د. عيسى الصباغ : أقنعة الرغبة (ملف/14)

مقدمة 

يتميّز القاص فرج ياسين بكتابة القصة القصيرة جدا أو الأقصوصة ، وكلا المصطلحين يشير الى مسمّى واحد  في الأعم الأغلب ، أقول يتميّز ، وكدت أقول يتفرّد ، بكتابة هذا الفن السردي لما تتضمّن قصصه من مزايا أسلوبية وخصائص فنية عالية ، تجعله يترك خلفه مسافة بينه وبين أقرانه من كُتاب هذا الفن السردي ، وأحسب أن تميّزه أو فرادته تتمثّل في مقدرته على صناعة الرمز ، وتشفير لغته القصصية  وتغذيتها بإيحاءات تنأى بها عن المباشرة والتقريرية ، وتزيدها خصوبة في المعنى وغنى في الدلالة ، وهي بهذه المواصفات تقترب من منطقة الشعر وتتاخمها . 

فرج ياسين ، في اقاصيصه ، يختزل ويلمّح ويشير ، ولا يفرّط اختزاله بمقومات السرد ، ولا يضحّي بأيما تقنية من تقنياته ، بل نرى كلّ هذا حاضرا في نصوصه السردية وموظّفا على نحو مدهش ، وشاهدُ ذلك أقصوصته “سرداب الخفّاش ” إذ نحن بصدد الحديث عنها الآن . 

النص ..

سرداب الخفّاش

شممتُ رائحة الغربال الذي نقلتْ فيه البنت البلهاء زهرات القطن ، من الحجرة الداخلية  وراء صندلية الفراش . كانت الخالة نوفة تُحدّث أمي عن التنور ومرق العدس وعن ابنتها البلهاء ، وجعلنا ننتظر حول ضوء الفانوس بيننا كومة القطن لكن رأسي ظلّ يضج بنباح الجر الذي ربطته في سرداب الخفاش ، ثم ممدت يدي الى كومة القطن وأدنيت قبضة كبيرة من حجري ، كانت عيناي ترمشان معاندة هباء الفانوس المنتشر في هواء الحجرة ، وليس في فسحة الفناء المظلمة أمام الحجرات غير البرد وصدى النباح وآثار أقدامنا الحافية . قالت أمي ابدأ بنفش القطن يا علي ، وقالت الخالة نوفة يا عاشقين النبي .. فتطلّعتُ الى وجهها المصرور بالفوطة السوداء ، وامتدّت أكفّ الأولاد الآخرين الى كومة القطن ، وبدؤوا العمل في حين بقيت جذوعنا منحنية أمام ظلالنا الكبيرة المرسومة على الجدران ، ولابدّ أن الخالة نوفة قد قطعت شوطا طويلا وهي تروي حكايتها عندما نهضت البنت البلهاء ذاهبة بالغربال الى الغرفة الداخلية خلف صندلية الفراش ، فغمزني محمد بمرفقه وكذلك فعل إبراهيم ، لكنني فكرت بعينيْ أمي الساقطتين على أصابعي تلك اللحظة وكنت خائفا لأنني عدت الى التفكير بالنباح ، وخُيّل اليّ أنني استمع لأوّل مرة الى صوت الخالة نوفة ، مع أننا كنا نتكوّم حول صوتها كالفراخ . وكان الأمير مردان يهمّ بالصعود الى سياج القصر حيث تنتظره الجارية السوداء لكي تأخذه الى الملكة الشابة نور العيون ، فزلّت قدمه على الجدار وسقط فوق آجرّة كبيرة هوت به الى سرداب واسع مملوء بالأفاعي السامة ، وباغتني الصوت ثم حلّقت في دوار قشعريرة هصرت كلّ جسدي ، ورأيتني أدخل الزقاق البارد المظلم محاولا مشاهدة الكلب الصغير وقد رسمه إبراهيم بأصبع الفحم على الجدار بأذنين كبيرتين لكني لم أشاهده وتقريتُ بأناملي شكل أذنيه الكبيرتين . قالت أمي لماذا لا تنفش القطن يا علي مثل الأولاد الآخرين ،وعادت البنت البلهاء فلكزني إبراهيم في خاصرتي ، وجلست قبالتي بالقرب من أمّها ، فتطلّعت الى ركبتها العارية عندما كانت تحاول الجلوس ، وعند نهاية الزقاق خلف بيت الجدة جميلة تعثّرت بصفيحة فارغة وبأنبوب طويل من البلاستك كنا قد نقلناه عصر هذا اليوم أنا ومحمد وإبراهيم وعمر والبنت البلهاء لأننا أردنا أخذه الى سرداب الخفّاش ، وأجابت الخالة نوفة عن سؤال أمي ففكرتُ بالعيب لأن الأمير مردان أراد أن ينام مع الملكة الشابة نور العيون ، وهو يطلب اليها أن تحلّ عقدة سروالها ، والجارية السوداء تجلس خارج المخدع ، وعمت الظلمة وراء فم الزقاق المفتوح على الخلاء الواسع خارج البيوت ، ولم أسمع نباح الجرو المربوط في السرداب لمجر أن الفضاء صار كله يضجّ بالأصوات ، ونظرت البنت البلهاء الى أصابعي فأفلتّ كرة القطن وصرفت نظري الى ظلّ شعرها الولّادي المنكوش على الجدار ، غي أنها همست بزفيرها من خلف ظهر محمد المعقوف الى جوارها ” عو عو عو ” فجرح شهيق مداث بدخان الفانوس الكثيف باطن حلقي وأسال رغوة لها طعم النفط المحترق . وقاطعتْ أمي الحكاية قائلة إن الأولاد يعملون بسرحة ، وشحب صوت الخالة نوفة ، ثم رققت همسها حين عرضت طلب الملكة نور العيون من الأمير مردان بأن يأسر لها سبعا ثم يقوم بإحضاره الى قصرها . وأسرّت الخالة نوفة لأمي فقط : كيف لا يوافق وقد … لكنني سمعت همسا وطفقتا تتخافتان ثم كركرتا  ضاحكتين . قالت الخالة نوفة لنا وهكذا وافق الأمير مردان ، وشعرت بالدم يحترق في قلبي ، ثم انحنى الاولاد على أصابعهم ، وحملت البنت البلهاء الغربال من جديد ، ذهبت لجلب وجبة جديدة من القطن من الحجرة الداخلية ، وخطرت بأقدامها الحافية من وراء ظهري وهمست ” عو عو عو ” فنهضت مسربلا بخجلي ثم خطوت خلفها ، كانت الخالة نوفة قد تحولت الى الثرثرة مع أمي وأمام كومة القطن في الظلام الدامس أفحمت البنت البلهاء أنفها في عنقي ، فحشرجتُ في أذنها لماذا جعلتني أربط ذلك الجرو الصغير في سرداب الخفّاش لكنها انحنت على كومة القطن خلف صندلية الفراش وملأت الغربال ثم قومتْ جذعها ونبحت في أذنيّ الاثنتين .

فضاء الأقصوصة :

يدور عالم الأقصوصة حول فِتية صغار يقفون على عتبة المراهقة ، إذ وجدوا أنفسهم في مواجهة رغبات بدت لهم أنها محاصرة ، ولا يُسمح بالإفصاح عنها ، لذا بقيت حبيسة في سرداب النفس ولا يُعبّر عنها إلا لماما ما دام هناك من يراقب حركاتهم وسكناتهم ، جاء في النص :( نهضتْ البنت البلهاء ذاهبة بالغربال الى الحجرة الداخلية خلف صندلية الفراش ، فغمزني إبراهيم لكنّي فكرت بعينيْ أمي الساقطتين على أصابعي تلك اللحظة ، وكنت خائفا لأنني عدت الى التفكير بالنباح ) . والتعبير (كنت خائفا) يشي بردة فعل نفسية إزاء أحاسيس جديدة لم يعهدها من قبل ،مثل هذه المشاعر لا يمكنه البوح بها إلا همسا أو خفية ، وتنسجم دلالات الهمس والخفاء مع الظلام فكما أنها تخفي حقيقة المشاعر وتمنع من إظهارها كذلك الظلام يستر مالا يرغب الآخرون بكشفه ، ولا تكاد تبين في ظلاله الأشياء إلا بصعوبة ، عليه نجد أن كائنات الاقصوصة جميعا تسبح في فضاء معتم ، والعتمة هي الغالبة على الأجواء باستثناء حجرة فرز القطن التي يعكّر ظلمتها فانوس ينفث من الهباء بقدرما ينفث من الضوء .وظيفة الحجرة هذه بضوئها الخافت تكريس الجماعية بما لا يسمح للفرد بالتعبيرعن خفايا أحاسيسه .

نلاحظ هنا تمثّلات السواد في فضاء الأقصوصة :

1- وليس في فسحة الفناء المظلمة أمام الحجرات غير البرد وصدى النباح .

2- وجهها المصرور بالفوطة السوداء .

3- فغمزني محمد بمرفقه (يدل الغمز على مواربة المشاعر ).

4- الجارية السوداء .

5- هوت به الى سرداب واسع .( من خصائص السرداب العتمة)

6- ورأيتني أدخل الزقاق البارد والمظلم .

7- عادت البنت فلكزني إبراهيم في خاصرتي (اللكز يقارب الغمز )

8- أصبع الفحم .

9- وعمّت الظلمة وراء فم الزقاق المفتوح .( الوصف بـ “المفتوح” يمنح الظلمة امتدادا وسعة )

10- وأسرّت الخالة نوفة لأمي فقط ، كيف لا يوافق وقد .. لكني سمعتُ همسا وطفقتا تتخافتان . ( سيل النقاط هنا توحي بإخفاء كلمات يُحرّم ذكرها لمسّها الطابو الاجتماعي والتخافت تعتيم الكلام ) .

11- فنهضتُ مسربلا بخجلي ( الخجل دالة تعبيرية على شعور بالإحراج ، وهو انطواء وعدم تفاعل مع الآخر ).

الجدير بالقول أن الغمز واللكز والخجل تنويعات على فكرة المواربة التي هي أقرب الى الإخفاء منها الى الظهور على أن الظهور حاضر وسنرى تمثّلاته فيما بعد .

مما تقدّم نخلص الى أن أجواء الأقصوصة غلبت عليه الظلمة أو كادت ، وعبارة ( أو كادت ) إشارة الى بعض الانبثاقات التنويرية التي شكّلت مع الظلمة ثنائية بنائية مما يُتيح للرغبات المكبوتة أن تظهر أحيانا هنا أو تُنير هناك .

ويمكننا إجمال لحظات التنوير التي أشار اليها النص صراحة :

1- كانت الخالة نوفة تُحدّث أمي عن التنور ( لماذا التنّور وليس شيئا آخر ، على الرغم من تكوّره إلا ان الضوء يحاول الانفلات منه ) .

2- وجعلنا ننتظر حول ضوء الفانوس .

3- كانت عيناي ترمشان معاندة هباء الفانوس المنتشر( محاولة خرق العتمة أو النظر الموارب)

4- بقيت جذوعنا منحنية أمام ظلالنا الكبيرة المرسومة على الجدران .

5- الملكة الشابة نور العيون ( اسمها دالة تنويرية وقد تكرر ثلاث مرات). 

6- تطلعتُ الى ركبتها العارية ( عري الركبة يخرق مألوفية الخفاء).

7- كركرتا ضاحكتين ( الضحك هنا جلاء ما أخفاه الهمس والتخافت ) .

من هذه الثنائية يتشكل فضاء النص ، وسائر العناصر فيه تنتمي الى أحد هذين الطرفين ، على أن الطرف المعتم ، كما هو بيّن ، أكثر غلبة من الآخر مما يعني أن المكبوت يلتقط أنفاسه بصعوبة ، ويتنفس في الظلام الدامس كما سيتبين .

قناع الرغبات :

لدى الإنسان ميل لتقنيع رغباته الدفينة وتحوير شكلها ولاسيما تلك المتعلّقة بالمحرّمات ، يقول فرويد : (إن العملية الأساسية في لغة الحلم هي عملية تقنيع الرغبات اللاعقلانية وتحريفها ) وتقع مسؤولية هذه المهمة على عاتق الرمز ، فهو الذي يقوم بآلية تحوير الرغبة الى قناع لتجاوز المحظور الاجتماعي .

النص الذي بين ايدينا مشبع بالرموز والتلميحات ذات الطابع الجنسي بدءأ من مفتتحه الذي وظّف فيه حاسة الشم : ( شممتُ رائحة الغربال الذي نقلت فيه البنت البلهاء زهرات القطن من الحجرة الداخلية ) . غالبا ما يُعبّر عن هذه الظاهرة النفسية بـ (غُلمة الروائح) ، واستخدم فرويد عبارة ( التلذّذ الجنسي بالروائح) مشيرا اليها . وظاهرة الشم هنا هي استخدام أشياء غير حية لإثارة المتعة الجنسية ، وهناك من يرى أن التشمّم نوع من (الفيتشية) أي ( التوثين) وهو حدوث الإثارة من خلال مداعبة أو لمس أو شم رائحة عطر غير جنسي ، فهي إذن تحفيز المحب – جنسيا – من خلال حيازته أيّ شيء من متعلقات حبيبته ، فهو ولع  بإحدى أدوات المحبوب تنجم عنه متعة الإثارة ، ويعدّ الغربال في هذا النص مثيرا جنسيا ذلك لعائديته الى البنت البلهاء (موضع الرغبة) التي كانت تنقل به زهرات القطن من الحجرة الداخلية .

ولا تخلو زهرات القطن أو (زهرته) من عدوى الفكرة الأساسية التي بنيتْ عليها الأقصوصة ، بل أنها واحدة من حوامل التفتّح والانبثاق لدى الفِتية الصغار وتماثل تطلّعاتهم في هذه المرحلة من أعمارهم ، ذلك أن زهرة القطن بذرة مغطّاة بزغب أبيض ناعم ورقيق وهي بهذه التوصيفات تناظر البدايات الاولى لمشاعر الصِبْية الصغار ، فالفعل أزهر، من الزهرات ، يدل على النمو والتفتح ، والزهرة هي نورة النبات ، وتنشأ من البرعم وتحمل أعضاء التناسل ، وحينما نقول زهرة الدنيا يعني بهجتها ومتاعها وحسنها ، وزهرة العمر ريعانه . هذه الأحاسيس وتصوّراتها بدأ صغار الاقصوصة يختبرونها ويتعرّفون عليها إلا أنه على خوف واستحياء ، فهم في بداية مشوارهم وما زالت العفوية والبراءة والطبع تسم تصرفاتهم ، ودالة العفوية أو رمزها هنا ( البنت البلهاء) فالبلاهة ضعف العقل وغلبة الغفلة مما يدفع التطبّع عنهم ، وهي أيضا (البلاهة) مسوّغ لخرق المحرّم ، لذا كان العواء يصدر من البنت البلهاء ، مما يُثير كوامن الرغبة لدى الفِتية الآخرين . ورد على لسان السارد وهو أحدهم : (لكن رأسي ظلّ يضج بنباح الجرو الذي ربطته في سرداب الخفاش ) ، ربما يرمز الجرو الى هذه الغرائز الأساسية التي بدأت بالظهور والنموّ ، وبكون الرمز حيوانا يعني عدم خضوعه لما يضعه المجتمع من أعراف وقوانين ، فهو من مجموعة يحق لها خرق القانون والخروج على العرف ، ولكنه (جرو) في بداية نشوئه ويمكن تدريبه وتطويعه أو حبسه للحد مما ينجم عن انطلاقه ، لذا نراه مربوطا في سرداب الخفاش . 

السرداب حجرة معزولة تقع ، عادة ، في أسفل البيت . من خصائصه قلة الإضاءة أو انعدامها ويُشير في الغالب الى عتمة اللاوعي ،ومن الكائنات التي يسهل عيشها فيه الخفّاش الذي لا ينطلق إلا في الظلام مما يعدّ انعكاسا رمزيا لهمود الرغبات وانطلاقها ، جاء على لسان السارد : (وأمام كومة القطن في الظلام الدامس أفحمت البنت البلهاء أنفها في عنقي ، فحشْرجتُ في أذنها لماذا جعلتني أربط ذلك الجرو الصغير في سرداب الخفّاش ) هذا المشهد السردي يكشف رمزية الخفاش على الوجه الأوضح ولاسيما في انطلاقه . على أن صورته وهو يضم جناحيه معلقا في السقف تكاد تقارب صورة العضو الانثوي ، تجدر الإشارة هنا الى أن سرداب الخفاش ليس له أيّ تمثّل سردي في النص ، فقد غاب فعليّا وحضر بصيغته الخبرية فقط . وفي فضاء الرمزية هذا تتكشف لنا وظيفة الأنبوب البلاستيكي الذي أراد الصِبْية نقله الى السرداب ، (وعند نهاية الزقاق خلف بيت الجدة جميلة تعثرتُ بصفيحة فارغة وبأنبوب طويل من البلاستك كنا قد نقلناه عصر هذا اليوم أنا ومحمد وإبراهيم وعمر والبنت البلهاء ، لأننا أردنا أخذه الى سرداب الخفاش ) . وظيفة الانبوب هنا هي تصريف الرغبات التي يحتقن بها اللاوعي (السرداب) ، ذلك أن الأنابيب من هذا النوع عادة ما تُستخدم في تصريف المياه المحتبسة في الخزانات الأرضية للتخلّص منها .

التفريع الحكائي :

المقصود بالتفريع الحكائي هو توليد حكاية أو أكثر من الحكاية الرئيسة (الحكاية الأم) ، وهو تقنية سردية تُسهم في بناء القصة أو الرواية ، وتعبّر مالا تستطيع التعبير عنه الحكاية الأم ، وخير مثال على ذلك في تراثنا القصصي ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة ، وفي أدبنا الروائي الحديث أمثلة كثيرة منه . ولكي تتفرّع حكاية من أخرى لابدّ من توفّر علاقة إسنادية تربط إحداهما بالاخرى وإلا أصبحت الحكاية المتفرعة فائضا سرديا لا لزوم له ، وترهلا حكائيا يُثقل النص ويُعكّر صفو انسيابه . والغالب في وظيفة الحكاية الفرعية هو ملء الفراغات التي تركتها الحكاية الرئيسة ، فتوضّحها وتفسّرها وتشرحها وتُعلّلها ، ولا تستطيع أن تقوم بهذه الوظائف إن لم تكن تتغذّى من رحم الحكاية الأم أو الرئيسة . وليس بالضرورة أن تكون الحكايتان من نمط واحد ، فقد تختلفان كما هو عليه الحال في أقصوصة ” سرداب الخفاش ” إذ تفرّعت عن الأم حكاية شعبية مختلفة النمط وذات طابع شفاهي ، تعالج العلاقة الغرامية بين الأمير مردان والملكة الشابة نور العيون ، وتعرض كفاحه للوصول الى الملكة ومعاشرتها . تتمثل العلاقة الإسنادية بين الحكايتين في نقاط التطابق بينهما وهي الكفاح الدائب لكلا البطلين في تجاوز الحواجز والرقباء وصولا الى تلبية نداء الرغبة وهو الأمر الذي ترددتْ في قوله الحكاية الام وأفصحت عنه الحكاية المتفرعة ، ذلك أن رموز المساس والطابو التي تحرّجت عن ذكرها نراها مباحة ومذكروة في الحكاية الشعبية ، نحو ( فكّرتُ بالعيب لأن الأمير مردان أراد أن ينام مع الملكة ) أو ( وهو يطلب اليها أن تحل عقدة سروالها ) فالخيال الشعبي ينسج حكاياته بصيغ تعبيرية تخرق الأعراف والضوابط والنواهي ، عليه أضاءت الحكاية الشعبية ما سكت عنه سائر النص الآخر ، إذ الطابوات الاجتماعية والدينية كانت حاضرة فيه نحو ( فكّرتُ بعيني أمي الساقطتين على اصابعي ) أو ( وأسرّت الخالة نوفة لأمي فقط ( لاحظ فقط ودلالتها في الحظر) كيف لا يوافق وقد .. لكنني سمعت همسا وطفقتا تتخافتان ثم كركرتا ضاحكتين ) و( شعرتُ بالدم يحترق في قلبي ) . 

وظّف القاص الحكاية الشعبية على نحو لافت للنظر وبطريقة غير تقليدية ، فالحكايتان تختلفان من حيث النمط كما قلت آنفا ، الحكاية الأم تعالج موضوعا حديثا : مجموعة من الصبية على أعتاب مرحلة المراهقة أو وعي الآخر المخالف أو مواجهة النضج الجنسي ، وانطوت المعالجة على استخدام التقنيات السردية الحديثة ، في حين أن الحكاية الشعبية تسرد الحدث على نحو مباشر ولا يكاد يستخدم الراوي الكثير من التقانة السردية ، ويكاد يتطابق فيها زمنا السرد والحكي ـ فضلا عن أن الاهداف مختلفة بين نمطي الحكايتين . عموما آثر المؤلف أن لايكون هناك انقطاع بين سرد الحكايتين ، لذا استخدم أسلوب الانسياب من مشهد في الحكاية الأم الى مشهد شارح أو كاشف لما هو مسكوت عنه في المشهد السابق معوّلا على المشترك الدلالي  أو الموضوعي بينهما ، نحو ( وكان الأمير مردان يهمّ بالصعود الى سياج القصر حيث تنتظره الجارية السوداء لكي تأخذه الى الملكة الشابة نور العيون فزلّت قدمه على الجدار ، وسقط فوق آجرّة كبيرة هوت به الى سرداب واسع مملوء بالافاعي السامة ، وباغتني الصوت ثم حلقت في دوار قشعريرة هصرت كلّ جسدي … ) . الواو في ” وباغتني ” استئنافية قامت بوظيفة مواصلة الوقائع واستئنافها بل ونقلت السرد من الحكاية المتفرعة الى الرئيسة ، وكأنّ مباغتة الصوت مما عاني منه الأمير مردان وليس فقط السارد أو أن السارد يُكمل ما جرى في السرداب . أضفت الواو ،بوصفها رابطا نحويا ، طابع الاتساق على النص وواءمت بين أجزائه . 

عمد القاص الى تفتيت الحكاية الشعبية ونثرها على جسد النص بما يماثل الموقف النفسي للسارد في الحكاية الأم ( السارد هو أيضا البطل الرئيس في الاقصوصة ) وهي تقنية أو ملمح فني يُذيب الحواجز بين الحكايتين ، وينتشل النص من الوقوع في المعالجة التقليدية  : ( أجابت الخالة نوفة ( ساردة الحكاية الشعبية) عن سؤال أمي ، وفكّرتُ بالعيب لأنّ الأمير مردان أراد أن ينام مع الملكة الشابة نور العيون ويطلب اليها أن تحل عقدة  سروالها ) .

شاهد أيضاً

د. نجم عبد الله كاظم: المثقف .. والذات المسعورة (ملف/2)

بدايةً من جميل ما يتعلق بكتابتي لهذا الرد أنه يأتي مباشرةً بعد عودتي وزوجتي من …

الناقد الكبير د. نجم عبد الله كاظم.. سيرة حافلة بالعطاء (ملف/1)

نجم عبد الله كاظم (1951- 31 تموز 2020) ناقد وأكاديمي عراقي.. يحمل شهادة الدكتوراه في …

التقنيات الأسلوبية في شعرية الومضة قصيدة:
(أسئلة الشعراء) للشاعر العراقي “سعد جاسم” أنموذجاً
د. وليد العرفي (ملف/6)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *