أ. د. نادية هناوي سعدون*: الانفتاح الكتابي في قصيدة اليوم الثامن من أيام ادم لشاكر مجيد سيفو (ملف/3)

*ناقدة وأكاديمية عراقية

وزع الشاعر شاكر مجيد سيفو مطولته الشعرية ( اليوم الثامن من ايام ادم) في صيغة ملحمية تدور فيها الازمنة والامكنة والانسان في دورة الاسماء والافعال والحروف ليجتمع الصوفي والسحري والتاريخي والمعاصر والعلمي والاسطوري .
واختار الشاعر قصيدة النثر كشكل شعري يحاكى مأساة فعل شرير اقترفه ايد اثمة فجرت كنيسة سيدة النجاة ببغداد ليصير ذلك الفعل الهمجي هو الشرارة التي قدحت الابداع فانفتحت نصوص الشاعر متداخلة بعضها في بعض ومشتملة على كل البدايات والنهايات في صورة لها بداية وليس لها نهاية .
وقد منحت التعالقات النصية التي اتكأت على الموروث والمؤسطر والديني والانساني النصوص المطولة أبعادا دينامية حفرت في اغوار التاريخ باحثة عن حكايات لملحمة حديثة تتضمن مسالك أسطورية لما مرت به البشرية في تاريخها الطويل منذ ان خلق الله تعالى الكون ثم خلق ادم من طين لازب ليكون خليفته في الارض . ومنذ أن اقترف البشر الخطيئة الأولى فكان نسل ادم بعضهم عدوا لبعض إلى أن تقوم الساعة .
والشاعر في طريق تاكيد الفلسفة الإلهية والحكمة الربانية من الخلق اتخذ من اسم ادم محورا شعريا لما ستدور حوله سائر صوره الأخرى .
واذا كان ادم دالا فان العدد ثمانية هو المدلول فاليوم الثامن من ايام ادم يختصر رحلة ادم منذ بدء الخليقة على وجه الارض ولغاية فنائه كهلا أتعبته السنون وأرهقته الأمكنة .
وقد خلق الله تعالى الأرض والسماء في يومين اثنين فقال للارض والسموات اتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين ثم وزع فيها أقواتها في أربعة أيام ..فكانت أيام الخلق ستة سواء للسائلين . ثم كان خلق ادم متبعا بخلق حواء ليهبطا على الأرض كمستقر لهما ومستودع لابنائهما وليستمر النسل البشري ولتكتمل حكمة الخلق…
وقد ذهب العلامة المحقق الجليل السيد عبد الله شبر في تأويل الهبوط الذي ورد في الآية الكريمة الثامنة والثلاثون من سورة البقرة ( قلنا اهبطوا منها جميعا ) الى ان الله تعالى قد امر بالهبوط اولا وبان لا يتقدم احدهم الاخر ثانيا . وقيل: الأول هبوط قرن بالتعادي والثاني للتكليف وقيل الاول : من الجنة الى سماء الدنيا والثاني منها الى الارض وقيل : تاكيد ..” تفسير القران الكريم /ص606


وإذا كان اليوم السابع هو مجيء ادم للوجود فان اليوم الثامن هو فناؤه وغيابه عن الوجود وبذلك يصبح النص الشعري المطول نصا ثقافيا تشتبك فيه اللحظات الحاضرة والماضية وتتزامن فيه اللحظات التاريخية مباغتة الحاضر القريب فتتلاشى الأزمان ولا يعود هناك الا المكان .
وقد جمع الشاعر دورة الأرض الأبدية في لوحات توزعت بين لوحات صوفية ذات ابعاد روحانية قدسية ولوحات انسانية ذات افاق جمالية خالصة ولوحات واقعية ذات مضامين ايدولوجية ولوحات سحرية ذات مواصفات فانتازية ومعالم غرائبية..
وتحمل هذه اللوحات ثيمات روحانية لموضوعات عقائدية تمنح البناء الشعري للقصيدة المطولة نسقا ظاهريا يجمع بين الميثولوجي والعقائدي .
وتتوارى خلفه مستويات متعددة من التصوف والتدين والعشق الالهي والمناجاة والحكمة فيغدو الطابع الأخلاقي الواقعي هو الطاغي على القصيدة..
وهذا النسق الظاهر يخفي وراءه نسقا مضمرا هو التجلي الذاتي والانبعاث الروحي والامتداد الازلي لكينونة الذات البشرية ممثلة بادم ونظيره عيسى الحي .
ويكون التوظيف الكتابي المتمثل في تكرار الحروف ونقاط الحذف والفراغات وعلامات تعجب وسائل دالة على تأكيد ثيمة الاعتقاد الأزلي الراسخ في المخيلة الدينية بان عيسى لم يمت وانه حي وكاشراطة من اشراطات يوم القيامة وعلامة كبرى على قيام الساعة .
وقد افتتح خطابه للملاذ عيسى باستفهام غايته الدعاء والنداء:
هل يكفي ان اكتب بلغة القلب
ومداد العين وفتوة السنديان
وروح القربان ؟
هل تعيرني اصابعك الربانية
كي ادون ثرياتي وادمعها هنا
على حيطان سيدة النجاة ؟ ص7
وهذه الافتتاحية تسمح للقارئ أن يتأمل فحوى المطولة (الحمد لك سيدتي ) ولتساعده على ولوج الأجواء الروحانية التي ستساق في خضمها.
ولعبة الشاعر هي الحروف والكلمات وفاعلية الحرف تكمن في كونه مكتوبا لا منطوقا وأول حروفه التي راهن عليها النون منطلقا من المحفز الأول ( النجاة ) فبدأ بكل الكلمات التي تبدأ بالنون :
يا سيدة النجاة والناجين والنجوى والنجب والنور والنوارس والناردين والنارنج والتاريخ والنوح والنوى والنوء والنوستالجيا البغدادية والنحل والنحيب والنايات والناي والنرجس والنوى والنار والنسيم والنواميس والنواقيس ..
ويتعالى الحمد صوتا طاغيا أيقظته النون النجاتية فهي المحفز الحرفي الأول للشاعر . ولان النجاة سيدة فان لها قرينا هو ابنها ادم :
كان ادم ابن النجاة يحرض الرذاذ
..
ويطلع دائما من نون أمه
واقصد من عينها اليمنى ص9
وفي استحضار لميثولوجيا معجزات الأنبياء ولا سيما معجزة السيد المسيح :
مضى ادم إلى الماء كي يمشي
على الماء
وخاطبه ادم بوصفه شمس الشهداء وبوصفه الشيخ الكبير وبوصفه الطفل الشهيد :
بكى ادم الشيخ الكبير
حينها بكى ادم الطفل الشهيد ص14
وادم ابن البلاد الذي امتلك صوتا ملائكيا :
كتب ادم اسمه
باسم الحي القيوم
وادم هو النبتة الأولى البريئة التي فطرت على الخير والمحبة لكن الزمن غيره :
يا ادم النبتة الأولى ص 21
…………
نبتت لأدم قرون جديدة وعيون جديدة ص22
……….
أنت من أغويت السحاب بنقشات قميصك ص45
ولما كان العنوان ( اليوم الثامن من أيام ادم ) قد راهن على البنية الزمنية ممثلة بلفظة ( اليوم ) فان سطور القصيدة ستحيل الزمان إلى بنية مكانية ( الأرض والسماء ) ولتكون النبوة
هي الشهادة وليكون الموت هو البعث فان من مات شهيدا يبقى حيا لا يموت ..

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: لم تكن المرأة أبداً حلمنا النهائي (رسالة إلى المبدع الراحل علي الشيباني) (ملف/108)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

الإرتياب في المكان – قراءة في رواية “الإرسي”
عبد العزيز إبراهيم (ملف/107)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (25) (ملف/106)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *