شعرية السّيَري الذاتي الحكائي في (سماء الخوف السابعة) للشاعر مروان ياسين الدليمي
قراءة نقدية: شاكر مجيد سيفو (ملف/9)

الشاعر وحيدا بين التواءات السؤال . .

لم تعد الكتابة الشعرية الجديدة منوطة بالإيصال في قنواتها اللغوية المباشرة بقدر اشتغالها على الخيال الذي يتسلح به الشاعر… في دخولنا الأولي لنصوص مجموعة “سماء الخوف السابعة” للشاعر مروان ياسين الدليمي ، نقف عند عتبة الهاجس الوجودي.. أذ يبدأ النص في تشكلّه الأولي من لحظة شعرية مقترنة بالتقرير اللفظي – ليست مفاجأة – في نصه ” أحداق القبرات” إلى أن يصل بنا المقام الشعري في صورته اليائسة، وانقطاع التمنيات بالأسئلة العالقة في استهلال الجملة الشعرية، بالعودة إلى المكان الأول، والإعلان عن الهاجس الطقسي الذي يرى في مسار الحياة الشخصية انكساراته ((وحيد بين أهداب الشوارع/ والتوءات السؤال/ هل سأتقن العودة إلى نينوى؟ “إلى الصياحات المنحنية على أكفنّا؟)) يقع معامل الأنزياح على هذه الصورة الشعرية في إشعاعها الشعري بقوة التخييل، ثم تتمظهرالصورة في ثنائية الأكتمال بالتشارك الحي على التلميح البرقي للتدليل على مشهدية الكارثة العراقية اليومية، إلى أن يصل الشاعر في مقولاته الشعرية “الطريق أضناه الدم خلف الجهات الشاحبة، وأحداق القبرات مستباحة بالرجم/ والغبش منقطع عن زرقة الطرقات إلى بغداد…” يتوسم الشاعر في ثنائية الفعل الشعري بشحنة لكهربة الملفوظات لجهازه اللغوي، حتى تكتمل صياغة الجملة الشعرية التي تتدفق في سيل من الإيحاءات والإشارات، فالنص عنده كتلة شعرية ملتهبة في العديد من مفاصله، ومفارقة فاصلة، منكسرة .. في أخرى، فالمفارقة تستعيد شعرية الملفوظة في تأصيل معامل الأنزياح، مثلا هذه الصورة الرائعة في بنيتها اللسانية ((خيانة تصطحب الصمت/ إلى بياض الورقة/ بينما الأقنعة تشعل الحرائق بدمي/ وفي يدي الأقمار/ مغلولا بحزني/ استدرج النهار حتى نافذتي/ وظلال الحكاية تخدع الطريق إلى ندائي….ص4)) تقترن كتابة النص الشعري المعاصر في تجربة – سماء الحزن السابعة – بأواليات الاشتغال الذاكراتي حيث تفاقم الصراع الإنساني في صورته الكونية، هذا الصراع الكوني يتمشهد اسطوريا في مخيلة الشاعر ويظل هاجسه الأبدي، مكونا معادلته الثنائية التي يوسمها غاستون باشلار بثنائية “يقظة الموت ويقظة الحياة” أذ ترشح انساق هذه المعادلة في نص الشاعر ((ايها السخط… التئم، ثم التئم)) يقول مروان {مَنْ أبقى ترابا على هيبتهِ؟/ ومَنْ أطلق الموت على سحابةٍ من ذهبْ؟} إنّ ما تدخره المعادلة هذه قد لا يحتاج إلى تأويل، فالمركب اللفظي في صيغته التساؤلية يوحي بالثنائية الضدية، في قيامة إشكالية السؤال الفلسفي للصورة ومكوناتها وعلاماتها الاشارية (الموت × الذهب) وتبدّت الحكاية في منطوقها في إرسالية النص ولعبة الصياغة في شحن الملفوظة بشعرية الفراغ والتجاور مع منطوق السير حكائي الشخصي وترى قراءتنا إلى ما يتمم السؤال الجوهري في “ألقمتني طعناتها الأساطير، وتهشمت قبضتي على حيطان الكتابة/ هذي نوافذنا/ أمست معابر لليوم ورغيفنا لم تفرد له النار كفّيها…ص9” تجلو نصوص الشاعر مروان ياسين ما تراه العين من المشهدية الكارثية العراقية اليومية والتاريخية وهو العارف بأسرار الشعر وخزائنه الذاكراتية في مجمل ما تشي من أحلام ووشائج مع الأخر الذي يتجسد في الروح العراقية ورموزها الخالدة في استغوار النص لجدلية الحب والحرب، هذه الصلة التي تتعمق في مشغل الشاعر وتكبر إلى أن تصل إلى مرحلة المحنة الكلية، الجمعية حتى يصل الى سرد الآم الإنسان والأرض والشجر والمطر، وتعرّية سيركات الاحتلال: ((هاهي أصابع الصحراء/ علقت فينا ظلالها الناقصة/ وجاءت بحوقة الرعاة/ ليخصّوا محنتنا/ ثم وشحوا الناطحات بتراب مهرَّبٍ من جرح الرافدين…ص15)) يستخلص الشاعر كل كارثي دفين من مركباته اللفظية ليصل بالحال الشعري إلى لبوسات دلالية تهندس هيكلية نصوصه بقدراته الرؤيؤية واشتغالا ته البصرية التي هي اصلاً من كشوفات متحفه الصوري والسينمي، فالعلاقة المشتركة بين الفنون هي نتاج تاريخ الشعر والنص والفن والفكر والجمال، هي النشاط الجمالي الأبستيمي الأول للإنسان، والشاعر هو هذا الإنسان المتمرد على كل ساكن ومألوف، على الزمان والمكان في شطحاته الفلسفية والصوفية معاً.
إنّ الذات الشاعرة الخلاقة تحفظ ما هو سيري كوني ونوستاليجي معاً، حين يذهب الشاعر بالقصيدة أو بكل عالمه الشعري إلى خوض صراعه مع العالم وتواصله مع الأخر في خضم هذه المعادلة الصعبة فالأنا أحيانا تتماهى في الـ ((نحن ))وترى الأنا في مجابهتها وصراعها مع العالم، صراع الوجود الذي هو الشعر بحقيقته، حسب – هايدجر – في كلامه عن الشعر والوجود، والشعر الصوت، هو صوت الوجود حين تصرّح به ملفوظات الشاعر بكل جرأة: ((كانت الوقوعات تنهمر على مهجةِ غيوم/ تمشِّطُ فطنتها بلون الغسق/ وتشير لها أن تطهو حليب اليورانيوم حين يجوع القادة في حضرة الطابور/ وهم يبتكرون الشَّغب/ لاستلام رواتب هزيمتهم… ص18 سماء الخوف السابعة)) يتجسد هنا عرض الصورة الكارثية في ما يشبه الإعلان والإخبار والتقرير والتصريح، بقصّ شعري إذ يبدأ بفعل القص والحكي “”كانت” وما .. من إرسالية نصية بكل أشكال الخرافة والعنف والغضب، يستعين الشاعر من المشهد الوقائعي ما يسود في التاريخ المعاصر من كارثية تتمظهر في تأزم وانكسار واندحار المشهد السياسي والاجتماعي للبلاد وإنسانها النبيل، ويتنقل الخطاب من حالة إلى أخرى وفي نهاية كل حالة يتجسد المعادل الموضوعي ((سار الغرباء بماضيهم المؤثث بالدخان على أجنحة الطرق المضيئة بأسمائنا/ وافتتحوا الزحف بأمنيات قذائفهم/ حتى وصلوا سماء الخوف السابعة/ وجرّوها على الإسفلت مأهولة بدمعنا/ هانحن من جديد/ سنعيد ترتيب كؤوس انتظارنا/ ننفخ التراب بخيولٍ/ ترقب اللصوص وهم يخترعون توباتهم… ص20)).
تتكرر تضاعيف الحكاية الكبيرة، في تراتبية النصوص في الأشتغال على مدارات المتن النصي وتشظّي دلالاته، فالمتون الحكائية تكاد تقترب من المفصل السير ذاتي، هذا التجنيس النصي الذي اجترحته أقلام شعرية وقصصية حداثوية أنتجت متوناً أدبية جمالية عالية في عالم الكتابة الأدبية الجديدة، والشاعر مروان ياسين دخل هذا المشغل الحيّ ليحكي ويقص مروياته الشخصية، فبنية العنونة لنصوصه وتصديرات الاهداءات تشي وتوحي كليا بانفتاح النص على بنية القص الشعري، السيري الشخصي واستدعاء الأخر وبثّه الحياتي الحكائي داخل مساحة المتن النصي واتساع مدياته وتعالقات رموزه وأشيائه وحتى أيقوناته الحياتية التي تدخل في صياغة خطابه الشعري ((يأتي الأهتمام الشديد والعناية القصوى الجمالية بالعنونات من اجتراحات التركيب اللفظي الجمالي في بنيته المنزاحة، مثلا “المُهمَل ــــ سهواً أو عمداً” ثم يلحقه بتصدير الإهداء إلى/ شهداء حي الزنجيلي الفقراء/ ويستهل النص بالتركيب اللفظي من الجار والمجرور ليبثّ خبراً، وهو فعلاً خبر مقدم)).
يقول النص من الأستهلال: ((من بيوت/ كانت تحيا على كف انتظار/ من أسطورة اسمها نينوى/ كان الفجر منها يجيء/ هي ألان جرح وراية للذهول تحت الرماد…ص26)) تترسخ منظومة الحكايات في تجذر بنية المكان وحكاياتها ورموزها، فمشهدية المكان هنا تتمظهر في بنيات القول الشعري، والأطروحة الشعرية المتحققة في مديات الفضاء الشعري الذي يمتد في منظومة من التشكيلات البصرية، ويتحرك النص من بؤرة المعنى الكلي ليمتد في تشظيّه إلى حلقات دائرية تكاد تشكل بؤراً لحادثة النص الكلية ومشهدية المكان وتعالقات رموزه وحكاياهم: ((مشينا على الأقدام إلى قاعة الربيع… لكتب في شارع النجفي، رخيصة تباع على الرصيف/ لأفلام رصينة تعرض في سينما غرناطة/ للزحمة في سوق العطارين/ لأكلة الفلافل من بدر السوري/ والتسكع ليلاً في الدواسة/ أنا و بولص ادم وهو يعود مساءً كالأبطال الرومان من المقلع إلى اقرب حانة…ص29)) يرسم الشاعر صورة فوتو شعرية زائداً فوتو مكانية لنصهِ الشعري إذ يحشد فيه كل ماتختزنه الذاكرة من أفعال يومية وأسماء أدبية وفنية تدخل إلى مشغله الشعري في بصيرة ثاقبة، بهذا التأزم النفسي والوجداني، والقلق والوجع واللوعة والصدق في تنوير الحادثة الشعرية وانثيالات الذات الشاعرة الساردة، فالصياغة الكلية لهذا النص والذي يليه – أنا.. غائب عنّي – ينتظمان تحت سقف كتابة الألم، بألم الروح الشعري وسقف السير ذاتي الحكائي الشخصي: هذا نص الوثيقة، نص التاريخ الشخصي المجروح في تاريخه، وتاريخ البلاد “بلاد عودتنا أن تسحل ملوكها وتربي الذئاب في ثكناتها/ لا دمع سيذرف على قبرها/ لا ورد سيحمل إلى نياشينها/ لا أحد سيلتفت إليها/ لا احد سيمشي خلف جنازتها/ أما بالنسبة لي فسأعلن الحداد على طريقتي/ أولا سأطفئ الستلايت/ ثانيا، سأرتشف قدحاً من الشاي وأنا اقرأ رواية لغارسيا ماركيز/ مستمتعاً بظل شجرة برتقال زرعتها بنفسي في حديقة الدار….”
*سماء الخوف السابعة : مجموعة شعرية صدرت عن السلسة الادبية لمديرية النشاط المدرسي لتربية نينوى عام 2010 ،ثم صدرت بطبعة ثانية عن دار الينابيع في دمشق 2011 .
*فازت بجائزة ناجي نعمان الادبية لعام 2010
نشرت في صحيفة الزمان يوم 3اب 2011

*عن موقع المبدع مروان ياسين الدليمي

شاهد أيضاً

نوري مصطفى بهجت: فهم اللوحة مهمة الناقد وليست مهمة الفنان (ملف/8)

حاوره: حسب الله يحيى ليس غريباً أن يكون الفنان التشكيلي الكردي الرائد: نوري مصطفى بهجت.. …

روبين بيت شموئيل: بضعة أيام مع سركون بولص في هولندا (ملف/23)

إشارة : سنة بعد أخرى تتخافت وتيرة الاحتفاء بالمبدع الكبير الشاعر العراقي الراحل “سركون بولص” …

هشام القيسي: سركون بولص: أسد آشور.. قراءات و مختارات (5/القسم الأخير) (ملف/22)

إشارة : سنة بعد أخرى تتخافت وتيرة الاحتفاء بالمبدع الكبير الشاعر العراقي الراحل “سركون بولص” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *