وليد الأسطل: جونكور 2016، انتصار الموهبة

ذكّرني فوز الصحفيّة والرّوائيّة المغربيّة (ليلى سليماني) بجائزة (جونكور) لعام(2016) بفيلم the big blue المستوحى من حياة الغطّاسَين العالَمِيَّين(إنزو مايوركا)و(جاك مايول)، يعلّمنا هذا الفيلم أنّه لا طائلَ يُرجَى من وراء تحدّي ذوي المواهب الكبيرة، و إنّما ينبغي علينا أن نفسح لهم الطريق بَعد أن نَنحَنِيَ مُعتَرِفِينَ لهم بالتفوّق. إنّ فوز (ليلي سليماني) بنت 35 ربيعاً بالجونكور عن روايتها(أغنية هادئة) و ترشيح روايتها(حديقة الغول) الصادرة عن دار نشر(جاليمار) أكبر دار نشر فرنسية لجائزة(فلور)سنة 2014 يجعلنا نعيد الخَوض في جَدَلِيّة هل الخَلْق الفنّي صَناعَة كباقي الصّناعات أم هو وليد الإلهام و العبقريّة؟ لا أريد إيراد أقوال الفريقين في هذه المسألة، و لكنّني أكاد أجزم أنّ ما أنجزته عفويّة الموهبة أبهى ممّا نحتَه تَعَبُ الصّناعة، أمّا ما يَخُصُّ تعريف (إيديسون) للعبقريّة فأراه ألْيَق بِالعبقريّة المُنتِجَة للعلوم منه إلى العبقريّة المنتجة للفنون و الآداب، فمهما أَجهَدَ الشعراء أنفسَهُم، و مهما هاموا في أوديةِ الخيال، لن يُدرِكُوا عظمة(شكسبير)، و مهما تفنّن لاعبوا كرة القدم فلن يبلغوا مهارة(بيلي)،(لا أعرِف كيف تأتيني الأفكار الموسيقيّة)(موزار).

قد يقول بعض الّذين ما بيِعجِبهُمش العَجَب و لا الصيام في رَجَب: لقد نالت الجائزة لأنّها كتَبَت بِنَفَسٍ غربيٍّ، و أنّ روايتها الأولى ذات ملامح إيروسيّة، فأُرِيدَ منحها الجائزة إستقطاباً و تشجيعاً لباقي الكتّاب العَرَب الفرونكوفونيّين، حتّى يغزلوا على منوالها، و أنّ هذا يندرج ضمن المشروع التغريبي المُرَاد للمنطقة العربيّة، و سيقولون و يقولون، و لن يكُفُّوا عن القول حَسَداً من عندِ أنفسِهِم، لكنّهم مهما قالوا فستبقى أقوالهم أبْطل من زواج عِتريس من فؤادة في فيلم(شيء منَ الخوف). لم تَزِد (ليلى سليماني) على أن غلّفت جوهر روايتها الأولى المتمثِّل في شخصيّة تخدع أقاربها، شخصيّة لها نَفْسٌ تائهة، تُعانِي حالَةً مُزمِنَةً مِن عَدَم الرِّضا، فهي غير سعيدة بما مَنَحَتهُ لها الحياة، بغلافٍ إيروسي، تماماً مثلما فَعَلَت (أحلام مستغانمي)في روايتها (ذاكرة الجَسَد) حين غَلّفَت الأوضاع السياسيّة في الجزائر بالقصّة الغراميّة التي تجمع بين(خالد بن طوبال) و (حياة).

(ليلى سليماني) الطالبة بالثانويّة الفرنسيّة بالعاصمة المغربيّة الرّباط، ابنة عائلة ناطقة بالفرنسيّة على حَدِّ تعبير ويكيبيديا، الّتي قَدِمَت إلى فرنسا سنة1999 لمتابعة دراستها الجامعيّة، ثمّ المُجَازَة بعد ذلك من معهد الدّراسات السّياسيّة في باريس.
لكنّ(ليلى) لم تتوقّف عن الحُلم، فالحُلْمُ هو أُفُقُ المُبدعين المُتَجَدِّد، ليلى أروعُ تجسيد للجملة التي يُنهِي بها (سُهيل إدريس) روايته(الحيّ اللّاتيني) عندما تسأل الأمّ اِبنَهَا(هل انتَهَيتَ إِذَن يا بُنَيّ؟)فيُجيبُهَا(بل اليوم أبدَأ). (ليلى سليماني) المُغتَرِبَة الإستثناء، المُبَيِّضَة لصورة العرب في فرنسا، كما فعل قبلها(أمين معلوف)، و ابن بلدها(الطاهر بن جلّون) و الجزائري (كمال داود). (ليلى سليماني)الخارجة على عقليّة كثير من العرب، الّذين لم تطأ أقدامهم أرضيّة متحفٍ من متاحف فرنسا، أو مسرحٍ من مسارحها أو مكتبَةٍ من مكتباتها مُنذ قدومهم إليها، عَرَبٌ يشعرون بالقنوط بسبب الجوّ المُتخَم بالحضارة الّذي يحُفُّهُم، عرَبٌ لا يرَونَ في فرنسا إلّا وسيلة لتحصيل الرّزق.

تمنَحُ أكاديميّة جونكور الجائزة عادَةً لِكتُبٍ تتحدّث عن الماضي، و لكنّها منحتها هذه السّنة لرواية (أغنية هادئة)(ليلى سليماني) الّتي تتكلّم عن الحاضر، عن اليوميّ و مشاكله، عن مسألة مَنح الثقة و الحبّ لشخصيّة غريبة عن العائلة، لِخَادِمَة. الرّواية التي تبدأ بجريمة قتل طفلَين من قِبَل الخادمة التي فوّضت إليها العائلة رعايتهما.

في نهاية هذا المقال المُختَصَر، أتمنّى لرواية(أغنية هادئة) أن تتحقّق فيها حكمة(خوليو كورتاثار)(كلّ قصّةٍ خالدة هي كالبذرة الّّتي تنام بداخلها شجرة عظيمة، ستنمو و يستظلّ في ظلّها النّاس).

شاهد أيضاً

أضواء على أدب ال facebook
ألحلقة التاسعة ألبساطة منهجاً وموضوعاً
الشاعر نامق سلطان أنموذجاً
ليث الصندوق

بودّي أن أنصح القاريء ألا يطمئنّ لهذا الشاعر ، فهو سيستدرجه من حيث لا يدري …

د.جودت هوشيار: من أين جاءت مقولة “كلنا خرجنا من معطف غوغول”

” كلنا خرجنا من معطف غوغول ” من أشهر المقولات في تأريخ الأدب الروسي ، …

د. رمضان مهلهل سدخان: مسلسل “واحد زائد واحد”.. في الميزان

يطلّ علينا الفنان قاسم الملاك هذا العام بشخصيتين مختلفتين تماماً عن أدواره السابقة طيلة مسيرته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *