حسين سرمك حسن: د. أثير محمد شهاب.. أخوة يوسف .. وثقافة الإدانة العربية

يتعرض كتاب الناقد العراقي المثابر الدكتور (أثير محمد شهاب) لواحدة من أهم السمات المركزية السلبية للثقافة العر بية وهي (سمة الإدانة) ، وهي سمة وصلت حد التجريم والتكفير . ويخطيء من يظن أن هذه السمة وليدة العقدين الأخيرين من القرن الماضي حيث تصاعدت الموجة السوداء للمد الأصولي ، فعشنا إدانة أدونيس وحيدر حيدر وفرج فودة ( والأخير قتلوه جهارا) وغيرهم ، ولا تعود أيضا إلى قبيل منتصف القرن الماضي حيث الحملات التكفيرية ضد الرصافي وعلي الوردي وعلي عبد الرازق وغيرهم ، بل هي عميقة الجذور في تربة هذه الثقافة ، ولنا في صلب الحلاج وقتل بشار ومحنة المعتزلة وغيرها أمثلة على ذلك . وفي بدابة هذه الألفية عشنا واحدة من اشد وقائع هذه الدراما الخانقة جورا ، ألا وهي إدانة المبدع الكبير (يوسف الصائغ) الذي ألقي في الجب من قبل إخوته منذ السبعينات ، ثم عادوا بعد الاحتلال ليمزقوا لحمه الحي بلا رحمة . لقد وصلت القسوة بالبعض من قياديي الثقافة حدّ تحريم تعليق خرقة سوداء تنعيه . وفي هذا الفعل نستطيع القول أن هذا سلوك قتلة لا يقل عن سلوك أبشع الطغاة والجلادين . يقول أثير في كتابه الهام الذي قام بتحريره : ( أخوة يوسف: الإدانة في الثقافة العربية ؛ أزمة هوية ، إشكالية وطن) : ( يأتي هذا الكتاب (إخوة يوسف) ليقدم صورة الثقافة العراقية وإشكالياتها عبر قرن كامل ، وما تعرضت له من إخفاقات أفضت إلى ممارسة الإدانة بين أطرافها وأقطابها .ولعل تجربة يوسف الصائغ تحمل من الإشكاليات ما يجعلنا أمام جدل ثقافي حاد يحتاج إلى إعادة نظر وتقييم وربما تقويم . وإذا كان يوسف الصائغ – في نظر بعضهم – لا يستحق ذلك ، فاعتقد أن بعض هذه الأحزاب قد تجاهلت ضحاياها ومنهاريها ، ونحن – في خلال هذا الكتاب- نسعى إلى تناول تجربة مبدع عراقي ردا على مواقف أحزاب لم تحترم ناسها في يوم من الأيام ، ولم تعر ضحاياها ولا المنهارين من أقطابها ذلك الاهتمام الكافي ، وإذا جاز لأحد أن يقدّم اللوم لي ، بسؤاله: كيف يجوز أن تحتفي الأحزاب بخونتها ؟ فستكون الإجابة واضحة ، وهي أن الأحزاب كانت وماتزال مقصرة في دراسة ظاهرة الإنهيار التي دفعت بكثير من أشخاصها إلى إعلان صك البراءة . وبعد هذا كله ؛ هل ما كُتب من مقالات وسجالات – هنا- دلالة على عدم أهمية الشاعر ؟ أعتقد أن هذا الكتاب يؤشر إشكالية الشاعر وأهميته في الثقافة العراقية ، وأزعم أن الثقافة العربية لم تهتم بمبدع بعد رحيله ، مثلما كتب عن الصائغ – ص 5 ) .
إن ما يقوله (أثير) بالغ الدقة والصواب ، وللمفارقة أتذكر ان الصائغ قد قال لي في اللقاء الشهير الذي أجريته معه والذي كان سبب الحملة الشعواء التي شنت عليه وأدت إلى سفره إلى دمشق لـ “ينتحر” هناك ، الغريب أن الذين فرّوا إلى المنافي يحاسبون الذين بقوا وتحملوا الاعتقال والمهانة وصنوف التعذيب، كما قال لي على هامش هذا اللقاء أيضا أن من عجائب الدنيا “التسع” وكان يضحك ضحكا كالبكاء ، أن قياديا فر إلى موسكو بجواز الحكومة الديكتاتورية وموافقتها وبطائرتها ، يحاسب عضوا من القاعدة أصر على البقاء في بغداد ، واعتقل وعّذّب و “كسروا” قضيبه ، وهذه المعلومة تؤيد ما رواه الأخ أثير عن “إخصاء” الصائغ في السجن نهاية السبعينيات . حدثني عن حبيبته هيام التي وعدته بزيارته في بيته يوم ثلاثاء ثم اختفت ، كانت شيوعية ، قال : أليس اعتقالها وقتلها وهي إنسانة بسيطة لا تملك عمق المادية الديالكتيكية لدى عامر عبد الله  مثلا هو دين في عنق القيادة الشيوعية التي سافرت بجواز الدولة وطائراتها معززة مكرمة . وأعتقد أن كتاب أثير يحيلنا إلى ظاهرة خطيرة أخرى تتمثل في الروح المازوخية التي يحملها المثقف العراقي خصوصا والعربي عموما ، فهو كائن آثم ، يتحين أي فرصة يسقط فيها رفيق له في الجب حتى ينهال عليه بالحجارة ليسقط عليه كل ذنوبه . وعلى طريقة عادل إمام صار السواق يضرب والرجال تضرب والستات تزغرد .. فمن بعيد يطلع علينا الشاعر (محمد علي شمس الدين) الذي لم يكن في الباص ، ويقول إن الصائغ مدح صدام بقصيدة “المعلم” ، هو لم يقرأها أبدا ، يا للعيب ، فهي قصيدة سياسية تعبوية عامة ينهيها الصائغ بالقول : المعلم مات !!  تصوّروا أن المبدع الكبير (سعدي يوسف) وصل في حملته على الصائغ حدّ تجريده من ملابسه الشعرية التي لم يستطع تمزيقها الذئب. كتب سعدي (يوسف الصائغ مبتدئا!!) فقال : ( كتب الصائغ قصيدته متأخرا على مشارف الأربعين تقريبا، قبلها لم يكن ذا تاريخ حتى في محاولة الشعر ، لكن أنى له ذلك ، وهو منْ هو .. بلا أوراق اعتماد؟ .. الصائغ كان مغرما بالواجهة : في الشعر، في الحزب الشيوعي، في حزب البعث.. لكن الواجهة في الشعر ليست وجهة الشعر- ص 375) . يرد الروائي المبدع (علي بدر) على سعدي بالقول : (لقد كتب سعدي يوسف أن يوسف الصائغ مغرم بالواجهة ، وأن الواجهة في الشعر ليست وجهة الشعر ، وهذا أمر فيه من الظلم والتشويه قدر كبير . لقد نظر سعدي يوسف إلى يوسف الصائغ من المنظور السياسي المحزن ، نظر إليه نظرة استياء وسخط ، أولا، لا أحد يعرف وجهة الشعر ولا سعدي نفسه ، لو كان للشعر جهة لذهب إليها الشعراء وانتهينا . لقد اختار يوسف الصائغ جهته الخاصة . لقد عمد على نحو مذهل ، ومنذ كتاباته الأولى ، أن يعزز موهبته الفنية ولغته المسيحانية البعيدة أشد البعد عن البلاغة الباقلانية التي اتصف بها الأدب العربي يشكل عام – ص 381) .                                              وأنا أقترب من ملاحظة علي عن المدخل السياسي الذي اختاره سعدي بالتذكير بشاعر كبير من مجايلي سعدي وصديقه ، ظهر على شاشة إحدى الفضائيات في العام الماضي وقال نهارا إن أجبن شاعر في حركة الحداثة الشعرية في العراق هو سعدي يوسف ، كان يسقط على ركبتيه حينما يمزح معه زميل في دار المعلمين العالية ويصيح : جاءت الشرطة . ويتأكد هذا من ناحية التحليل النفسي في مقالته التي كتبها عن زيارته لمتحف فرويد والتي انرعب فيها عندما شاهد اللوحة التي تجسد مريض “فوبيا الذئاب” !! الكل صاروا أبطالا في وارشو وموسكو وباريس وغيرها .. رواية “المسافة” التي كتبها الصائغ عن تجربته هي رواية ليست حقيقية بمعنى التجربة التي تعرض لها الصائغ في السجن أواخر السبعينات حسب . بل بالمعنى العلمي .. إربطوا قضيب أي سجين سياسي ودعوه لا يبول ليومين وسينهار حتى لو كان لينين .. هذا علم وتشريح وفيزيولوجيا وليس ألعاب حداثة شعرية .. الصائغ بالمعنى الحقيقي الذي نحاول إنكاره بكل طريق هو شهيد ، غدره أخوته الذين هربوا وتركوه .. وغدرته نظرته المسيحية الفدائية التي جعلته يبقى في بغداد ولا يأخذ حقيبته مع الآخرين – وبالمناسبة قال لي في اللقاء المنشور في ألف ياء الزمان : جاءني مظفر النواب ومعه الجواز وحقيبته وقال سأسافر غدا ، وسكرنا وودعته لأنه سوف يسافر إلى الخارج غدا (كذا!!) – وقد ذكر اشياء هائلة عن الكيفية التي غدر بها بعض الشيوعيين رفاقهم الذين قاموا بحفر النفق ( ومنهم من يحملون على الأكتاف الآن!!) ، وحاولوا تركهم فاقتحم عليهم (حسين سلطان صبّي) المكان بعمود حديد وكسر الباب عليهم (راجعوا مذكرات حسين صبّي لتعرفوا معنى الخيانة ) .. هل نحن كلنا “خونة” بدرجات متفاوتة ؟ .. أغلب الظن أن هذا ما أراد الرائع أثير محمد شهاب أن يبلغه إلينا في كتابه الخطير هذا ..   لقد كتب الصائغ روايته “المسافة” عن تعذيب السجناء السياسيين وروايته (السرداب 2)  التي تؤرخ عذابات المناضلين في ظل السلطة الديكتاتورية ( ص 38) .. يقول يوسف :
(أعطني جواز السفر
وقل لي :
أنت حر
لا تجعل وطني
سجني
فالمسجون يفر )
والمصيبة أن الكل فرّوا ، وبفي صاحب هذا القانون النفسي والسياسي ثابتا يتحمل اللطمات من كل جانب .. هذا قدر يوسف .. لكنه ليس يوسف التوراتي أو الإنجيلي أو القرآني .. إنه يوسف العراقي الذي لن يخرج من الجب أبدا .. ومات مختنقا وغريبا تحت أكوام حجارة رفاقه المناضلين الصامدين الذين لم يتحملوا رؤية وجه حقيقتهم المستتر والمعذب ..

شاهد أيضاً

خالد جواد شبيل: مع العلّامة حسن الأمين في حِلِّه وتّرحاله – 1

أول الكلام: بين يديّ كتاب هام وإن قلت أنه فائق الأهمية ما جافيت الحقيقة بل …

التعريف ببعض مؤلفاتي المنشورة
الكتاب الخامس: (دراسات في الشعر العربي واماراته)
د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

الكتاب في صيغته النقدية يبحث في منهجية الشعرالعربي منذ العصرالجاهلي وحتى المعاصر ويثبت لكل عصر …

ذكريات باريس
مهدي شاكر العبيدي
اوستن- تكساس

كتب إليَّ صديق بمناسبة فراغه من قراءة كتاب ( ذكريات باريس ) تأليف الدكتور زكي …

تعليق واحد

  1. محمد جواد

    ان من يقرأ هذا المقال  سيعرف الهدف من كتابته . إلا إنني أود أن أشير إلى كاتبه، حبذا لو يسأل كاتب هذا المقال أي طبيب اختصاصي… إذا يمكن للإنسان أن يبقى على قد الحياة إذا ربط قضيبه يومين لم يتمكن من التبول، إذا لم تتعرض كليته أو مثانته للتلف.
    اكتب هذا لأنني أعرف أساليب التعذيب التي كانوا يقومون بها أزلام السلطة الفاشية المطمورة، حيث كنت واحد من نزلاء سجن النهاية في السبعينيات… الهجوم على أحزاب وبمثل هذه الاساليب وجعل يوسف الصايغ النبي النظيف الذي لم يخونون ضميره فهذه مسألة ليس لها علاقة بالواقع وليس صحيحة… وكما قرأت مثل هذه المقالات والكتب، فإن الهدف منها ليس دراسة ظاهرة الإدانة من وجهة نظر الواقع الثقافي  والثقافة وإنما محاولة إهدار الآخر بشكل ليس له علاقة والصراعات التي عاشها الجميع، حتى الذين كانوا يقبلون  يد رئيسهم وراحوا ضحية قبلة هذه اليدز لا أريد إطالة الكلام. أتمنى أن يعرف القاريء الكريم مغزى كلامي هذا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *