الرئيسية » إصدارات جديدة » هو الحب لحكمت شبر
تجليات الصورة الحسية
هديل اياد سكر الغزالي

هو الحب لحكمت شبر
تجليات الصورة الحسية
هديل اياد سكر الغزالي

إن علاقة النص الشعري بالصورة الحسية قوية وذلك لأنها تستجلي المضامين، وتنهض بها لتوصلها إلى مدارك الحس، فترسم لنا لوحة ثلاثية الدلالة الماضي وآثاره والحاضر فالمستقبل ومعالمه، فالصورة الحسية قريبة من خلجات الإنسان؛ لأنها تتناسب مع باعث القول وحال المخاطب، فتحاكي الواقع في كل زمان ومكان فتصور الوجود بصورة ناطقة الملامح، وتعد الحواس الخمس من المرتكزات الرئيسة في انتاج الصور الحسية وربطها بالمشاعر الإنسانية، واعتماد مجساتهم النقدية في اختراق سكون النص لصنع الاستجابة عند المتلقي، تلك الاستجابة التي يشكلها المبدع بقدرته الابداعية، فشاعرنا يحرص على اخراج الشكل الفني فنيا وفي الوقت نفسه يحمل محاكاة لمختلجات النفس الإنسانية.
هو الحب أضناني وأرق مضجعي
فبتُ عليل النفس من شدة الوجد
توجهت بالنجــوى لخـلٍ يجـيـرني
ولـكن خـلّي لا يـزال على بــعـد
تعانـق روحي روحـه كل لــحظة
وتجتاح أعماقي زوابع من رعد
تـؤرقني الاحــزان في كل ليــلـة
ويصفعني مـر الـحيـاة بلا وعـد
شعرت بأرزاء الحياة تحـيـطـنـي
ويغمرني سـيـلٌ من الـهمّ والنـكد
ومـن بـيـن أحـزاني تـنـوّرُ زهــرة
فتنـزاح أكـداس الـهموم بـلا عــد
لها بسمة الاصباح في حالك الدجى
يضيء سناها عتمتي من ذرى نجد( )
انطلاقا من عتبة العنوان (هو الحب) ابتدأ الكلام بالاسم لتوجيه القصد إلى الفاعل أي الحبيبة، فيلتجأ الإنسان إلى الاسمية للإشارة للفاعل ، حمل هذا النص حركة رسمها الشاعر بما يملكه من قدرة شعرية في ايصال الحدث إلى القارئ عن طريق اعتماد الافعال (تعانق، تجتاح، تؤرقني ، يصفعني، يغمرني، تنزاح) اراد من خلال استعمال الافعال المضارعة أن يكون النص باثقا متوهجا مستمرا بانزياحه قادرا على ادامة نظم الحركة الايقاعية في دلالة النص المركزية فضلا عن دلالته الهامشية، لتكون أساسا في التعبير عن كم الدفق الشعوري الصاخب، فالجملة الفعلية مركز للتعبير، إذ تقتضي (العقلية العربية أن تكون الجملة الفعلية الأصل الغالب في التعبير؛ لأن العربي جرت سليقته ودفعته فطرته إلى الاهتمام بالحدث)( )، فكان اهتمام الشاعر بالفعل لغلبة الفعلية على كلام العرب.
رسم صورة
فضمت كلماته ايقاعا مأنوسا لرسم صورة مفعمة بالإيماءات النفسية ، وقد اسهم حرف العطف الواو في ربط النص وانسجامه (ولكن، وتجتاح، ويصفعني، ويغمرني…) ؛ لأن ذلك يعطي تركيزا على فكرة الشاعر التي رسمها ليحقق التلازم بين الكلمات والمعنى.
استطاع الشاعر أن يوظف تقانة الاستعارة في رسم صورة حسية بصرية تجلت في قوله: (بسمة الاصباح) إذ شكلت هذه الاستعارة نمطا لا مألوف يفضي إلى افراغ المحمولات الدلالية التي قصد افراغها في اطار وجداني غامض بمشاعر صادقة وجياشة لا تلبس الا وجها حقيقيا من وجوه البوح الشعري المترسخ في ذاكرة العاطفة وعطف الذاكرة .
لقد كـان لي مـن ثغرها الـف قــبـلــة
لـها طـعمٌ حـلوٌ ألـذُّ من الشــهــد
فمن ذاق طعم الشهد من ثغرِ عاشقٍ
سيبقى بليل القلب يرتع في السعد
ألا ويـح (ايمــانـي) حمـيمٌ وصــالها
سقـتـنـي مع الأيــام حبـا بـلا حــدّ
أذوب حـنيـنـا كــلــما لاح طـيــفــها
يعيد إليّ الوصل من سالف العهد
اذا ضامـني ضيــمٌ ألــوذ بطـرفـها
تهدهدني بالحب كالطفل في المهد
ويــغمـرني دفء الربيع بلــطفـــه
اذا طالني من عطرها عبق الورد( )
عمد الشاعر إلى استعمال صورة حسية لمسية بشكل صريح بما أفصح به نصه: (لقد كـان لي مـن ثغرها الـف قــبـلــةٍ) ساعدت حاسة اللمس في تماسك النص ، فكان هناك تنوع شعوري أراد به الشاعر إيصال الدلالة التي يرومها للقارئ، فكلما كانت الصورة اللمسية قريبة من المتلقي كلما كانت الصق به لتقريب الصورة الحسية من الاذهان، ثم زج افعالا ترصن وتزيد مساحة البوح الشعوري والشعري، على نحو قوله: (ذاق ـ ترتع) إذ استدعى الفعل ذاق ليشكل به صورة حسية ذوقية دل عليها الفعل ذاق صراحة اردفه بكر المتذوق منه للدلالة ما يحدثه ذلك الذوق من نشوة ولذة في نفس المتلقي وتتشكل به صورا كان الذوق سببها على نحو قوله: (ترتع في السعد) وهنا نلمح ملمحا تشخيصيا إذ جعل من نفسه ترتع في السعد. بعدها يعمد الى اضافة اسم الحبيبة اليه (ايماني) دلالة على شدة حبهما والتصاق ذلك الحب بهما ، التصاقا لا يمكن لا يمكن الافتراق والفراق فيه، فيصف صلته بها انها صلة الروح مع الروح صلة روحية حميمة ، ثم يصف ما اغدقت عليه وما سقته من الحب بلا حدود ولا مقابل الا لأجل الحب ذاته، بعدها يشرع بانطلاقة فعلية اخرى دالة على مقدار ما يحمله لها من حب وشوق يؤديان به الى ترجمان الوصال حنينا وحبا وعشقا وهياما. ثم يوظف الشاعر بنية فعلية زاخرة بالعاطفة ، عاطفة من نوع فريد تفضي الى حنو ودفء وحب من نوع نادر (تهدهدني بالحب كالطفل في المهد) ، فهي تعامله معاملة الطفل الذي يحتاج الى حنان الام فتجسدت في شخصيتها شخصيات عدة فهي الحبيبة وهي الزوجة وهي الام وهي الصديقة وهي الملهمة كل هذه الشخصيات اجتمعت في شخصية زوجته (العلوية ايمان الرفيعي)، إذ هي المرأة بوصفها حنانا واشتياقا وعشقا تجلت في صورة واحدة، ثم ينتقل الشاعر الى اظهار صورة حسية أخرى عبر استعمال صورة حسية شمية (من عطرها عبق الورد) والصورة الشمية من الانواع التي اكدها القرآن الكريم ، اكد الشاعر هنا عطرها الذي بقي ملازما لوعيه الشعري، فكان للطبيعة أثر في تمويل مادته الشعرية ؛لأن اريج هذا العطر تعلق في ذاكرته ، والانسان يتعلق بالأشياء حينما تأخذ مساحة واسعة من الفضاء الفكري، واستطاع ان يشخص صورة مجسمة تجلت بقوله: (يغمرني دفء الربيع)، فالانغمار هنا انغمار معنوي شعوري يستلذ به الشاعر لكي يتحقق بها.
وتحـــســدني الاقــدار اني لــقــيتــهـا
فـــلم أكُ والاقـدار يـــومـا على ودِّ
فو الله لم ارجو من الـــدهر مــطلبــا
عزيزا سوى أن الــتقي فاتــن القــدِّ
حــبتني يـد الاقــــدار خيـر عـطيـة
حبــيبا أصــيلا فيه اشراقة المــجــد
رست سفني في ساحل الحب بعدما
تعبت من الإبحار في عــالم الزهــد
فكم ساحـــل جربت أيـــام ضيعتي
فما عرفت روحي سوى الصدّ والردِّ( )
بعدها يشرع الى عتاب خاص بينه وبين الاقدار تلك الاقدار التي يتحداها وتتحداه، يشاكسها وتشاكسه، فهو ليس متصالحا مع اقداره وان كان متصالحا مع ذاته راضيا عمّا يحمله من شعور ، ثم يوضح امنيته ورغبته بانه لم يرد ولا يطمع من دنياه الا ان ينال فاتنة ذات قدّ، وقد وظف الشاعر معنى (اشراقة المجد) للدلالة على معنى الاشراق والنور واشراقة المجد بهذا المعنى لا تتحمل في مثل هكذا موقع؛ لأن المجد مرتبط بالحروب وامجاد الامم.
مشاعر حركية
اعتمد الدكتور حكمت شبر مشاعرا حركية عالية الانفعال، لتفضي الى اجتراح مجال دلالي عبر صور حسية ذات أثر في النفس ، الصورة البصرية مع أثر اللمس، فالذوق ثم الشم، هذا النمط يعد معبرا وعتبة نحو فضاءات النص المترعة بالمشاعر والاحساسات ليرصد مشاهد الانفعال النفسي عبر الانتقال بالصور الحسية، فاقتنص الشاعر ما يأنس له فرسم صورا ذات بناء انفعالي متسلسل مبني على الانفعال المتأسس على باعث معين، ومن ثم ان هذا البناء يكون مطواعا لسلطة نفسية ترجع لها عملية الابداع إذ تستقر الرغبات المكبوتة، مما يؤدي إلى ولادة استجابة وجدانية من المتلقي بسبب انبثاق لحظات مكتنزة بالإيماءات النفسية لرسم صورة احساسه، ان استحضار الصور الحسية ليس أمرا اعتباطيا وانما عن مقصدية واعية لجأ إليها الشاعر تفريغا لمخزونات عاطفية او استبطانا لتجربة انسانية ظلت حاضرة في شعره لتشكل نسقا ابداعيا يعيد التوازن النفسي.

*عن جريدة الزمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *