مؤيد داود البصام : أيام وذكريات .. عبد الأمير وجواد والقصيدة

 

الفنان والكاتب مؤيد البصام رئيس مؤسسة البصام للثقافة والسينما والمسرح يلقي كلمة الافتتاحلتابين الفنان جواد سليم في قاعة الشعب في باب المعظم.

في العقد الستيني من القرن الماضي، اندلعت حركة ثورية في مختلف إنحاء العالم، صاحبت التطورات الهائلة في العلوم المعرفية والتكنولوجيا وتقنيات الاتصالات والمواصلات، وقد شكل جزؤها الأكبر الطلبة وفئة المثقفين، وكان الفضاء الثقافي العراقي ، هو واحد من هذه الفضاءات التي تحرك بفورة ثقافية جاءت مخاض من كبت الحريات ، وفرض الرأي الواحد ، ولو بإشكال مختلفة فتارة نحو اليمين وتارة نحو اليسار ، ففي هذه الانتفاضة التقت الاتجاهات السياسية والمعرفية على رأي واحد ، وهو لابد من التغيير ، وإيجاد البديل الحضاري للارتقاء بالإنسان والوطن ، وفي وسط هذا الاهتمام. كانت تلتئم حركات فنية وأدبية وسياسية لتنتج عبر أفكار تجريبية إبداعات عظيمة ، ما زالت ثمارها تؤطر المشهد الثقافي العراقي حتى ألان . وكنا مجموعة من ضمن مجموعات الوسط الثقافي العراقي آنذاك، يختلط فيها كل الاتجاهات الفكرية والسياسية، يغلب عليها الطابع اليساري، المحكوم بالرؤية الماركسية لتحليل الواقع ،  وقد دأبت هذه المجموعات على التواجد مستوطنة مقاهي باب المعظم ما بعد ساحة الميدان. مقهى عارف أغا والزهاوي وحسن عجمي والبرلمان،  بعد أن أغلقت مقهى البلدية في ساحة الميدان التي كانت تجمع الجميع على اختلاف مشاربهم،  يزحف لهن منذ الصباح الباكر قسم من الأدباء والفنانين أمثال الشاعر عبد الأمير الحصيري، والبقية تأتي تباعاً من الساعة الثانية عشر ظهراً حتى الرابعة والخامسة ما بعد العصر. لتبدأ مسيرة ثانية من جديد إلى  شارع أبي نؤاس على ضفة دجلة، وفي الساعات المتأخرة تنتهي ليلتهم النؤاسية،  وبعد هزيمة حزيران عام 1967 ، اهتزت المشاعر ، وأحدثت قناعات وآراء من ابعد نقطة للأمل إلى أقصى نقطة في الخيبة والسوداوية، كانت القوى السياسية قد خرجت من تجربة حركة 14 رمضان الدموية، لتبدأ مرحلة حكم الرئيس عبد الرحمن عارف الذي جاء بروح التسامح والانفتاح، مما جعل الكثير من القوى السياسية مراجعة وتقييم مرحلة الاقتتال التي جاءت بعد حركة 14 تموز 1958، وهو الأمر الذي انعكس على الأدباء والفنانين والمثقفين بشكل عام ليبدؤوا مرحلة جديدة في العلاقات والانفتاح على أفكار التجديد والحداثة، كنا وقتها نحاول لم شتاتنا ، لإيجاد واقع يحقق لنا  أفكارنا وآمالنا وطوباويتنا ، وتثبيت هذه الأفكار على ارض الواقع، وقد اجتهد كل بطريقته وحسب رؤاه خصوصاً وان هذه الفترة جمعت اهتزازات كبيرة بين المثقفين والأحزاب السياسية على الساحة والأنظمة الحاكمة، وقد أخذت كتابات جهينة التي كان يحررها الصديق الكاتب جليل عطية تشحن الشارع، وفي شارع الرشيد بين شارع المتنبي وساحة الرصافي ألان كانت هناك مقهى يترك صاحب المقهى الجرائد ليقراها رواد المقهى مجانا، ووقتها قامت الدنيا من قبل أصحاب الجرائد على صاحب المقهى، وكان اسم المقهى النصر، على أسم جريدة النصر التي كانت حاملة شعلة التغيير والثورية، وأكثر محرريها من اليسار أمثال مؤيد الراوي وآخرون، وهي تكتب المقالات النارية، وفي وقتها قمنا بتأسيس مجمع ثقافي لكل الفنون والآداب سمي (مؤسسة البصام للثقافة والسينما والمسرح ) أصدرنا من خلاله مجلة باسم (الفنون المعاصرة)، كنت رئيس المؤسسة ورئيس تحرير المجلة،  وقدمنا عبر تلفزيون بغداد عدة تمثيليات عن القضية الفلسطينية باسم (فرقة مسرح المجددين) التابعة للمؤسسة، مثل فيها المبدعين فاضل خليل ولطيف ياسين نزار السامرائي فاضل السوداني والمرحومين كاظم ألخالدي وعبد الله ألجواهري وآخرون.
ومن أفكارنا التي حاولنا زرعها وثبتناه في منهاج المؤسسة،  إن نعطي للمبدع العراقي دوره ومكانته وتعزيزالصلة بينه وبين المتلقي والجماهير ، فقمنا بأول خطوة وهي إقامة احتفال بذكرى رحيل جواد سليم ، فنان الشعب لأجل إن نعرف بسطاء الناس بصاحب النصب الخالد في ساحة التحرير في الباب الشرقي، وطلبنا من تلاميذ وأصدقاء جواد المساهمة في هذه الذكرى، فلم يلب إلا العدد القليل من الفنانين  متذرعين بشتى الحجج ، ومنها من هو جواد حتى نقيم له مثل هذا الاحتفال، هو فنان مثل الآخرين ، وقسم قال هذا شيوعي مثلكم فاحتفلوا به انتم،  وكثير من الذين وقفوا يكتبون ويصرخون بعد ذلك متفننين بفن جواد وعلاقاتهم به هم من وقف ضدنا وسخر منا، وقالوا ما لنا وما له، ولكن كل ما قوبلنا به  لم يفت في عضدنا .وقمنا بالتحضير لإقامة الاحتفال في قاعة الشعب في باب المعظم،  وواجهتنا مشكلة  إن قاعة الشعب إيجارها في اليوم الواحد  ثلاثون ديناراً وهو مبلغ كبير في عقد الستينيات من القرن الماضي خصوصا ونحن ملكيتنا ثقافتنا وكتبنا التي لم تطبع ورسومنا التي لم تعرض ومسرحياتنا التي ترتقي خشبة المسرح،  وذهبت وقتها إلى الدكتور مالك دوهان الحسن وزير الثقافة وقتها،  وشرحت له الأمر، وللحقيقة كان رجل متفاعلاً وحاول قدر استطاعته وهو في هذا المركز تسهيل وحل مشكلات الأدباء والفنانين،  فاتصل بأمين العاصمة المرحوم مدحت سري وطلب منه إن يساعدنا، وذهبت إلى أمين العاصمة وحاول تسهيل الأمر،  بان جعل المبلغ خمسة دنانير فقط .أقمنا الاحتفال وحضره بدلا عن وزير الثقافة الذي كان خارج  بغداد مدير عام الإذاعة والتلفزيون ( مثنى الطبقجلي) آنذاك وامتلأت القاعة بمحبي جواد من الأدباء أكثر من الفنانين والقي المرحوم عبد الأمير الحصيري قصيدته الرائعة، وعلى الرغم من طولها كان الجمهور يطلب منه إعادة الأبيات .الآن بعد ستة وثلاثين سنة، أقيم احتفال للفنان جواد سليم من قبل وزارة الثقافة، بعد احتلال العراق، وقد تساءلت مع نفسي، لماذا لم نقم بأي احتفال له خلال تلك السنين، هل كانت السلطة السابقة ستمنعنا فعلاً ؟ أو تحول دون قيام مثل هذا الاحتفال، لجواد أو لإسماعيل أو لكاظم حيدر وغيرهم، أم إننا كنا نلهث وراء ذواتنا، ونبني أمجادا لأنفسنا، فنسينا روادنا وفنانينا  وأدباءنا ومبدعينا ؟ أم شغلنا الهم السياسي في الداخل وفي المهجر عن هذه الأمور ، أم ماذا ؟
ملحمة تقابل ملحمة…
           إن قصيدة عبد الأمير الحصيري ملحمة ( يا باسل الحزن) مقترنة بملحمة جواد سليم وعظمة إعماله،  فهي ليست قصيدة عادية،  ولم تأت عادية لأنها كتبت عن شيء غير عادي ، رافقت عبد الأمير منذ لحظة بدأ أول حرف خطه (لباسل الحزن ) حتى آخر حرف فيها ، وكان لابد من اتخاذ إجراءات لتغيير بوهيمية عبد الأمير،  فعبد الأمير لا يفارق الخمر ولا الخمر يفارقه،  وعندما يشرب يخرج بعبع من داخله لا يهمه كبيرا أو صغيراً فما في عقله وقلبه على لسانه،  ولا يأبه لخطر وتتملكه شجاعة نادرة لا يملكها أشجع الشجعان، ولان الاحتفال سيحضره الوزير وشخصيات من غير الوسط الفني والأدبي،  لهذا منعته من شرب الخمر قبل الاحتفال بثلاثة أيام، ومن روعة عبد الأمير أنه كان يشعر بان ليس هناك من يدانيه في قامة الشعر، لهذا تراه متمردا مشاكسا، ولكنه يكون كالحمل الوديع عندما يعرف إن الشخص الذي إمامه صديقه ويحب له الخير، فلم يعترض على كل إجراءاتنا،  أرسلته مع الفنان فاضل خليل والمرحومين كاظم ألخالدي وعبد الله حسن إلى حمام عدنان في شارع الرشيد، واشترينا له بدله من محلات الملابس في سوق الهرج عند ساحة الميدان، بسبعمائة وخمسين فلسا ً،  وكان مقر المؤسسة على سطح مقهى عارف أغا،  وأجلسنا عبد الأمير على كرسي وإمامه الطاولة،  ومنعنا أي شخص من الحديث معه،  فقد لازمه الفنان فاضل خليل ليسكته ويسكت الآخرين حتى يكمل القصيدة. وفي باب المقهى كان بائع مشويات (المعلاك) يحمل صينية بين وقت وأخر إلى عبد الأمير،  وجلس عبد الأمير من الصباح يكتب في القصيدة وانتهى منها عصرا ليقراها قبل إن ينقلها من المسودة إلى شكلها النهائي،  ونحن بين مصدق ومكذب في نشوة نصفق ونرقص طربا لما إجادته قريحة هذا العبقري .

   عبد الأمير الطفل الكبير     
          عبد الأمير الحصيري ، هذا الإنسان المغبون المنسي  ، الذي عرفته وصاحبته، خلال ستينيات القرن الماضي، وجمعتنا صداقة، تخللتها فترات جفوت وخصام لتصرفات عبد الأمير التي لا يحكمها ضابط، فهو خليط من الأمزجة المتعددة والمجتمعة في شخص واحد، وهذا هو سر عبقريته، قلة من كان يدرك جوهره،  فهو ذلك الطفل في هيئة رجل،  قلب شفاف صافي،  وعقل راجح،  يملك من المعرفة بقدر معرفته مسالك ودروب الشعر،  لقد شرب  الشعر والشعر شربه ، حتى أضحى جزء منه والشعر جزء من عبد الأمير ، وكان فلته من فلتات الدهر، فقد حفظ شعر الأولين منذ عصر ما قبل الإسلام والعصور التي تلته، وقرأ كتب التراث والتاريخ العربي والإسلامي والعراقي، وهذا ما تجده من شواهد في شعره،  فلم يحتمل المجتمع مثل هذه الفلتات ، لغلبة التخلف على التحضر، لهذا لم يكن المجتمع مستعدا لتقبل مثل هؤلاء الأشخاص ، وقد أدرك عبد الأمير هذه الحقيقة لهذا انغمر في شرب الخمر ، كما حدث لآخرين قبله، وقد تساءلت كثيرا في السنين الماضية،  هل من الممكن إن يكون هذا الغبن لهذه الأسماء المهمة ، هو حداثة رحيلها من بيننا،  وقد تظهر بعد فترة زمنية ، ولكن الزمن يمضي ولا أجد من بينهم من يهتم كثيراً بتكريم هؤلاء أو يذكر هؤلاء المبدعين ، الذين ضحوا بكل شيء من اجل الثقافة ، وقسم منهم اختلط في تفانيه  حب الوطن وقضاياه الوطنية مع حبه للآداب والفن ، فلاقى الكثير من الغبن على يد السلطات أو في الحياة الاجتماعية أمثال سليمان غزاله وأنور شاوؤل ، محمد توفيق وردي ، مصطفى نريمان ، مصطفى جمال الدين والقائمة تطول، وهذا ما يجعلني    في بعض الأحيان أفكر،  إن الأنانية والتخلف وراء المعضلة في عدم الوعي بأهمية منجز هؤلاء العظام  ، وبعض الأحيان أردها إلى إن مجتمعنا يخلو من الارستقراطي والرأسمالي المثقف ، والذي لديه استعداد للتضحية بجزء من ماله لأجل حبه للفن والآداب ، كما حدث ويحدث  في الغرب ولكن يردني في هذه المسألة ، إن كثيراً من الأصدقاء المبدعين ، وصلوا إلى مناصب رفيعة في الدولة العراقية ، ولكنهم التفتوا إلى أنفسهم وعائلاتهم وقبائلهم وأحزابهم ولم يلتفتوا إلى الآخرين ، وبالتالي قد تكون الأفكار السوداوية هي الصحيحة على هذا الأساس (الأنانية ، والأنانية المفرطة).
          وهذا يذكرني بحادثة تكشف إن النفوس الطيبة ،حال ما يسعها الحال ، تعبر عن جوهرها ،فقد عدت في زيارة لبغداد من الأردن ، عندما كنت مقاتلا في صفوف حركة المقاومة الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي ، استقبلني عبد الأمير بفرح وجرني إلى مطعم شريف وحداد في رأس جسر الأحرار من جهة شارع الرشيد ، وقلت له : عبد الأمير ما عدت اشرب ، إنا ألان قد هداني الله واصلي وأقوم بكل الفروض ، فالتفت إلى عامل المطعم ، وقال له : هات نفر كباب وقوزي على تمن ونفر كص على تمن ، فصرخت به ، عبد الأمير نحن اثنان وليس عشرة ،فقال بحماس : لا تهتم لدي نقود ، واقبض راتب (لعد اشلون أوفيك مال السنين الماضية ) فقلت له ضاحكاً : تموتني بالأكل وتخلص مني .. هذه الحادثة ، توضح مدى طيبة وكرم عبد الأمير ، وشفافية روحه وبساطة خلقه، فلم ينسى الأيام التي كنت اصرف فيها عليه، أو عندما حاولت إن اجعله يخفف من الشرب فأسكنته معي في السرداب الذي كنت قد أستا جرته في الحيرخانة، ولكنني في يوم ما عدت عن طريق الفروع من شارع الرشيد قرب مقهى حسن عجمي إلى الغرفة، فقابلت عبد الأمير وعبد الله حسن وهما يتأبطان مجموعة من الكتب وتفاجأ وعرفت أن هذه كتبي، وسألتهما إلى أين بكتبي ؟، فتلعثما وقالا : نريد إن نكتب بحث وهذه المصادر، فقلت لهما أعيدا الكتب وسوف أعطيكم المال لتشربا، وبعدها قلت له عبد الأمير لا فائدة أبحث لك عن مكان، وانأ متأكد انه لو تسلم منصباً أو حصل على مال كثير لما تورع في تذكر الحاضرين والغائبين ، كان لقاء شريف وحداد في سبعينيات القرن الماضي هو أخر لقاء بيننا ، إذ سافرت ولما عدت ، عرفت انه قد مات ، ولم يكن في وداعه في الطب العدلي ، إلا ثمانية أصدقاء ، وفي وداعه عند القبر في النجف أيضا بضعة أصدقاء . ومنهم سعدي يوسف وعبد المنعم حمندي ورزاق حسن ورياض قاسم وجمعه اللامي ونزار عباس ومنعم حسن وحسن العلوي وخليل الاسدي وياسين النصير وصباح التميمي وجليل حيدر ونايف السامرائي ويوسف نمر ذياب وكان النحات منقذ شريده قد صب قناع لوجهه وقرأ الشاعر الرائع سعدي يوسف قصيدة إمام قبره.    إما جواد سليم ذلك الفنان الرائع عاش بنفس البساطة التي عاشها عبد الأمير مع الفارق ، إن جواد سليم ابن مدينة بغداد وابن عوائلها الارستقراطية، وعلى الرغم من تمرده في رفض التقوقع داخل الحياة البرجوازية،  فكان يركب الدراجة ويلبس البلوز والبنطلون ويحتذي النعال ويجلس مع البسطاء في مقاهي السبع إبكار والكريعات على ضفاف نهر دجلة ، وكان من بساطته إن تعلق به بسطاء الناس وأحبوه ، وأحبه طلبته بعيداً عن عيون الحسد والكبرياء والغطرسة الفارغة،  كان جواد وعبد الأمير من طين واحد ولكن بلونين ومكانين مختلفين ، لكن يجمعهم حبهم للوطن ولامتهم وشعبهم وثقافتهم أكثر من حبهم لأنفسهم وأدرآن الحسد والكبرياء الفارغة ، فأنتجوا إعمالا عظيمة كلُ في نسقه.                                           
ما بين شعر عبد الأمير الحصيري ونحت جواد سليم..
       أن من يقرأ شعر عبد الأمير الحصيري وينظر إلى لوحات ومنحوتات جواد سليم، سيدرك مباشرة أن هناك قضية مشتركة تجمع هذان الفنانان الرائعان، كما جمعت الكثير من الأدباء والفنانين العراقيين في تلك الفترة، في اندماجهم مع نضال أبناء العراق لبناء وطن متطور يفتخر به، لاعتزازهم ببلدهم العريق سليل حضارات ضاربة في القدم، الذي قدم الكثير للبشرية، من هذا الإحساس بعظمة الموروث العراقي كان الهاجس الذي يتمحور حوله اشتغالات الأدباء والفنانين العراقيين والمثقفين بشكل عام وجواد سليم وعبد الأمير الحصيري بشكل خاص في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي،  ولم تكن قصيدة يا  (باسل الحزن )، محض قصيدة شعرية قيلت في مناسبة، أنها تمتلك الروح التي تجدها شاخصة في نصب الحرية وفي أغلب أعمال جواد سليم، أن في أعمالهما قضية مهمة ما بين الذاتي والجمعي، فالشاعر عبد الأمير الحصيري ينطلق من الذاتي إلى الموضوعي، من الشخصي إلى الجمعي، وهو ما نجده مطبوع في أعمال جواد سليم، لهذا نجد شعر الحصيري مشحون بالأسى والتوجع من اجل الإنسان والوطن، وعلى ما فات وما يطمح أن يصير، ويتعالق مع تمرده الجواني ضد الواقع من خلال القصيدة، بإيجاد الشخوص والموضوعات والرموز التاريخية والوطنية التي يتمثل فيها هذا الحراك الداخلي، والموضوعات التي يتحدث عنها، وسنجد ما يوازيها في بحث الفنان جواد سليم في أعماله، وبالذات نصب الحرية…
يا سليل الشمس ،يا موطني        المرتدي ثوب الربيع  القشب
يا سلسال ” فرات ”   غدق         لسوى  ثغر العدى لم  ينضب
وابن  ريا ” دجلة ” منسكب         يا لسجايا   الزمان    الحدب
وأبن مجد أرج  صاغت له       ” بابل ” في الكوى أسمى منصب (1)
                                                                                                                                    والرموز التي استخدمها عبد الأمير الحصيري في شعره بشكل وآخر وبالعكس، في تمجيد الإنسان العراقي والحضارة العراقية، بتاريخها السومري والبابلي والأشوري، تتوافق مع البحث الذي عمل عليه جواد سليم، وهنا تكمن القضية التي تتوافق في البناء الفني بين المبدعين العراقيين بشكل عام وبين جواد وعبد الأمير، أن الشروط الإبداعية التي كان يعمل بها الفنان جواد سليم جعلته بتلاصق مع الإنسان في حياته، وكان نضاله من اجل الإنسان يتلخص في نقل حالة هذا الإنسان وواقعه الذي كان يرفضه ويناضل من أجل تغييره نحو الأفضل عبر أداته الفن، وفي هذا يقول عباس الصراف، } فالرجل في اغلب منحوتاته، رمز الألم والعذاب والمأساة، فهو مملوك ذليل يسير في ركب،(موكب ملك آشوري1942)، وهو شبح محنط في،(البناء1945)، وهو حيوان ملاصق للثور يحرث الأرض في،(الإنسان والأرض 1950)، وهو آلة عضلية ترفع الإثقال في(العامل 1953)، وهو البليد القانع بزمالة كلب في الريف(1954)،{ “(2) هذه الإيحاءات الرمزية التي يذكرها عباس الصراف عن أعمال جواد سليم في فكره ونقلها كموضوعات في إعماله ، وكما يقول في موضع آخر في كتابه جواد سليم، ( أن موضوعات جواد في الرسم والنحت مدارها الدراما ألإنسانية)، (ص91)، فنجد هذا المنحى الإنساني للنضال من اجل الإنسان ومتابعة المأساة التي يعيشها، في جملة إعماله التي صاغها ،   وهو الصدى الذي يتردد في شعر عبد الأمير:
” وأنشُر قلبي راية
ترتلُ أحلام شعبي
وأعبرُ ليل السجون بجسر السلاسل
                          أعبر نار رؤى الفاتحين
أنا ” عروة الورد ”                                شيخ صعاليك أزمنة الأرض.                           رمز بطولة هذا الزمان                              المكلل بالنار . ،
                          رمز الجبابرة الكادحين !! (3)
                                            
       أن اتخاذ الرموز وبناء العلاقة بين الماضي والحاضر، مثلت أغلب إعمال الفنانين والأدباء في تلك الفترة، فقد حدثت هذه الانعطافة التاريخية، في بلورة المفاهيم والمنطلقات الفكرية والإبداعية، على النحو الذي يجعل من الماضي والتراث منطلق للحداثة، لا الركون والتوقف على ما مضى، ومن يقرأ البيان الأول لجماعة الفن الحديث يدرك الفهم الحداثوي للتواصل، ( أنهم لا يغفلون عن ارتباطهم الفكري والأسلوبي بالتطور الفني السائد في العالم، ولكنهم في الوقت نفسه يبغون خلق أشكال تضفي على الفن العراقي طابعاً خاصاً وشخصية مميزة ) (4).
       وكذا نجد هذه الروح التواقة لرؤية الوطن والإنسان في اعلي مراتبها، وهما وأن يظهرا البؤس والتغني تارة والتوجع تارة أخرى، في مناجاة الوطن والإنسان، واستحضار التاريخ للتذكر، لأنهما كانا يتوقان إلى تغيير هذه الصورة المأساوية، فكما نجد هذه الاستحضارات تتلبس أعمال جواد سليم النحتية أو الرسوم التي رسمها، ستكون قصائد عبد الأمير محمولات لهذه الأفكار:
جئت من الآتي..عبرت السنين          بيارقاً   ينسجهن  الحنين
أن  تغسل  الشمس   بأفيائها           مياه ينبوع الظلام الحزين
سهرانةُ  الأعُين   تطفو  به            كواكباً  يرقدً  فيها  الأنين
يعبرُ  شوقَ  عالم ٍ لم يَزل              في  رحم  الحرف المشظى..جنون (5)
       والسؤال الذي يطرح نفسه، هل الفترة التي عاش فيها جواد سليم وعبد الأمير الحصيري لها هذا التأثير في هذا الحراك الفكري، أم هي خاصة بهما ؟ والحقيقة أن النضال من أجل الإنسان والعراق الحر المتطور، كان يكتسب البعد الجماعي، ليس على صعيد الأدباء والفنانين وإنما لدى قطاعات كبيرة من أبناء الشعب العراقي، والروح النضالية التي كانت تطغي على مجمل الشارع العراقي، وكان لأبناء الطبقة الوسطى أو البرجوازية الصغيرة، الفعل الديناميكي في تحريك الروح الوطنية، عبر البث الثقافي الذي كانت تمارسه في مختلف الأنشطة الفكرية والفنية. وهي الروح التي صاغت الكثير من الأعمال الأدبية والفنية في تلك الفترة.
       عندما نقرأ قصيدة ( ياباسل الحزن )، يمتلكنا هذا الإحساس بالفخامة، التي توصلها الرؤية البصرية للتماثيل والنصب الآشورية من فخامة وسمو وإبراز للقوة أذا كان في الحجوم بشكل عام، أو في العضلات والقوة الجسدية للمجسدات، وما يظهره (نصب الحرية ) هو ضخامة الكتلة وحركتها الرشيقة، فعندما نبدأ في صدر البيت لقصيدة جواد النحتية، نجده قد جمع الرؤية البصرية بالرؤيا الذهنية، ونحت ليستل من مجامع الحرقة التي تشتعل في قلب كل ثائر هذا التوثب للحديث عن القهر والظلم والتخلف وما آلت له حال الأمة والشعب، ليوقفنا عبد الأمير على نفس الرؤيا التي تعتمل في داخله وتتطابق ما ذهب إليه جواد، فشعره صور متلاحقة، وكذا عمل جواد صور مرئية:
ما بالنا نكرم البؤس بصائرنا             عن غفلة فنقاسي فقد ما   نهبُ
ونستدر جفاف النجم تزكية            لمقصد من جرار الصبح   ينسكبُ
إذا اتخذنا قبور الريح أوسمة           أولد الشمس إن لم يفطن الذهبُ
ولا ستعرنا حديث الرمل تسلية          في وحشة الصبر ما دام الأسى  يثبُ
مليون عام توارت في تمردها          والكون في واحة الإسرار يضطربُ
فلو تعالت  جدار لاستراح على          إقدامه  الترب، والتآذت  به  الشهبُ
      اللغة التي يتحدث بها تحمل نفس الفخامة التي تتسم بها الكتل النحتية في( نصب الحرية)، إذ تجد خلف السرد الذي يتسلسل في الملحمة هناك فكرة ترسخت وتوضحت في المقطع الأول للنصب، وهو ما نجده في رؤية عبد الأمير الحصيري في الأبيات التي يصف فيها جواد:
جواد من صفوة فيها أبيح لها          مما تشاء من الإلهام تنتهبُ
سبع أقلت مراسيها على  ندم           فكل مرفأ على  أثارها  تعبُ
تسري ببحر عيون تستفيض على      مياهه المهج الحزنى فيصطخبُ
1- عبد الأمير الحصيري، ديوان مذكرات عروة بن الورد، دار الحرية للطباعة، بغداد. 1973،ص34.
2-عباس الصراف، جواد سليم، وزارة الإعلام، 1972. بغداد،ص88.                                                 3- عبد الأمير الحصيري. ديوان مذكرات عروة بن الورد . دار الحرية للطباعة . بغداد 1973.ص98.
4-المصدر السابق، ص96. 
5- عبد الأمير الحُصَيري. ديوان بيارق الآتين، مطابع دار الجاحظ، بغداد، 1966. ص8

شاهد أيضاً

لطيف عبد سالم: جائزة نوبل تتنفس شعرًا بمنجزِ لويز غليك

بعد تسع سنوات من غيابِ الشِّعْر عن فضاءِ جائزة نوبل للأدب، فاجأت الأكاديميَّة السويديَّة الأوساطِ …

فلسفة الكتابة عند المبدع الأديب “كامل محمود بزي”
قاسم ماضي – ديترويت

أقلام مهجرية فلسفة الكتابة عند المبدع الأديب ” كامل محمود بزي ” وهي جوهر الانتماء …

(وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)
مهدي شاكر العبيدي
أوستن / تكساس

صدر عن دار الهلال في منتصف ستينيات القرن الفائت عدد خاص من مجلتها الشَّهرية بأدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *