د .قيس كاظم الجنابي: علاء الديب.. كاتب اللحظة

توطئة:
كان لتجارب عباس محمود العقاد في مراجعة الكتب أثرها الواضح في مصر ، فخلال سنوات ( 1930- 1967م)، أصدر كتابه ( مطالعات في الكتب والحياة)، وهو مجموعة مقالات نشرها كجزء من نشاطه الثقافي ،وغالبها كانت عروضاً للكتب ، فتناول ما قرأه ليقدمها بأسلوب شيق وحلة قشيبة ،ومنهجية متميزة في كتابه المقالة الأدبية . أما كتابه الثاني ( مراجعات في الأدب والفنون) فقد صدرت طبعته الثانية عام 1966م، بعد نجاح فكرة الكتاب الأول حين أصدره بطبعته الأولى ؛ وهو مقالات تتوفر على الكثير من اشتراطات المقالة الأدبية.(1) فقد قال العقاد في كتابه (مراجعات في الأدب والفنون):” ان المراجعة اذن هي طريقتي في البحث لا سيما في مقالات هذا الكتاب أراجع سيرة كل فكرة وأثوب بالنظر الى مصدر كل مشاهدة وقد يحسن هنا أن أعلم بأسلوب النظر الذي أميل اليه بالفطرة وأوثره على سواه بعد التجربة”.(2)
كما تحيل كتابات ناجي جواد في كتابه ( كتب قرأتها) الذي تبدو أشبه بكتاباته عن رحلاته وسياحته، ومقالاته عاطفية وشفافة، كما أنه برع في فن الرسائل الاخوانية الى أصدقائه ومحبيه ووصف البلدان وصفاً رومانسياً.(3) وكتب يوسف نمر ذياب من العراق عدداً من العروض نشر بعضها في كتابه ( قراءة في كتب لم تصدر حديثاً)؛ فأشار الى أن الأسباب التي دفعت الى ذلك ، هي أنه قدّمها بصفة أحاديث في اذاعة (صوت الجماهير)، العراقية ، فاختار أن يقدم بعض الكتب لطرافتها أو فضيلة ريادتها وقيمتها التاريخية، وهو متأثر بكتاب ميخائيل نعيمه (الغربال) والذ يعد رأس المدرسة الشامية في كتابة المقالة الأدبية، وان مهمة الناقد غربلة الآثار الأدبية لا غربلة أصحابها .(4)
ومن أبرز عارضي الكتب المحترفين من جيل الستينات الكاتب المصري، الدمياطي، علاء الديب، الذي ولد سنة 1939م، ونشر كتابه (عصير الكتب) الذي قدّم له الكاتب ابراهيم أصلان بمقدمة شيقة.
الجرأة:
عرض ليس أمراً يسيراً، بالنسبة لأي كاتب ؛ فقد وضعت الكثير من المؤلفات التي تهتم بالتعريف بالكتب على انها نقداً، ولكنها في حقيقة الأمر هي ليست نقداً، وإنما هي تعريف بالمؤلفات أو بالمؤلفين، وقد أصدر (جان سالِمه) كتابه (أدب ونقد) في بيروت عام 1961م، على أنه نقد ،ونقد جرئ مشيراً الى “أن الناقد إما أن ينقد بتجرد ،وحبّاً بالأدب ،وأما أن يحطم قلمه وبرميه بعيداً ويفتش له عن مهنة أو هواية أخرى، وينطلق في أي حقل آخر يختاره ، الاّ هذا الحقل الشائك بالذات.
فالنقد الجرئ الصادق ، هو في نهاية الذي يعود الى الأدب والأدباء بنفع عميم، وليس النقد الذي يقوم على حرق البخور فقط”.(5)
أما علاء الديب، الكاتب المصري ، صاحب الروايات القصيرة، وكاتب العمود الصحفي الذي يختص بعرض الكتب (عصير الكتب)؛ وقراءتها ،والعرض لديه هو أقرب الى المقالة الأدبية ، وأسلوبه شفاف وشاعري ومركز، وموضوعي ، فيه نفحة من الانفعال ،وفيه حرص على الاستمرار، ولديه حرفية عالية في الكتابة، وولع اختصاصي بمتابعة الكتاب وعرضه، علاء الديب شخصية كُتبية رائعة له منهج حقيقي ولكنه ليس منهجاً أكاديمياً، منهج يتماشى مع توجهات الصحافة التي ترحب بمثل كتاباته، لأنه يصنع من الكتاب أسطورة ، مادة صحفية ،ومقالة أدبية ، فكيف يمكن أن نقراً علاء الديب من زاويتنا الخاصة هذه؟
في مقالة له نشرها في جريدة (صباح الخير) في 31/12/ 1987م وعنوانها (أشجان الكتب والكتابة) عرض الكتب ،أو عصيرها الذي يستقطره من بين سطورها مهنة له، فيقول:” من حسن الحظ أن مهنتي هي هوايتي ، هي حياتي ، تلك الخطوط السحرية التي تنقل المعاني، وتهز النفوس والجبال، وتغير العالم ..
الكلمات ..”. (6)
يأتي علاء الديب تالياً بعد العقاد ، ثم جان سالة، وهو لا يعتبر نفسه ناقداً،
أو باحثاً، وإنما عارض كتب ،ويسمي كتاباته (عصير الكتب)، وهي مقالات أدبية مناسبة لكتابة هذا الفن النثري الجميل، وهو يرغب أن يقول لنا أن مقالاته هذا هي مقالات أدبية خالصة، ولكنه في مقدمته لكتابه هذا الذي جاء بمقدمتين : الأولى بقلم ابراهيم اصلان . والثانية بقلم بلال فضل . أما في مقدمته فيضع اصبعه على الجرح ويتساءل عن معنى بابه (عصير الكتب)؛ فيقول:” أسأل نفسي ما معنى هذا الباب الذي أحاول أن أكتبه كل أسبوع ” عصير الكتب” تلك النكتة القديمة المكرورة هو ليس نقداً بالتأكيد وليس اعلاناً عن كتاب ، طموحه الأساسي أن يكون مشاركة في التفكير العام . الاختيار سؤال ،والكتابة محاولة للبحث عن اجابة .وفي الصفحات التالية سأحاول أن أتذكر بعض الأسئلة ومشروعات الاجابة”.(7)
ومن هنا يبدو الديب أنه دخل في حقل المغامرة ، أكثر منه في حقل الحقيقة، والنتائج المتوقعة، مغامرة الكتابة التي ولجها ميخائيل نعيمه في كتابه (الغربال)، والعقد في مراجعاته ومطالعاته، وناجي جواد في (كتب قرأتها).. وغيرها.
في أركان المقالة:
نحن نتساءل:
– ما هي أركان هذه المقالات التي يكتبها علاء الديب في عصيره للكتب؟
الاجابة عن مثل هذا السؤال يوضحه العنوان الثانوي الذي وضعه الكاتب (مقالات) كجزء من العنوان !
أول ركن من أركان مقالات علاء الديب، هو الاختصار والتركيز، او الايجاز الذي يعني فيما يعنيه البلاغة والقدرة على الاقناع، ويشمل ذلك الايجاز في الجملة والعبارة وفي الفكرة، أي عصر الفكرة الأساسية وتقطيرها على شكل قطرات رقيقة، ومثيرة ومؤثرة وقادرة على اقناع المتلقي، وتقديمها طازجة اليه .
الايجاز يعني تقديم الفكرة بأقل ما يمكن من الكلمات، وهذا يختلف عن طبيعة بناء المقالة الأدبية التي تجنح الى الاستطراد والانشائية ، فهي فضفاضة وشفافة ، وفاضحة وذات جمالية خاصة، تستدرج القارئ الى منطقتها لكي يكون جزءاً من مشروعها.
ويدخل هذا الايجاز ، أيضاً، في باب الاستشادات التي يطرح بصفة نصوص وامثلة ينقلها من الكتاب موضوع المقالة، ففي الغالب تكون قليلة واحدة أو أكثر، كما في مقالته ( سيمون والدراويش) والتي اتبعها بعنوان الكتاب ، ومؤلف الكتاب ،وناشر الكتاب؛ وهذه المقالة هي عرض موجز لرواية لسليمان فياض القصيرة ، وعادة ما ينشر مقالاته في جريدة (صباح الخير)، لأنه كاتب مرتبط بقارئ معلوم يبحث عن تسلية وفائدة، ومقالة علاء الديب مقالة نفعية تطمح الى افادة من يقرأ بابه في الجريدة (عصير الكتب) ،وهي تكشف عن قراءة واعية ومهنية للرواية حين تشير الى أن ” الرواية جديرة حقاً بالمناقشة والتحليل النقدي المستفيض الذي يكشف عمّا فيها من حبكة ودقة في الصناعة . وهي ليست ذلك الحدث الفاجع الوحشي ولكن الرواية الأصل هي صورة رائعة للقرية المصرية”.(8)
فالإيجاز ليس ميزة بسيطة أو عابرة ،وإنما قدرة على الفهم ،وصياغة للأسلوب ، وابتعاد عن المبالغة والاطالة ، لأن الهدف من كتابة عرض مركز عن كتاب ما، من أجل ايصال الفكرة الى القارئ الذي لا يريد أن يقرأ الكتاب ،وإنما يريد أن يعرف وأن يتمتع ، وفي الثمانينات كان الاستاذ ماجد السامرائي رئيس القسم الثقافي في جريدة (الجمهورية) البغدادية، يقدم كل يوم جمعة صفحة عن عرض الكتب ، مع عمود مركز يتناول هذا الموضوع.
الاختصار:
علاء الديب، كاتب روائي ، له قدرة على الاختصار ، تدفعه لأن يكتب رواياته بشكل منسجم مع هذا الاختصار، لهذا وصفه الدكتور شكري عياد، بالقول:” ان الكاتب مهتم باللحظة” . لأنه كان يقول :” فعلاً أنا مهتم باللحظة محير أمامها ، في الحياة ، وفي الشكل الروائي ، اللحظة واتصال اللحظة باللحظة. فيها السر كلّه . كما أن هناك لحظة روائية كاملة موجودة في مكان ما”.(9)
فالإيجاز يختصر الزمن، ويختصر المكان / الفضاء ،ويدعنا لكي نعيش اللحظة، لحظة النص، ولحظة الكتابة ،ولأنه روائي يعيش تلك اللحظة ، فإن عصارته تتجه في غالب الأحيان نحو قراءة الرواية للمتعة ،ولقراءة تلك المتعة ،ولكنها قراءة شاعرية ، مثلها مثل قراءة القصيدة، وهذه الشاعرية تعني الاتصال الوجداني بين العمل الروائي والقارئ، وهو اتصال مباشر وحي، ولحظة من لحظات التعاطف مع العمل الروائي، ولكنها موضوعية وبعيدة عن المبالغة، فهو يقول عن رواية محمد برادة (لعبة النسيان) :” الرواية تعبير فكري عن لعبة التذكر، والنسيان ، عن لعبة الوعي واللاوعي . تعبير عن عناء الفكر أمام الواقع المتحوّل اللا منطقي..”.(10)
موقف الكاتب وقدرته على ايصال فكرة الكتاب ليست مهمة سهلة، وإنما هي نحت في جدران صلدة، وليس فهم بناء العمل الأدبي ،وخصوصاً العمل الروائي، وبيان مزاياه السدية وعناصر بنائه الفنية ، هو فهم عادي ومبسط ومجاني، لهذا فإن معرفة القوى المؤسسة بالأسلوب والكشف عن جلاء المعاني والأفكار ليس مجرد كلام عابر، ولكن الكاتب علاء الديب يعاني معاناة حقيقية وواضحة في ذلك ، وخصوصاً عندما يكتب عن عمل لا يعرف كاتبه ولم يقرأ له سابقاً، أو معرفته به معرفة عابرة، كما في حالة (بشاير اليوسفي) للروائي (رضا البهات) التي صدرت عام 1992م، واليوسفي هو نوع من الحمضيات ،والبشاير هي بدايات الجني، وموضوع الرواية عن حرب اكتوبر، وهي الحرب التي استعادت بها مصر قناة السويس وعوضت عن هزيمتها في 5 حزيران عام 1967م، واندحرت بعدها التجربة الاشتراكية بمصر ، وللكاتب ثلاث روايات من رواياته، تتناول مثل هذا الواقع ، حيث يقول :” فاجعتين لم تفلح مباهج الدنيا كلّها في أن تجعلني أفارقها أو تفارقني للحظة واحدة: الهزيمة العربية الكبرى في 1967 ،واندحار الاشتراكية في الداخل، والخارج وما يمثله هذا من دمار في قيم العمل والعدل والكرامة الانسانية”.(11)
وهذا يعني أنه كاتب مفتون بالتاريخ، وبالمتغيرات التي تمسّ صلب حياة الانسان ؛ لهذا تبدو مواقفه ذات طبيعة أيديولوجية صارخة، حين يتحدث عن رواية (بشاير اليوسفي)؛كما في قوله:” في الرواية اقتحام فني، وتجاوز لقضايا شكلية كثيرة مزيفة انشغل بها أدباء جدد وقدامي ز شكل بسيط راسخ ،وخطاب حار وتفاصيل معاناة التعبير الحق. أهم ما يميز هذا الصوت بالنسبة لي هو قدرته الجديدة على تجاوز صوت أديب الطبقة المتوسطة الغارق في التردد والحذلقة. هذا خروج جديد ونقلة هامة تتمثل عند رضا البهات ليس في اللغة فقط ،ولكن في الصورة ، وفي الطموح الفكري والفلسفي. عند الكاتب انتماء بديهي وتلقائي للريف والفقراء. ان قادماً من عالم جديد .. عالم التحول ،والتبدل يحمل رائحة أطراف المدن”.(12)
عصير الكتب:
يبدو الحضور الذاتي في مقالات (عصير الكتب) واضحاً ، من خلال استخدام ضمير المتكلم (أنا)، مباشرة وضمناً، وذلك بطريقة عابرة، وغير مكثفة، لأنه معني بالاتصال بالقارئ، وبالذات قدرته على جذب الآخر ، وفتح الحوار الضمني معه، لأن القارئ معني هو الاخر بمعرفة من يقرأ له ،أو يقر أعنه، لهذا يقول عن رواية محمد ناجي ( خافية القمر) الصادرة عن دار الهلال عام 1994م، والتي وصفها بأنها” ناضجة لا استرسال فيهل ولا استسهال. كل شيء موضوع في مكانه . وذات الكاتب لا تعرف البوح المباشر الصارخ ولكنها ذات مدركة لتلك العملية المعقدة التي تجمع بين الموهبة والابداع والصياغة والصناعة”.(13)
هذا وهو يبحث عن ذات الكاتب ،أما حين يبحث عن ذاته ، فهذا واضح من خلال قدرته على تشخيص طبيعة الرواية ، كما في قوله :” أقول إنها نسيج شعري روائي جديد حول معنى الخوف الانساني الخوف من الغامض والمجهول. الخوف الذي يقوم في الروح عندما يعجز العقل عن إدراك وحدة القضية. الخوف من تحدثه جزئية الادراك وتوزعه بين الزمان والمكان بين السمع والبصر والحواس ..”.(14)
فكلمة(أقول) التي تصدرت هذا النص، تعبير عن الحضور الذاتي للكاتب ، حضور الملازم لكل ما يقرأه، لهذا يبدو متحمساً ومنسجماً ذاتياً مع النص، عندما يقرأ رواية صنع الله ابراهيم (ذات ) الصادرة عام 1992م، حين يقول:” صنع الله ابراهيم ، كاتب خاص جداً، مركب ينحت في الصخر. صخر الشكل الروائي ، صخر الواقع ، ويتحدى بكل كلماته حدود التعبير وموانعه، أتصور أنه يكتب بصعوبة شديدة حاسباً في يديه وقدميه قيوداً ثقيلة من المعارف والاعتبارات الاجتماعية، اعتبارات النشر والتعبير والذوق السائد، اعتبارات الرقابة والسياسة، فهو من القلائل الذين يكتبون بالعربية، دون أن يكون عندهم استعداد مسبق لمراعاة اعتبارات السوق”.(15)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- المقالة الأدبية في العراق ( قيس كاظم الجنابي)، ص 323.
2- مراجعات في الأدب والفنون: عباس محمود العقاد ، دار الكتاب العربي ، ط1( صيدا – بيروت، 1966م)، ص 6.
3- المقالة الأدبية في العراق (الجنابي)، ص 324.
4- المقالة الأدبية في العراق ( الجنابي)، ص 159- 160.
5- أنا والكتب : جان سالمه، منشورات جان سالمة (بيروت ، 1998م)، ص 20.
6- عصير الكتب ، مقالات: علاء الديب، دار الشروق (القاهرة، 2010م)، ص 23.
7- عصير الكتب (الديب)، ص24.
8- عصير الكتب ( الديب)، ص 26.
9- روايات قصيرة : علاء الديب، المجلس الأعلى للثقافة – جائزة الدولة التقديرية 2002م (القاهرة، 2003م)، ص7.
10- عصير الكتب ( الديب)، ص 28.
11- روايات (الديب)، ص 7.
12- عصير الكتب (الديب)، ص 31.
13- عصير الكتب ( الديب)، ص 40.
14- عصير الكتب (الديب)، ص 41.
15- عصير الكتب (الديب)، ص 42.

شاهد أيضاً

مرافئ يحيى السماوي كما يراها الكاتب لطيف عبد سالم
كتابة: عبد الصاحب محمد البطيحي

عندما يتصدى المرء للكتابة عن شاعر أو ناثر، ستكون ادواته التي يستعين بها، بالضرورة، هي …

الدكتورة سلوى النجار وعنايتها بعملية التحليل والمكاشفة النقدية
كتابة: فهد عنتر الدوخي

تداولت النخب الأدبية في كركوك الأسبوع الماضي صدور كتاب (فاروق مصطفى:نديم الزمان والمكان في كركوك) …

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني: التعريف بمؤلفاتي المنشورة ورقيا والكترونيا
(الكتاب الرابع وا لعشرون)
(نـفـثـات القـلـب)

ديوا ن شعر المجموعة الاولى . * طبع و نشــر الكتـاب ورقيـــا من قبل (مطبعة …

تعليق واحد

  1. علي الجنابي

    شكرا لكم على جميل رحلة صحبتكم فيها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *