ذاكرة الكتابة: سطوح بريئة من سوق الغزل الى محلة مرحانا
شاكر مجيد سيفو (ملف/16)

تبغددت في سوق الغزل في عام 1954 ،فانفجرت الانهار في صدري،وارتج دجلة في شرياني الابهر وامتدت البلاد الى حيث السماوات الثامنة ،وتعرق جسدي فأصبحت عراقيا منذ تلك اللحظة ،هكذا يقوى الاسم على تأسيس تاريخه الشخصي في سجل البشرية برقم سحري يتحدث عنه فيما بعد فلاسفة الكون وكتاب السير الذاتية ،وشعراء الازل الخالدين أمثال والت ويتمان وبابلو نيرودا واراغون وبول ايلوار ومايكوفسكي وبوشكين بعد ان يكون قد طلق غجره خارج منطقة الثلج وبودلير _طبعا_بعيدا ًعن أزهار شره ورامبو بعيداً عن فصله الجحيمي وقريباًمن اشراقاته المحتشدة في جبينه وت اس اليوت بعيدا عن الارض الخراب وقريبا ًمن أربعاء الرماد وسان جون بيرس في كل أحتفالاته المعقدة ،وريلكة بعيداًعن مراثيه ،وما لارمية قريباً من صفحته البيضاء ………….

احتشدت الاعوام الرمادية في ركن ما من أركان منطقة سوق الغزل ،لا أتذكر شيئاًواضح الملامح هناك ،لكنني أستطيع أن أعود قليلاً الى الوراء ،ذات يوم _من ايام السبعينيات عندما نزلت ضيفاً في بيت عمتي (م) قدمت الى بغداد لانجز معاملة الجنسية العراقية ،لا أتذكر ملامح الدار التي كانت تسكنها عائلة عمتي (م) ،ربما كانت تقع في ركن ما وسط سوق الغزل، دار صغيرة لا تسع لاكثر من عائلة صغيرة تتكون من سبعة أفراد ………..

كانت عمتي (م) من الماهرات في صناعة الكبة ،اما زوجها فكان الامهر الاول في الادمان على الخمرة الرديئة لهذا مات بالسكتة القلبية مثلما يموت أي ديك يصاب بأنفلونزا العذاب والفاقة والحرمان ……

في سوق الغزل عشنا سنوات لا اعرف كيف مرت ،من أين أبتدأت والى أين ذهبت مثل لمحة بصر،عشت اربعة أعوام فقط ،لا استطيع تفسيرها وبيان ملامحها وأهرءأت ضجيجها وعبثها وملوكيتها وممتلكاتها وممتلكاتنا وعذاباتها وعذاباتنا وحماماتها التي أشتهدت بفعل الانفجار الأخير الذي طال الناس والازقة والسطوح البريئة والطفولات والعصافير وطيور الحب التي ماتت في عيد الحب ،الى الشمال من سوق الغزل وصولاً الى باب المعظم نمر بمنطقة شهيرة وأسمها اللامع وهي عقدالنصارى ، هذه هي أسماء أحياء بغداد أسماء لامعة ممتلئة بمعانيها وزاهية بمخلوقاتها وضجيج أزقتها ، وبراءة طفولاتها ونقاء اناشيد مدارسها وطقوس عائلاتها ايام الاعيادالارضية والسماوية ….

كان الناس الكسبة أنذاك ولا زالوا يجمعون الليل والنهار في ضجيج يسترخي في مكان يتدفق مثل مصابيح حولاء ،تحرسها مصابيح جاحظة ،اتذكر تلك الفوانيس العتيقة المعلقة في اركان المدينة ،مدينتنا (بغديدا)،

قره قوش ،كان (متي ب) يوقد تلك الفوانيس ،يأتي في المساء ،حين تخيم الظلمة على الارض ،يصعد سلمه القديم المكون من درجتين او ثلاث ،

لم انس ذلك المشهد المسائي طوال ايام حياتي …….

الان وبعد عشرات السنين من تلك الوحشة خطفتني الحماقات الى متاهات وسط غرباء دخلوا بلادنا واحتلوها وسرقوا ماء دجلة وعبثوا ببساطيلهم بماء الفرات وخطفواحمامات ((المربعة وسوق الغزل وتحرشوا بحمامات بغداد الجديدة والبتاوين والمشتل )) انهم لا يمتون بأية صلة بمصابيحنا العزلاء ، وضجوا بعجلاتهم الهمر وهي تخترق أصواتنا وتحياتنا واعيادنا صيفنا وشتاءنا وهي تصيب بسهامها اجساد الفاتنات من حي المنصور والبلديات وحي المعلمين و….و….و….

“المحرّرون” يسرقون بغداد المحروسة

عشنا في سوق الغزل بشراكة نظيفة ،كانت لنا دكانا لبيع الكبة يشاركنا في رزقها (العم ي س ابو(ع) والعم (أ)، وانتهى رزقنا ،عندما جاءت البلدية بشفلاتها ومكائنها قصمت نصف الدكان ،كانت هذه الحادثة أيام الجمهورية بزعامة الزعيم الاوحد عبد الكريم قاسم ،وبعد عام او ربما اكثر من الحيرة والغرابة والندم عدنا الى بغديدا، قره قوش ،الى بيت قديم صغير في محلة مرحانا لا يتسع لاكثر من عائلة صغيرة تتكون من خمسة أفراد …. البيت القديم كان يقع مقابل بيت جدي القصاب (ش د) ويلاصق بيت ككي باهو بربر الشهير بحكاياته التاريخية وزوجته (ز_جيجو) الحكيمة الماهرة بطب الاعشاب ،ولربما تركت خلفها كل صيدليتها العشبية ، ولاتزال ابنتها (ش) تعمل على خطى أمها (ز)..بمهارة…

عشنا في هذة الدار الى ان شاءت الاقدار والاشجار ان تقصد الخريف الذي ظل علامة فارقة في حياة تلك المرحلة ،وانا الذي بنيت من تلك الشجرة علامات ليست للربيع ولا للشتاء ولاللخريف ، كان الشتاء يتفرع كأغصان من بين سيان الازقة ،ويجري كما كان صوت جدي القصاب يلعلع وهو ينادي زبائنه ليقصدوا دكانه وكان ذلك كل يوم أحد ياتي الفقراء

لشراء ربع كيلو او نصف كيلو لحم ليتلذذ اولادهم الذين حرموا من الربيع الذي سقط وسط الفصول السماوية ولم يفكر به الشعراء يوم جرت الرياح عكس ما أشتهت السفن ،ظل الشاعر يفكر بهرم الدار وخمول ترابها وأندثار السنوات الرمادية……

شاهد أيضاً

د. عدنان الظاهر: ضراوة الحياة اللامُتوقعة (*)
(شعر وقص للكاتب الفنان السيد بولص آدم ) (ملف/17)

إشارة : “ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”. يهمّ أسرة …

بولص آدم: اللون يؤدي اليه (4) (ملف/16)

إشارة : “ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”. يهمّ أسرة …

رزاق ابراهيم حسن: مَنْ يتحمل مسؤولية موت المؤرخ حميد المطبعي؟ (ملف/5)

سنوات عدة عاشها حميد المطبعي مريضا مقعدا ومرغما على ملازمة البيت، ولكنه طوال هذه السنوات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *