أسامة غانم: شعرية الحياة في شفرات استعارة اللحظة (ملف/10)

تستند ( = تتكي) قصيدة النثر المطولة للشاعر شاكر مجيد سيفو ( اليوم الثامن من أيام آدم ) ، على الرمز والاسطورة والموروث التاريخي – الديني ، بصيغة ملحمية تربض على البعدين الصوفي و الوجودي – اليومي ، فقط ، يحتاج الحفر والتنقيب وربط الشفرات ببعضها ، واضاءة العلامات ، للعثور على مفاتيح النصّ، فالتجربة الشعرية ، تجربة في الكتابة ، وهي فعل ابداعي ، يعمل على انفتاحات حدود الشعر ، في إشتغالات مختلفة متعددة ، فالشاعر شاكر سيفو يعمل على تحويل القصيدة التي تتسم بالحزن والدمع و بالآم الموت الى قصيدة تضج بالوان الحياة ، تضج بالأمل ، بالفرح ، بالمسرة ، من خلال صراع الانسان مع الظلام ، وتشبثه بالحياة والحلم والحرية ، لقد عمل الشاعر على تماهي و تزامن اللحظة التاريخية والاسطورية والدينية مع اللحظة الحاضرة الوجودية اليومية في القصيدة ، ففيها حول الاسطوري الى يومي وبالعكس ، وفيها نعثر على لحظة الاندهاش التي تصبح لحظة شعرية موازية للحظة الشاعر شاكر مجيد سيفو ، بزوادة الملكات / الكلمات ، وعربة اللغة المليئة بعرق الانسان .
ويكون نصّ ” اليوم الثامن من أيام آدم ” ، نصّاً مفتوحاً ، في تفاعله الحر مع القارىء ، وفي تفاعل النصّ الشعري ومؤوله ، وهذا ما اشار اليه فولفغانغ إيزر في دراساته النقدية فما ” هو أساسيّ بالنسبة لقراءة كل عمل أدبي هو التفاعل بين بنيته ومتلقيه ” 1، ولان مفهوم ” الانفتاح ” له علاقة بالمؤول / الناقد الذي يستهلك الأثر او النصّ ، وايضاً ، يمنح النصّ ” المفتوح ” متلقيه حرية ، ليتمكن من التمركز وسط نسيج من العلاقات النصية ، وذلك لا يتم الا بقراءة مفتوحة ، تعمل على اكمال النهايات الناقصة في النصّ المفتوح ، ومن الامثلة التي يعطيها امبرتو ايكو ، يتجلى ” الانفتاح ” اكثر في الاعمال الشعرية ، من خلال الاستعارة او من خلال نظرية الشعر الخالص التي انبثقت من تزاوج الاشراقية الصوفية والرومانسية والتجريبية او من خلال نصوصّ فرلين ومالارميه ، وعليه يجب ان يعرف القارىء ” أن كل جملة وكل شخصية ، تخفي دلالات متعددة الاشكال ، يتحتم عليه اكتشافها ” 2 .
قبل الولوج الى استنطاق النصّ ، واستنباط دلالاته ، اود ان اعرض رأي شاكر مجيد سيفو حول “الناقد ” و ” الشاعر ” ، لأهميته ، وذلك في معرفة رؤيته عند الكتابة لنصه ، يقول : ( يتوحد الناقد والشاعر في داخل النصّ الشعري برؤيتين ، الاولى سرية غامضة باطنية ،بالذهاب الى قول اوكتافيو باث ” بلغة الشعر الباطنية ” والعودة الى الرؤية البصرية داخل وهج اللغة التي يتسامى بها النسيج الشعري ) 3 ، نعم ، تتداخل الرؤية ولكن لكل واحدة منهما مسار مغاير واشتغال مختلف ، بالإضافة الى ان الشاعر قد غادر النصّ ، حالما الانتهاء منه ، بينما الناقد يكون باستطاعته تناول النصّ كيفما يشاء ، وهذا الاختلاف في الوقت ذاته يعمل على انسجام وتوحد الرؤى ، لأن التحقق من نصٍ ما ( يعني ببساطة الإقرار بأن المؤلف ربما قصد ما نظن نحن أنه هو معنى النصّ ، لا غيره ،و تتمثل مهمة المؤول الرئيسة في ان يعيد ، بنفسه ، انتاج ” منطق ” المؤلف واتجاهاته ومعطياته الثقافية ثانية ، أي باختصار : أن يعيد انتاج عالمه ) 4 .
لماذا اليوم الثامن ؟ ولماذا من ايام آدم ؟
لقد قام الشاعر بوضع العنوان بقصدية عالية ، مع ابهام وغموض باطنيا ، بدلالات تتداخل فيما بينها : المعرفية – الاسطورية – الدينية ، تعمل على تشكيل صورة غير الصورة الظاهرة البصرية ، صورة مليئة بالشفرات المتناثرة ، ان العنوان هو العتبة الاولى لأي نصّ ، وبتفكيكيه نستطيع اضاءة النصّ كله .
في العبرية 8 = شيمونة ، الاسبوع ينتهي يوم السبت فيكون يوم الاحد هو الاول من اسبوع جديد ، ونهاية اليوم السابع يبدأ اليوم الثامن للخليقة وهو بلا نهاية ” سفر التكوين 2 : 2-3″ ، المسيح قام في اليوم الثامن أي في بداية الاسبوع الجديد ، منذ دخل اورشليم يوم احد الشعانين ، وبداية عهد جديد مع الله في العهد القديم كان بالختان في اليوم الثامن ، وبداية العالم الجديد الذي بدأ حياة جديدة بعد الطوفان كان بثمان انفس .
يسوع ” ايسوس ” = 888 ، فاذا كان رقم 8 هو رقم الحياة الابدية في اليوم الثامن ، ورقم 8 يعبر عن اسم يسوع كما راينا ، فنفهم ان يسوع هو الحياة الابدية .
وفي الميثولوجيا ان ادم خلقه الله في اليوم السادس ، ومات في اليوم السادس للخليقة ، ليقوم في اليوم الثامن ، كذلك مات المسيح على الصليب يوم الجمعة ليقوم في اليوم الثالث لصلبه ، أي اليوم الثامن من الاسبوع الجديد .
ولكن خُلقْ آدم من طين ( = تراب ) ليكون خليفة الله على الارض …؟! كيف بالتراب يواري التراب ؟! وتأتي كلمة ( يواريكم ) هنا بدلالة سوسيو- ثقافية ، تعطي ابعاد متعددة ، منها هي تعني البشرية جمعاء، والموت قدرها لا مفر منه ، ثم لتدخل في بعد فلسفي :
آدم يا آدم الشيخ الجليل
حين تموتُ انت
من يواريكم
وانت التُراب .
ليس فحسب بل تتحول هذه التربة الى تربة خصبة معطاء ، تربة ممزوجة بالحياة الابدية :
منذ الف والف وأنا ميت أرثي البلاد ذاهبة
في الطحين والرماد
ويواريني القمح والرماد والتفاح.
وكما جاء في الكتب الدينية والميثولوجيا ، تنتهي البشرية بعد الطوفان ، ولكنها تعود لتحيا من جديد بنسل نوح /التراب ” الذي هو اوتونابشتم في ملحمة كلكامش السومرية، و زيوسدرا في البابلية ” ، فالتراب هنا ياخذ بعْد انساني – كوني ، في استمرارية الحياة من خلاله :
خرج الاجدادُ من غرسه ممتلئين
بخمرة سيدوري
والأنساب والمطر وتراب اوتونابشتم
ويصل الى القاء السلام على التراب كله ، وخاصة تراب “محمود جنداري ” الصديق الاثير للشاعر ، فالتراب يواري التراب ، التراب في الصورة الخيالية ، يأخذ ابعاد رمزية واستعارية ، ما بين اليومي والاسطوري ، عند الشاعر ، بل يتجاوز ذلك الى ان يحول المْخيال الشخصي الى مخْيْال جمعي ، باستعارة ذاتية، لتشكل صورة منسجمة متداخلة فيما بينها ، مثال ذلك جليلة بطلة قصة الدغل للقاص محمود جنداري :
سلامُ على كل التراب
على تراب سيدتك الجلية
ولا اقصد ” جليلة الاعسر ”
واقصدها – احيانا : عند ما تهيج نحلتي …
وتبدأ القصيدة المطولة ب عيسى / الحي وتنتهي ب آدم /التراب ، والبلاد مشتعلة بالحروب المذهبية والطائفية، ولصوص السلطة ، والمليشيات ، والنهب والسلب :
سياتي آدمُ وقد لوى عنق الافق
والبلاد كلها شغب شغْب شغب !!!!!!!
تبدأ القصيدة المطولة ” اليوم الثامن من ايام آدم ” ، بإهداء ” الى سيدة النجاة وكل شهدائها القديسين ” ، وبهذا الاهداء تتوضح الصورة السيمائية للعنوان ، والصورة الاشراقية ، اذا علمنا ان سيدة النجاة هي اسم لكنيسة للسريان الكاثوليك في الكرادة في بغداد ، حيث وقعت مجزرة فيها ، حينما هجم عليها الدواعش عصر يوم 31/ 10/ 2010 ، وعند اعادة قراءتنا للعنوان والاهداء نستنتج بان الشهداء هم احياء في الحياة الابدية :
حيّوا على الحرية ،
وشهقة الناقوس
حيّوا على صباحات الديكة
حيّوا على الزهر وهو يقصّ
حكاية العطر
ويفتتح القصيدة الشاعر شاكرمجيد سيفو ، بنداء طويل يتخلله الالف المتكرر:
يا اااااااااااااعيسى الحي !!!
وهذا النداء ما هو الا امتداد للعنوان وللإهداء ، ومفتتح ل آنا الشاعر الملحقة ب آدم والمسيح والقديسين ، الأنا التي تطلب اصابع الرب لتدون بالدم المتحول الى نبيذ على حيطان سيدة النجاة :
هل تعيرني أصابعك الربانية
كي أدوّن ثريّاتي وأدمعها هنا
على حيطان سيدة النجاة ؟؟
اذن سأكتب بقوة الفارقليط
لأحلم ……. وامضي …….
وتبقى أنا الشاعر تشتغل في النصّ الشعري ، من خلال التدوين والكتابة ، ولكن بقوة الفارقليط ، فالكتابة عنده ماهي الا حلم ، الكتابة = الحلم ، والفارقليط Paraclet ، ما هو الا الروح القدس ، والمعزي ، كما جاء في انجيل يوحنا 14 : 26 : ” أما المعزي ، الروح القدس ، الذي سيرسله الاب باسمي ، يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم ” ، مع استعرض قرأته وثقافته ، وسماء نصوصه المفتوحة على السموات السبع والارضي السبع، حيث تصل القراءة والكتابة عنده الى درجة ان تضيف القدسية عليه عند ممارستهما ، باعتباره تابع للاثني عشر:
* تعودت ان اقرأ امبرتو ايكو وهو يقول ” ان
النصوص المفتوحة تكشف عن المسافات الشاسعة
التي تفصل بين مثل هذه الصيغ ”
وانا انزلق من ملكوتي .
*ياعيسى الحي
ها انا ذاهب اليَ
الى شؤوني ، احلم بنصي الغريب
اذ تحنو عليه الحروف والمّلكات
ولا اقول الكلمات .
ان نصّ قصيدة ” اليوم الثامن من ايام آدم ” ، مليئة بأسماء شخصيات مختلفة ، وأسماء اماكن متعددة ، وضعت فيه بقصدية مقصودة مع غاية تتغذى على التراكمات السوسيولوجية والدينية والاسطورية مسيجة بتجربة الشاعر الوجودية ، وهذا مما يجعل النص الشعري نصاً معرفياً ثقافياً ، تتحقق فيه لذة النصّ لأن ” نصّ اللذة : هو الذي يرضي ، فيملأ ، فيهب الغبطة . إنه النصّ الذي ينحدر من الثقافة ، فلا يحدث قطيعة معها ، ويرتبط بممارسة مريحة للقراءة ” 5 .
ويتميز النص بأسئلته المبثوثة على طول القصيدة ، أسئلة تتسم بالميتافيزيقيا واليومية ، تنشأ على اثرها علاقة جدلية بين النص والقارىء / الناقد ،وتخضع هذه العلاقة لمنطق السؤال والجواب ، ومن الثابت ” أن الجواب الذي يقدمه النص عن سؤالي لا يكون كافياً تماماً وابداً ، لأن النص هو ايضاً يطرح أسئلة وعلى القارىء الان أن يجد لها اجوبة . ويترتب على ذلك ، أن منطق السؤال والجواب يُقدم في شكل جدلي او يقدم – بما أن الأمر يتعلق بالإبستمولوجيا – في شكل حلقة هيرمينوطيقية “6 ، لأن التأويل يضع القصيدة في سياق المعنى الذي يقدمه المؤول ، وسياق المعنى كما يوكد بارت يأتي من الناقد لا من النص:
أين أباوْك ياضوءُ ؟
أين أنبياؤك ياضوءُ ؟
اين ابناؤك ياشمس ؟
اين أباوْك ياحوت ؟
*اسالي الله من هو أجمل ؟
الرمادُ ام الحمائم ،
العصافير ام الطائرات
اسالي الحرية على اسماء النزلاء
في سجون ابو غريب وبادوش وبوكا
اسالي هولاء الشعراء السريان
اسالي الامهات عن كوفياتهنَ المليئات
بالدموع والحسرات
اسالي الفاتنات عن تنوراتهن المزركشة
باسئلة الانوثة الضاجة .
فالسؤال يختل في الجواب ، والجواب يكمن في السؤال ،
عليه هل نسى الشاعر ان يكتب اسمه على الواح الفردوس ؟
وهل وصلت الفرشاة المقدسة الى صديقه لوثر ؟
وهل محى الموت من تقاويم الحياة او في الاقل محى ميم الموت منها ؟

الهوامش والاحالات :
1 – القارىء في النص – تحرير : سوزان روبين سليمان انجي كروسمان ، ترجمة د حسن ناظم و علي حاكم صالح ، دار الكتاب الجديد المتحدة ، بيروت – لبنان 2007 ، ص 129 .
2 – الأثر المفتوح – امبرتو ايكو ، ترجمة : عبد الرحمن بوعلي ، دار الحوار للنشر والتوزيع ، اللاذقية – سوريا ط2 2001 ، ص 18 .
3 – موقع الموقد للثقافة والفنون نت ، 6/8/ 2013 .
4- الحلقة النقدية : الأدب والتاريخ والهرمنيوطيقا الفلسفية ، ديفيد كوزنز هوي ، ترجمة خالدة حامد ، منشورات الجمل ، كولونيا ( المانيا ) – بغداد 2007 ، ص 27 . هذا الاستشهاد من الناقد الامريكي هيرش .
5 – لذة النصّ – رولان بارت ، ترجمة : د. منذر عياشي . مركز الانماء الحضاري ، حلب –
سوريا 1992 ، ص 39 .
6 – النقد الايديولوجي والسوسيو- ثقافي ، نبيل محمد صغير ، ضمن الفلسفة الالمانية والفتوحات النقدية ، مجموعة من المؤلفين ، جداول للنشر والتوزيع ، بيروت – لبنان 2014 ، ص 263 .

*عن مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي

شاهد أيضاً

د. نجم عبد الله كاظم: المثقف .. والذات المسعورة (ملف/2)

بدايةً من جميل ما يتعلق بكتابتي لهذا الرد أنه يأتي مباشرةً بعد عودتي وزوجتي من …

الناقد الكبير د. نجم عبد الله كاظم.. سيرة حافلة بالعطاء (ملف/1)

نجم عبد الله كاظم (1951- 31 تموز 2020) ناقد وأكاديمي عراقي.. يحمل شهادة الدكتوراه في …

التقنيات الأسلوبية في شعرية الومضة قصيدة:
(أسئلة الشعراء) للشاعر العراقي “سعد جاسم” أنموذجاً
د. وليد العرفي (ملف/6)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *