بولص آدم: شهادة المُهَجَّر في مجموعة الطوفان للقاص هيثم بردى

يكذب هيثم بردى على قراءه في هذا الوقت، لو أنه كتب قصة حيادية، يكون(المَعْني به) قصصيا، مبنيا على المجهول، يكذب لو أنه لم يكتب مثلا، عن الدكتور الذي يحذر في مستشفى الأمراض العقلية من الطوفان، الواقع الذي يؤدي الى الجنون هو نفسه الواقع الذي يدفع الأم في نكبة غياب الابن الى الهذيان، والرجل الأشعث هو الآخر يهذي في كارثة ابنه.. والمغني يهذي، حتى أن جندي الاحتلال، الجاهل المخدوع والمتورط في القصة الأخيرة ، يهذي، الكل يهذي، هم لايهذون في هذه القصص لأنهم جمعوا المليون وحققوا هدفهم ثم انتحروا كما في قصة تشيخوفية قصيرة جدا، بل أن ثمة من جمع المليون بجعل هؤلاء ضحيا وأولادهم ضحايا، يصدق هيثم بردى عندما يرسل مجموعة قصصية الى المطبعة، تتضمن لحظات لاوجود لها الا في المعجزات وصور ايقونية نورانية وفردوسية، ففي اللحظة التي يكون فيها مصير هؤلاء مجهولا، ينبري الأديب من جانبه ليكفكف دموع الحزانى بمناديل ملونة بأصباغ الأحلام، أحلام أن يكونوا سوية، الابن في القصة الأولى ينوي أن لايفرقه شئ عن أمه، غير أن هناك من يغتاله، لاتخفى علينا لوعة فراق بين أسطر الكتاب، الرجل في القصة الأخيرة يرغب ارسال زوجته وطفله الى الشمال، غير أن الزوجة تصر على ان يكونوا سوية ، هو تشبث رحمي بالحياة، أما الفراق والتشتت فهو طريق الموت، الأمكنة في القصص متشابهة، اذ لا فرق بين الغرفة أو الردهة أو القرية التي تتعرض للغزو، طالما أنها أماكن جنائزية والمصائر تتشابه ايضا والوجود يكون مرعبا، الموجود هو الانسان حسب هايدغر في الوجود وماهيته، وذلك الأنسان في قصص بردى يعيش الوجود المزيف فقط، يرى هايدغر أنه الوجود النمطي الغارق في الحاضر، حيث ينفصل الشخص عن اختياراته الذاتية وإمكانياته الخاصة، ويصبح تابعاً لإرادات الآخرين، فيسقط في حالة الاغتراب التي ينعزل فيها عن ذاته ويتحول وجوده إلى شيء غريب عنه، فالحياة اليومية على سبيل المثال تفرغ الذات من وجودها الحقيقي، وتصبح مهددة من طرف الآخرين ولا تشعر بوجودها الحقيقي.

هيثم بردى أثناء توقيع الكتاب

عندما يكتب هيثم، فأنه يكتب، أي لايثرثر، كان الدرب القصصي طويلا حتى توصله الى معرفة كيفية الحذف، أي قص الصور المشوهة وخلع المسامير المعوجة من الجدران الرثة، كي لاتسقط المرايا واللوحات المعلقة في قاعات النصوص، احذف يقول أورويل، (هناك كلمة للحذف، أحذفها ).. كيف يبغي كاتب القصة المعاصرة الأدهاش والشريط اللغوي متعثر؟ والهيئة الحسية ينقصها الثوب الجمالي اللآئق، قصة مابعد الحداثة القصيرة بدأت بتدمير الأزمنة وخلطها، من يساعدنا على هذه البرمجة الجمالية غير قدرتنا على تحويل الواقع السيكولوجي الى واقع لفظي، تستجيب حركة القص معه لمختلف مناسيب التوتر.. يحقق فعل القص لنفسه مسوغات انتمائه إلى الفن على يد القاص المجرب المتجدد بردى ويذهب في ذلك الطريق الى أقصاه متسلحا بالجمال لاهجا بالجمل اللآهثة الحارة في نصوصه القصصية وتنضم اليها نصوص هذه المجموعة الجديدة التي أعقبت تهجيرُه.. قاص بوليفوني من بخديدا، يُرنِّمُ مع المرنمين، ترانيم العودة والامل بأنبعاث جديد.. ترانيم لأبطاله قبالة النهر بلحيته البيضاء، في الليلة الثانية بعد الألف.. في الليلة التي كانوا يتمنون لزمانها ان لايتم!.. لم يعد لهيثم بردى مايخسره، لم يعد بطله مرموزا مقذوفا به في الصحراء والنسور الكاسرة تحوم فوقه كما في قصته القصيرة (الصورة الأخيرة ) .. هل هي صورة أخيرة حقا؟ لو كانت كذلك، فما هو الطوفان ؟! هل ثمة صورة أخيرة بعد الطوفان؟ انتظرهيثم طويلا، من المؤكد أنه لم يستطع الأنتظار أكثر، هل حانت ساعة شهادة الضمير في المعلن والمضمر لو كان مُضمر قد تبقى ؟! نسأل وهيثم يسأل عبر قاصه الضمني، والصورة التي في قصصه الجديدة، البطل فيها لم يعد بطلا مقنعا بألف رمز.. البطل صريح، فهو المغني الذي تمكن الشرير من تدمير كل شئ الا أُغنيته والبطل في القرية التي يجب الدفاع عنها، صار له تمثال واي تمثال؟ أعتقد بأن أعظم أنتصار يتحقق على الأشرار، هو بعدم أستخدام أسلحتهم! الادب لايعيد لهيثم ماسُلِبَ منه، نحنُ القٌراء، عندما نقرأ له، نعيد اليه ماسُلبَ منه! فشكرا له على هذه الثقة ومبارك كتابه الطوفان.. نرى بأن هذه المجموعة، حقل واسع ليعمل فيه فعلة النقد، ويسعدني انتاج ثمرتين في هذا المحور، فالورقة الأولى والتي كتبتها بعد قراءة المجموعة مباشرة كانت بعنوان ( الطوفان غاسل الأدران) وهي قراءة حدسية واستبقاية للمضمون وهذه هي المحاولة الثانية، أكون قد دخلت الدائرة التأويلية، في التركيز على الذات والمقصدية والمرجع والغير وهي مرحلة القراءة الداخلية، لايأتي هذا الترتيب بالصدفة، فهو كما نعلم تعاقب يأتي من محاولة الفهم ثم التفسير الداخلي ومن بعده الخارجي، ألتزم ببوليفونية تأويلية في التدرج الفهمي ومراحله حسب تعاقب وضعه (بول ريكور) ثم أفترق عنه في تفسيرية تعبيرية، تلائم محاولتي في الفهم هنا بتواضع ونتاجي بمجمله في الوحشي من الواقعية والموحش حتى في الخيال، أنتقي لها مايناسبها من دائرة رسمتها لكي أحصرهم فيها، في تلك الدائرة يتواجد الأشرار الذين لولا تلبسهم بالخطيئة المشهودة لهم لما تمت تسمية هذه المجموعة بالطوفان، الخطيئة بالعودة الى الكتاب المقدس، ترتبط بالعدوان والعدوان شر والأشرار يتكلمون بالصالحات أيضا، فهاهو جندي الاحتلال في قصة( أح ) يتفطر قلبه في الوجداني! الشر لايأتي من خارج الانسان، ولكي أكون صادقا وأشهد لهذه المجموعة القصصية شهادة ضمير، فقد خصصت هذه القراءة لتطبيقات على هذا الشر الذي يتوفر في القصص، كأولوية تفرضها أهميتها، سأتولى سلخ الشرير من النص ووضعه في مختبر فلسفي ، ثم نعيده الى النص ثانية.. اشكُرُكم سيداتي سادتي على هذه الفرصة ، فرصة ان نقرأ معا..
القصة القصيرة ذات طبيعة مرنة مطواعة تتخذ أكثر من شكل للبناء والصياغة، تحتفظ القصص القصيرة بأهميتها على خارطة الأدب في العالم، مجاميع القاصة الكندية (اليس مونرو) من الأكثر مبيعا وحتى قبل حصولها على جائزة نوبل، تلك المجاميع القصصية توفرت للعميان في اسطوانات مضغوطة ايضا، القصة القصيرة، كانت الجنس الأدبي الأبرز في الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية وهي، وفق اثباتات الأهمية، جنس أدبي يستلهم وَيُلهم..من أجل ان يكون اي نص من النصوص القصصية جديرا بالقراءة، ينبغي توفرعدة اسباب، واحد من اسباب قراءة نصوص مجموعة الطوفان، كفاءة النصوص على ان تجعلنا لاننسى! فالشهادة على العصر تخلد، حسب تعبير وليم بليك.. بمتابعة متأنية لتجربة هيثم بردى القصصية، نخرج بانطباع، أن الخامة التي يصوغ منها،هي الهم الأنساني، يرتقي به بلعبة تبادل الأدوار بين الواقعي والمتخيل الى مستوى أدبي وينقذه من الزوال والنسيان، والقاص يستبق نصوص مجموعة الطوفان بمقولة للكاتب التشيكي (ميلان كونديرا) هي (الوصف انقاذ للزائل) نراه موفقا في مقبوسته للرائي كونديرا، لكأنها تستنطق حزمة العناصرالتي تجانست معا في نصوص مجموعته القصصية القصيرة الجديدة ، هذا الزائل الذي نتشبث بوصفه لكي يكون محفوظا، هو تذكير أيضا بتكرار البربرية التي تعرض لها ابناء جلدة القاص بردى وخلال مختلف الحقب التي أعقبت احتلال وحرق نينوى الأول وحتى الأخير. محاولة ضمنية عن طريق (القاص الضمني) الذي نراه مسؤولا عن الأنا الواعية وما يتشكل منها شعرا في القص ايضا، أن يكون العالم في حاله، عود أبدي لا شيء يوقفه، هو مفهوم نيتشوي معروف يستند على نظرية له في فترة ماقبل جنونه.. كونديرا في روايته ( الجهل) ورغم أنها ليست من أفضل أعماله، الا أن لها صلة تليباثي مع مجموعة الطوفان في شدة نزوعها الى التذكير ومقاومة النسيان فغربة بطليها في الوطن وخارجه وفي كل مكان تمتزج بالنسيان، حالة يتسرب اليها النسيان، هي حالة رهيبة أن لايتبقى للأنسان سوى الاحتماء بالتذكر من طوفان النسيان، لتأكيد مواصلة الحياة، وصف ماهو زائل هنا حقا، هو تَدخٌّل الفن عبر السارد لينقذ الكينونة من شرنقة النسيان.. الواقع الذي استُلهمت منه قصص مجموعة الطوفان الخمس لم يعد واقعا منطقيا ومكانة القصة القصيرة محليا كوجه حضاري مابعد حداثوي كما نأمُل، اصبحت في خبر كان، الواقع المرّ الجافي الباعث للخوف والخيبة هو الذي أفسد، ومن هنا تأتي اهمية قصص مشيمتها ذلك الواقع الهدام، قصص قصيرة تٌكتب باصرار وحماسة كحافظة للسمة الحضارية في جينات الكاتب الرافدينية وضد شروط الواقع، بل التمرد عليه والبحث عن زاوية تكفي للجلوس والكتابة وتصميم موديلات قصصية مناسبة كمصدات للتناسي وسط العواصف والزلازل، الأدب التخيلي يتحدى التاريخ بصدقه الأنساني وروحانيته الكونية، اما تاريخ ذلك الواقع كواقع تدل عليه امكنته ووظائفها، أزمنته وعللها، فهو واقع استفزازي على اقل تقدير.
لايقتصد هيثم بردى في طرح الأسئلة تلو الأسئلة في الحواريات المؤلفة من اقصر الجمل واحيانا في تبادل الكلمات الزمنية المفردة عبر اصوات قص مختلفة.. تساؤل السببية، اي علاقات السبب والتأثير، هي دافع من دوافع التساؤل.. بعد تامل وتدقيق وجدتنا نحن الكتاب وممن توزعت حياته على هذين القرنين المشؤومين، في حالة كحالة ديستويفسكي كصوت ضمني في روايته الانسان الصرصار(.. إنني أمرن نفسي على التأمل، فأجد أن كل سبب رئيسي أحصل عليه يستتبع سبباً رئيسياً آخر، وهكذا، إلى ما لا نهاية له).. هل هناك خلاص بأسئلة السببية؟ الخلاص غير منظور، والوصف هو كل مانملك ، والزمن كما يَلحظُ ماركيز في مائة عام من العزلة، ليس خط مستقيم بل دائري ..السؤال بلماذا؟ هو منولوغ قوامه الضمائر وتدوير الأيقاع النفسي حول تجليات المرارة ، ذلك السؤال أطرحه ايضا كقارئ يروم العبور على جسر المجهول.. تصدر هذه المجموعة بعد أن تعرض كاتبها الى احتلال بيته وتهجيره، تعرض الى اعتداء فاشستي، اي ان الوغد استمتع بادراك درجة انحطاطه. لن يمكنني حضور حفل توقيع هذه المجموعة القصصية، ويمكن معرفة سبب هذا الغياب في الحوارية الضمنية بقراءة هذه المجموعة القصصية ايضا! عنوان المجموعة يُغرينا بكل ابعاده المتجذرة دلاليا ولكنني افضل ان نقرأ هذه المجموعة دون تنويم العنوان لنا مغناطيسيا، ففي الكتاب هناك ماقبل وما بعد العنوان.. طغى البشر وحلت اللعنة فحصل الطوفان في التدوين الميثولوجي والديني عنه والخ.. تتضمن هذه المجموعة خمس قصص، خمس غيمات مثقلة بالعناصر التي ستمطر وفي كل لحظة قصصية، مطرا ساخنا، بردا، حالوب او ثلج رمادي وداكن حسب درجة تأثير الجحيم! هذا كتاب يخرج من أوحال الحروب والكوارث التي طُبِخَت على نار الحصار واللعنات التي حلت بحلول الارهاب واجهاض غريزي لحلم الأنسان بالأمان والحرية والسلام على ارض الحضارات، حالات ترويعه، حرمانه، تشريده، قتله، ابادته لأنه مختلف! في المجموعة، مونولوغات مقطعة الاوصال في المحوس واللامحسوس من انسجة القصص، فالشرير هو من اطلق النار فاستشهد الابن في القصة الأولى والشريريشن هجوما عسكريا على القرية وذلك في القصة الثانية وفي القصة الثالثة شرير من اقسى الطغاة، اما في الرابعة والتي تحمل اسم المجموعة ايضا ففيها محاولات مستميتة في التحذير من آثار تمادي الأشرار على الوجود برمته وسيحل الطوفان كلعنة، وهي فنيا، تعطي عنوانها للمجموعة ككل استراتيجي يتكفل بالمعنى العام.. اما في القصة الأخيرة فالشرير يظهر بشكل مختلف تماما ، فهو الملاك الشيطان.
اذا اردنا تشبيه الرواية بالسمفونية فالقصة القصيرة تعادل الأغنية.. قصة (أم..ان) بفتح الألف أو ضمها وتلك حرية يمنحها المؤلف لقرائه بلفتة ذكية.. هي أغنية أنسانية، والموصى به على لسان الأبن هو ماأوصى به السيد المسيح، الزيتونة، غصن السلام، والقاص يرسم لوحة رائعة لمكانة الابن في تراسل الأم، هي مكانة تتماهى مع المٌقدس، الأبن يوصي امه بالزيتونة قبل استشهاده والأم تتذكر وتتحدى النسيان فلديها صورة ورسالة وكل الأشياء التي من شأنها ادامة سرمدية للحب الأمومي.. فالغياب هنا صادم أعقبه تمني المستحيل، ويتحقق الحضور الفنتازي للغائب ثم يختفي ويعود الى غيابه، هذا يمثل حوارية النص الداخلية، أما الحوارية الخارجية فهي عن ازاحة وحشية وازالة ذلك العالم برمته من قبل الأشرار وبدوافع عنصرية تستهدف المختلف، نستنتج، بأن فعل الوصف مهم جدا في توثيق الزوال، أي أن المقبوسة الكونديرية ( الوصف انقاذ للزائل) التي تصدرت القصص، لم تكن كليشة للاثارة، بل من أجل دفاع رمزي عن طريق الأبداع عن عالم الوجود المادي الذي تم احتلاله دون أن يدافع عنه أحد! تبدأ القصة من النهاية وتتجه نحو البداية وتقسيم القصة الى مقاطع نصية معنونة بعناوين اعتاد على توظيفها كتاب النقد كالتوطئة والمتن وغيرهما، هذا الشكل يمنحنا فرصة لتنظيم ايقاع انفاسنا اثناء القراءة ويستدرجنا بالأضافة لما نحن فيه من حالة تعاطف مع الصوت المعذب في القصة ، الى تعزيز رغبتنا في التضامن التام وادانة الشر وتلك من الأهداف الرئيسية السامية للأدب. لنذهب الى الدراما الشكسبيرية.. لقد تعددت التفاسير حول شخصية ياغو في عطيل شكسبير، اختياري يقع على تفسير(تيري اياكليتون) فهو تفسير ينطبق على اشرار الطوفان، ياغو لم يستهدف عطيل ويقضي عليه لأي سبب آخرغير أن عطيل يختلف عنه ويتوجب بناءا على ذلك ازاحته من المشهد ومحو اي اثر يدل عليه ولترحل معه الى القبر، دزدمونة ومنديلها، يبلعهما الطوفان! الشرير صنو ياغو لم يحتل بخديدا بمنديل، بل أتى الخاطئ مرتقيا الى رتبة مُبيد بسلاح قاتل ليكتسح ويعبث، ياغو قتل عطيل بالحوار والارهابي يقتل في مرحلة ماقبل الحوار! فهل يُعقل خطاب النسبة والتناسب وهل للشر، ثمة مقدار؟
في قصة (ام..ان) نقرأ..
(.. تهوم الروح محلقة عبر الزمان لتجبل في الخيال صورا مفترضة لأيامنا القادمة فننسى حاضر الأيام، تغيب التلال والنجوم والليل الطويل والملاجئ، كل هذا يغيب بلمح البصر ويبقى الخيال هو الشاخص الوحيد للنشوة القصيرة التي ينشدها كل في وجدانه.. بيد ان انينا خافيا لمروحية او طائرة قادمة او ذاهبة يعيدنا الى الواقع فنلوذ بالمواضع ويختفي العالم المفترض الذي يشيده كل واحد منا لنفسه في غياهب العتمة ونصحو على الواقع..)
الروح الهائمة المحلقة عبر الزمان تلمّس المستقبل وفق نظرية (الوعي المتخيّل)التي استند فيها سارتر على هوسرل ، هو وجود صورة ذهنية واعية من الماضي وباتجاه المستقبل، إستبدال تدريجي للعالم الواقعي بالعالم الخيالي، يصطدم بالفشل، فالتكيف مع ذلك المحيط مُتعب، تأتي سيمون دي بوفوار في كتابها (كل الناس فانون) بأن تلك الصور هي وجه آخر لظاهرية الوجود وتجسيد لحب الحياة.. لكن الطائرات الحربية كأسلحة مصنوعة من أجل القتل، تشترك مع كل الوسائل المادية والمعنوية التي يمتلكها الأشرار في الحرب لأيقاف آلية التصورات وحذف ماتم انتاجه منها وابقاء من في الكهف في كهف افلاطون.. وبذلك لايتبقى اي معنى للصور التي يجبلها المرء، بدلامنها، نتلقى في الحرب، كل ما هو خارج المتوقع من لعنات، ولذلك يرتبط ذلك التخيل حسب سارتر بالعدم، واذا كان ادراك الأسباب معرفة، فذلك يُمنع لأن المعرفة حُرية وحياة ! قصة ( أم..ان) هي واحدة من أفضل نصوصه القصصية، القص بتسامي وجداني، هناك هالة قدسية في وصف الاخلاص المتبادل بين الأم والابن، اشبه مايكون من جهة الأم، بأخلاص القديسة مريم للسيد المسيح حتى النهاية.. القصة القصيرة أقرب الأجناس الأدبية الى الشعر.. اي الهمس بأشياء ان لم يجسدها الوصف وينقذها من الزوال فستنتهي القصة قبل موعد نهايتها، لكن هذه القصة تكتب نفسها والقاص هنا يلعب كمايسترو يقود القصة لكي تعزف لنا اللحن حتى التون الأخير.. القص في هذه القصة بشكل خاص وباقي قصص المجموعة، متدفق وسلس، بالأستباق والأسترجاع يتشكل المبنى الحكائي، للكتابة عنفوان عالم داخلي وطاقة نصوص يتمرد فيها المركزي على اللآمركزي.. ثمة طبقات تتشابك وتتمازج لتؤلف جوا أدبيا واحدا ولهذا معمار أدبي فني متشبع متصل، طبقات تعبيرية يباغتها طبقات صريحة تعلن وربما للمرة الأولى وبوضوح تام عن رؤى الكاتب، حول قضايا العصر.. كالدكتاتورية والحرب والارهاب ، بجعل (القاص الضمني) رقما صعبا، فهو ساعي البريد الذي لايهمه بٌعد المسافات أو صعوبة العناوين والمهمات في أيصال رسائل الأنفعالات وطرود الأنكسارات، يتجه من الداخلي ويبيت فيه داخل كيس من الصور التعبيرية المتقابلة، ولايفوته تهوية اجواء بيته عن طريق نوافذ يفتحها حسب الحاجة على الخارجي كي يكمل دورة التراسل معه وأخيرا.. لكأن الكاتب، يتراسل برؤيته للحرب مع رؤية اسحق عظيموف لها (لم يمت في الحرب من هم احياء فقط )!
تزامنت قراءتي الأولى للنصوص مع رحيل امبرتو ايكو وهنا يجدر بي ايداع المجموعة على ذمة (كفاءة القارئ وكفاءة النص)على حد قول مؤلف رواية (اسم الوردة) متمنياً لهيثم،عودة مظفرة الى بيته، فالورد ينتظركم .

شاهد أيضاً

أضواء على أدب ال facebook
ألحلقة التاسعة ألبساطة منهجاً وموضوعاً
الشاعر نامق سلطان أنموذجاً
ليث الصندوق

بودّي أن أنصح القاريء ألا يطمئنّ لهذا الشاعر ، فهو سيستدرجه من حيث لا يدري …

د.جودت هوشيار: من أين جاءت مقولة “كلنا خرجنا من معطف غوغول”

” كلنا خرجنا من معطف غوغول ” من أشهر المقولات في تأريخ الأدب الروسي ، …

د. رمضان مهلهل سدخان: مسلسل “واحد زائد واحد”.. في الميزان

يطلّ علينا الفنان قاسم الملاك هذا العام بشخصيتين مختلفتين تماماً عن أدواره السابقة طيلة مسيرته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *