د. قيس كاظم الجنابي: مقتربات في شعر شاكر مجيد سيفو (ملف/4)

ــ 1 ــ
تشكل الثقافة السريانية الممتدة الى اعماق التاريخ مادة رئيسية للكثير من الشعراء السريان الذين يكتبون باللغتين العربية والسريانية حيث التنافذ بين حضارة العراق عبر العصور والنصوص الشعرية، من خلال استحضار الشخصيات والاساطير والاحداث، وهو جزء من سبل واضحة في توظيف الارض الرافديني القديم ليصبح ينبوعا ثريا ومتدفقا من هاجس الابداع الثقافي .

واكثر هذه الاجناس قربا من الاسطورة هو الشعر، لانه ينبثق من الوجدان ويتشكل من الاحاسيس ليرسم خارطة التفاعل الانساني ويدجج بضاعته بالكلمات، وقد كان حضور الشعراء السريان واضحا ومتفاعلا من خلال شعرهم المشحون بطاقة تراثية ثرية تجمع بين الماضي كمؤثر والحاضر كموقف ونص يقترب من الحلم، او يقترب من رؤيا جمالية تقوم على تفجير الواقع ليصبح منسجما مع الحلم ، وذلك هو الشاعر شاكر مجيد سيفو في قصائده وانثيالاته التي جعلت الاسطورة مادة وينبوعا جماليا، ونسيجا متشربا في ثنايا الصور والاجواء فاستطاعت ان تؤسس لها مميزاتها الخاصة بها كما سنلاحظ من خلال قراءتنا لمجموعتيه (قلائد افروديت) و(اصحاحات الاله نرام سين) حيث يبدو الارث العراقي القديم جزءا من تشكلات المعنى ودلالاته بوصف الاسطورة وسيطا وقناعا، ورؤية قادرة على مزج الماضي بالحاضر، وتمثل الرؤى والاحداث بطريقة معاصرة الشاعرية هنا شاعرية ماضوية معفرة بالاحلام والاساطير، والارث هنا هو ارث وجودي ونفسي وتاريخي ممتزج بكل التنهدات والتشظيات التي تعكسها الذات على صفحات الورق انها حالة صوفية متوغلة في مسوح الفكر الانساني الذي ينطلق من الذات الى الاخر، مما يسمح بتداخل الاجناس وانصهار الالوان في صورة واحدة، صورة الابداع الانساني وهو يتشكل عبر اللغة الشعرية القادرة على توظيف التراث الاسطوري ليصبح ارثا جديدا.
ــ 2 ــ
تتكون (قلائد افروديت) قصيدة واحدة تتوزع على ابيات كتبت بطريقة خاصة ليبدو كل بيتين وكأنهما مقطع شعري، يشبه شعر البند، او الدوبيت اللذين شاعا في العصور المتأخرة وتشكل هذه الطريقة محاولة لتأسيس قصيدة ملحمية قصة شعرية تتدفق عبر سيرورة اشبه بادب السيرة الذاتية او الموضوعية التي يسجلها الشاعر عن نفسه او غيره ولعل هذا جاء بتأثير الاهتمام بادب الملاحم الذي انتزع منه صورة، او اسطورة (افروديت) ربة الحب والجمال التي تتخذ عشتار العراقية صورتها من هنا اخذت الاسطورة حيزا مهما من هذه القصائد او القصيدة، لتتقاسم مع مؤثرات دينية وسريانية خاصة استطيع ان اسميها مؤثرات كهنوتية لشدة تعلقها بالطابع الديني والفكري الذي يمثله الادب السرياني او الكلدو اشوري، حيث الايغال نحو الارث الرافديني القديم، وهو حالة شبه صوفية تستطيع ان تجعل الصور الدينية مادة ثرية لنسج خطاب شعري مفعم بالحيوية وموغل في التأسيس والتعبير عن الذات الاخر والحلم/ الواقع، والاسطورة/ الدين، والشعر/ الاسطورة..
وقلائد افروديت منذ العنوان حتى النهاية تحاول ان تنفي عن نفسها التأثير الاسطوري العراقي (الاشوري السرياني، الاكدي، البابلي) من خلال ايثار بعض الاسماء والاساطير اليونانية مثل (افروديت اخيل) لكنها مفرقة في استلهام الارث الرافديني القديم، ومتوغلة فيه حد التخمة وكأنه يحاول استعادة الاسطورة واعادة تأصيلها وتأسيسها برؤى معاصرة وبطريقة حلمية مفعمة بالتوهج وهذا ما يبدو على صورة (افروديت) البابيلة في قوله (1): افروديت مأهولة ببيانها الميلادي المفقود،
معلقة قلائدها في عنق السماء، تنقط اعمارا وزقورات..
فالزقورة، معبد عراقي قديم منتشر في العراق، يحاول من خلاله الشاعر تأسيس مركزية مهيمنة للمكان على حركة الاشياء، بوصف المكان القضاء الذي تتشكل من خلاله الصور، وكأن الامكنة هي البيوت التي تؤثث القصيدة باللغة القادرة على الوقوف بوجه حركة الزمن المهرولة الى التلاشي والشاعر يحاول دائما ان يجعل شعره ينساب بوعي انثيالي خاص يتسع ويكبر بالتدريج، ليتحول (البيت، والبيت المزدوج الى مقطع) او مشهد شعري مستقل بذاته ومنسجم مع غيره في حلقة تواصيلة تشبه القلادة، او حبات المسبحة مما يشير الى البناء العنقودي للصور وتشكلاتها المكانية وغير المكانية فشكلات الصورة هي تشكلات نفسية وجسدية ولغوية وذات دلالات واضحة في التعبير عن الاحداث والافكار وعن المعاناة الانسانية بكل تفصيلاتها المركبة والعصية على الفهم والتعبير، ولكن الوضوح يظل جزءا من محاولات الشاعر في الالتصاق بوعي المتلقي للسير معه نحو المحطات القصية التي يرغب ان يبلغها مصحوبا بتوجعات وتنهدات فرضت حضورها على شعر شاكر سيفو شاعرا وانسانا، وهو يحاول ان يوظف القائم/ الحالم ليلتصق بتراب اشور رمز القوة والحضارة والاسطورة في اخر قلائده والتي يسميها البعض شاهول او ملتقى الروافد، او ملتقى نبع دجلة والفرات في قران الخصب، والنماء والحلم (2)..
… ايها النائم في تراب آشور،
هل اطلق البابليون عليك زرقتهم،
كيف جمعت كل هذه المدن والاسماء في كفيك ودموعك فائضة فيها؟
كيف نسيت جثمانك بيننا دونما كفن ومسامير وحطب؟
كيف شويت ضلوعك بتراب ارانجا وشواتها،
كيف تركتك الحانات وحدك تكرع رحيق حيطانها فازرق جسدك؟
كيف شويت عظامك على الحان مقامات
جرجيس وميخائيل وبطليموس
واقتسمت كآبة ابراهيم ويافث؟؟
ايها الراقد بين ادد واشور
ادعوك الى مائدتي ادعوك واحييك
ولكن.. نم فغدا ستلم الارض
كل عكازاتها وترحل..( الى: م.ج)
ثمة اشارت الى اريخا المدينة الحضارية التي نشأت في كركوك والى ادد واشور والحضارات العراقية القديمة التي ينهل من فضائها التاريخي الكثير من اساطيره وصوره حيث القدرة على دمج الماضي بالحضارة واحالة الاسطورة الى ضوء متوهج يستطيع ان يعبر عن تهجدات الذات وهي تعاني من هواجس الخوف والحصار والحب لتجعل من الاسطورة وسيلة لتجاوز الموقف والتعبير عما انساني ووجودي وحيوي، بطاقة تعبيرية قادرة على رسم صورة حية للانسانية التي تعيد استيعاب حركة التاريخ وتعيد تأثير الثقافات بعيدا عن التلقي الشفاهي، من خلال قدرة النص الكتابي على التعبيرعن المعاناة الانسانية بصور ذات طاقة ابداعية مشحونة بالتدفق، الذي يستقي انثيالاته من الوهج الاسطوري، في محاولة لتنافذ الاجناس بين الاسطورة الحكمة الشعر، حتى يوغل النص الى ما وراء نصي لانه يتضمن في تركيبه الخاص انتماء او شبه انتماء الى جنس بعينه (3) من اجل خلق حالة حوارية نصوصية بين النص والاخر، وبين الشعر والاسطورة بطريقة معرفية، ونسيجية تحاول ان تؤسس وجودها على كيان اخر مفترض الوجود ومفترض في التعبير وفي الحيز التأثيلي الذي يقوده من الشعر الى الاسطورة.
ـــ 3 ـــ
يشكل الارث التوارثي/ الانجيلي وبعض المرجعيات الكهنوتية مصدرا مهما من مصادر ثقافة شاكر سيفو، من خلال الصور الدينية والانسانية المحملة بهاجس صوفي خاص، هاجس الحب، والتفرد، والتبتل والحنان المتدفق في محاولة لاحتواء جسد العالم بطاقة روحية مفعمة في التعبير والانثيال والتوحد وهو جزء من احساس خفي بالاغتراب، والخصوصية الفردانية التي تحيط بها ذات مثقلة بالاوجاع والهموم مثله مثل المتصوفة والقديسين، حيث تبدو صور المرايا والاحلام والشمعدانات والحركات والتعازيم، والمعمودية فضلا عن اسماء الاشخاص والامكنة السريانية ذات الصبغة المسيحية مثل (قره قوش كاتدرائيات ديرمار بنهام الصلبان، الكرادلة، توما الرهبان سارا..) كقوله (4):تذكارات صحبي تسطع في دير مار بهنام
وماركوركيس قدني ايها اللامع
والفاتن في هدير هذه الالوان وانينها..
حيث يبدو التعبير عن الارث الاشوري القديم مقترنا بصور واحداث قديمة، او حديث لها نكهة خاصة في قاموسه اللغوي ومشروعه الابداعي..
ويستمر في مجموعته اصحاحات الاله نرام سين في تصوير الجانب المقترن بالكتاب المقدس، مع ميل واضح للتقليل من الاسطورة والدين باتجاه ما هو يومي، وآني ويتعلق بالمعاناة الذاتية في صراعها الدائم مع الحياة، او الاخر من اجل الوجود كقوله في قصيدة العوران.. بعيدا عن عور بابا سارتر وتاريخ الفضة..(5).
ونحن من نضبط رقية الهواء
ونقرأ حظوظ الشفاعات
فوق نفشات النفائس في دير ماربهنام
وفضائح ذكريات المرمر في دير مار متي
ما زلنا نسرح ضفائر الوردة السابعة
ونفرق في الفراغ ضحكات الرهبان ونكات الريح.
ان اطلاق عنوان (اصحاحات الاله نرام سين) على المجموعة يوضح استعمال لفظة اصحاح المستعارة من الكتاب المقدس بوضوح مما يشير الى احتشاد الصور والاسماء والاصطلاحات الدينية المسيحية مع النصوص الاسطورية القادرة على خلق توازيات بين الماضي والحاضر، مع ميل واضح نحو ما هو يومي وآني وطائر عبر انثيالات شعرية، وتداخلات بين النصوص، بحيث تحول الكتاب الثاني من المجموعة، وهو (كتاب الريح والقمر) الى كتاب نثري يتوغل في السردية، او الانتقال من النص الى ما وراء النص، وذلك بالانتقال من النص المكتنز المشحون بطاقة شعرية موجزة ومكثفة كأنها حبات صغيرة مرتبطة بسلسلة واحدة تتوقف في النهاية عند منعطف يتبلور طبيعيا عند نقطة التقاء واحدة مع ان لفظة اصحاحات تشير الى بنية القلادة، او الاتصال العنقودي الا ان الشاعر مارس شيئا من الانفلات عن الضوابط المرسومة بسبب هاجس العبير عن كل ما هو متوغل بالذات عبر اليومي الذي فتح امامه افقا جديدا في التخلص من اسر الماضي المتمثل بالاسطورة والنصوص التوراتية والانجيلية التي تحولت الى علامات بازرة في مسيرة التراتب الشعري، تراتب الصور، والامكنة ،الاسماء، الاحداث، المواقف، الهمسات الهواجس،التوجهات، لان الاحساس بالفجيعة، فجيعة الضياع، ارث اشور ،ضياع المسيح مصلوبا، ضياع الامال الذاتية، كانت تسيطر عليه بقوة، مما جعل صوره تأخذ حيزا مهما من ذاته وتضفيها على صورة الاخر الغائب، القريب، البعيد، القادر على التعبير عن الالام والمعاناة، بحيث يتداخل البطل الاسطوري الديني ليندمجا سوية لتجسيد البطولة الذاتية في ظل هاجس مهيمن هاجس الشعور بالحرمان والخوف والخديعة..
ــ 4 ــ
اذا كان نرام سين ملكا واسطورة يشكل جزءا من ثريا (العنوان) او ثريا النص فانها تحاول ان تسبغ حضورها الاسطوري كحالة مفروغ منها، وهي محملة باحالات دينية تواثية/ انجيلية ولكن العنصر الاسطوري يظل طاغيا ومعبر عن حالة هروبية من فضاءات تفرض نفسها عليه، فضاءات روحية ملمة لها سطوة الذات على ترتيب الافكار والرؤى والاحالات الجسدية والنفسية من خلال اللغة الشعرية القادرة على خلق وجود تاريخي وحلمي، يتزامن فيه التاريخ مع الواقع، واليومي بالاسطوري، كما في قصيدة (لهاثات خلف جنازة الشمس) حيث الانتقال من الماضي الى الحاضر (6) ونحن نلهث وراء جنازة الورد في موكب الامجاد، نقشر عتماتنا بورق الروح
نلهث خلف جنازة التاريخ
والتاريخ يضلع في المتون والحواشي
وتبكي الهة سومر على (اتيانا) الملك والهة بابل على مردوخ
ويقفز فوق سياج الخلق شمشي ادد
يدق بالناقوس ويضرب بالطبل
والدف
الى ان يقول:
يذكرنا الزبيب دائما بحلمات تفاح عشيقاتنا
وهن يسهقن في قمصاننا امام جنازة الذهب، نكتب على قمصانهن بالاسود
والابيض، نلهث خلف جنازة البياض،
وهكذا هي صورة الحياة تنتقل من فضاء الاسطورة الى فضاء الذات فضاء الجسد فضاء الحلم ومن وهج التاريخ/ الماضي الى حميمة الحاضر، عبر لعبة الافتتان باللغة لغة التعبير والتصوير، والبحث عن الذات، كل شيء حالم كل شيء اسطوري كل شيء له مقدس ولا مقدس الصراعات قائمة بين تقديس الذات والاخر وبين الارتماء في احضان الاسطورة/ الاصحاح وبين تأسيس جديد لها ينطلق من الذات واوجاعها.

هوامش

1 ـ قلائد افروديت: شاكر مجيد سيفو، سلسلة نون 49 اتحاد ادباء نينوى الموصل 1997 م ص2..
2 ـ نفسه ص 60 ــ 61 .
3 ـ في (الميتا – لغوي) والنص والقراءة مصطفى الكيلاني دار امية وتونس 1994 م ص 52..
4 ـ قلائد افروديت ص 25..
5 ـ اصحاحات الالة نرام سين شاكر مجيد سيفو اتحاد الادباء والكتاب السريان فرع نينوى الموصل 2005م ص 31
6 ـ نفسه ص 64 ـ 65..

*عن موقع الدكتور قيس كاظم الجنابي

شاهد أيضاً

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (14) (ملف/62)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (14) (ملف/61)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

فاضل البياتي: سنواتُ السبعينات الحُلوة المُرٌّة والذكرى 21 لرحيلِ الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي (ملف/4)

هكذا قررتُ إذن… سأمضي في رحلةٍ ليس بوسعي أن أُحددَ مسافاتها ألآن، ولا أدري ماهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *