نجاح هادي كبة: مواقف محمد مهدي البصير ميول وطنية وسياسية في بواكير الحياة (ملف/4)

الشباب المبكر، إذ ذكر منعم حميد حسن انه : قد ظهرت ميوله السياسية منذ الحرب العالمية الأولى حسن، 1980م، ص : 28 وإذا عرفنا أن الحرب العالمية الأولى اشتعل أوارها من العام 1914-1918م تكون ميوله السياسية بحدود عمر “19” سنة على الأرجح، لأن ولادته كانت العام 1895م، وكان البصير آنذاك شأنه شأن التيار العربي الإسلامي ميالاً للعثمانيين ضد الإنكليز بدافع الدين الإسلامي لكن الأمر لم يكن كذلك، إذ غيّر البصير موقفه هذا وانتقد العثمانيين ، لأن الدولة العثمانية قد انحطت ووصفت بالرجل المريض ومعلوم ما للاتحاديين من دور كبير في كبت الشعور القومي للعرب ومحاولتهم استبدال اللغة التركية باللغة العربية في المخاطبات في الدوائر الرسمية وفي المدارس، ويذكر منعم حميد حسن أيضاً انه قد تكون لحادثة الحلة المعروفة بـ -حادثة عاكف بك- أثر في ذلك، فقد عايش البصير أحداث هذه المأساة الحزينة حسن، 1980م، ص : 31.
قال يوسف كركوش الحلي : ثم دخل جيش عاكف الحلة وفعل فيها الأفاعيل من الحرق والنهب والسلب والقتل والشنق، وخرب فيها أربع محلات: الجامعين والطاق وجبران في الجانب الكبير منها، والوردية في الجانب الصغيركركوش، ق1?1430هـ، ص: 202.
ان الظلم والجور الذي لحق بالعراقيين جرّاء استبداد العثمانيين في الحكم
لا يقل جوراً وظلماً مما لحق بالعراقيين بعد طرد العثمانيين من العراق حين دخلت الجيوش البريطانية إلى العراق واستكملت احتلاله ما بين العام 1914-1918م. وقد يكون هذا العامل من بين العوامل الكثيرة التي أججت الشعور القومي لدى العرب، ومنهم محمد مهدي البصير ، الشاعر المرهف الحس، فقد اكتشف العرب ان وعود البريطانيين البرّاقة كقولهم : “جئنا محررين لا فاتحين” لا أساس لها من الصحة لأنهم دبروا أمراً بليل حين قام بعض وجهاء الحلة بتقديم عرائض يطلبون فيها تنصيب –السير برسي كوكس- ملكاً على العراق، وحملوا الناس على توقيعها، وقف البصير هو وجماعته من الوطنيين موقفاً معارضاً للفئة التي أرادت لنفسها الاستعباد بعد ان بذل النصح لها، ولكنها لم تشأ ان تصغي لنصحه بل تنكرت له ولجماعته، ويسجل البصير هذه الأحداث في قصيدته أيها الصديق أو صوت الشعب التي نظمها في سنة 1919م فيقول :
تنكر لي فحاربني زمان
يحاسبني على الحسنات قوم
أيهون به جحا ويعز حمق
جزوني بالذي لا استحق
حسن، 1980م، ص : 33-34.
لابد من الإشارة إلى ان نمو الشعور القومي عند العرب كان له عوامل أخرى – غير المذكورة سابقاً- وهو نشوء الجمعيات العربية القومية السرية في بلاد الشام كالجمعية القحطانية والعدنانية ودخول المطبوعات إلى العراق من مصر والشام كالجرائد والمجلات، كان له الأثر في بلورة الشعور القومي عند العرب.
وأسست في شباط العام 1919م. جمعية “حرس الاستقلال” التي مثّل هيأتها
الإدارية عددٌ من الشخصيات الاجتماعية البارزة أمثال محمد الصدر الذي كان له
نفوذ ديني كبير في منطقة سامراء…وجعفر أبو التمن الذي كان يتمتع بمركز
خاص في الحياة الاجتماعية…وناجي شوكت والضابط محمود رامز والمحامي بهجت زينل.
البلداوي وأحمد، 2003م، ص : 17-18.
من أهداف جمعية “حرس الاستقلال” استقلال العراق وتنصيب
ملك عربي هو أحد أنجال الملك حسين وتوحيد كلمة العرب والعراقيين
وطلب إلى البصير أن يؤسس لها فرعاً في الحلة فأسس الفرع وكان أمين
سره، وبذلك دخل البصير مرحلة العمل السياسي الحزبي المنظم في العام
1919م حسن، 1980م، ص : 34.
فطرح البصير فكرته في توسيع نشاط الجمعية وبث الوعي بين الناس من خلال المنبر الحسيني الذي أبدى موافقته على صعوده ، في ذلك الوقت ما زال البصير معمماً ومخاطبة الجمهور كانت أول ما ارتجل قصيدة عنوانها باعث الغضب في حفلة افتتاح “المدرسة الحسينية” الابتدائية الأهلية في بغداد في 19/آذار سنة 1920م، وهي أول حفلة سياسية ثورية أقيمت في بغداد وكانت قصيدة سياسية حماسية طافحة بالتنديد بالإنكليز ومطلعها:
يا مطاع الأزهرين : العلم والأدب
أردّي إلينا رقي الشرق والعرب
فقد انكشفت مكائد الخلفاء ودسائسهم للعرب عامة وللعراقيين خاصة، أصابهم اليأس واعتراهم القنوط، ويبدو أن البصير ممن انخدع بهذه الوعود البرّاقة أول الأمر ، ولكنه بعد ان تبين له زيفها وبطلانها، وقف من الاحتلال البريطاني موقفاً مضاداً. اتخذ شكل المعارضة السياسية، فنظم البصير قصيدة، عبّر فيها عن هذه الخيبة التي شعر بها مثلما شعر بها الآخرون، وهي قصيدة رمزية جاء فيها :
أنا حرٌ لولا حكومة سحر
زعمت انها سلام ونور
أجهزت لي بالأعين النجل حملة
بيد اني وجدت نارا مطلّة
ومن القصائد الرمزية التي اشتهرت له، قصيدة “إيقاظ الرقود” التي بعث بها البصير من الحلة إلى مجلة “اللسان” وهي تعبّر عن الخيبة المرة التي شعر بها العرب، إزاء موقف البريطانيين منهم، بعد العهود التي قطعوها لهم في الاستقلال الزبيدي، 2013م، ص : 7.
لابد من الإشارة إلى ان البصير كان عضواً رئيساً في تأسيس “الحزب الوطني 1922″ بزعامة جعفر أبو التمن ، وأسس البصير فرعاً للحزب في الحلة، مثّل العراقيين لعرض مطالبهم أمام الملك فيصل الأول بعد تتويجه بيوم واحد وخطب ثائراً : لا نقبل بك…على ان…ثم نقبل بك…بعد ان” وكان الحاكم البريطاني يستمع بتوجع بينما البصير أخذ…يصعّد من نبرته، وما ان خرج البصير من القصر حتى أصدر الحاكم البريطاني أمراً فورياً باعتقاله ووضع في سجن انفرادي كتب فيه البصير أروع قصائده الثورية البرلمان أو
ديوانه المطبعي، 2007م، ص : 14.
قال فيه رفيقه في الجهاد والوطنية جعفر أبو التمن : كان هو هو لم يتغيّر ولم يتبدل ولم يعتره ضعف أو وهن المطبعي، 2007م، ص : 14.
البصير في ثورة العشرين
قال على الوردي : ان رجال الحركة الوطنية في بغداد وكربلاء لم يكونوا في بداية أمرهم يفكرون في القيام بثورة مسلحة على الإنكليز، بل كان تفكيرهم متجهاً إلى المطالبة السلمية بتحقيق ما وعدهم الإنكليز من الحرية والاستقلال. الواقع ان فكرة الثورة المسلحة لم تظهر إلاّ لدى بعض سادة العشائر ورؤسائها في الفرات الأوسط، وخاصة في المشخاب، فهم أول من نادوا بها، ثم صارت دعوتهم تنتشر في المناطق الأخرى شيئاً فشيئاً مما أدى إلى اندلاع شرارة الثورة في الرميثة الوردي، ق 5/1? 2005م، ص : 121.
من سياق الأحداث يتضح ان للمنبر الحسيني الذي يديره خطباء مجيدون في قراءة التعزية على الإمام الحسين ? والمولد النبوي كان لهما أثر
كبير في تأجيج الثورة، وكان الشيخ محمد مهدي البصير على رأس من أجج الثورة من طريق المنبر الحسيني هو والشيخ صالح الروضخون فيذكر كاظم الدجيلي عن صالح الروضخون انه غرس فكرة الثورة بيد ان هذه الفكرة التي غرسها هذا السيد اللبيب أخذت تنمو
وتتوسع أسبوعاً بعد أسبوع لأن القوم شرعوا يقيمون كل جمعة بعد صلاة الظهر
في أحد الجوامع احتفالاً لتلاوة قصة المولد النبوي ومأتماً لقراءة مناقب سبط النبي
الإمام الحسين بن علي?الدجيلي، 1973م، ص : 16.
ويضيف على الوردي : كان السيد صالح قد بدأ دعوته في
اجتماع عام عقد في الكاظمية في 1 آيار…حيث القى خطبة مؤثرة دعا فيها المسلمين إلى التمسك بيوم الجمعة على نحو ما يتمسك اليهود بيوم السبت، والنصارى بيوم الأحد، وناشدهم لماذا لا يفعلون كما يفعل اليهود والنصارى الوردي، ق 5/1? 2005م، ص : 135.
أما البصير فهو الآخر كان روضخوناً خطيباً وكان أمين سر جمعية حرس الاستقلال في الحلة وقدم بغداد لغرض الثورة، فهو لم يكد يصل بغداد حتى أفضى إلى زعيمه السيد محمد الصدر بالغرض الذي جاء من أجله والذي يبدو لنا ان البصير قد راودته هذه الفكرة وخطط لها وهو في الحلة قبل قدومه إلى بغداد واتخذ قراره الحاسم فيها لأنه حين قدم إلى بغداد لم يفكر بالعودة إلى الحلة حتى بعد انتهاء الثورة…إذ لا يعقل انه اتخذ هذا القرار الخطير وهو في بغداد بمجرد انه سمع الناس يتـــحدثون عن فكرة
السيد صالح. حسن، 1980م، ص : 39.
لكن عبد الرضا عوض قال : وفي يوم الجمعة 14 آيار 1920م عقد
اجتماع كبير في جامع القبلانية الذي يقع في سوق البزازين ببغداد، فصعد المنبر البصير فقرأ المولد النبوي ثم التعزية الحسينية معاً، ومن تلك الاجتماعات التي بذر بذرتها السيد صالح الحلي وأتمها الشيخ محمد مهدي البصير انتشر الوعي بصورة أزعجت السلطات المحتلةعوض، 2013م، ص : 65.
قال حميد المطبعي عن البصير : له لُقِّب شاعر ثورة العشرين بامتياز، لأنه الشاعر الوحيد الذي مهد للثورة “قبل وبعد” وكانت قصائده تفعل في نفوس العراقيين فعل السحر فتثير فيها عواطف النخوة والغيرة على وطن محتل وقد حفظت قصيدته “لبيك أيها الوطن” شفاها في كل أندية بغداد ومحافلها وطارت إلى المدن جميعها تردد في التظاهرات واجتماعات التنديد، يقول فيها :
ان ضاق يا وطني عليَّ فضاكا
أجرى ثراك دمي فإن أنا خنته
بك همت بل بالموت دونك في الوغى
أفلتتسع بي إلى الأمام خطاكا
فلينبذني ان ثويت ثراكا
روحي فداك متى أكون فداكا
المطبعي، 2007م، ص : 14.
لقد أصاب البصير الألم والحسرة حين لم تحقق ثورة العشرين طموح الشعب العراقي بما كان يطالب الإنكليز، وزاد ألمه وحسرته حين رأى بأم عينيه ان لا مفر من مهادنة الإنكليز لأخذ استقلال العراق كاملا.
فاعتزل البصير السياسة في بداية سنة 1930م بعد ان تهيأت له الفرصة للسفر خارج الوطن لإكمال دراسته إضافة إلى أنه يرى بعد عقد كامل من النضال ان الذين عمل معهم كانوا يسعون في حقيقة حالهم لتحقيق أمانيهم واستلام مناصب الدولة، فمتى ما تحقق لهم ما يريدون؟ انقلبوا على مبادئهم، وبهذا يقول البصير: قالوا فلان قد تقلّد منصبا
ويلوح ان جنانه ولسانه
فاجبتهم كم كنت منتظرا لما
هذي نواياه وكان يسرّها
لا أبيضّ وجنة مستأجر ببلاده
هو منه في عزّ وفي سلطان
لم يبقيا وقفا على الأوطان
تستغربون من انقلاب فلان
فاليوم تعلن أيما إعلان
كلف بحبّ الأصفر الرنّان
عوض، 2005م، ج4 ص : 185.
لابد من الإشارة إلى ان ما تعتز به الحلة والعراق الرجال الذين خاضوا غمرات الجهاد والكفاح ضد الأجنبي المحتل ومنهم ثلاثة رجال أنجبتهم الحلة الفيحاء وبرغم التباين في الحالة المعاشية والانحدار الطبقي للرجال الثلاثة :
1. 1. المحامي محمد الباقر المرعب الحلي.
2. 2. المحامي عبد الوهاب عبد الرزاق مرجان.
3. 3. الدكتور محمد مهدي البصير.
فأنهم دخلوا معترك السياسة وبقوة وكل منهم قال كلمته الخاصة،
والغريب ان هؤلاء الثلاثة المختلفة انحداراتهم الطبقية درسوا في كتاتيب
محلة الطاق تحديداً، وبعد نضجهم الفكري أسسوا فروع لأحزاب في الحلة،
ثم التجؤوا إلى بغداد لتلبية طموحهم في الحياة السياسية، فكانت
الحيدرخانة وكهوة حسن عجمي مركزين لملتقاهما مع أولاد جلدتهم الحلة الذين يتابعونهمعوض، 2005م، ج4? 185-186.
سجنه
لم يكن البصير ليطلق حراً وهو يحمل راية الجهاد ضد أعتى قوة آنذاك احتلت بلاده وأرادت الاستئثار بحريته وخيراته هي بريطانيا التي توصف بالعظمة والإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ، كان لقصائده وكلماته التي لها شكل السكين أثر في إثارة حماس شعبه والالتفاف حول ثورة العشرين ففي 8 شباط 1921م ألقت السلطة القبض على مدير جريدة الاستقلال عبد الغفور البدري ومن يحررها كقاسم العلوي والبصير وسيقوا إلى المحاكمة ، فحكم على مدير الجريدة بالحبس مدة سنة وعلى البصير بالحبس لمدة تسعة أشهر وعلى العلوي بالحبس لمدة ستة أشهر، كما حكم على الجريدة بالتعطيل، وقد وجهت إلى البصير تهمة الإخلال بالأمن وتحريض الأفكار ضد السلطة، وكان من بين المستمسكات التي أبرزت ضده هذا البيت من قصيدة يا يا علم :
وغلى الدم العربي بي فواجبي
أ تضميخ مجدي بالدم المهراق
حسن، 1980م، ص : 49.
جاء في القسم السادس من ديوانه “البركان” تحت عنوان بين السجن والمنفى اختيرت القصائد والمقطوعات التالية مما نظمته في الفترة الواقعة في بين خروجي من السجن بتاريخ 8 تموز سنة 1921م ونفي إلى هنجام احدى جزر خليج البصرة بتاريخ 26 أغسطس 1922.
جاء في قصيدة غَيْرَة النعمان :
فكّرت يا نعمان في الأمم التي
فرأت ان الناس تأخذ حظها
فالصين في آلاتها والهند في
ورأيت حقاً ان شعبك خامل
الجهل والإملاق قد حكما بكم
حولي وأنتم بينها جيراني
بالجد من علم ومن عرفان
آرائها والروم في الأديان
ما فيه من حسنى ولا إحسان
حتى خسرتم أيما خسران
البصير، 1959م، ص : 102.
ان قصيدة البصير هذه لتكشف عن وعي عميق لواقع وطنه وفيها مقارنة الحاضر الخاسر لوطنه بالماضي المشرق ومستنجدة بالتاريخ العربي المشرق المتمثل بالنعمان بن المنذر وهي قصيدة واسعة الأفق تتضح فيها ثقافة البصير العامة مما يدور في الدول المجاورة من تقدم ورقي كالصين والهند والروم وبلاده في خسران ، فالقصيدة تحريضية وطنية أراد البصير منها ان يوقظ أبناء وطنه من سباتهم بقوة وأمل.
الانتماء الوطني للبصير وهو خارج عن جسد وطنه :
لم يكن البصير على وفاق مع سياسة نوري السعيد اللاهثة وراء بريطانيا التي ناهض احتلالها وسياستها في تيسير أمور البلاد –كما ذكر سابقاً- وأدركت وزارة نوري السعيد طموح البصير العلمي فأصبحت فرصة إبعاد محمد مهدي البصير عن الساحة السياسية العراقية سانحة لوزارة نوري السعيد، وقد كان البصير، يشكّل العنصر الصلب والجريء في الحركة الوطنية العراقية، ولعل الحكومة أرادت ان تفتت الحركة الوطنية، من خلال إبعاد البصير عن العراق، مستغلة للعلم والمعرفة، ليتسنى لها التخلص من المعارضة تدريجاً فقررت إيفاده إلى مصر الكريعي، 2013م، ص : 4 لدراسة اللغة الفرنسية لمدة سنة واحدة تمهيداً لإكمال دراسته في فرنسا أوفد محمد مهدي البصير ، بناء على القرار الصادر من مجلس الوزراء بتأريخ 20 حزيران سنة 1930م إلى مصر ضمن أفراد البعثة العلمية لمديرية أوقاف العراق. لأجل القيام بما أسموه “ببعثات علمية وأدبية واجتماعية
ودينية. الكريعي، 2013م، ص : 4.
عندما كان البصير يدرس في فرنسا، أمر نوري السعيد بقطع مخصصاته، حيث كان البصير يمقته وسبق ان ندّد بسياسته وتزلفه للبريطانيين وتعاونه معهم. وقد أكد البصير ذلك قائلاً : “فقد كان ذلك المسؤول يأمل ان اكتب إليه مستعطفاً ومعتذراً، ولكني فضلت ان أجوع في بلاد الغربة، بدلاً من أن أكتب إليه، وقد عقب البصير بالأبيات الشعرية التالية :
ان الذين بذلت نفسك دونهم
بخلو عليك ان تعيش كطالب
فاغفر لهم زللاً قد احتملوا به
أ عند اشتداد عظائم الأهوال
جم المتاعب واسع الآمال
سخط العصور ونقمة الأجيال
مثلما تعرّض البصير للضغط المادي من وزارة نوري السعيد تعرّض للضغط العلمي في فرنسا في اختيار أطروحته للدكتوراه، فلقد ذهب إلى فرنسا وهو يأمل بدراسة الشعر الجاهلي وبعثه، وأخذ معه في سفره مستلزمات الموضوع لاسيما ما كان يدرّسه في دار المعلمين العالية عن الشعر الجاهلي ولكن فوجيء برفض من أساتذته المستشرقين لأنهم يريدون طمس التراث العربي ومحوه حتى أنهم يحاولون ان يجعلوا الكتابة النثرية الفنية قد تطورت على يدي عبد الحميد الكاتب وابن المقفع وكليهما فارسيين ليدللوا على حقيقة ضعف العرب في التفنن في البيان وعدم قدرتهم على التحليل والتفكير.
قال البصير : قال لي الأستاذ ماسنيون-بصريح العبارة- عندما فاتحته بشأن كتابي “الأدب العربي قبل الإسلام” إننا معاشر المستشرقين ننكر ان يكون هناك شعر جاهلي : وليس بيننا سوى مستشرق إنكليزي واحد يقول بعكس هذا. ومما زاد بالطين بلة ان الأستاذ ماسنيون درس هويتي السياسية المتواضعة في أثناء زيارته بغداد العام 1934م فساءه ان أكون من أنصار الثورة العربية…ولا أنسى انه بدأني عندما زرته للمرة الأولى…أنت تشتغل بالسياسة، ولكني الآن طالب علم فقط وأردف قائلاً : متى بدأت حياتك السياسية؟ ومتى انتهيت…أني لم اشتغل يوما ضد فرنسا البصير، 1939م، ص : 88-89 وأخيراً أجبر البصير على ترك البحث في الشعر الجاهلي لأنه كما فهم من المستشرقين ان هذا الموضوع مهيّأ لطاب آخر هو طه حسين وهكذا أصبحت أطروحته في الدكتوراه في فرنسا عن الشاعر الغنائي كورني على الرغم من صعوبة هذا العمل بالنسبة له.
البصير يوثق أحداث الثورة العراقية الكبرى :
لقد تحول البصير بسبب أوضاع وطنه المؤلمة إلى شعلة من الوطنية خطيباً وشاعراً وسياسياً ومؤلفاً، فقد وثق أحداث الثورة العراقية الكبرى بكتاب ضخم بجزأين، وذكر منعم حميد حسن هذا الكتاب على أهميته نادر ولا يصل إليه طالبه بسهولة لأنه لم يطبع إلاّ طبعته الأولى. ويقع في جزأين. وقد طبع الجزء الأول منه في سنة 1923م والجزء الثاني في سنة 1924م بمطبعة الفلاح ببغداد وعدد صفحاته 609. حسن، 1980م، ص : 77.
يبدو ان هذا المؤلّف بصمة دالة على وطنية البصير، لأنه دوّن الحالة الجهادية للثورة وقرن العمل بالقلم لأنهما سلاحان لا ينفصلان، لاسيما ان البصير أهمل تدوين مذكراته الذاتية آخذاً بالحسبان أهمية تدوين ما اختزنته ذاكرته عن الثورة، قال حميد المطبعي:إهماله في كتابة مذكراته…إذ اكتفى بكتابة ورقة ونصف بعنوان “من أنا” وكان عليه وعلى أي رائد ان لا يترك شخصيته نهباً لتفسيرات الآخرين، فبوجود مذكراته يقضى على التأويلالمطبعي،2007م، ص 14.
فهل يعني هذا المؤلّف ان جعل منه البصير جزءاً من شخصيته بوصفه جزءاً من الثورة العراقية الكبرى؟ فالثورة العراقية الكبرى –كما أرى- ومحمد مهدي البصير كأنهما جسد واحد.
تأتي أهمية كتاب تاريخ القضية العراقية الكبرى لأن المؤلف قد عايش الأحداث التي مر بها العراق وشارك فيها بنفسه وعرف تفاصيلها وأسرارها.
الكتاب نادر بمعلوماته إذ سلّط فيه البصير الضوء على حقبة سياسية حساسة من تاريخ العراق الحديث تمتد من الحكم العثماني وإعلان الدستور وقيام الجمعيات الوطنية والقومية ونمو الحس القومي وموقف العثمانيين تجاه الشعب العراقي والعربي والوقوف ضد سياسة التتريك ثم تناول بالشرح والتفصيل الاحتلال الإنكليزي للعراق وقيام ثورة العشرين ومشاركة الضباط العراقيين للثورة الشريفية في الحجاز وغيرها.
يظهر البصير آراءه الوطنية والقومية بصوت عربي فيسمي الثوار العراقيين بالثوار العرب مثل غيره من شعراء تلك الحقبة وخطبائها، أمثال : محمد علي اليعقوبي ومعروف الرصافي والشيخ علي الشرقي وسواهم، وما شدّني إلى هذا الكتاب ما ذكره البصير عن القائد الانكليزي “هولدن” في ثورة العشرين، وما أبدعه قلم البصير في وصف قابليات الثوار العسكرية على الرغم من الظروف الموضوعية التي كان يمر بها العراق، قال البصير: في منطقة الرميثة لاحظت ان الثوار يحفرون الخنادق شمالي غربي البلدة ويبدلون العملة على صورة منظمة… ويوثق البصير حنكة الثوار العسكرية أيضاً : وكان الثوار قد تحصنوا بترعة يابسة حفرت فيها الخنادق وعلى جوانبها القرى الأمر الذي لم يبق للقواد الإنكليز شكاً بأن ضباط الترك هم الذين كانوا يتولون قيادة الثورة، وكان عدد الثوار لا يقل عن خمسة آلاف مقاتل، وشرع قائد الحملة “كوننغام” بإطلاق النار في 20/1 ساعة بعد الظهر من يوم 19 تموز واشترك في القتال ثلاثة أفواج، وعلى الرغم من كثرة جنود هذه النجدة، فانها لم تتمكن من ان تزحزح الثوار عن مراكزهم، مع ان القتال قد استمر ثلاث ساعات ونصف ساعة، وبعد قليل وصلت فرقة “الكركا” مجهزة بمدافع ميدانية وحظيرة رشاشات وعلى الرغم ما أبدته من البسالة والاستماتة فانها لم تفلح…لأن العرب قد أخلوا الخنادق ليلاً بعد ان دافعوا عنها النهار طوله وكان الانسحاب منها ليلاً… وأطرى ” هولدن” على بسالة الثوار ومهارتهم، قال انهم كانوا يظهرون كل الحذق باختيار الزمان والمكان للقيام بحركاتهم الحربية، وانهم كانوا أولي براعة فائقة باقتلاع السكك الحديد، وبقطع طريق سير الجنود ومنعهم من الماء، وانهم كانوا عارفين بمواضع الضعف والخلل في الوحدات العسكرية البريطانية وحيث ان ذخائرهم الحربية كانت قليلة، فانهم لم يكونوا ليطلقوا بندقية واحدة إلاّ وهم واثقون من إصابة المرمى، وقد أظهروا كل الحزم والعزم في تعقب القوة المتراجعة… ويضيف القائد هولدن ان هذه المزايا تدل كل الدلالة على مهارة ضبطهم العجيبة ومقدرتهم الفائقة الفصل التاسع، ص : 208-210.
يفند البصير مسألة اشتراك ضباط ترك في الثورة بقوله :
ان العرب الثائرين قد مارسوا الحروب فيما بينهم ومارسوها في اشتباكاتهم مع الحكومة العثمانية، وهم أذكياء جداً، فحصلوا على هذه الخبرة العملية في الحرب بذكائهم وفطنتهم قبل كل شيء وبالممارسة الطويلة للحرب المختلفة ص : 211. والحقيقة كما تتراءى لي ان عرب الرميثة ومنهم قبيلة بني حجيم من الظوالم وسواهم ليسوا ببعيدين عن تراثهم العسكري العربي الحضاري…فهم على صلة وثيقة به من طريق احتكاك رجال الثورة بقوادهم في النجف وكربلاء، ومعلوم ان قواد الثورة كانت لهم ثقافة عامة وأخرى عسكرية تاريخية مثل إلمامهم ببطولات الرسول ? والإمام علي ? في معاركهما ضد البغي والعدوان والتسلط، ولابد انهم قد أفادوا تجربة من تلك المعارك وخططها. وكان لرجال الفكر في بغداد والنجف وكربلاء والحلة دورهم في ذلك لاسيما في بغداد ممن عرفوا بالوطنية والقومية من أعضاء الجمعيات والأحزاب السياسية آنذاك فثقافة الثوار امتداد للإشعاع الحضاري العسكري والعلمي الذي تميزت به الأمة العربية والإسلامية بادية ومدينة عبر العصور.
قال البصير: ونحن لا ننكر ان فريقاً من الضباط المنتسبين للجمعيات في بغداد حاربوا في بعض مناطق الثورة إلاّ أن الوقائع المذكورة لم تقع باشتراك أحدهم فيها البتة ص: 210.
تختزن ذاكرة البصير مشاهد حيّة من بطولات الثوار في الرميثة، قال : ان الحكومة أرسلت قطارا مدرعاً من الديوانية إلى الرميثة لإنقاذ الحامية المحصورة هناك أو مساعدتها، وكان الثوار قد حفروا تحت السكك الحديد في بقعة تسمى “العارضيات” واقعة بين الديوانية والرميثة هوّة سحيقة سقفوها بالقصب والتراب، وموّهوا حالة الخط بإعادته إلى ما كان عليه في الظاهر ليوهموا سواق القطار بأن السكة على حالها، فلما جاء القطار سقط في تلك الهوّة وهجم الثوار عليه، وقد اكد لنا قادة ذلك الهجوم انهم قضوا على حياة كل من في القطار وغنموا جميع ما فيه ص : 212.
خلاصة القول : ان موقف البصير القومي والوطني كاتباً لا يقل شأناً عن كونه شاعراً مفلقاً في قضايانا الوطنية والقومية، قال :
وعد بمآثر الآباء بيضا
أليس الكرخ قد أحيا عكاظا
وعُبِّيء للجهاد بكل حقلٍ
أ يجددها بنوك الناهضونا
وأيام الجدود الصالحينا
جهود شبابك المتعلمينا
البصير، 1959م، ص : 114.
لابد من الإشادة بموقف المجتهدين من علماء الدين الأعلام الذين كان لهم الأثر السبّاق في مناصرة الثورة لاسيما المجتهد العلامة محمد تقي الشيرازي الذي قاد الثورة هو ورفاقه المجاهدون من منطقتي النجف وكربلاء اللتين شعّت فتواه منهما على كل المدن العراقية من الجنوب إلى الشمال، لاسيما في منطقة الفرات الأوسط ومنها الحلة الفيحاء إذ أفاض د. عبد الرضا عوض عن دورها ودور البصير وسواه من المجاهدين عنها في كتابه الحلة في ثورة العشرين عوض، 2013م، ص : 1-199.
إذ تؤكد الوثائق الدور الكبير للشيخ محمد تقي الشيرازي…ففي ثورة العراق
العام 1920م كان يؤسس فروعاً للجامعة الإسلامية في مناطق مختلفة من مدينة
كربلاء. كبة، 2000م، ص : 5.
وفاته
ولد البصير العام 1895م وتوفي فجر يوم 19/10/1974م ودفن في مدينة النجف، وقد أقيمت له حفلة تابينية في قاعة كلية الآداب، ذكر فيها مآثره وسجاياه، وألقيت قصائد عديدة في رثائه منها قصيدة الدكتور هادي الحمداني التي مطلعها :
ما ضاق من وطن عليك فضاء
أأرض تفتح صدرها وسماء
ستنتاج وتعقيب :
من طريق ما تقدم يتضح :
1. 1. ان البصير كان وطنياً صلباً لم يهمه المال والجاه، بل جعل هدفه مصلحة وطنه العراق لاسيما وان انحداره من أسرة دينية كانت أساس ثقافته الوطنية.
2. 2. كان ذا شعور مرهف جعله ذا حس وطني في شعره وخطبه وأخلاقه. وقد يكون لفقدان حاسة البصر أثر في تقدمه العلمي والسياسي إذ عوّض فقدان بصره بالعلم والأدب والوطنية والشعر.
3. 3. أثر بيئة الحلة فيه، فالحلة موئل الشعراء والعلماء والأدباء والفكر من حضارة وادي الرافدين وما خلفته هذه الحضارة من مجد مؤثل وما تلاها من حضارة في علوم تطبيقية وإنسانية ودينية إلى العصر الحديث.
4. 4. اشتهرت الحلة بالمجالس الأدبية قديماً وحديثاً كمجلس آل سيد حيدر الحلي الشاعر المعروف ومجلس حسن القزويني ومجلس حبيب بيك زعيم آل عبد الجليل، ومجلس آل سماكة ومجلس آل عوض ومجلس آل الطريحي وغيرهم. ومعلوم ما لهذه المجالس من اثر فكري وعلمي وأدبي وسياسي في نفوس رواده.
5. 5. لقد رأى البصير بأم عينيه استبداد العثمانيين وطغيان البريطانيين فلا ينسى العراقيون “دكة عاكف” كما لم ينسوا ولن ينسوا شهداءهم وأموالهم اللذين انتهكتا من القوات البريطانية الغازية.
6. 6. ظهور الحياة الحزبية وما لها من صحف ومطبوعات واتصال العراق بالأقطار العربية كمصر والشام كان له أثر في بلورة الوعي القومي لدى العراقيين.
7. 7. حالة العراقيين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، فقد تدهورت كثيراً أيام الحكم العثماني والاحتلال البريطاني فكثر الفقر والمرض لاسيما مرض الطاعون الذي أصاب البصير نفسه ففقد على أثره عينيه وتدنى مستوى التعليم وكثرت الأمية.
8. 8. التكوين النفسي القومي للبصير وافتخاره بالعرب ما جعله أحياناً يقلل من قيمة كتّاب غير عرب عاشوا في البلاد العربية الإســــــلامية كابن المقفع وابن العـــــــــــــميد وابن الحميد الكاتب ، وغيرهم .
9. 9. مقدرته الخطابية وامتلاكه زمام اللغة العربية الفصيحة وقوة ارتجاله وهو يواجه الجمهور ليبعث فيهم النخوة والغيرة على الثورة ضد الأجنبي.
10. 10. لقد أثبت البصير قوة الفرد العراقي الصلب وشخصيته وصار قدوة يحتذى لكل العاملين لتحرير أوطانهم من الأجنبي وبناء أنفسهم بالعلم والأدب والجهاد.
11. 11. لم ينس البصير وطنيته وهو يدرس في باريس ولم تلهه
حضارة الغرب عن شعوره القومي فدافع عن وطنه هنالك وهو يعد أطروحة
الدكتوراه – كما ذكر سابقاً- .
12. 12. لقد فضل البصير الكتابة والتوثيق لثورة العراق الكبرى على كتابة سيرته الذاتية، بل اكتفى بالكتابة عن شخصيته بورقة ونصف. –كما ذكر سابقاً-
المصادر:
– البصير، محمد مهدي 1939م بعث الشعر الجاهلي، مطبعة التفيض الأهلية، بغداد.
– البصير، محمد مهدي 1959م ديوان البركان، ملحق المجلد: الثاني والعشرون لمجلة المعلم الجديد.
– البلداوي، تقي عبد وأحمد ، كمال مظهر 2003م التكوين الاجتماعي للأحزاب والجمعيات السياسية في العراق 1908-1958 بغداد.
– حسن، منعم حميد 1980م محمد مهدي البصير…شاعرا، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، سلسلة الأعلام المشهورين 14? الجمهورية العراقية.
– الدجيلي، كاظم ، 1973م، أحداث ثورة العشرين كما يرويها شاهد عيان، مطبعة الزمان-بغداد.
– الزبيدي، علي كريم 2013م بواكير اهتمامات محمد مهدي البصير السياسية، ملحق جريدة المدى-ذاكرة عراقية، س : 10 ع : 2963.
– عوض، عبد الرضا، 2005م أوراق حلية، رقم 4 طبع وتوزيع مكتبة الصادق، حلة.
– نفسه 2013م الحلة في ثورة العشرين، دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة.
– كبة، نجاح هادي، 2000م تاريخ القضية العراقية للبصير، عرض، جريدة الفرات، ع : 22, 20 أيلول.
– كركّوش ، الحلي، يوسف 1430هـ تاريخ الحلة، القسم الأول- في الحياة الفكرية، الطبــــــــــــــعة الأولى، مطبعة شريعت-ايران.
– الكريعي، علي كاظم ، 2013م أسرار الرحلة الباريسية للدكتور محمد مهدي البصير، ملحق جريدة المدى، ذاكرة عراقية، س : 10ع : 2826.
– المطبعي، حميد 2007م، محمد مهدي البصير، شاعر الثورة العراقية الكبرى، جريدة الزمان، ع : 2603 س : 9 .
– الوردي، علي، لمحـــــــات اجتماعية، 2005م ، ق 5/1لبنـــان-بيــــــروت، دار الراشد، ط2.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *