرتَ الوطن ساعة ظلم هبط وهضم سقط وقلب قنط , هي ذي صوركَ بين يديَّ أتَصَفحُ من طرف خفي ألوانَها فقَط , وهوَ ذا وَنِيسِي : بلبلٌ تَحررَ من قَفصه فنَشَط, فحَطَّ بهيجاً في صحنِ ماءٍ ما بينَ غَوصٍ و نَطَط , مُعلِناً أُفُولَ شتاءٍ و رَحيل أنينٍ لجحفلٍ من قِطَط , وحُلولَ صَيفٍ وصهيلِ حرٍ من فَيح جهنّمَ مُلتَقَط . ونِيسِي رَزينٌ رَصينٌ يُغرِّدُ في رَغدٍ ومُغَرّدٌ هُوَ في أيامِ القَحط , غافلٌ هوَ عن تَأففٍ وتَأوّهٍ أو سَخَط , أو جِدالٍ أو مِراءٍ أو لَغوٍ أو لغَط , حافلٌ يومُهُ بِرفرَفةٍ وصَفصفةٍ وتَغريدٍ وتوحيدٍ فلا يَعلمُ شركاً ولا يَعلمُ القولَ الشَطَط . سَلَمٌ و سَعيدٌ هو إن قَبَضَ جناحَهُ أو إن بَسَط , فَقَبْضُ جَناحِهِ جُنُوحٌ لسِلمٍ فيهِ هَبِط , ونَبضُ الحَياة وسَعدُها يَنفَلِقُ من جناحِهِ إن بَسَط. يُقَبِلُني منقارُهُ إن نَزلَ على موضع في كتفي وسَط, وبِبَسمةٍ أعاتِبهُ إن فَعلَها على حاسوبي ف(مخَط(.
كلانا يَقضي رِحلةَ شتاءٍ وصيفٍ بلا وَجَس إملاقٍ ولا إعدادً لخُطَط. كلانا يَمضي في نِحْلَة ضِياءٍ لضيفٍ إن طَرقَ أو على الجرسِ ضَغط. كلانا يَفضي إلى صمتٍ جميلٍ إن أزلَفَ الخَوضُ والتقليدُ والنَمَط, فرجاؤنا أن نَضعَ إن أَزِفَت قطعُ الليل المظلم حروفَنا على النُقط .
وكلانا يُضني بضناهُ فإن جفاهُ مرقَدُهُ فلِضناهُ ضبط ثمّ كتَمَ ورَبَط و كلانا يُضفي على الضنى غِطاءً من بُردتِهِ أو ريشِهِ لا كما يحوم ويلومُ الرَهَط .
يلومونَ غرسكَ ويلمِزون حُضنَكَ يا وطن!
إنّا أن رميناك بقميص اللوم,أننا إذا لفي ذيل العبط , أفنَبثُّ لكَ الشَكوى ؟ بل منك نسمع الشَكوى مطأطئين يا وطن. ياعَنُفَ النبضِ وسرَّه وكنف الشاربَ واللحىً. كفاكَ أنهم نَسبوكَ لجراحاتِ ومَخاضاتِ الزمن! ولقد كنتَ مَهدُهم والحضنُ, وثديُّهم والسكن.
أوَحقاً مِثلكُ يُلمَزُ ويُلامُ أو يُبغَضُ يا وطن! وأنت مِدادُ الفؤادِ وودادُ الشَجَن.
إنّهم إن حَكَمُوكَ فبأغلالٍ من جهلٍ وجوعٍ وحَزَن؟ يَتَغامزُ الملأُ منهم : إزرعُوا فيهِ كلَّ أسىً, فإنَّ الأسى عمادُ الحُكْمِ وهو الرَهن. ومنهم هَجَروك غرباً فقالوا: أنَّكَ مَنبتٌ لكلِّ جذرٍ للمِحن؟
واهٍ! و آهٍ ! وأوّاهٍ يا وطن..
أوَحقاً في عَينيك دَمعٌ من آهاتٍ و واهاتٍ مُحتَقَن؟ وهل لدمعٍ فيك من فديةٌ, وهل لجمعِ ديةٍ من سبيلٍ, هل للدمعِ ثمنٌ؟
دَعهم يَلمِزوكَ، وأنتَ الوطن وما هُمُ إلّا قبصةٌ عَفَن, يَختنقونَ من بُرعمٍ فيكَ يَزهرُ أو رَضيعٍ يُختَتَن. دعِ ريحَ الشيبِ تأتيهُمُ فتَرميهُمُ بسَخطٍ ولَعَن. فكبيرُهمُ مُجرمٌ طاغٍ أنتَ لهُ عَرشٌ مُؤجَرٌ مُرتَهن. وَزيرُهمُ مُبرِمٌ صاغٍ أنت له مَغنَمٌ لسُويعاتِ زمن. إنهم قد جعلوا الأمنَ مَعقوداً برعبٍ ما بين سَوطٍ وكَفَن! وشَيَّدوا جَيشاً مِدادُهُ سُباتٌ وسراب وعِتادُهُ فتاتٌ وخراب وَوَهَن. وسَيَّدوا عِمائمَ تَجهَلُ الفقهَ ولا تُفتي إلا بشَهواتِ البَدن, ونَدْدَوا بقاضيِهم فأمسى يَقلِبُ الحقَّ دَرَن, وحَيَّدوا طبيَبهم فَعَبَدَ الجُنَيه وحَمَدَ حرفاً أعوجا بلَحَن, وقيدوا مهندسهم فانطلقَ يَغللُ الطوبَ لواذاً وبليلٍ حالكٍ أجَن.
زُرّاعُهم،نَجّارُهم،حَدّادُهم كلٌّ يَغفو في دَجَن. سَاهونَ،لاهونَ يَمضَغون النومَ خُبزاً ويُسْقَون الهواء بصَحَن.
فلا تأسَ يا وطن فعسى أن يكونَ قريبا يومَ ..
أن تَقلَعَ الملأُ الذي لا يَميزُ حَلْقَ عِزَّتِهِ من حَلْقِ الذَقَن.
أن تَبلعَ القاطِنَ الذي زادُهُ نومٌ وماؤهُ هواءٌ بصَحن.
أن تَخلعَ المُهاجِرَ الذي هاجَرَ حيثُ خَضراءَ الدِمن.
أوَحقاً مثلك يُهمَز ويُلمَز أو يُلام يا وطن! نِعمَ الوطن أنت,وأنت الأسوةُ لكلِّ أرض ووطَن
ياجَبينَ الروحِ وعِزَّها وعنوانَ اللحى.
(بلاد الرافدين أنت)
************
كتب المقال إثر مكالمة هاتفية مع صديق-ضابط ومهندس طائرات قتالية,قال لي فيها: (أترفّه أنا الآن وأتفرّه وأتفكّه حذو سواحل ميامي وقد رميت بجنسيتي الأولى في حمّام مجاور), وطلب مني تهنئته, أفتصلح رسالتي هذه بطاقة تهنئة؟
علي الجنابي- بغداد

شاهد أيضاً

ارتجاح العشب الأخَضر
شعـــــر: عبـد الســـلام مصبـــاح

1 – سَيِّدَتِـي، مِنْ عُمْرِي البَاقِي جِئْـتُ إِلَيْـك، لِنُرَتِّـبَ أَوْرَاقَ الِبَـوْحِ وَنَرْشِـفَ مِـنْ سِحْـرِ الْحَـرْفِ …

توفيقة خضور: ضحكتْ دمعتين وشهقة

(1) لم تدرِ فاطمة أن الرجل الذي تربّتْ على يديه هو عمها وليس والدها إلا …

أضغاث رؤى
بقلم: منى شكور

شيء كحلم لا مرئي النوايا، لعبة خشبية ماتريوشكا ساكنة تحمل الف سؤال وسؤال، كشاهدة قبر …

تعليق واحد

  1. عل يالجنابي

    امتناني للادارة على روعة تطعيم المقالة بلوحة هذا النصب الذي يخلب اللب,ولكأني به أحيا المقالة من بعد موتها .
    إن لوحة فنية واحدة لتعدل الف مقالة ومقالة.ما أروع هذا النصب !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *