الرئيسية » ملفات » الشاعر شاكر مجيد سيفو: من الحلم تنهض شعرية الأشياء
حوار: هيثم بهنام بردى (ملف/12)

الشاعر شاكر مجيد سيفو: من الحلم تنهض شعرية الأشياء
حوار: هيثم بهنام بردى (ملف/12)

* أنا انشد نشيدي الكوني الخاص منذ طفولتي الشعرية وحتى هذه اللحظة, إن البدايات في تأكيدها على الرسوخ كانت ولابد إن تقع وتؤسس على المتن الحكائي بسقوفها السردية القص تاريخية , هكذا كنا نتحلق حول جداتنا وهن يفقسن القمل في مواقد الشتاء………….

* وظلت الشعرية تلهث وراء انزياحات الصورة لتؤكد بناء عمارتها الأساسية على عمارة اللغة وأساطينها وسحرها وتاريخها الايقوني والجمالي والعضوي والهارموني والترميزي والحلمي, فمن الحلم تنهض شعرية الأشياء ,,

* فحّتام يظل النص السرياني أسير قيود وقوالب تقليدية وأشكال مستهلكة, وبعدها صار النص السرياني الذي كتبته ومعي نخبة من الأسماء حضارة شعرية جديدة أقامت مهرجانها الكوني الشعري وسط ذائقة احتفت ولا زالت تحتفي بمقتنيات الاختلاف والرؤى الحالمة الجديدة وامتصاصها للشفاهي والموروث الشعبي والنسق الميثولوجي,

* أن قراءة المخيلة هي بالنتيجة إكتناه دواخل النص واستقصاء خلاق للعلاقات الداخلية لبنيته العميقة بقدر أضاءتها وليس فقط أحالتها إلى مراجعها ومؤولاتها,

الحوار

· هيثم : لكل شاعر طفولة شعرية , كيف وجدت طعم الشعر عند أول تذوقك له, وهل طفولتك معه مفروشة بالورد أم بالشوك ؟

– شاكر : كل بداية لابد أن تمتص رحيق النور الأولي للخلق وطفولة الشعر عندي كانت من نقطة الشروع الأولى للاوعي بالعالم والكون والأشياء والجسد والروح معاً، حينها كنت أسعى أن أعرّج إلى عالم ثانِ في حياتي كي ادخل ذبيحة الكلمة وابتكر خبرتها الارضسمائي, كي ادخل حياة اللحظة الشعرية, ونتوجها بوجع الحرف والآمة, حيث لاعالم مستعمل في متحفي الشخصي, وليس هنا, ثمة نجمة تراوغ خطواتي مثل مجنون ملتصق بورد الكتابة, إذ تتخصب اللحظة بالألم والوجود, لم يكن هناك سوى يأس منتج عبر مقاسات الجسد كي أطارده حين تتهندس اللحظة الشعرية في حقولي وكلام منقوص يتهالك في شرك اللحظة ويسلب وعيي الاستثنائي, حين استعد للامساك بزاد قليل لملامسة الجرح, لكأنني استعد للدخول إلى برزخ الكتابة, كتابة الذات والوجود معاً حين تتخلق الكتابة بأدمغتنا، باذخة وجدلية وتوهمنا بالانفلات من تنحية العدم في دواخلنا, دواخلي العميقة بالضبط , ثمة طفولة شعرية تتوسل الراسب التحتي حسب جاك دريداـ مع الجوهر الداخلي للذات المبدعة ويظل قانونها النوعي متجدداً برؤيات ميتاسحرية تتعامد مع هذا الجوهر الباطني في تقاناتة الحداثوية لتتغلب على ذهنية اللغة والميتافيزيقيا وتشترط مسارها الشعري , هكذا كانت طفولتي الشعرية الناطقة بالغيب والمتحدثة بالاتي ففي كل يوم نبوءة,, حسب أدونيس, هكذا ألقت ببصيرتها إلى ذلك الأقصى بالاندفاع إلى جيش الفكر والفلسفة والوجدان والمثيولوجيا والرمز والفوضى والهلوسة والهذيان والجنون, قادت طفولتي الشعرية جيوش من سدنة ورهبان وأنبياء الكلمة، الشك والاختلاف والتهويم والتنويع ورطانات الجراح المفتوحة منذ بدء الخلق وحتى هذه اللحظة, لم تقع طفولتي الشعرية على درب الورد أبدا فقد رأت دبيب العالمين في طريقها عبر مدونات الخليقة الأولى والى صفحات البياض الممضة أو إلى مدونة الغموض الجميل الجالس فوق بركان العالم , فكأن لهذا التشابك الظاهري والباطني أقامة جبرية في بيت الشعر, كنت حينها بحاجة إلى حنين أزلي ونداء كوني ينقل هذه الطفولة إلى المكان بمتنة الزماني والحلمي وجمالياته المتفوقة حسب -باشلار- لتدخل الطفولة أرومة الشعرية في توهجاتها اللامتناهية بفعل اللوغوس, بعيدا عنه زى الشرطي النقدي, أنا انشد نشيدي الكوني الخاص منذ طفولتي الشعرية وحتى هذه اللحظة, إن البدايات في تأكيدها على الرسوخ كانت ولابد إن تقع وتؤسس على المتن الحكائي بسقوفها السردية القص تاريخية , هكذا كنا نتحلق حول جداتنا وهن يفقسن القمل في مواقد الشتاء………….

· هيثم: مررت بمراحل الشعر الثلاث العمودي – التفعيلة – قصيدة النثر أو النص الحديث, هل ثمة فراغ بين المراحل الثلاث أم هي مثل آصرة, عنصر يتكاثف مع أخر لتكوين بنية الآصرة؟

– شاكر: لنعد قليلا إلى الوراء, ثمة انهيارات جليدية شعرية منذ بدء المرحلة المبكرة, فمنذ اللحظة الأولى كان البحث الدائم, أو هكذا بدأ الحفر في النوع, النوع الإبداعي فالمراحل الثلاث التي مررت بها هي احتدامات حياة بكل تفاصيلها في البحث عن النوع فكان لابد أن تختم على كل مرحلة بالمغادرة وأن تتجسد المغادرة في الانعطاف باللذة إلى أقصى درجاتها إذا ما افترضنا لذة النص حسب مقولات رولان بارت, قد تكون المراحل الثلاث مثل آصرة, لكن قيمةالاختلاف تؤسس لقطيعة وتأسيس لحفريات جديدة ولابد أن تنفصل عن الآصرة

الأولى لتؤسس لها يوتوبيا أو قرية شعرية كونية تمثل الجوكندا الشخصية للمتحف الشخصي للشاعر, أي أنة تحرير الدال من الدوال السائرة هو المغادرة بأتجاة الإصغاء العميق لنداء الذات الداخلي والتحديق في جوهر المادة والطبيعة والخلق والأشياء, أن الخوض في تجربة تتعامد فيها أنماط التأليف وتتقاطع وتتنافر وتتجاذب تظل حية وخلاقة فلابد من التنافر لكي يظل الاختلاف يمنح للذات الشاعرة متعتها الذهنية والبصرية, ذلك هو البحث الدائم والهروب من المألوف ومن كتابة النمط, من المستحيل أن تترك سطراً دون زرقته ليقيم في المتخيل الشعري , فالنص المفتوح لم يكن حصيلة تجريب الانماط التقليدية وحتى الكلاسيكية, لكن ما يجمع هذه الآصرة بعناصرها المكثفة هو ذلك التجريب في التطاحن والتطامن في بؤرها الصوفية والكونية الميتافيزيقية , تلك هي قيمة الشعرية التي تقوم على الحقل السيميائي والانبثاق من مناخ شعري ضاج ومختلف , وقد ترسخ ذلك في السعي لخلق فضاء لغوي منغلق على نفسة ومشرع على العالم, تتأمله الكتابة في وجودها كمغامرة …. في(الخلق من العدم أو الصحفة البيضاء ) كما يسميها مالارمية،، لقد كانت القصيدة لا تنتمي إلى الحاضر, كما يرى موريس بلانشو , أي أن لازمنيتها تجعلها تتقاطع مع الموجة الجديدة، أي أنها قد أفلتت من منتمٍ إلى التاريخ وهى متجذرة في أديم الحياة والوجود, فالأنماط الثلاثة في تجنيس الكتابة, أي كتابة القصيدة كانت زفرات ولم أكن حاضرا في السباحة في النهر مرتين حسب عبارة هيراقلطس, لقد قذفت تاريخي الجسدي والروحي آلاف المرات لأصنع واخلق أسطورتي الخاصة ولربما دعوت كل الشراكات وشركات البخت أن تنخل برجي من قائمة الأبراج ولعله كان اتجاه الشعر النوع إلى هذا المحيط الخفي والعودة به إلى المنبع الأبدي, أي أقولها لك بقوة إلى النثر الذي تأسس علية الكون, في بعض من هذا القول لشعرية الكون والوجود وميتاجمالياته اللسانية العالية والساحرة , أن جدلية وظاهرة وباطنة تدخل ضمن حلقات هذه المراحل, فكانت النشوة الانفلات من أسر المرحلة واصطياد فيض رؤيات حالمة حرة تحضر في تأويلات الألم ومراحله, من الإمساك بعقار “الأنتي بايتيك” إلى الحقن بالمغناطيسية الجيوسيكولوجية , ومن التعولم الشعري, (الشعر عالم مخيف حسب ادونيس فهو الكشف عن المرئي واللامرئي ) سواء كان في قالب الكلاسيك أو النص المفتوح, لقد حفلت المراحل الثلاث بذاكرات تناصية, منشئها اللغة ببنينها العميقة, وظلت الكتابة الشعرية مثل عمارة بعدد من الطوابق تسكنها عائلات اللغة المهاجرة الفقيرة من جهة أو الباذخة البرجوازية من جهة أخرى, وظلت الشعرية تلهث وراء انزياحات الصورة لتؤكد بناء عمارتها الأساسية على عمارة اللغة وأساطينها وسحرها وتاريخها الايقوني والجمالي والعضوي والهارموني والترميزي والحلمي , فمن الحلم تنهض شعرية الأشياء ,,,, أنني أيقنت أن خلاصات المراحل الثلاث لابد أن تتوّج في المكوث الميتاواقعي والمستقبلي في عالم الإقامة الحرة في الشعر بعيدا عن ترانسيت الذائقة التقليدية , فكانت هناك انعطاف كبرى في قراءة المجهول…..

· هيثم: كتبت المسرحية وأدب الأطفال, هل تظن أن توزع المبدع أم انقسام الذات المبدعة إلى خلايا متعددة تؤدي إلى تشتت الخلية وانطفاء أو ابتعاد الخالق نحو الظل, أم أن هذا التوزيع يؤدي إلى التكامل المطلق للذات المبدعة ؟

– شاكر: قد ترى معي يا صديقي إن الكتابة عندي في مشغلي لا بل في مرجلي هي نسق من التواصل وهى رسالة لم تعد محسومة ولا تعبر كلياً عن النتائج, فهي منظومة حياتية من الصعب فكيك وتجريد بنيانها من الدلالة الأساسية, لقد كان التنوع وليس التوزع كما ورد في سؤالك شكلاً قائماً على التموج في تحويل منظومة الخبرات والمعارف وأنساق الفلسفة والميثولوجيا في قنوات التأليف بأجناسية حادة تجمع بينة منعطفات السرد والدراما والقص المتشظي في منحنيات شعرية، كل هذا الكلام من اجل قراءة العالم والوجود والإنسان والتاريخ وتساؤلات الأخر وهجرة العقل أو الوعي باتجاه التكنولوجيا .

قد ينشطر العقل الفني الإبداعي في مرجلٍ كهذا لكي يحافظ على وحدة الكيان الإبداعي للذات المبدعة في تحرير خلاصات فنية عالية تمثل جوهر العالم وتحولات العصر من هندسة القبح إلى هندسة الجمال، وذلك ما يمنح الامتياز الكوني الخلاق للذات المبدعة بوعيها الجدلي والإضافي, ويحرص هذا الامتياز على تكريس الجوهر الفني في أي جنس من هذه الأجناس الأدبية والفنية التى جاءت في طيات سؤالك ..أن الزمن مقاربة فنية ميتافيزيقية لفن الحكاية والى جانب ذلك يقوم التشكيل والموسيقى, والشعر أكثرهم حساسية وتخييلاً وانشغالات بالزمكان والفكر والفلسفة, فالتنوع هو من قواعد لعبة الذات في مرحلة من مراحلها الإبداعية وتحريك هذة القواعد هو في توجة النية إلى المغامرة وخلق يوتوبيا شخصية تضمن لها حدودها السيسيوثقافية التي تقع بين الواقع والمتخيل وبلاغة المكان وحفريات المعرفة وانشغال الذات بخطاب الإزاحةـ دائماً , وبالتالي يبقى الوثوق في الحلم المرئي هو التمركز على طراز متفرد يمثل القيمة الكليانية للتجربة الإبداعية الشخصية …

· هيثم: أتيت إلى ميدان جديد قبل عقد أو أكثر من السنين وهو القصيدة السريانية, وكان الفضاء واسعاً شاسعاً يستوطنه الفراغ إلاّ من بعض الومضات, صلت وجلت في الميدان وحفرت لك اسما مهماً جداً, ما هو الخط الوهمي الذي يفصل بين شاكر كشاعر يكتب النص العربي, وشاكر الذي يكتب النص السرياني ؟

– شاكر: أشكرك على هذا الإطراء, يقينا انك تقرأ مشهدي الشعري السرياني قراءة ذكية ودقيقة ومختلفة, وفعلا انك تضيف إلى انشغالي الشخصي في هذا المشغل قوة نقدية ومنها ارتشف هذه المداميك, وأنا بدوري أود أن أسألك هل هناك خط وهمي بيني أنا الشاعر وبيني أنا الشاعر ثانية, هل أعود بك إلى ذاتي العميقة في رؤيتها للعالم والأشياء والوجود والكون والإنسان, لا أرى أي خيط وهمي يا صديقي الجميل بين إن أكون شاعرا يكتب النص العربي والنص السرياني, لكن هناك آليات اشتغال تكاد تتجاوز في محك ما من جهة وأخرى تتباعد في مقتنيات الذات الشاعرة ومنها بالتحديد معامل اللغة, هنا تتوزع وتتشظى الاقانيم, ويطلب كل اقنوم إن ينهل من منابع التداعي الذهني والعلاقات اللغوية الجديدة التي هي رصيد المتن الشعري, ففي النص العربي تجد انفتاحاً هائلاً على معامل الانزياح والتكثيف والسرد هذا ما اسمية بفلسفة الكتابة حسب جاك دريدا, أما في النص السرياني, فقد تضيق المسافة بين هذه المكونات لتتشعب عبر أطر تاريخية اللغة ومراجعها وقاموسيتها وشفاهياتها واقنومها الواحد, وفي هذا المعترك احرص أن اعمل على الحبكة الخفية , كما يسميها دريدا في قراءته للنص الافلاطوني (بالمشهد العائلي )، أن حضور اللوغوس الأب في النص السرياني هو الإطاحة باللامركزية للمشهد العائلي، ومن هنا كانت محاولاتي لقتل الأب أي دون العودة إلى مرجعيات اليقين لأنها جارحة وحادة ومخيفة ومرعبة هذا ما قلته حينما أصدرت بياني الشخصي في الكتابة الأخرى للنص السرياني, لكن بعد ذوبان الجليد عن سماء المشهد الشعري السرياني, انهالت النصوص المختلفة بحسد أو غيرة أو منافسة أو إضافات لفيوض نصوصي السريانية وكتبت حينها وقلت أن الشعر العربي أعلى بقيمه الفنية بالانفلات من أسر الوزن والقافية, فحّتام يظل النص السرياني أسير قيود وقوالب تقليدية وأشكال مستهلكة, وبعدها صار النص السرياني الذي كتبتة ومعي نخبة من الأسماء حضارة شعرية جديدة أقامت مهرجانها الكوني الشعري وسط ذائقة احتفت ولا زالت تحتفي بمقتنيات الاختلاف والرؤى الحالمة الجديدة وامتصاصها للشفاهي والموروث الشعبي والنسق الميثولوجي, لقد ظل التشكل الخارجي ينتظر الداخل المتشكل كي يمارس حيلة للقبض على الجوهر( فالشاعر الحديث هو الذي يكتب حداثته من داخلها ويتشرب نسيجة الحي بانساغها فكرا وفلسفة حياة وكتابة … حسب كلام الصديق الشاعر رعد فاضل)، وبالعودة إلى السؤال, فان الشاعر الذي هو أنا, فأناي هذه هي أرومة تتصل بالعالم الذي يتأكسد داخل شرايينها, فتنتج الذات الشاعرة فكاهة العالم السوداء, ويظل الشاعر المقدس الذي عبر عنه هولدرين مهما انشطرت ذاته , كوناً واحداً يتغذى من انساق عديدة كي يقيم في الحياة إلى الأبد كي يملأ الفضاء الشاسع الذي استوطنه الفراغ كما ورد في متن سؤالك.

أنا حرصت أن افجر اللغة كما في مشهدي الشعري العربي, وهكذا عملت على الاستفادة من كل قراءاتي لفلسفة النقد الغربي في أعمال بارت وأمبرتو ايكو وتودوروف وسارتر وولفغانغ وجان كوهني وياكوبسن وجوليا كرستيفا وفراي وغريماس وبيرس وفوكو ودريدا وغيرهم , المهم إذا من ذلك كله إن يؤسس الشاعر يوتوبياه وجوداً , ذلك ما يؤكدة لنا غاستون باشلار في قولة ( علينا إن نستعيد كينونتنا المجهولة ).

· هيثم: كتبت قراءات المخيال الشخصي ورؤى الاختلاف على حد تعبيرك، على متن كتابك (جمر الكتابة الأخرى)، وتناولت فيه مختلف الأجناس (الشعر العربي، الشعر السرياني، القصة القصيرة، الفن التشكيلي)، أين يكون شاكر الشاعر حين يكون شاكر القارئ حاضراً، ولماذا قراءة المخيلة وليس النقد بمعناه المتوارث؟

– شاكر: يقود نص السؤال إلى منطقة شائكة من مناطق الكتابة الإبداعية, فقراءة النص هي قراءة تخييلية كما عنونت كتابي (جمر الكتابة الأخرى) ـ (قراءات المخيال الشخصي ورؤى الاختلاف), توفر المخيلة الحركة اللولبية لقراءة النص, فالقراءة هنا هي بمقام الإنتاج, لهذا تأتي القراءة بعيدا عن كسل القارئ وذائقتة العادية, وتتطلب الغوص في جوهر الأشياء وسبر أغوار الوجود واستكناه أسراره, وتفكيك أنظمة الحياة الصارمة, وقد تكون القراءة مقام حرق لثقافات وأنظمة معرفية مؤسسة في الجهاز الكوني للمعارف والفلسفات والفكر الإنساني , لهذا ترى أن النقد قائم ألان مقام التنظير الخلاق, ونفهم من هذا أن النقد يعمل على دفع حركة الكتابة إلى الرسوخ والانفتاح والتوسع في تأسيس مشهديات جديدة, وتجسيد فكرة الانفلات من دائرة الأتباع, لأن النص الإبداعي لا يحتمل من مثل هذا النوع من الاشتغال الوضعي بمعنى إن الانفتاح هو البحث والعثور على النوع الإبداعي لإكتناه البعد الخفي لخطاب النص ومكوناته البنائية وجدلياتها, أن قراءة المخيلة هي بالنتيجة إكتناه دواخل النص واستقصاء خلاق للعلاقات الداخلية لبنيته العميقة بقدر أضاءتها وليس فقط أحالتها إلى مراجعها ومؤولاتها, أن مكمن القراءة الحادة هو ترسيخ ذلك التلاحم بين عمل قوة التخييل والتلاحم النسيجي لمكونات النص، أي تثوير حركة الكلمات والأشياء وعلاقتهما الداخلية والظاهراتية وبالتالي عكس هذا التحول ودورانه الخليقي في شبكة هائلة من المعاني الحياتية وثنائياتها المتضادة والمتجانسة معا …

(يخص الجرجاني القراءة دائما بأوصاف تقربها من الغوص وطلب الشى البعيد , ومسؤولية المبدع في إظهار المعاني وهو يفسر ما نسميه اليوم متعة النص أو لذته, بمقدار التعب المبذول في الوصول إلى المعاني الخفية ) وفي نفس السياق يحيلنا الحديث إلى مقولات جاكبسون في معرض كلامه عن الرسائل الغامضة المتجهة إلى داخلها والدالة على نفسها والتي يصنعها بالرسالة الانطوائية . بينما يبحث امبرتوايكو عما يبرر غموض المرسلة الغامضة التي تظهر وكأنها غنية بالمعلومات لأنها توفر عدة اختيارات في التفسير مع شيء من الضجة أو الفوضى البسيطة،، هكذا الكلام للناقد حاتم الصكر , حتى يخلص الوقوف عند نقاد جماليات الاستجابة الذين يفسرون كل ذلك ب( نداء النص )..

هيثم: يقول بيتس (الحكمة تنطق بالصورة الشعرية)، هذا القول يقودنا إلى تساؤلين مهمين… هل أن غلبة أحدهما على الآخر يقود إلى الاكتمال؟، أم أن خلخلة النظرية والآتيان بشيء جديد، يمكن أن يكون عكسها ربما، يمكن أن يخلق النص المتكامل؟

شاكر: كأني في لحظة الإشراق, لحظة الكتابة التي تقدح باللغة وترمي أنساقها في غليان الحكمة في مرجل واحد بوقود هى اللغة التي تحكم نسيج الحكمة وتوصيفاتها لخلق صورة, الصورة الشعرية التي تتحدث عنها هي ليست حكمية فقط, بل هي نسيجية تعتمد على العامل النفسي, حين يضع الشاعر الشعر في لحظة سيرورة منتجة دون أن يتنازل عن مزاياه الشخصية, وأخطرها أنه يحرص على الإيحاء لا البوح والإفصاح والتقرير في حين أن الحكيم يقيم أنساقه الحكمية بلغة واضحة يرى فيها اكتمال مشهده الحكمي دون التفريط بالمعنى الدقيق المطلوب, يشترط فاليري في كشوفاته بأن الإبداع هو كل ما له صلة باللغة، واللغة هي الجوهر الأساسي, فالصورة الشعرية لا تقوم ألاّ بأعمدة لغوية تتصل بعلم الشعر وهذا ما أكد علية جان كوهين وياكبسون ورولان بارت في موضوعة الشعرية, أن حدود الصورة الشعرية هي في تمظهرها الشعري في متن النص, وتبدأ بالظهور من الكمون إلى كشوفات وظيفتها الجمالية التي تؤسس لها اللغة في مستوياتها المحسوسة لبنية النص, إن الرؤيا هي تشكل صوري وتمظهر وجداني باطني يوقظ الحكمة من سباتها لكي تتحول بالتالي إلى صورة,, ويدخل الخيال هنا لصناعة المشهد الصوري(فطلب الخيال هنا هو كشف وتأسيس لوجودنا في العالم, حسب كلام الروائي العراقي علي بدر ) فالعلاقة إذاً بين المحمولين لخلخلة النظرية والآتيان بشيء جديد هو التعادل بين الداخل والخارج, ذلك هو الإصغاء المتمركز للمعنى المتعالي في نص متكامل , حيث نستسلم لندائه الغامض.

· هيثم: يقول بول فاليري: (إن الحماس ليس حالة فنية للعقل)، تتفرع من هذا القول مسألة في غاية الأهمية وهي العلاقة الجدلية بين المشاعر والأحاسيس من جهة، والملكة العقلية من جهة أخرى؟

– شاكر: قد يكون استدعاء الثنائيات المتراتبة نوعاً من التوازي بين القيم الشكلية والجوهرية، نوعاً من التمظهر الدلالي، ذلك هو ما نرغب أن نصل إليه في الاختلاف المؤجل للعقل أو تدميره أو طرده خارج مجسات مشغل اللغة, إن الإقرار بهذه المعادلة سيجعلنا حتماً أن نعود إلى كلاسيكية الرؤى وتمظهرات الرؤيا في سياق بنائي ساكن, وذلك هو توطين للتوليف في اكتمال فكرة التدوين, ستكون العملية التأليفية هنا تقليدية لأنها تقوم على الانفعال أو ما سميته (بالحماس ) الذي يتقاطع مع الوعي والرؤيا وحتى الإقامة في مساكن ((الهيتروتوبيا )) وعبور اللغة الجامدة للوصول إلى كيمياء النفس والأحلام, إن العلاقة كما تصورها تظل أسيرة التشكل اللفظي الذي لا يقيم بناءً شامخاً شعرية المعاني ولا يضفي نوعا من الغموض الذي تحدثنا عنة آنفا, الحماس هو الاستسلام الكامل للواقع في طرازه الفوتوغرافي وبدهية صوته ووقائعه …

وتختلط رؤى هذه الأسئلة الثلاثة الآنفة في شبكة تناصية , فلو تتبعنا ما ورد في محتوى سؤالك السابق سنجد إجابته في متن السؤالين السابقين, كل هذا الانحياز إلى الشعر هو ثمرة مواقعة بين الروح والجسد والروح للروح، وانغمار الذات بالخيال، وافتتانها بالحياة,… نعم هو السباق المحموم نحو أفق غامض, لأن الشعر وحده هو الذي يدفعنا ويحرضنا على أن نقبض على ندائه الغامض وملامسة الجوهر واقتناص نبض الأشياء وسرها الغامض الخفي رغم ضجيج العالم وفوضاه القاسية . ( ويمكن للشاعر أن يعبر عن رؤياه بما يسميه اليوت

“المنهج الأسطوري” وهو التعبير عن التجربة بطريقة رمزية )

· هيثم: أغلب الأدباء يتبرأون من نتاجهم الأول وحججهم في ذلك كونه نتاج المراهقة الأدبية…. الخ، هل هذا الحكم ينطبق على شاكر سيفو؟.

– شاكر: النتاج الأول الذي ينتجه الأديب ليس دستورا دائماً, فلربما, لهذا السبب يتبرأ منة معظم هؤلاء, أما لكونه نتاج مرحلة المراهقة الأدبية فهذا تحصيل حاصل, زماني وسيكولوجي وثقافي, أي انه قائم على لحظة ما من الزمان وفي لحظة ما من الزمن, أما قد يتمرد الشاعر على هذه اللحظات بمحتوياتها أو على الزمن والزمان في علاقاتهما الشيئية فهذا منحى قراءاتي للخروج بالنفس من دائرة الانجماد إلى الذوبان في حالات العصور, كيف لنا أن نرى الدنيا اليوم كما يراها شكسبير في هاملت وعطيل والملك لير, كيف نفهم الشعر ونكتبه كما فهمه وكتبه رامبو ومايكوفسكي وأبو تمام وأبو نؤاس والمتنبي وادونيس وطاغور وسان جون بيرس وسركون بولص وجان دمو وفاضل العزاوي وشيركو بيكه س وأديب كوكا وانس الحاج ومحمد حلمي الريشة ودنيا ميخائيل وغير هؤلاء .؟ هل يمكن لهوميروس أن يشطب من حياته الإلياذة ؟ هل وهل وهل .؟ ومهما يكن فأن النتاج الأول هو براءة اختراع وليس الأبن العاق أو النغل ومهما يكن فلا يمكن أن يتبرأ الأديب من نتاجه الأول , لهذه الأسباب ولكل الأسباب ..

· هيثم: رغم عمق وغنى الأدب الرافديني، مثل الملاحم والتراتيل والأناشيد، إلاّ أننا لا نجد أسماء مثل فيرجيل، ما هو السبب؟؟؟.

– شاكر: توحي بنية السؤال بإقامة مقارنة على المستوى التاريخي باستدعاء الخزين الأدبي والمعرفي الحضاري والفني والميثولوجي, من جهة واسم أدبي كبير من الإغريق مثل فيرجيل , هل تصح مثل هذه المقارنة, والى أي حد, هل أنت متأكد من عدم وجود أسماء أدبية وثقافية مثل فيرجيل رغم تنوع وغنى وثراء الأدب الرافديني ؟؟أسألك أنا… من كتب ملحمة كلكامش !؟.. أما قائمة الأدباء السريان فهي طويلة لا يتسع المجال هنا لتدوينها , أما قائمة الأدباء العرب فهي أكثر اتساعاً وانتشاراً، إن السؤال يقودنا إلى إقامة مقارنات وتناصات بين ثقافات الأمم والشعوب في الماضي والحاضر والمستقبل وإعادة رؤية الأدوار الحضارية والحداثات كلها, ويظل الصراع قائما في الوصول إلى خطاب كوني في تاريخ الكتابة الأدبية وكل منظومات الكلام .. لقد تمثل خطاب العالم منذ أول نص أدبي تاريخي في تمظهر قيمة العلاقة بين الشعر والتاريخ (باعتبار الشعر هو قيمة التاريخ حسب كلام المفكر والباحث التونسي مصطفى الكيلاني ..), ليست هناك أبوّة كليانية, ففي نهر الجنون يمكننا أن نسبح مرة واحدة فقط وندمر هذه الأبوة الكليانية , علينا قراءة الانطولوجيا الأدبية الكونية, وأن نتحرر من ترددات زلازل التطرف, وعلينا أن نتأمل حدائق الحلم الكونية..

· هيثم: شكرا جزيلاً.

– شاكر: شكراً لك.

*عن موقع بخديدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *