الرئيسية » ملفات » شاكر مجيد سيفو يمنح تعريفا فلسفيا للشاعر
الشاعر اخطر كائن على الأرض فهو حامل كونية تراكمية عالية وعميقة
حاوره:سامر الياس سعيد (ملف/11)

شاكر مجيد سيفو يمنح تعريفا فلسفيا للشاعر
الشاعر اخطر كائن على الأرض فهو حامل كونية تراكمية عالية وعميقة
حاوره:سامر الياس سعيد (ملف/11)

من اليسار: شاكر مجيد سيفو، ياسين النصير، سامر إلياس سعيد

لم ينصت لكلكامش حينما دعاه الأخير لمرافقته للبحث عن نبتة الخلود ، اكتفى بالوقوف في ممر هوائه النظيف ليصاب بحمى انو ويتقلد قبلها قلائد من افروديت، مغرم بعزف موسيقاه الخاصة التي تمنحها أصوات أخيلة جامحة تنطلق عبر آلة الزمن بعربات أشورية لتلتف حول خاصرة نينوى وتعيد إليها حبلها السري المقطوع وتغلب على كلمات قصائده واقعية غامضة تنبئ بحرائق أخرى تعاني منها المدينة الغائرة بعمق من جذور الزمن ..صوته يتهدج عندما يقترن في لحظات سرمدية بلغته الأم حيث يبحث مابين مفرداتها عن غيرة آكلة يلون بها دوواينه التي ينضجها على نار الألم ويربط ثناياها برباط المحبة التي لونتها بلدته باخديدا ..حينما تلتقي به تتلون ذاكرتك بمشهدية لتعانق الحضارة فتتنسم عبقها من كلماته التي تتساقط بربيع موصلي له رائحة الحندقوق البري ..الشاعر والكاتب شاكر مجيد سيفو له رؤى خاصة استوحاها من فلسفة ونطق بمكنوناتها عبر محاورة اليكم نصها :

*هل تنضج القصيدة وسط أجواء معينة وهل ترتبط بمخاضاتها وفق تقاليد معينة ؟

-بالنسبة لي شخصيا أرى إن الطقوس بمستوييها المثيولوجي والميتافزيقي تستدعي اله الشعر في كل لحظة والشعر أعمق من الطقوس فانا شخصيا أراه أب متسلط على كل الأجناس الأدبية حيث تمتاح منه الراوية والقصة والمسرحية ويتراسل مع التشكيل بقواه التخييلية في أعمق طبقاته تتجلى طقوس الكتابة أو بالتحديد لحظة الكتابة في لحظة استنبات شعرية العالم والكون في هيئة مداميك تتصل بالروح بقوة ويتنازل حينها الوعي لحساب اللاوعي في مشغله الاستثنائي الذهني والفكري حتى يؤرض لشجرة النص بوثيقتها الفنتازية وتذهب بسورياليتها الى الأحلام الكبيرة..

*وما هو دور الشاعر إزاء تبلور نصه بهذا النضوج والهواجس التي يعيشها ؟

– الشاعر هنا كالرائي لهذا العالم ينصص كتابته الشخصية بطقوس اللحظة وآفاقها الخارقة، اللحظة الشعرية التي تجمع آحادها في زرقتها لتخلد ارثها التاريخي الأزرق وأيامها الأرجوانية، نعم طقس الكتابة يستدعي التحليق بعيدا عن الزمن والزمان ليؤسس مشهدية المكان جغرافيته السعيدة لان الإنسان بطبعه تراكم مكاني ،هكذا تخرج الكلمات للنزهة في أرضية المطبخ الروحي والذهني لُتلمع بلاطه الشعري بحساسية عالية للتنزه بحقل ما بعد الحداثة ما بعد بنوك التراب وأحزان ملصقات الشاعر المفترضة على حيطان العالم وفوق راية الرغيف الاول ..

*وهل في لجة هذا المشهد يبقى الشاعر خارج إطار مخاضاته الشعرية فيضحي أنسانا غريبا عن واقعه ؟

-إننا هنا ياصديقي نعد طعاما من أفخاخ العصافير طعاما لطقوسنا وأساطيرنا ولحظاتنا الشعرية ، ألا ترى معي بنظرة تأملية ما المشهد الذي يقودنا لقراءة خارطة شعرية للعالم الذي نعيشه ؟رغم منغصات الفلفل الأسود وتعويذات الحسد والحساد ،هناك من يبلع البيض النيء دون ملح، هناك من يكتب بلا طقوس فتهرب منه تعويذات التدشين وزينة عيد ميلاد النص فتتفحم بنية الكلام العالي، عندها يتعطل الحلم ويفسد وتذهب بهجته خارج فرنه الشمسي فيحزن النباتيون ويختلف الشعراء على شواهدهم ..

*بدأت متأخرا محنة الشعر فهل كانت تلك الفترة محطة للتأمل واستقراء عميق عما يحتويه المشهد الثقافي عموما ؟

-كانت محطات التأمل –دائما –في مواجهة الفراغ دفاعا عن الكتابة في حين كانت الكتابة وجودنا الحقيقي على هذه الأرض أو ممارسة نوع من الحياة ، لا من اجل إضافة رقم جديد لقطيع البشرية ، ولكن للسباحة داخل تيار الحرية عكس الانكفاء والتقوقع ، بمعنى إننا كنا ننتظر شرط الحياة كي نعقد صلاتنا العميقة مع الوجود لنعثر على الفردوس المفقود ، كان ذلك التأمل يؤكد معنى وجودنا و كأننا كنا ملتصقين بالأرض بسرتها منذ الأزل حيث كانت أفعالنا تخلو من العبث لكن براءة الحياة أمام كل نص لم تكن تكفينا لنجترح كائناتنا النصية ويحضرني هنا قول بارت ((إن كل نص غير بريء )) فكانت تلك الممارسة تغلي في دواخلنا دفاعا عن وجود الإنسان لصالح الإنسان حيث أنت أو انا لا نستطيع إبعاد الإنسان الشاعر عن أناه العالية و أحيانا التي تتلبسها الارستقراطية لأنها تعاني ومنذ زمن طويل من فوبيا السلطة ..

*جوابك يقودني لثمة تساؤل عن مديات تأثير البيئة على إبداع الشاعر ؟

-أرى في سؤالك هاجسا تأمليا يشي باستقراء باطنية الأنا والذات الشاعرة معا وقبل كل هذا علينا تأمل العالم ،هل هو ابيض تماما ؟!، أو بمعنى إن نبدأ من صفحة البياض حسب مالارميه ، لترسيخ وجودنا الذي هو جوهر البناء والتأسيس ،جوهر العلاقة بين حيازة الوجود وشرط الكتابة الشعرية بنوعها الإشكالي الاستثنائي الحاد ، بين التوازن الحاد بين نفي الأنا في الحياة بالكتابة أو التشبث بقشة الأزل عن طريق ممارسة فعل الكتابة ، فالانتظارات كلها قطارات داخنة وعلينا جرها بالإنصات الى روح الشعر في النثر أو الإقامة الجبرية في الصمت أو استيلاد صمت جديد من طراز صمت الشهداء في الفردوس، لان فردوسنا أغلقت أبوابه على عجل ..

*شاركت بالمشهد النقدي متصديا لإبداعات نخبة من المثقفين والمبدعين وبما إن لهذا المشهد من محاور فهل تسلحت بها في منجزك الشعري واعتبرتها من خلال هذا المنجز أسس تقيدت بمعاييرها ؟

-برأيي الشخصي أجد النقد ماكنة أخرى من مكائن الأدب ، تلعب في الوقت ذاته دور المشرط في تشريح النصوص الشعرية ، وقد مرت هذه الماكنة بمراحل عديدة وأثرت على مسارها مدارس لنقاد اجترحوا من خلالها مذاهب ومناهج منها ما كان قد تخللها وفق مبدأ الاجتماعية الاشتراكية والواقعية الى البنيوية والتفكيكية الى النقد الثقافي ومن وحي كل تلك المشاهد برزت صراعات فكرية وفلسفية حمل لواءها فلاسفة وكتاب انطلقوا من هنا أو من الوطن العربي أو من الغرب هولاء كلهم تضمهم قائمة طويلة لا تمنح مجالا لذكرهم لكنني بتسقيط الأمر على الواقع الشخصي أعجبت ببعض الأسماء العراقية مثل الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد وعباس عبد جاسم والدكتور مالك المطلبي وناجح المعموري وجاسم عاصي وطراد الكبيسي وحاتم الصكر وفاضل ثامر ومن العرب مصطفى الكيلاني وسعيد يقطين وصدوق نور الدين ومن الأجانب رولان بارت وتودروف وميخائيل باختين وريفاتير وولفغانغ وهايدجر وجاك دريدا وغيرهم اما شخصيا فلا أصنف نفسي ضمن قائمة النقاد وما كتابي الموسوم (جمر الكتابة الأخرى ) إلا قراءات وهي ما أتاحها المخيال الشخصي ورؤى الاختلاف فانا أجد إن النقد منهج خاص ينتهجه الناقد وبذلك ٌيضحي المنتج الثاني للنص، يفككه ويعيد تركيبه ثانية ، فهو مركب أشياء وكينونات نصية والنقد بصورة عامة رسالتي النص والتنصيص الإنتاجي له أدواته التي تختلف عما يملكه الشاعر أو يجمع بين كل الأدوات ويتحرك بين كل الاتجاهات لينهب من خلالها البنى العميقة للنص ويؤول ويجترح بنى فكرية وفلسفية ويعيش غبطة فتوحاته الجديدة ويحيل بذلك تلك البنى الى مشغل ذهني وفلسفي وتنظيري حتى تتشرب منها الرؤى الخاصة بالنص أو بناءا عاموديا يؤسس لحياة النص الجديد والذي لابد له إن يسطع تحت شمس الإبداع عبر إثرائه ألتشجيري وشيطانية أساطينه الجديدة ولوعة جمالياته وشهوات جماله الشخصي ..

*عملت في فترة ما في المضمار الإذاعي مترأسا قسما ثقافيا مالت فيه كفتك لمتابعة أنشطة المبدعين فهل تبدو هذه النافذة إطلالة جديدة في مسارك الإبداعي وما مديات الثمار التي جنيتها من خلال هذا المشوار الحافل بالقراءات والمتابعات ؟

-عملي هذا يأتي تأسيسا لقول لـ (جاك دريدا )(لاشيء خارج النص ) وهكذا اخذ الماضي والمستقبل للتموضع بمحمولاتهما المتجانسة لاركٌب نصا جديدا ،إن التراسل بين الأجناس الأدبية والفنية يشكٌل بنى متعامدة وتؤسس لخطاب ازاحي ذي علاقات إبداعية ، وبناءا على هذا الواقع بدا ولعي واهتمامي يتشكل بقراءات التشكيل والقص والمسرح لمبدعين وتتحول محاورتهم كنشاط قرين بالتخيل وهذا ما استفدت منه في انسنة الكائنات الخرافية ومنها ما تمخض جوهريا لتأسيس علاقة انفتاح وتموضع وتفكيك هذه العلاقة التي أراها علاقة تفلسف وتموقع مع الأخر باعتبار إن الفلسفة وفق مفهومها المحدد استكشافا للحاضر كما يراها بالضبط فوكو وخارقة للزمن في رؤية بول ريكور اما عن واقعي فأراها انتصارا للذات في إطار فلسفة الذات وهي بالتالي بنية تؤسس وتجترح وتغلب فاعلية البنية حسب التوسير على حساب فاعلية الذات ،لكن في تشكٌل جوانية الخطاب تكون الذات بكل فاعليتها هي المؤسسة لتحديات ابستمولوجية متجددة حيث أرى في مقولة بابا سارتر ( …..الآخرون هم الجحيم ) تلك الغلبة في التحاور مع الأخر ،بكل ما يقدمه هذا التحاور من وجودية حميمة وقلق من ذوبان في الأخر أو اقحاء شخصي وهو ذاته الذي يولد القلق الميتافزيقي الذي نراه بارزا لدى كريكور وهيدجر ونيتشة وسارتر ، الم يقل الأخير إن الوجود يسبق الجوهر ؟ !إن اهتمامنا بالأخر ليس عرضيا ولا هامشيا انا أراه تشكيلا أو بناءا عميق لارومة تشكٌل هرما حياتيا لاكتشاف ذواتنا جميعا ..

*الأدب الذي تبلوره المهرجانات والمسابقات ، هذا الذي أبرزته ظروف الراهن الحالي كيف هو صداه لديك ؟

-لو افترضنا السؤال بصيغته التالية :هناك شعراء بالتحديد تصنعهم ماكنة الإعلام من خلال المهرجانات والمسابقات ،هنا أشير الى كلمة الشعراء لان هذا التخصيص استحوذ على مساحة عريضة وطويلة من البريق الإعلامي والاجتماعي وفعلا وجد له صدى سواء هنا في العراق أو لربما في مختلف بلدان العالم لكن يبقى الشاعر الحقيقي هو الذي يصنع ذاته بذاته ويؤسس لنجوميته التي تشع من الداخل الشخصي وبالتالي يشع هذا الداخل العميق على العالم ، انا معك في إن المهرجانات والمسابقات صنعت عددا كبيرا من الشعراء الذين تواصلوا فيما بعد مع المشهد الشعري ، لكن يبقى الشاعر اللامع يلمع دائما في كل حادثة تاريخية ، وكل مهرجان ، وكل مسابقة ، والشاعر العميق هو الذي يبني تجربته بقوة اشتغاله على ميكانزيمات الانزياح حيث تتصارع اليوم طرازات الكتابة الشعرية الجديدة على نمط الكلاسيك الذي يبدي تسلطه على المنابر وينافس بذلك طراز قصيدة النثر ، نعم المسابقات تصنع شعراء ، لقد لفت انتباهي مسابقة قدمتها فضائية المستقلة لاختيار شاعر العرب وعبر إحدى حلقات تلك المسابقة كنت أتابع وأصغي جيدا الى شاعر عراقي شاب اسمه (هزبر محمود) ولقد صدمني هذا الشاعر بقصائده الثلاث لما يمتلكه من قدرات على التخييل وتحشيد منظومة كبيرة من الانزياحات اللغوية واسطرة المعاني العميقة وأسس الشاعر من خلال ذلك شبكة من الدلالات قامت على وفق منظومة فكرية تتعلق ببنية القصيدة وهذا ما يتطلب من الشاعر استمرار وديمومة اجتراح طرازه الشخصي ليؤسس من خلال ذلك تجربته الشخصية ومن هذا الاستجلاء أرى إن الشاعر اخطر كائن على الأرض فهو الحامل لكونية تراكمية عالية وعميقة وهكذا سيبقى على دوام الحضارات المتتالية ..

*عن موقع الشاعر شاكر مجيد سيفو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *