بداية عهد الإمبراطورية الأكدية
كونستانتسه كندل
ترجمة: بشار حاتم

في سنة 2300 قبل الميلاد ، قاد سرجون خصمه الأقوى ، سيد أوروك وزعيم تحالف المُدن السومرية ، عارياً ومُقيّدًا بالأغلال أمام معبد في مدينة نيبور.
كانت تلك اللحظة بالنسبة لأحد القائِدَين تمثل الانتصار الأعظم وللآخر ارتبط هذا التاريخ بشعور العار العميق الأبدي.
مع إذلال الملك المُعارض (لوغال زاغيزيسي)، أراد سرجون أن يُظهر للعالم أجمع أن إله الرياح والأرض وحده ،صنع منه حاكمًا لبلاد ما بين النهرين المُوحدة.
قبل هذا التاريخ ببضعة عقود، تم تقسيم البلاد على نهر الفرات ودجلة إلى عشرات من دويلات المُدن ، تتكون من عدة مجتمعات مثل أور، ولكش أو كيش ، والتي كان يحكمها القادة المحليون.
كانت كل هذه الدويلات الصغيرة لها قوانينها ومقايسها وأوزانها، وكان الناس يُصلون لآلِهة مُختلفة في معابد بلاد ما بين النهرين. وحُكامها يُقاتلون بشراسة ضد بعضهم البعض من أجل الحُدود ، وممرات المياه ، والمراعي.
وبالكاد نجح أي حاكم في توسيع أراضيه إلى ما وراء ضواحي مدينته، إلى حين وصول سرجون سنة 2325 قبل الميلاد إلى العرش ليُصبح ملك أكد ويحقق الهيمنة في وسط بلاد ما بين النهرين بمساعدة تقنية حرب متطورة.
كانت قواته مُسلحة فقط بالرماح القصيرة والأقواس والسهام وهي أخف حركة من تشكيلة السلامية للمدن السومرية ، التي اتحدت ضده والتي يقاتل جنودها في تشكيل مغلق وبدروع ثقيلة ورماح طويلة.
بانتصاره على تحالف السومريين بقيادة لوغال زاغيزيسي سنة 2300 قبل الميلاد، باتَ سرجون الاكدي أهم حاكم في عصره وأسس إمبراطورية امتدت من الروافد العليا لنهر دجلة إلى الخليج الفارسي.كانت هذه أول إمبراطورية عُظمى في التاريخ. انه استحداث ثوري في عالم كانت تُعتبر فيه المدينة أعلى مؤسسة سياسية ودينية ، وتعكس صورة الكون وموطن الآلهة.

غزا سرجون مملكة عيلام الإيرانية وسَيطَرَ تقريبا على جميع أنحاء بلاد ما بين النهرين. ومن المرجح أن حملاته قادته أيضاً عبر سوريا وصولاً إلى الأناضول ولبنان كإشارة على قوته ،حيث تُظهره العديد من النقوش وهو يغسل أسلحته في البحر الأبيض المتوسط ليُطلق على نفسه بعد ذلك لقب “ملك الكون”.
لقد توسعت عاصمته أكد ، التي كانت تقع في وسط دجلة ،وظفر سرجون بالسلطة من هناك كحاكم مُطلق ، وعينَ أقاربه في مناصب قيادية بارزة وقام بترقية ابنته إنخيدوانا إلى منصب الكاهنة الأعلى.
تستند قوة سرجون في المقام الأول على الجيش. قام ببناء الحاميات وتوطين الأكديين في المدن السومرية. فيما كان الضُباط يِراقبون تنفيذ أوامره.
بعدها تم تطبيق القانون الأكدي في جميع أنحاء الإمبراطورية. يقوم المسؤولون الأكديون بتوجيه الزراعة وتوحيد الأوزان والمقاييس. وأصبحت اللغة الأكدية هي اللغة الرسمية الوحيدة.
شَجَعَ الملك أيضاً على الأقتصاد والتجارة. تُقدم البُلدان التي تم غزوها أسواق مبيعات لمنتجات مثل الصوف والملابس والبيرة. في الوقت نفسه ، كان سرجون بحاجة إلى مواد خام لمشاريع البناء والتسليح ، مثل الخشب والقصدير والنحاس لتصنيع البرونز.
حكم سرجون إمبراطوريته لمدة 40 عامًا تقريبًا. وكان خلفاؤه يقدسونه كإله.
لكنهم لم يستطيعوا الحفاظ على إرثه بشكل مستمر. إذ نالَ الضعف من الإمبراطورية الأكدية جراء الصراعات على السلطة وتمردات الشعوب الخاضعة لها ، وقد تحطمت الإمبراطورية بعد حوالي 150 عامًا من انتصار سرجون على السومريين تحت هجوم الجوتيين الفارسيين.
ومع ذلك ، بعد أكثر من ألف سنة ، واصل ملوك بلاد ما بين النهرين النظر لسرجون كنموذج يُحتذى به.

من حوالي سنة 1500 قبل الميلاد فصاعداَ لم يعد هناك كُتاب يعملون في “الدار المُخصص لألواح الطين” وقاموا عوضاً عن ذلك بصناعة نُسخًا من المحفوظات في مكتبات القصر أو المعابد من أجل الحفاظ على النصوص. في ذلك الوقت ، كانت هناك لغتان لا تزالان موجودتين في أدب بلاد ما بين النهرين. وكلغة دارجة حلت اللهجات الأكدية ، والبابلية والآشورية ،محل اللغة السومرية القديمة ، ولكن كلغة علمية بقيت تُستخدم حتى نهاية العصر.

ظهر الأدب الأكدي الخاص من حوالي سنة 1800 قبل الميلاد. وما انجزه المؤلفون السومريون سابقًا ,خدم الكُتاب الأكديين بصورة نموذجية. قاموا بإبتكار أشكالًا جديدة ، وطوروا الأشكال القديمة ، وحاولوا التقصي عن العالم وفهمه عن طريق الكتابة.
وقد أنتج هذا السعي من أجل المعرفة نصوص علمية ،تستند إلى استنتاج منطقي وأرادت إيجاد الروابط بين الأحداث من خلال المُلاحظات: يتم تفسير الأحداث الفريدة على أنها رسائل إلهية تُبشر بحدث ثانِ. تُجمع هذه السياقات في قوائم ويتم تلخيصها كأبحاث على عشرات الألواح الطينية.
كان دافع الكُتاب الأكديين هو الرغبة في إيجاد الإجابات والتفاسير العالمية ، حتى في القصص الأسطورية. إن أول عمل عظيم للأدب الأكدي يتجاوز بكثير كل ما أنتجه شعر بلاد ما بين النهرين حتى تلك اللحظة: الــ 1200 سطر من ملحمة أتراحسيس ، التي ظهرت في سنة 1700 قبل الميلاد ، تطرح أسئلة أكبر من جميع الأساطير السومرية السابقة. تشرح قصة البطل أتراحسيس للبشرية أصلها وفنائها ، ومعنى وقيمة حياتها ، ومهمتها في الكون ، وارتباطها بالآلهة.
تجمع الملحمة بين خلق الإنسان وقصة الطوفان وعقاب الآلهة ، الذي ينجو منه الكاهن أتراحسيس في سفينته الخاصة.
وفي النهاية يبتكر كاتب أكدي بمساعدة عدة قصص سومرية قصيرة قصة الملك جلجامش ، الحاكم الأسطوري لأوروك ، تلك القصة العظيمة التي تحكي بحث الإنسان عن الخلود لتصبح أشهر أعمال أدب بلاد ما بين النهرين: هذه هي ملحمة جلجامش.
إنها بورتريه مدفوعة بإرادة العيش والبقاء ، يقود عنائها (جلجامش) إلى نهاية العالم حتى يتمكن في النهاية من قبول مصيره كإنسان فانٍ.
مؤلفا الملحمتين غير معروفين. فعلى عكس إنخيدوانا، الكاتبة التي تركت اسمها للعالم بكل ثقة ، قاما الكاتبان بإخفاء أسميهما في هذه الأعمال.
ومع ذلك ،فقد ترك شعراء بلاد ما بين النهرين (أول الأدباء في تاريخ البشرية) ، إرثًا عظيمًا. الأسئلة التي طرحوها تشغل الأدب حتى يومنا هذا. ويتم إعادة كتابة القصص التي يرونها مرارًا وتكرارًا – تمامًا مثل قصة الطوفان العظيم والرجل الذي نجا منه بواسطة سفينة بناها بنفسه.
إنها قصة قديمة. وكان الملك سرجون الأول ملك أكد ، والد إنخيدوانا ، هو أول من قيل عنه، أنه قابل أحد الناجين من الفيضانات المُدمرة.
وبعد أكثر من ألف سنة على ذكر ملحمتي أتراحسيس وجلجامش ، روى عمل آخر قُصة الطوفان. ذلك الرجل الذي يُنقذ نفسه وزوجته وجميع أنواع الحيوانات في سفينة خشبية من العقاب الإلهي, هذا الرجل يُسمى: نوح. الكتاب الذي يخبرنا عنه وعن قصته هو كتاب سفر التكوين الأول. وهو أول أسفار الكتاب المقدس.

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: مَنْ يتذكر محمد حسيب القاضي. شاعر الثورة الفلسطينية؟

كتبت، مرة مقالاً قصيراً عن مفدي زكرياء، شاعر الثورة الجزائرية، وصاحب الابيات التي أضحت نشيداً …

ثقافة سمعية
ماذا تعنى الموسيقى
عبد الهادى الزعر

لغة الروح حسب تعبير – هو لست – وهى حاجة ملحة غيرمادية ترافق الأنسان منذ …

صبري الفرحان: المثقف واستخدام المفردة (الحلقة الثانية)

اللغة التي يتعاطها المثقف غير اللغة العلمية لغة الاختصاص، وعليه قد لا نعيب على الطبيب …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    مقالة جيدة، شكرا جزيلا
    محمود سعيد
    maltaie39@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *