التانكي رواية تنحاز للشكل ولا تضحّي بالمضمون
لندن: عدنان حسين أحمد (ملف/8)

إشارة:
يسر أسرة موقع الناقد العراقي البدء بتقديم حلقات هذا الملف عن المبدعة الكبيرة الروائية “عالية ممدوح”. فازت عالية ممدوح بجائزة نجيب محفوظ لعام 2004 عن روايتها المميزة “المحبوبات” وهي جائزة مهمة ولكن فوزها الأكبر كان بهذه البصمة السردية الفريدة التي طبعتها على خارطة الإبداع العراقي والعربي عبر عشر –حتى الآن- روايات رائعة مثل الولع والتشهّي وحبات النفتالين والأجنبية والتشهّي والغلامة وغيرها. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتاب والقراء إلى إغناء هذا الملف بالمقالات والدراسات والصور والوثائق. وسيكون الملف مفتوحا زمنيا على عادة الموقع لإن الابداع الكبير لا حدود زمنية له.

تنحاز عالية ممدوح في رواية “التانكي” الصادرة عن “منشورات المتوسط” في مدينة ميلانو الإيطالية إلى الشكل لكنها لا تُضحّي بالمضمون حينما تلجأ إلى تشظية السرد وتحطيم نَسَقهِ الخطّي المتصاعد متجاوزة ما اعتادت عليه في رواياتها الثماني السابقات التي نشعر فيها بهيمنة الشخصية الرئيسة التي تقود دفّة الأحداث. أمّا في رواية “التانكي” فثمة “بطولة جماعية” حتى وإن كانت “عفاف” تحمل ظلال البطلة أو الشخصية المركزية لهذه الرواية التي تبدو أقرب إلى السهل الممتنع لكنها ليست كذلك في واقع الحال لأنّ البنية المعمارية لهذا النص السردي لا تعوِّل على الرواية كجنس أدبي وإنما تتعداه إلى السينما، وفن الرسائل، والأغاني العربية وما إلى ذلك. ولو تمعّنا في المضمون جيدًا لوجدناه أوسع بكثير مما يرد في متون الرسائل التي تكتبها شخصيات الرواية إلى كارل فالينو، طبيب عفاف النفسي، فالمضامين أبعد من الحُب، والحرب، والسياسة لأن فصول الرواية وتفرّعاتها تتناول التاريخ والجغرافيا العراقيين قبل أن تلامس لعنة الاستبداد، والتفرّد بالسلطة، وهجرة العقول المتنورة التي تبحث عن ملاذ آمن أو موت كريم. وهذا التنوّع يمتدّ حتى إلى الشخصية الواحدة وربما تكون عفاف أنموذجًا لهذا الثراء الذهني والروحي والمعرفي في آنٍ معًا، فقبل أن تلج في مرحلة الهجرة أو الغياب درست الهندسة لسنتين متأثرة بأفكار المهندس المعماري معاذ الآلوسي ورؤيته الفنية التي تتعلّق بالمنزل المكعّب الذي شيّده ولفت أنظار المسؤولين الكبار في الدولة الذين خيّروه بين بناء منزل مشابه له أو التخلّي عنه إليهم. ثم انتقلت إلى أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد وتخرّجت فيها، وحينما بلغت الثالثة والعشرين حسمت أمرها وغادرت إلى باريس لتدخل في مرحلة الغياب الأبدي الذي تُبرّره إجابتها الصريحة لاستفسار صديقها المعماري معاذ الآلوسي عن السبب الذي يدفعها للهجرة حيث قالت:”أريد تنظيف حواسي جميعها، فلو بقيتً هنا، لعميتُ، واختفيتُ” والغريب أنها وصفت الكثير من العراقيين بالعميان رغم أنّ عيونهم مفتوحة على اتساعها. لا تحبّذ عفاف التقاط الصور الفوتوغرافية بسبب الحَوَل البسيط الذي تتحرّج منه في عينها اليسرى ولعل هذا السبب هو دفعها إلى الشغف باللوحة التشكيلية وكانت تطمح لأن تصل إلى مرتبة الفنانين العالميين الذين يتصدرون الصف الأول بخلاف ما يتوقعه “صميم” الكاتب السرِّي الذي سيطلب من أفراد العائلة برمتهم أن يكتبوا رسائل خاصة إلى الدكتور كارل فالينو، بل أنّ هذا الطلب قد تجاوزهم إلى بعض الأصدقاء والمعارف من خارج إطار العائلة مثل النحّات يونس والمعماري معاذ الآلوسي. تُقيم عفاف علاقتين عاطفيتين؛ الأولى مع النحّات يونس التي لم تستمر طويلاً فهي لم ترَ فيه فنانًا متميزًا على أقرانه، بل أنها ترى “في منحوتاته بعض السوقية” فلاغرابة أن تنفصل عنه. والثانية مع الناقد الفرنسي البارز كيّوم فيليب الذي يمتلك سطوة كبيرة على المشهد التشكيلي الفرنسي، وعلى الرغم من تطوّر العلاقة التي تأخذ شكل العناق والقُبل الطويلة إلاّ أنها وجدت نفسها في مصحّة نفسية، وربما تكون الجملة الختامية هي من أجمل الأفكار العميقة التي ختمت بها هذه الرواية الإشكالية حينما قالت:”أعضاؤنا تصل نهاية الخدمة دكتور. . وأنا لا أعرف بالضبط أيها أنجز مهمته أسرع؛ المرض الإفرنجي أم الداء البلدي؟”.
تعود بنا الرواية زمنيًا إلى العقد الثاني من القرن العشرين الذي شهد فيه العراق تطورًا عمرانيًا ملموسًا يتناسب مع تلك الحقبة الزمنية من تعبيد الشوارع، وتشيّيد الدوائر الحكومية بعد احتلال الإنجليز للعراق. لا تريد عالية ممدوح أن تزّج القارئ في الصفحات المأساوية لتاريخ العراق الدامي لكنها تُذكِّر بهذه الوقائع المفجعة من خلال الإشارة إلى بعض الأسماء، فبينما تتحدث الروائية عن شارع “التانكي” الذي هو شارع “الأخطل” الواقع وسط “الصليخ الجوّاني” تأتي على ذكر العوائل العراقية المعروفة التي سكنت في هذا الحيّ مثل الدكتورة سعاد خليل، عميدة كليّة بغداد، أو صالح مهدي عمّاش، وزير الدفاع وحينما تصل إلى بكر صدقي تقول بأنه نفّذ مذبحة الآشوريين عام 1933، فالحروب تأتي كخلفية للسرد الروائي أو إشارات عابرة هنا أو هناك الأمر الذي يخفّف من مأساوية الأحداث لأن الكاتبة تريد التنويه إلى المصائب والمحن الكبيرة التي مرّ بها العراق خلال قرن من الزمان ثم تتواصل المذابح لتطال غالبية مكونات الشعب العراقي الذي يدفع ثمنًا باهضًا في كل حقبة جديدة لم تتحرر فيها من ثنائية الضحية والجلاد.
تلامس الروائية كل الحروب الداخلية والخارجية التي شارك فيها العراقيون لكنها تتوقف عند سَنة 1979، وهي سنة عصيبة من تاريخ العراق حينما خرق نظام البعث الجائر اشتراطات “الجبهة الوطنية” وطارد الشيوعيين العراقيين في محاولة يائسة لاقتلاع هذا الفكر الوطني المتجذّر في أرض الرافدين. وبما أنّ الحروب التي شُنّت على العراق كثيرة فقد توقفت الكاتبة عند الحرب الكونية التي قادتْها دول التحالف عام 2003 ليعود العراق فعلاً إلى عصر ما قبل الصناعة. ويكفي أن نشير إلى ما رآه هلال أيوب وقرأه وترجمه عن هذه الحرب الوحشيّة التي استمرت 42 يومًا بأنّ قوات التحالف قد ألقت على العراق 88.500 طن من الذخائر التي تعادل سبع قنابل ذرية بحجم قنبلة هيروشيما، أي ما يعادل قنبلة ذرية كل أسبوع!
لم تخض عالية ممدوح في تفاصيل المطاردة، والتغيّيب القسري، والتعذيب لكنها لمّحت لذلك وأشارت إليه، فالتلميح، في كثير من الأحيان، يُغني عن التصريح، وربما يكون التساؤل مشروعًا: هل أنّ سامي قد انتحر، أم مات مقتولاً؟
على الرغم من كثرة الشخصيات المثقّفة في هذه الرواية إلاّ أن عفاف تظل الشخصية الأكثر إثارة في هذا النص السردي فهي ذكيّة، وموهوبة، وتستطيع أن تهضم الموضوعات الأدبية والفنية والعلمية في آنٍ معًا فلاغرابة أن تكون صعبة المراس في آرائها الفنيّة، فهي تبحث دائمًا عن النفحة الإبداعية في أي عمل فني تراه أو تتمثّله حتى لو كان لأحد أساطين الفن العراقيين أو العرب أو الأجانب ولعل معيارها النقدي يكمن في التفريق بين الفن والحرفة حيث تقول في هذا الصدد:”أستاذي فايق حسن درسَ في البوزار لكنه لا يُجيد سوى طهي صحن واحد لا غير، أعني هو حِرَفي فقط وهناك مبدعون فوق الحرفة كما هو الحال مع بيكاسو ومشاهير الفنانين”.
تمتلك عفاف رؤية عميقة وخاصة للجمال، فالقبح، من وجهة نظرها، ليس نقيضًا للجمال، وإنما الألم”. تتعاضد لدى عفاف القراءة مع الرؤية الفنية للعالم فهي تمحض الروايات الكلاسيكية حُبًا من نوع خاص فقد تفهّمت أفراد أسرتها وأقاربها وأصدقائها من خلال هذه الروايات، فالرواية هي قرينة اللوحة تمنح قارئها نكهة لا يعرفها إلاّ من تذوّقها وأدمنَ عليها زمنًا طويلاً لذلك تصرّح بالفم الملآن:”صحيح الروايات لا تُحسِّن المعيشة، ولا تُجنِّب التفاهة والمهانة، ولكنها تجعل لحياتنا بعض المعنى”.
لابدّ من الاعتراف بأنّ تشظية السرد وتفتيت الزمن الخطّي لم يؤثرا على النسق السردي العام للرواية ولعل القارئ يشعر بتماسك البنية المعمارية لهذه الرواية التي نفخر بأنّ مُبدعتها قد جاءت بشيء جديد على صعيد الشكل وبعض المضامين التي لامست الألم العراقي الحاد.

شاهد أيضاً

دفاتر قديمة
مترجمون عراقيون لروايات عالمية
ناطق خلوصي

ترجم مترجمون عراقيون العديد من الروايات العالمية وتوقفوا في المقدمات التي كتبوها عند جوانب مما …

ندوة أحلام عمّانية
بقلم: منى عساف*

في رابطة الكتّاب الأردنيين وفي قاعة غالب هلسة كان اللّقاء مع الكاتب زياد جيوسي بمحاضرة …

بولص آدم: اللون يؤدي اليه (3) (ملف/14)

إشارة : “ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”. يهمّ أسرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *