نقد غير موضوعي في الأدب اللامقارن عن المجموعة الشعرية “سماء الخوف السابعة” للشاعر مروان ياسين الدليمي
نقد : د. إياد آل عبّار (2/1)

الناقد الدكتور إياد آل عبّأر

إشارة:
بصمة أسلوبية فريدة ومميزة ومقترب نقدي “غيرموضوعي” مدهش وصادم يتناول به الناقد العراقي الراحل “د. إياد آل عبّار” مجموعة الشاعر المبدع “مروان ياسين الدليمي” “سماء الخوف الثامنة” من المؤكد أنها ستكون مصدر دهشة مُلذة وإمتاع معرفي عميق للقارىء. فتحية لروحه في عليين (رحل في تورنتو-إيطاليا عام 2013) وللشاعر المبدع مروان الدليمي.

تاجـــر العوســـج والصبــَّار

لا شكَّ من أنـَّك… أنت فنـَّان، فقد تعلـَّمت الكثير من الفنون: فنُّ التجارة، السرقة، اللعب بالنرد، التجسس، البوح بأسرارك وأسرار الآخرين، التقمُّص، حضور الحفلات التنكرية،… تعلـَّمت أن تقول ما لا تريد وتريد ما لا تقول، صرت مخرجاَ لحكايا عن ألف ليلة وليلة… تحكي عن السندباد ورحلاته السبع، تدرَّبتَ على القتال وأصبحت محارباً ـ مصارعاً ـ عبداً، لا يدري عمـَّا وعمـَّنْ يدافع ولكنه ربـَّما يفعل ذلك ليُبقي على ما تبقى من النفس، تختفي لبعض من الوقت وتمتهن ما لا يخطر ببال أحد، تمتهن الأدب المستعار، ترفع علم الجاني على نفسه، إنـَّك تصنع أوانٍ فخارية، تصير حدَّاداً متفانٍ بعمله يصنع أقنعة الإرتجال، تعصر خمراً… زيتاً، تبيع ثلجاً لسكان ألاسكا! يا لك من فنان! ” إنَّ في البيان لـَسِحْراً”

التاجر:
يدخل في سوق يعرفها ولا تعرفه، يتجول فيها من أولها حتى آخرها، يبيع ويشتري، يقايض ويغبن، يحايل ويماطل، يغافل ويبدِّل، يشتري بأبخس الأسعار ويبيعُ بأعلاها، يجعل أذناً من طين وأخرى من عجين عندما يواجه مزايدة أو مناقصة على سِلـْعَةٍ يريدها وفي آخر المطاف يصرخ بكلمته المعتادة: إشتريت!
يعود إلى متجره ومعه عشر جمال محمَّلة بأحلى وأقوى وأعمق الكلمات، يغسلها، ينشرها على حبل الغسيل، ينتظر أن تجف ثم يصفها، يعزلها، يـُنـَقـّيها، يفصلها ويركَّبها، يهندمها بالسوط وبالصوت، بالرصاص والجروح، بالدمع وبالحسرة والآهة، يلفها بشرائطٍ من الأمل واليأس، من الحزن والألم… ثمَّ… في اليوم الثاني ينثرها حتى تصل سماء الخوف السابعة!

راحِلـُونَ
إلى براهين الكدمات
في أضْلـُعِ اللَّيل العراقي
وهو يـَلـْوي عُنـُقـَه…

الشاعر مروان ياسين الدليمي

السارق:
عرف صاحبنا انَّ مهيار الدليمي وهو أحد أجداده وابن عبد ربه والثعالبي والكثير من الآخرين الذين امتهنوا الشعوذة وسحر البيان والأخذ بعقول المساكين والذين لاحول لهم ولا قوة
إلا َّ أن يخضعوا لهم ويأكلوا مما تصنع عقولهم وأيديهم المضرَّجة بدماء الكلمات وأمهات الفكر ويتامى الحروب و الويلات، عرف صاحبنا أن كل هؤلاء قد اجتمعوا في أحد خانات المدينة وكل معه كنزه! تهيأ صاحبنا فلبس خُفـَّيْ جنـِّيّ ٍ وعِمامة الحجاج الحمراء! وفي عمق الليل داهم الخان وسرق وقتل ونهب، لم يُبْق ِ شيخاً ولا ولداً ولم يَنـْجُ منه كنزاً ولا تلداً، سرق جدّهُ مهيار بعد أن أطاحَ بهِ وعلـَّق إبن عبد ربه من أذنيه بعد أن أخذ صندوق خشب الأبنوس الذي فيه العقد الفريد، ثم يتـَّمَ يتيمة الثعالبي، وبعد تأكّده من أن عمله قد تمَّ ولا أحد يقتفيه، أخذ جواده وطار بين غيوم الجروح وقساوة الغربة، بين نيران الغزو والحروب والغدر والخيانة! لم يستسلم ولم يدع أحدا يسطوا على غنيمته وعندما وصل الى مخبأه فرد الكلمات وشذ َّبها، قصَّ دابر الجُمَلِ الطويل واختصر الدرب التي تؤدِّي الى القلب فطعنه قائلا ً:

أيـُّها السَّخـْط
التـَئِمْ
ثـُمَّ
التـَئِمْ
ولا تـُخْطِئ الألـَمْ.

لاعب النرد:
في الحانة، هناك من يشرب بصمت وهو يحدق بالسقف الخالي من كل ما هو مجلب للإنتباه أو محفز للذاكرة، وهناك من يشرب مع ندمانه ويحكي لهم عن مغامرات الـ دون كيشوت وحروبه ضد الطواحين، هناك من يعزف على عود مقطـَّع الأوتار وآخرينقرعلى طبلة مهترئة تعبى وآخر ينفخ بناي ٍ مبحوح وراقصة ترقص بين الجروح والأنـَّات. الكل لاهٍ بماهو فيه إلا َّ صاحبنا فهو يراقب بنظرات عميقة، يتفحص كل حركة وكل سكون، يحدِّق بالألوان، بطيـَّات الستائر والتِفاف اشعات الضوء الداخلة من خلال زجاج الشبابيك الوسخ المملوء بأجساد حشرات أتية من البيت الأبيض أو من أماكن وبؤرٍ ومستنقعات كانت قد احتشدت فيها السموم، حشرات مسحوقة وملتصقة بالزجاج وكأنـَّها تشكل رسوما ناتئة لحروب خسرتها أو لم تستطع إلا َّ أن تكون ضحيتها الأولى.
صاحبنا يأخذ شيئاً من كل ما حوله، يضعه في بودقة ويمزجه بخاطره ويضيف إليه ويقصره بالقواعد والحوامض، يسخِّنه بنار هادئة طورا، وملتهبة هوجاء أخرى، ثم يعد تصفيتها وتقطيرها وعندما ينتهي ينهض صارخا: مَنْ يلعب؟
الكل يستجيب لندائه وتبدأ اللعبة. هو لاعب مُتـَمَرِّسٌ، يقرأ الأفكار، يعلم ما تخفي الضمائر ويفسر الأحلام! ولكنـَّه لا يثق بالآخرين! لذلك فهو يخفي في طيات كُمَّيْ” قميصه المقدود من دبرٍ!” زهراً أو إثنين أو حتى ثلاثة يستعملهم عندما يتفشَّى مرض الغش والغبن والخداع في اللعبة. تطول المراهنات وتمضي ساعات الليل تارة أنيقة ترتدي مصابيحا وقمرا من الفضة والذهب، بطيئة الخطوات متمالكة نفسها تتأرجح ما بين قبلة وضمَّة وتارة مثقولة بغيوم سوداء وعواصفَ تخفي صواعقاً وهديراً، غضباً من عند الله!
صاحبنا يخسر دور لعبةٍ ويكسب تسعة وهكذا. في آخر الليل يكون قد كسب تسعين لعبة وخسر عشرة. يتوقف، يفرك أرنبة أنفه بيده اليسرى ويرمي زهره عشر مرات ويكسب! يلم ما كسب ويخرج قبل أن يُكشف أمره. يعود إلى وكره، يضع عقدة الغنيمة على الطاولة ويفتحها… يداوي الجروح، يخيطها ويجفف الدمع، يغسل، يكفن الموتى ويصلـِّي عليهم ثم يدفنهم في القلب!

في الحادي عشر من نيسان
من السنة الثالثة بعد الألفين
هكذا أظن،
سقطت نينوى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
من بيوتٍ
كانت تحيا على كفِّ انـْتِظار.
من أسطورةٍ إسْمُها نينوى
كان الفجر منها يجيئ…
هي الآن جرحٌ
ورواية للذهول تحت الرماد.

د. إياد آل عبّأر في مشغله

الجاسوس:
إمتهن صاحبنا مهنة خطيرة إذ لم يجد بداً من ذلك! مهنته هذه ذات كلفة باهضة فهو لا يتجسس على الآخرين فقط بل هو يفعل هذا على نفسه أيضاً! إنـَّه جاسوس يتجسس على كل شيئ حتى على ملائكة الله! كثيراً ما يغافل روحه ويختلس السمع والبصر بل يمد يده ليتحسس الجراح ويستنسخ الأخبار ويكتبها بدمائه وينقلها الى حيث يـُؤْْمَرْ… الى مقبرة جماعية في حيٍّ من الأحياء في مدينة من مدن العراق! التجسس مهنة مأساوية قذرة، مهنة الضباع والقرود البابوينية، إذ أنـَّهم يتجسسون على الآخرين من غيرهم.
إنـَّه ملك الضباع وملك القرود! على هذه فإنَّ داروين لم يكن مخطئاً في نظريته. إنـَّه يفضِّل أن يكون كذلك، ملك للضباع والقرود وليس للكثير الذين لا يفقهوا القول:

قد ضَيـَّع اللهُ مَاجِئـْتُ بـِهِ مِنْ أَدَبٍ
ما بَيـْنَ الحَـمِيـِرِ والشـَّـاءِ والبـَقـَرِ

إذا ما سَكَتـُوا قلتُ إنـْسٌ وإنْ نطقوا
قلتُ الضَّفادِعُ مابين الماء والشـجر!

الضباع تفهم، تحاول أن تبقى على قيد الحياة كي لا يـُباد بني جنسها، بينما البشر يبيد بعضهم بعضاً، والقرود أذكى من الكثير الكثير من البشر فهي تجعل الإنسان يصدق من أنها تقلـِّده بما يفعل وهذا غير صحيح، إذ أنها تنتحل العراك والقتال فيما بينها ومن بعد ذلك فإنَّ كل منها يعرف دوره في داخل حدود الجماعة وفي خارجها، لذا فإنَّها ليست بحاجة للتجسس على بعضها البعض.
ملك الضباع والقرود ليس ضبعا أو قردا، بل هو شاعرٌ قد أمسى ملكاً! وعندما يحدث هذا…” وهنا أريد أن أحدد قولي”: الشاعر عندما يصبح ملكاً يحكم على نفسه قبل الحكم على الآخرين، لا لشيئ بل فقط لأنـَّه شاعرٌ… يـُصْدِرُ الحكم على نفسه بأن تقتله الكلمات!
إكتشفَ الجاسوس يوماً وهو يتأمـَّل من أنَّ الكلمات، كلماته بالذات تتجسس بعضها على بعضٍ!
ـ إعترِفْ، مَنْ هم أصحابُكَ، مِنْ أيِّ حزبٍ أنت؟ إعترفْ وإلا َّ هشَّمْتُ رأسك بهذه الهراوة!
ـ …
ـ أتـْرُكهُ، لا جدوى منه، قد أسمعت إنْ ناديتَ حيـّاً…خذوه من هنا واخسروا عليه رصاصة واحدة لا أكثر!
ـ أيها الرماة أستعدُّوا، هل لك رغبة أخيرة؟
ـ نعم… أطلقوا النار على بعضكم البعض!
ـ هذا من أمانيك، هل أغمض عينيك بهذه؟
ـ لا، يعجبني أن أتأمل المنظر!
ـ … أطلقوا النار!
كان صاحبنا مغلول اليدين وحافي القدمين، مربوطاً إلى عمود من الخشب المحروق، ينزف وعيناه يغطـِّيها سحاب من الغروب والغربة… كانت الساعة الخامسة بعد الظهر وكان عرسا للدم!

كلـَّما حدَّقـْتَ في ثآلِيـلِ الكآس،
سامرَتـْكَ حَكايا مُفـْزِعةٌ.

الفـَتـَّان:
” الفِتـْنـَة ُ أشَدُّ مِنَ القـَتـْلِ”. هل أجبرك أحد على الكلام، هل عذ َّبك حرَّاس المعبد ـ السجن؟ لماذا حكيتَ، بُحْتَ بسرِّك وسرِّ الآخرين؟ كيف سمحت لنفسك فعل هذا؟ ألا يُعَذ ِّبُكَ الضمير؟ قـُلْ هل ضميرك متصلاً أم منفصلاً أم موصولاً، أو بالأحرى هل لديك ضميراً أصلاً؟
ألا تدري أن الأفكار والكلمات ستودي بك؟ لماذا لم تتخذ الصمت رفيقاً كما كنت تفعل من قبل؟
لماذا أزدتَّ الجرحَ جراحاً، لماذا نطقتَ بالذي لا يُقال، لماذا شحذت السكين وذبحت نفسك من الأذن وحتى الأذن؟ أتتذرَّعُ بالرمال والعطش، تخفي الصحراء في عقدة بين حاجبيْك، وتغطـِّي وجهك بيديكَ وتعتذر؟ لا عذر لمن يتجرَّأ ولا مناص لمن يحكي!
ها أنت قد فشلت بتقليد الآخرين، لم تنجحْ في مثولك أمام القضاء ولم تـُعطِ إلا َّ حياتكَ وهذه لا تكفي لمثل هذا التجرأ ْ! ألم أقلْ لك من قبل ألا َّ تفعلْ؟!

كان عليك أن تبقى نادراً بفصول عُشبك
شاهداً على انكسار الطريق
في قيثارة المدينة.

يا لي من أحمق! كيف أ ُوَجِّهُ إليك كل هذه الأسئلة وكيف لي أن أتـَّهـِمُكَ؟ كيف رسمتُ ماقلتَ؟ …ربـَّما لأن هذا حدث لي قبلَ أن يحدث لك!

ها نحن:
نفتـَتِحُ مَشْهَدَ الكلام،
نتـَوغـَّلُ في تـَجَلـِّياتِ الموت.
………..

الموت: أنتم
ساعات من الفوضى
تخدش التراب
تشطب المراجيح
وترسم الدم على مرايا الطفولة.
……….. في شارع الدوَّاسه.
… في شارع النجفي
لبولص ادم …
للمثقف اليساري صباح سليم…
لهوس … شفاء العمري
….
لمن لا يعشق مدينة أخرى في الدنيا
غير مدينته:
موفق الطائي وقحطان سامي.
………
هكذا نقف لنحصي الظلال الراحلة
والملاءات ترتجف يوماً بعد آخر.

مرسم الشاعر والاكاديمي د. إياد آل عبّار

المُتـَقـَمِّص:
صاحبنا اشترى من دكانٍ يقع على زاوية في آخر الطريق الذي يُؤدِّي إلى بوابة “شمش”، إشترى “أحَدَ عَشَرَ كَوْكَباًً وَالشَّمْسََ وَالقـَمَرَ، اشْتـَرَاهُمْ سَاهِمِين”! عاد إلى مثواه! يَعُدُّ الكواكبَ ويُحْيي الشمسَ في القلب ويُعانقُ القمرَ في وضْحِ النهار. يُحضِّرُ للرقصة الأخيرة في حفل تنكري لليلة من ليالي العبودية في قصر الحرية الذي اشتراه نجار من الناصرة! جمع الكواكب ولفها بورق شفاف كباقة وردٍ هدية للرفيقة المزعومة والتي سترقص معه، إلا َّ أن أحد الكواكب رفض وثار ضد المتقمص، كشَّرَ عن أنيابه وزمجر وهدَّدَ وأطلق رجليه للريح بعد أن فكَّ قيوده.
لم يكترث صاحبنا لثورة ذاك الكوكب ولهروبه بل تعمَّد عدم الإكتراث واستمر في أدائه للدور الذي كان قد أدقنه وهو يتمرَّن على خشبة مسرح كان قد قـُصِفَ من قِبـَلِ رعاة البقر المرتزقة. المخرجُ كان صعبَ المراسِ وذوسَقـْبٍ للغضب فكان يصرخ ويلوِّح بذراعيـْه وينحني ليأخذ نعاله ويضرب به رأسه عندما تزداد سَوْرَةُ عدم الرضى عن أداء الممثل المتقمص. لذا فإن صاحبنا لم يكن لينتهي من أدائه للدور إلا َّ في ساعة متأخـِّرة من الليل الذي كان قد تلى ليالٍ أخرى ملتهبة بعذابات آتية من كل حدب وصوب. كان يبكي ويتأوَّه وفي بعض الأحيان كان يتوقف ولا يرد ليحرِّك ساكنا لما يقول له المخرج! شِفاء، هذا إسم المخرج وليس وضعه وحاله من الصحة وطول البال والرحمة لنفسه ولمن يعمل معه، كان يعيش حياته على المسرح ويموت يوميا سالكا زقاقا أو دربا من دروب الموصل القديمة. يـَثـْمَلُ ويـُمَثـِّلُ وهو يناقش حلا ًّ بطريقة ساخنة لمعضلةٍ تصيبه وهويستأصل من جرحه، هو الآخر، شضيـَّة ً كانت قد دخلت تحت ضلعه الأسفل الأيسرالمكسور!

تذكَّرْ…
تلي صيحة الروح زهرة.

الحفلة التنكرية:
“سار الغرباء بماضيهم المؤَثـَّث بالدخان على أجنحة الطرق المضيئة بأسمائنا وافتتحوا الزحف بأُمنيات قذائفهم حتى وصلوا سماء الخوف السابعة زجرُّها على الإسفلت مأهولة بدمعنا”.
كنتَ معي في فينيتسيا ـ أذكر هذاـ كنتَ قد اتـَّخذتّ ركنا أمام المرآة وأنت ترتدي زيـّاً قرمزيـّاً مائلاً الى السواد وعلى وجهك نصف قناع يخفي عينيك، رسمتَ شامةً سوداء على الجهة السفلى من وجنتك المملوءة بالخوف، وضعت على رأسك شعرا مستعارا أشهب اللون وقبـَّعة سوداء من المخمل السميك، تحت صُدَيْرِكَ قميص أبيض مهلهل بأكمام من الدنتيل المزركشة باليد، سروالك القرمزي يتدلـَّى حتى ركبتيك ومن بعده تغطي ساقيك جوارب بيضاء طويلة حتى فردتيْ حذائك الأسود اللامع ذي الكعب والمحلى بحدوتي حصان صغيرتين، أخذت بيدك اليسرى عصاة في رأسها نسراً مختوم عليه أول حروف إسمك M وقلت لي: أنا حاضر!

مغلولاً بحزني
أستدرج النهار حتى نافذتي
وظلال الحكاية تخدعُ الطريق إلى ندائي.
كنتَ معي في البندقية ـ أذكر هذاـ أخذنا قارباً وعبرنا القنال الكبير ثم وصلنا الى القصر، أعلنَ عن وصولنا الحاجبُ قائلاً: الدوق مروان الدليمي وصاحبه ـ لم يعد تنكرنا ذا فائدة!ـ بدأتَ تلاحق الظلال وما خلف الأضواء ولم أكن أدري ما كنت تبحث عنه، إلا َّ أنـَّني علمت من كلماتك السابقة من أنـَّك لا تخشى أن تموت بلا ظلٍّ مبقياً أسماءكَ الثمانية.

على سياج قبري
علـَّقوا أسمائي
وغادروا التراب
بعد أنْ تحصُّوا قتلة التـَّوهُّم.

لم تكن معي في البندقية، بل العراق كان معي! كانت كلمات ترن، بل تصرخ
في رأسي…كانت كلماتك أنتَ.
بعد عام صحوت
قالت زوجتي:
لا تغويك عتبة الدار
فالمكائد ما زالت تجرُّ المدينة من بكارتها
وتدفعها من بساط الى آخر.

لم تكن معي في فينيتسيا على الإطلاق. كنت لوحدي، أنظر الى الراقصين، أكرع كأسي وأطحن كلمات شعراء العرب من الجاهلية وحتى عهد مروان الدليمي!

في مكان ما
انكسرت لغتي
تعثـَّرت بها
لم أعد أذكرها

القائل:
أحقـّاً ما تقول؟ هل انتهى بنا الأمر الى الحضيض، أم أن الحضيض هو الآخر لم يعد يريد أن يكون ملجأ ً لنا؟ تـُفَّ من فمك هذه العبارات وتكلم كَمَنْ يرمي بالرصاص على أولئك المحكومين بالحياة في جوف الموت. ألم تقل بأنـَّك ” أنا… غائب عنـِّي”. كيف يقول من هو غائب، هل أصبحت إماما غائبا أم أنـَّك مازلت تتقمَّص وتراوغ؟ أم أنـَّك تعلـَّمت من آخرين كل هذا، منـِّي
مثلا ً ؟ ها أنا غائب وأقول!!! يا لك من تلميذ ذكي حريص على أداء واجباته! البلاد لا تكذب، يا شقي، لكن الرجال تكذب، الأرض لا تنكر الجميل بل الأنسان هو الذي يفعل.
صدقت “نحن لم نعد نشبه ما نحن” “…بعد أن نأكل اليقطين المدون في
جدول أيـَّامنا…
من معسكر الرشيد حتى نكرة سلمان… كانت المشانق فيها أهزوجة البلاد…
لم المشانق، لم الفوارق… لم الضالعون بالقتل هم دائما احبابنا واسيادنا…
لم الإنقلابات الدموية… تتبعنا؟” ” من نحن… من ليل بغداد الثقيل؟”
هل أكمل؟ نعم والله سأكمل، رغم أنف أبيك سأكمل وسأقول ما أريد أن أقول
ولن أخفي ما أريد أن أقول! ها… يا صاحبنا ألم تتيقـَّن من أننا في الهوى
سوى وأننا في مسرح العبث قد أمرونا أن لا نعبث! أنا ثرتُ على الأوامر
… وأنت؟ هل ثرتَ؟ هذا ما كنتُ أتوقعه، وكيف لا تثور وقد نـُقشَ على
قدرك منذ أن بدأتَ ” الدخول الى متن الحكاية:”
لا تقل، لا تعد الأسماء، لا تذكر الطرق والشوارع والأزقـَّة، لا… لا تقل
شيئاً، كن عشيقاً مخلصاً للصمت!

دِلـِّيني أيتها الذنوب المقدَّسة
على وشم براءتي
وأزيحي عن سمائي أُرجوحة الدسائس
لعلـِّي أُدرك شكل البحر
وأتذوَّق طعم الزرقة بعد الخمسين.

ألم أقل لك أن تصمت، ألم أحذرك؟ أنت لم تكن معي في البندقية، بل في كل زمان ومكان! لكنـَّك كنت كثير الكلام وكانت الحمى تجبرك على الهذيان فتفشي بأسرارنا وتقول كل الذي كان لا يجب أن تقوله وتخفي ذلك الذي كان يجب أن تقوله.
برفقة الأجراس، ينام الظلام في حذائي
بعد أن أسدلت الستائر على ضجة المحاربين وهم يكشفون عن عوراتهم
في مراهنات لإكتشاف فحولتهم مع نساء مَسَخَ البؤس اثداءهنَّ.

في اليوم التالي:
يعود المخطوف من غموض قبضة الخاطفين، يسقط بعد منتصف الليل
يعوي مرعوباً كالكلب، يستجوب نفسه، يقتادها الى الشارع،
رغم حظر التجوال، يصب النفط عليها ثم يشعلها.

الهروب خلف يقظة التضاريس الآشورية في أمكنة يرقد فيها المحاربون
جاؤا من كل جهات الأرض يقطع الشك بأن زوجة المخطوف كانت قد أوقفت المراهنات عليها حين تجردت من ملابسها وعلقت روحها على سارية العلم.

ألم أقل…

المخرج:
جلس صاحبنا على كرسيـِّه المعتاد القابل للطي والخبن والقطع والأيصال كما تقتضي الحاجة في العروض! السكوت يعمُّ المكان. كُتِبَ على ظهر كرسيـِّه بعدَّة لغات: سكوت، Silentium ،Silencio, Silence, Silenzio, Silence, die Stille
… ولغات أخرى. إذ أن العاملين معه من ممثلين وكومبرس وكاتبي السيناريو ومجهزي المعدَّات والملابس…و…و… وحتى حارس المرأب، كلهم من المرتزقة من شتـَّى أنحاء مراكز التدريب المهني في الأمم المتحدة للمحترفين في القتل والسلب والنهب والإغتصاب والتدمير كيفما اتـَّفق.
ـ ماذا عندنا اليوم؟
ـ مشهد لقنبلتين ملغومتين، الأولى في جامع النبي شيت والثانية في كنيسة أم المعونة أي على طرفي سوق الـ تيارية وشارع الدوَّاسة حيث يتسكع كل أولئك الذين…
ـ كفى، فهمت، هل الكل جاهز؟
ـ نعم يا أستاذ، الكل جاهز!
ـ سايلنس…أكشن!!!
المخرجون يتحدَّثون بالإنكليزية ويكتبون بالعربية ويختمون بالإبهام كي يكون نتاجهم مبهما وغير مفهوم من قِبَلِ العامَّة! أمَّا الخاصَّة فلا يعنيهم هذا بقدر ما تعنيهم الغنائم!

كأنني أوقظ البعيد من ليل البلاد المعصوبة بميراث النواح وليس لها إلا َّ أن تصرخ على نساءها: أخـْضِعنَ أعماركنَّ لليباس
واغمضنَ أعينكنَّ عن رؤية الندى
على وجوهكنَّ.

هم الحثالات أمطرونا بالبصاق والبساطيل والقادة الأباطيل وشتـَّى أنواع اللطم. هم المرتزقة جعلونا نقطن الحرب أو أنفقونا واستنكروا النطق بأسماءنا وكفـَّرونا وأباحوا لكل أصناف المارقين أن يصففوا شعورهم وينظمون الشعر فوق أشلاء جثثنا.

راجماً ذاكرتي كلما استدارت الى الخلف وطعنتني.

ـ هل انفجرت القنبلتان؟
ـ نعم.
ـ مَنْ مات وكم عدد الموتى والجرحى؟
ـ النبي شيت والعذراء ماتا وبعض الملائكة منهم جرحى ومنهم مَنْ قضى نحبه!
ـ حسناً، إنتهينا من عمل اليوم. إتـَّصِلوا بالأمم المتحدة وإجمعوا ما تبقـَّى، لا تنسوا القضبان والمعاول، أطفؤوا الماء بالنار! وحددوا موقع التصوير جيدا، خذوا الزوايا من الصليب المعكوف وعيِّنوا عليها الإصابات كلِّها، ضعوا الحواجز وإشارات منع الدخول، فتـِّشوا في جيوب النبي شيت والعذراء قبل أن يُدفنا، علـَّكم تجدوا ما يبرر عملنا هذا! عندما تنتهون من عملكم هذا توضـَّؤوا وصلـُّوا ركعتين لوجه الله تعالى ثمَّ اشطفوا بالماء والمعقـِّمات أرضيـَّة مسرح الأحداث، لا تتركوا أثرا لكلماتي وتجلـَّدوا بالصبر والإيمان.
ـ حاضر يا أستاذ، كل شيئ سيجرى حسبما قلت.

حدَّثني الطفل حين كانت أمُّه ترزح تحت بيارقنا
تتلقـَّى القبلات وهي تبكي بصمت: أبي يُعَلـِّقُ الكثير من
مِنَ الأوسِمة على صدره…

.. يتبع

شاهد أيضاً

د. وليد العرفي: النهايات المفتوحة قصيدة (خلجات) للشاعر “عادل الحنظل” أنموذجاً

تتناول قصيدة الشاعر عادل الحنظل موضوعة الغربة والبعد عن الوطن ، وطالما كانت الرحلة من …

صباح هرمز: رواية النبيذة. . . ولعبة كتابة الميتاسردية

رواية (النبيذة) لإنعام كججي واحدة من الروايات العراقية الجديرة بالتصدي لها في دراسات جادة ورصينة، …

عباس خلف علي: كونتيجين (1) بين النبوءة وقِراءة الواقع

ما كدت أنوي الحديث عن هذا الموضوع لولا العديد من التعليقات التي أثارها – كونتيجين …

3 تعليقات

  1. بولص آدم

    صداقة د. خليل العبار مع روفائيل ألبيرتي ومجالسته سلفادور دالي تدل على قدراته كمبدع أولا ومغامراته لتطوير معرفته الشخصية وأكتنازه بخبرات متنوعة إنعكست في فنه و نقده ومجمل تقييمه وتذوقه، بلاشك نحن أمام كتابة نقدية تستفز ولا تهدأ وتنساب متسربة الى أعمق طبقات النص وتتحدى الأسى الشعري بأسى أكبر منه لخلق صدمة ينتج الصحو التام عنها.. تتطلب من القارئ، إستعادة تجاربه الحياتية والمكتسبة و نسخها ثم ضمّها الى خطاب الشاعر والناقد وفي ذلك متعة عقلية ليس أفضل منها متعة، رحمه الله، وزاد من إبداع الشاعر المنقود إبداع على إبداع

  2. مروان ياسين الدليمي

    بغاية الامتنان د. حسين سرمك ، لانك تنفتح بادارتك لهذا الموقع المتخصص على فضاء جديد من الكتابة التي هي اقرب للبنية الابداعية منها الى التجنيس النقدي ،وهذا الفهم المنهجي لدى العبار في قراءة النص يضعنا امام تجربة فريدة في كتابة نص نقدي مواز للنص الشعري من حيث ما يحمله من مستوى عميق ومدهش في تأويل البنية الشعرية .

  3. شكرا جزيلا أخي المبدع الأستاذ مروان ياسين الدليمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *