حوار مع مؤلف الكتاب الوحيد عن الشاعر الراحل (سركون بولص) وهو على قيد الحياة
حاوره: بولص آدم (ملف/9)

مؤلف الكتاب الأديب العراقي(روبين بيت شموئيل)

إشارة :
سنة بعد أخرى تتخافت وتيرة الاحتفاء بالمبدع الكبير الشاعر العراقي الراحل “سركون بولص” ليغفو التبر العراقي – كالعادة – تحت تراب المازوخية التاريخية والغثيان النفسي “البطولي” من التميّز . وأسرة موقع الناقد العراقي تعدّ هذا الملف احتفاء بسركون وبمنجزه الفذّ الذي لا تُستنفد كشوفات أعماقه الساحرة ، تدعو الأخوة الكتاب والقراء إلى المساهمة فيه وإثرائه بما يتوفر لديهم من دراسات ووثائق وصور .

الأديب العراقي( روبين بيت شموئيل ) اصدر في بغداد عام 1998 كتاباً خص به الشاعر العراقي( سركون بولص ) بعنوان ” سركون بولص .. حياته وأدبه ” وكانت نسخة منه قد أبرقها المؤلف الى سركون عن طريق صديق الطرفين الشاعر ( ميخائيل مروكل ممو).
وفي سؤال للاذاعة الهولندية (القسم العربي) ..

– كيف كان لقاؤك بالكتاب ؟

اجاب سركون : لقد تفاجأت بالكتاب تماماً, في احدى الكنائس الاشورية في شيكاغو كان قد عرض هذا الكتاب وكنت بصحبة صديق , اشار الى صورة كانت قد طبعت على غلاف كتاب ما قائلاً ان هذه الصورة لك يا سركون! وفعلاً اندهشت اذ رأيت صورتي في كتاب تزينه كتابة آشورية، يبدو ان مؤلف الكتاب كان رجلاً جريئاً للغاية فكيف استطاع ان يصدر كتاب عن شاعر هارب من العراق وباللغة الاشورية؟ وفي سؤال ثان .. ألم يجعلك هذا الكتاب تحن الى لغتك الام الاشورية؟
اجاب سركون: بلي .. انتابتني مشاعر رهيبة جداً .. فسألت نفسي من نحن ؟ صدك من نحن ؟ انت عراقي وهناك كتاب عنك بالاشورية في بغداد وانت في نهابة العالم , فهذا المؤلف صادني مثل السمكة التي كانت في القصيدة. (اشارة الى اول قصيدة كتبها سركون في كركوك بالاشورية بعنوان الصياد).

الأديب العراقي ( روبين بيث شمويل ) هو اول من الف كتابا عن الشاعر العراقي الراحل ( سركون بولص ) .. الكتاب الموسوم ( سركون بولص .. حياته وادبه )/ ذلك الكتاب له قصة ولأنه الكتاب الوحيد الذي الف عنه وهو على قيد الحياة فقد جرى بيننا هذا الحوار ..

– سبق لي قراءة خبر عن كتابك في مجلة (ماسذياد ) للشاعر الأسترالي (اليسون كروكون ) وفي بيوغراف مختصر عن شاعرنا الراحل ذكر بان
كتابك عنه ظهر عام 1999 :-
SARGON BOULUS was born in Iraq in 1943 into an Assyrian family. He is a poet, short-story writer and translator of English-language poets into Arabic. He has published seven collections of poems and a volume of short stories. A study of his life and works Sargon Boulus: his Life and Writing (in Assyrian and Arabic) was published in Baghdad, 1999. He lives in San Francisco, USA. He is a consulting editor of Banipal.
– تأريخ النشر غير دقيق فكتابي راى النور عام 1998 !

– شكرا لك. سركون بولص الشاعر والأنسان , كيف اصبح مهما في تقديرك ليتشكل لديك ذلك الدافع القوي الذي يقود المرء الى العمل على تاليف كتاب كامل عن حياته وادبه ؟

– في منتصف الثمانينات وعند صدور ديوانه الأول قرات في مجلة كل العرب اعتقد عام 1986 مقالاً عنه، كان عرضاً موجزاً لمناسبة صدور ديوانه الاول (الوصول الى مدينة اين) ، كانت الصحفة تحوي صورة الغلاف. اسم سركون “الاشوري” جذبني لاقتطع هذه صفحة من المجلة التي لا زالت تقبع في مكتبتي في العراق والتي كانت تحفزني دوماً للبحث عن اخبار هذا الرجل الذي التمست من المقال انه شاعر وقاص ومترجم عراقي مهم ومؤثر في الحداثة الشعرية العربية، يكتب شيئا مختلفا عما كانت تختزنه الذاكرة من الشعر العراقي الحر يومذاك. وعند قراءة كتاب ( الموجة الصاخبة ) للشاعر سامي مهدي (1994) تاكدت بانني امام شاعر ستيني جيليا وعالمي شعريا .. يكفي ان اذكر لك ياصديقي بانني قرات دواوينه المتاحة المستنسخة وانت تقدر اذن تاثير نصوصه علينا في فترة الحرب ، شئ غامض يغلفه التفاعل بعمق مع نصوصه جعلني مصرا لتنفيذ فكرة الكتاب فبدات الخطوة الأولى ..

– اشعر بتعبير اخر بانك بدات برحلة الوصول الى مدينة اسمها/ سركون بولص/.. بالتاكيد مصادرك المدونة عنه كانت محدودة وما كان ينشر عنه في العراق والبلدان العربية تم بندرة وعلى فترات متباعدة وما كتب عنه طوال حياته لايعادل نصف ماكتب عنه في اليوم الأول لرحيله !

– اتفق معك حول ندرة المصادر التي كنت بحاجة اليها والمنقول حوله من اصدقائه القدامى ان كان في كركوك او بغداد ، سعيت للبحث عن وقائع واراء واخبار ممن عايشوه عن قرب وقارنت تلك المعلومات ببعضها البعض. عاضدني كل اصدقائه الذين التقيت بهم في بغداد وهم د. شجاع العاني، فهد الاسدي وعبد الستار ناصر ونزار عباس وسامي مهدي وحسين حسن وحميد المطبعي وعلي الطائي وخضير عبد الامير وغيرهم. وفي تلك الفترة حصلت على نصوص معظم قصصه المنشورة وكانت بحدود 12 قصة قصيرة . ولم اكتف بما هو معروف عن بداياته والجماعة التي كان فاعلا فيها ورحلته واسفاره وماالى اخره مما هو معروف عنه ..

– اتذكر بانك اخبرتني يوم اتصالك بي للتاكد من خبر تواجده في هولندا بانك تحتفظ بعدد من نصوصه القصصية القديمة ؟

– نعم وعندما ذكرت له عناوين تلك القصص في لقاءاتي العديدة به على هامش مهرجان روتردام العالمي .. تذكرها جميعا فرحا متلألي العينين .

– من قابلت من اصدقائه القدامى بالأضافة للمعروفين ؟

– قابلت كثيرين والحقيقة انني كنت مندهشاً كيف لم نسمع به في النادي الثقافي الآثوري الذي كان يومئذ معقل الآشوريين القوميين المخلصين الذين تحدوا البعثيين في قيادة النادي ورسم طريقه الى ان تسلط عليه النظام في بداية الثمانينيات. فمثلا السيد(بولص شليطا).. كان يتدحث عنه كانه يحدثه ويتذكر معه .. تلك اللقاءات مع احبته كانت فاعلة غنية دفعتني لخطوة تالية الا وهي الشروع بانجاز الكتاب بثقة كاملة .

– ما الذي لديك من معلومات عن مسقط راسه ؟.. انت وانا مسقط راسنا هو منطقة (صبنا ) ( بالبيث السريانية ) اي الدائرة المحصورة بين جبلين في دائرة مركزها مدينة (العمادية) المعروفة بعراقتها .. طيب روبين .. ماذا عن مسقط راس المرحوم( سركون بولص) ؟
– مسقط راس والده بولص هو من منطقة ( كاور ) ( كاف اعجمية ) في المنطقة الحدودية بين العراق وتركيا وايران حاليا. ينحدر اجداد الشاعر الراحل من تلك المنطقة الآشورية وكانت اراضيهم مزروعة موسما اثر موسم وكانوا زراع حبوب معروفين وكانت المناطق المجاورة مثل ( جيلو ) وعرة وقليلة الحظوظ بموارد الفلاحة . هناك مثل اشوري نتداوله الى يومنا هذا الا هو بترجمته الى اللغة العربية ( تلد جيلو يدبر كاور !) اي ان المناطق المجاورة اعتمدت على موارد ومحاصيل( كاور ) الأساسية للحياة ..

– كاور .. اعطت لعراقها والعالم شاعرا خالدا اذن ؟

– هناك دلالات مبثوثة في بعض نصوصه ربما تؤكد ان شاعرنا الراحل كان قد سمعها من اجداده واقربائه وبالاخص من جدته لوالده التي كانت تقص له في صغره في الحبانية مآسي هجرة اجداده الاشوريين من تركيا عبر ايران الى ان وصلوا بعقوبة، الرحلة الماراثونية الاشورية بلعت 35 يوما والاف الشهداء قرباناً لوجودهم القومي والديني.

– هل كان طموحك تقديم كتاب نقدي ؟

– كتابي كان عبارة عن سيرة حياة وقراءة فيما توفر لي من نصوصه في تلك الفترة اي فترة عشرة اعوام الى لحظة طبع الكتاب. فعلا كنت اود ان احرك الذاكرة العراقية بشاعر مهم وفي الوقت ذاته اردت ان يعرفه ابناء جلدته الذين كان معظمهم يجهل من هو سركون بولص..

– كتابك بفصلين ( الاول : سركون بولص انساناً حالماً. والثاني : سركون بولص الاديب المجدد في ثلاثة محاور : سركون مترجماً ، سركون قاصاً ستينياً وسركون شاعراً ستينياً ) الاهداء : الى كل مبدع آثوري .. حيثما كان. عدد صفحاته (176) صفحة وبصورة غلافه لسركون شخصيا. كتابك المطبوع في مطبعة بغدادية اهلية ( الحرف الذهبي ) وبالمقتطفات القصيرة من كتابات الآخرين عنه والتي ثبتها انت على الغلاف الداخلي الأخير .. والخ من التفاصيل التي ذكرتها لي عن شكل ومحتوى الطبعة الأولى من كتاب ( سركون بولص .. حياته وادبه ) والذي حمل توقيعك وعلى نفقتك الخاصة ,,( 300 نسخة ) اهديت الجزء الأعظم منها الى ادباء واصدقاء له ولك. كيف وصلت نسخة سركون اليه شخصيا ؟

– تكفل صديقنا الأديب العراقي (ميخائيل ممو) بايصال نسخة من الكتاب الى شاعرنا الراحل سركون بولص .. وقد كتب العزيزميخائيل عرضا مهما ووافيا للكتاب بالعربية في مجلة عشتار الصادرة في كندا وبالسريانية في مجلة ( خوياذا ) اي ( الأتحاد ) في السويد ونشرت جريدة (الحياة ) اللندنية خبرا موجزا عن كتابي في حينه.

– وما مخاض اجازة هكذا كتاب عن شاعر غادر العراق هربا في نهاية الستينات ولم يتواجد في بلده من بعدها غير شهر يتيم قضاه بين بغداد وكركوك منتصف الثمانينات ؟ !

– لأن كتابي كان بالعربية والسريانية فقد احيل الى المجمع العلمي العراقي، لكي يدقق من قبل خبير بالسريانية، كان صديقي الاب الراحل (د. يوسف حبي ) قد حوله الى الخبير (يوسف قوزي) على ما اظن، وبموجب رأي هيئة اللغة السريانية في المجمع منح موافقة دائرة الرقابة في وزارة الاعلام. طبعاً لدفع عجلة الموافقة في الاعلام. كانت تحتاج الى سخاء مادي !!! اوردت في الكتاب اراء بعض مجايليه الذين تسنى لي الاتصال بهم في بغداد .

– متى تلقيت راي الشاعر الراحل بالكتاب الوحيد عنه بلغته الأم واللغة العربية التي كتب نصوصه بها ؟

– بعد 10 سنوات عندما التقيته في هولندا ايام مهرجان نوتردام العالمي .. ابدى اعجابه وشكره على ما حملته مراحل الكتاب كلها حتى استلامه النسخة المهداة اليه من مجازفة ومخاطرة .. يكفي بانني تكلمت عنه قبل ان يفارقنا وكونه اشوري فكانت تلف بعض الصعوبات حول اسمه وارتباطاته العائلية..

– الراحل الآشوري عاش عراقيا وعربيا وعالميا ترجم بجمال وترجم الى لغات جميلة وكان بتصنيف العيش الثقافي مواطنا عالميا . جذر عراقي واخضرار شجرته ربيعا وخريفا ، بسمة ودمعة /احباط وامل .. روبين .. انت تتفق معي بانه اولا واخرا كان مبدعا عظيما حتى لو كان من اثيوبيا وكتب شعرا بالسريانية ؟!

– نعم بولص. لكن هناك دوما عوائق معينة حول فهم امور مثل هذه !

– استرسل !

– في عام 1996 التقيت بشاعر عراقي كبير في عمان وهو (عبد الوهاب البياتي ) وانا الاحق كل النفوس التي ستفيد مشروع كتابي وراي ذلك الراحل كان (ان سركون بولص من افضل الشعراء العراقيين من غير العرب اجادة في كتابة الشعر العربي).

الأديب المحاور بولص آدم

– هل اخبرت الراحل سركون في نوتردام بذلك..

– هو الذي ذكرني برأي البياتي في معرض حديثي بشكل عفوي عن اراء الشعراء العراقيين بشعره.

– مالذي اجابك فيه في تلك اللحظة رجاءا.

– قال الراحل (لااعتقد بانه كان يطريني بل قصده – وماعلاقة ذلك الغريب بلغة العرب – ) !!

– كان ثمة مشروع مهم اتفقتما على انجازه معا ..

– اجل مشروع ترجمة نصوص من الشعر الاشوري الحديث وترجمتها الى اللغة العربية. كانت الفكرة من مبادرته، ان اقوم انا اولاً باختيار النصوص وترجمتها الى العربية ثم يتولى هو صياغة الترجمة النهائية. وربما كان سيكتب شيئا عن المشروع في المقدمة. بالمناسبة هو قرأ لي اول قصيدة كتبها بالسريانية بعنوان “الصياد” لا تحضرني حاليا وهي محفوظة في اوراقي. وكان متحمسا جدا لهذا المشروع حتى مكالاماتي الهاتفية معه وهو في برلين قبل اشهر من رحيله .

– هل تشعر باهمية مافعلته من خلال كتابك ( سركون بولص .. حياته وادبه ) ؟

– بالتأكيد .. وساكون سعيدا اكثر عند صدور الطبعة الثانية منه , خصوصا انت تعرف ظروف العراق فترة نشر الكتاب ومحدودية نسخه وصعوبة ايصاله الى المتلقي المهتم بتجربته وابداعه الخالد .

شاهد أيضاً

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (الخاتمة) (15) (ملف/65)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

في تأمّل تجربة الكتابة
استعادة غسان كنفاني إبداعيّاً ونقديّاً
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/24)

ست وثلاثون سنة هي كل سنوات عمر غسان كنفاني، منها اثنتا عشرة سنة عاشها في …

غسان كنفاني والكتابة للأطفال وعنهم
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/23)

ما زال غسان كنفاني مستعادا؛ مقرؤءا ومدروساً، على الرغم من مرور ثمانية وأربعين عاما على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *