مهند طلال الأخرس: آلام وآمال، سيرة تُشبه صاحبها

لم نكتب حكايتنا لأننا كنا نزرع الأرض ولم نحسن الكتابة ، وعندما احسنا الكتابة غافلنا قطار العمر ورصاص الغدر، هذا ما سمعته من احدهم في وصف حالتنا الفلسطينية ، وعلى رأي محمود درويش في “طللية البروة” : “كنا طيبين وسذجا” لكن كعادة طائر الفينيق وهو عادة فلسطينية اصيلة اذ سرعان ما يستفيق وينهض ولو بعد حين ليكتب حكايته من جديد؛ لأن الارض تنتصر لاصحابها وتعشق خطواتهم، ولأن من يكتب حكايته، يرث أرض الكلام و يملك المعنى تماماً.

وإذا سلّمنا أن حياة الإنسان هي في جوهرها رحلة دائمة للبحث عن معنى، ولايوجد هناك اكثر وضوحا في تلك المعاني من ان يكون الانسان صاحب قضية ومبدا، وأن الدخول في حروب جانبية تستنزف الطاقات الكامنة يدخلنا في حلقة مفرغة من العبث لا تنتهي إلا بمزيدا من دروب العبث والتيه، وهذا الامر بحد ذاته ليس إلا منزلقاً يذهب بالانسان نحو الدرك الاسفل من النار، بحيث تنقلب البوصلة وتنحرف الرصاصة عن مسارها، وبدلا من ان تصيب العدو تصيب الصديق وتضيع الفكرة وتصبح في مهاوي الردى.

وبالتمعن اكثر حول هذا المضمون من حيث الفكرة والمبدا نجد أن مجموع ما يستطيع الإنسان، في خريف عمره، أن يرويه عن حياته ويوثّقه بشجاعة عبر الكتابة هو خلاصة ما يثق بأنه يستحق الخلود، وهذا هو جوهر الفكرة واصل المعنى تماما.

من هنا، يمكن القول إن في كتب السيرة الذاتية والمذكّرات على اختلافها وتنوعها فإنها تشكل تركة الكتّاب والشعراء وأصحاب التأثير من النخب والطلائع في شتى المجالات، فهي بمثابة المصبّ الأخير الذي جمع فيه الكاتب كل المعاني التي التقطها، فهي خلاصة حياته وحصيلة تجاربه، وكلّ ما هو مستعد لإيداعه بالذاكرة الجمعية، هذه الذاكرة التي لا تنسى ولا ترحم وتبقى عصية على النسيان.

وهذا تماما ما سعى اليه الفدائي والمناضل الفلسطيني العتيد يوسف محمد عمرو في كتابه الاثير آلام وآمال، وهو كتاب من القطع الكبير يقع على متن 270 صفحة من اصدارات دار المأمون للنشر والتوزيع في الاردن سنة 2015.

الكاتب والبطل يوسف عمرو عام ١٩٦٩ اثناء المطاردة من قبل قوات الاحتلال

الكتاب يوثق لسيرة شخصية وتجربة ثورية فريدة، وهي تجربة الكاتب والفدائي يوسف عمرو. والكتاب غني بالاحداث والوقائع التي تصلح لان تدرس كتجارب ثورية وتصلح كحالة تستحق الدراسة وكعينة بحث لذلك المقطع الزمني الذي تتناوله من عمر الثورة الفلسطينية وهو زمن العنف الثوري وزمن الطهارة الثورية وزمن العطاء بلا حدود.

الكتاب علاوة على انه سيرة شخصية فهو يندرج في سياق الذاكرة الجمعية لمسيرة النضال الفلسطيني، والواجب جمعها وتوثيقها قبل ان تغادرنا تلك الاجيال التي صنعت من العدم ثورة، ومن الانكسار انتصار، وقدمت ارواحها واعمارها رخيصة في سبيل ان تحيا فلسطين وشعبها وفي سبيل ان تبقى على السكة وان لا تخرج من دورة التاريخ.

الكتاب يوثق وبكل تجرد ونقاء بعض تفاصيل ذاكرتنا الوطنية الجمعية، والتي تتشكل من بحر كبير، بحيث تصب فيه كل تلك الشهادات والسير، كاليانبيع والجداول التي تروي ذلك النهر وتضمن جريانه الدائم وتحقيق مراده الازلي في البحث عن مكان مستقر في الذاكرة الكونية.

الكتاب يحفظ ذاكرتنا الوطنية بكل ما لها وعليها، ونحن حين نرتد إليها فإنما هي كرجعة القوس كي ينطلق السهم للأمام بشكل اصوب، ولكي يصيب الهدف بدقة أفضل.. هكذا نتعلم من مدونات تاريخنا النضالي الفلسطيني والعربي، فشكرا لكل من اسهم في حفظ وتوثيق تلك الذاكرة، والاهم الشكر الموصول بالتقدير والعرفان لمن صنع تلك التجارب واوجد لها ولنا حيزا وموطيء قدم في مكان يزدحم بالاقدام والاقوال.

الكتاب ينقسم الى ثلاث فصول:
الاول جاء تحت عنوان مرحلة ما قبل الاعتقال، اذ تضمن لمحة موجزة عن حياة الكاتب والفدائي يوسف عمرو قبل انتماءه للثورة، ثم كيفية التحاقة بحركة فتح والتدرب على السلاح في سوريا، ومن ثم العودة للاردن تمهيدا لعبور النهر باتجاه فلسطين، وبعدها الخروج الى الاردن فسوريا ثم العودة الى الاردن، كمنطلق لعبور البحر نحو الارض المحتلة.

والثاني فعنوانه مرحلة الاعتقال، ويحوي اسباب وكيفية الاعتقال، ثم مرحلة التحقيق والمحاكمة.

والثالث ويتحدث فيه عن مرحلة ما بعد التحرير والاعتقال مع الاشارة الى الصعوبات والتحديات التي واجهها الاسرى المحررون بعد تحريرهم من الاسر.

في الصفحة 21 من الكتاب وفي ختام تقديمه للكتاب يشير الكاتب الى ان ماورد في هذا الكتاب من تحليل او استنتاجات، لا يعدو كونه وجهة نظر شخصية قابلة للخطأ والصواب.

وهنا يمكن لنا التعقيب بعد مطالعة مستفيضة ومفعمة للكتاب ان الكاتب التزم بدرجة معقولة من موضوعية التوثيق والتأريخ وحافظ على جمالية السرد وبساطته ومصداقيته وكان بعيدا كل البعد عن التكلف والتنميق، وهي صفة امتاز بها الكاتب عبر صفحات الكتاب، وهذا كله دون اغفالنا ان الكاتب اثقل الكتاب بكثير من الاراء والاستشهاد بكثير من الايات والاحاديث، والتي كانت في مواضع معينة تذهب بالنص بعيدا، بحيث اصبحت فيه هذه الاستشهادات حملا زائدة وتأخذ مستوى من التنظير والحشو في غير موقعه، هذا عداك عن ان نصوص الكتاب وحكاياه على جمالها وقيمتها خدشها هذا الشطط الذي يحدث في هكذا استشهادات، والتي استمرت في العديد من صفحات الكتاب.

ومن جانب اخر فإن هذا الشطط الحاصل لم يُفقد الكتاب موضوعيته وقيمته الرفيعة، بل اضفى عليه مزيدا من المصداقية بإظهاره بعيدا كل البعد عن التكلف والصنعة والصيغ الانشائية، علاوة على انك تشعر وانت تقرأ نصوص هذا الكتاب بأنها نصوص تشبه صاحبها؛ وبأن هذه السيرة والتجارب صورة حقيقة للكاتب والفدائي، وقد تكون هذه الصفة المزدوجة اهم ما يميز كتب السيرة والمذكرات لعموم الفلسطينيين، فهي بمعظمها تجارب رائدة “ناهضة من رماد النكبة الى جمرة المقاومة” كما يقول محمود درويش.

للفدائي البطل علي ابو مليحة

وعند العودة لتفحص بعض هذه الاراء التي تظهر على صفحات الكتاب 30، 31 نجد في تلك الصفحات ما يؤيد تلك الفكرة، اذ يرد في هذه الصفحة قصة مأساوية عن حرب 1967 يتخللها تحليل غيبي عن سبب تلك المصيبة.

وفي الصفحة 33 تبدا سيرة صاحبنا بالتصاعد فيتحدث عن صديق طفولته علي ابو مليحة وهو من الرعيل الاول المؤسس لحركة فتح في الخليل اضافة للحديث عنه وعن بعض بطولاته في قادم الصفحات، ثم يختمها بالسؤال عن مصير ابو مليحة واين اختفى!

وفي هذه الصفحة ايضا يشير الكاتب الى علاقته مع سلطان التميمي الملقب بحمدي، وهذا ايضا من القادة الافذاذ الذين مازال الرفاق والمناضلين واصحاب الاقلام مقصرين في حقه وفي توثيق سيرته على غناها وتنوعها وتعقيدات خيوطها وتشابكها.

وتتابع الاحداث بسرعة واقتضاب فيتم التطرق لبعض الاسماء المؤثرة والمشهورة بعطائها وتضحياتها في تلك المنطقة، كيوسف شديد وعلي ربعي وباجس ابو عطوان ويوسف العواودة وابراهيم خليل سالم ومصطفى عقيل الرابيع.
في الصفحة 42-43 وتحت عنوان مغادرة الارض المحتلة الى الاردن يورد الكاتب اول تلك الدروس والتجارب والمواقف التي يجب ان تبقى عالقة في الذاكرة، وتصلح لان تدرس وان تورث للاجيال القادمة.

وفي الصفحة 46-49 يتصاعد رتم الكاتب والكتاب فيغوص بنا الى اجمل تلك القصص والحكايا من ذلك الزمن الجميل تحت عنوان العودة الى الاردن وهي مجموعة احداث تستحق ان تنضم الى مجموعة التجارب الثورية التي تدرس، ولا يفوتنا في هذا الفصل دون التطرق الى معلومة هامة جدا تتعلق باول سعودي التحق بصفوف الثورة الفلسطينية وهو غانم القحطاني بالاضافة الى الحديث عن العمليات الوهمية والتبرير الذي اورده محجوب عمر في معرض رده على عصبية صاحبنا وغضبه الناجمة عن تلك الحادثة .

وعلى ظهر الصفحات 51-53 مازالت الاحداث والتجارب الناصعة والتي تستحق ان تدرس وان تحفظ في الذاكرة تتوالى فيتحدث الكاتب عن ظروف تشكيل دورية للارض المحتلة والتحاق غانم القحطاني بها والمعيقات التي اعترضته واصراره في النهاية على خوض غمار عملية فداىية اخرى واعتقاله فيها الى ان تم تحريره بعد حرب 1973بطلب من الملك فيصل شخصيا.

البطل يوسف عمرو في صورة حديثة عند التقاعد

ويستمر الحال وتتصاعد تلك النشوة التي يسببها الكتاب للقاريء على ظهر الصفحات 54-55، فيتحدث الكاتب عن تجارب جديدة تحت عنوان اعلان الاستنفار العام في جنوب الاردن، وعن احياء ليلة القدر في الكرك والاحداث المرافقة لذلك، وصولا للحديث عن اول دورية لفتح تعبر البحر الميت ص59.

ومن عند الصفحة 65 يتناول الكاتب الحديث عن انواع القواعد في الارض المحتلة، وفي الصفحة 68 يتناول الكاتب قصة استشهاد اخيه، ومن ثم يتحدث في الصفحة 74 عن انتقال بعض افراد المجموعة الى منطقة نابلس. ومن ثم يتحدث سريعا عن دور النساء في المقاومة ص 76 ويتبعها بالحديث بشكل مقتضب في الصفحة 79 عن اشبال فلسطين ويلحقها مباشرة بالحديث عن خلية صوريف في الصفحة 81.
يعود الكاتب من عند الصفحة 84-95 الى سرد السيرة الثورية المليئة بالاحداث والتجارب والتي تستحق القراءة والتقدير كحصار منطقة كنار وانقاذ حياة مجاهد وحصار منطقة العابد وحصار الطبقة وحصار شمال الخليل وغيرها من احداث كجهود المجموعة لاستفزاز العدو وتشتيت جهوده وغيرها.
في الصفحة 96-98 وتحت عنوان مواجهة العملاء قبل الاسر، يروي المناضل والكاتب يوسف عمرو كثير من الحكايات والقصص المتعلقة بطرق التعامل مع العملاء والقاء القبض عليهم والتحقيق معهم والتي تصلح كلها كدروس تتناقلها الاجيال وتتعلم منها الامم.

في الصفحة 99-104 يتحدث الكاتب وبالتفصيل عن عملية نوعية في نهاية 1969 وتستحق هذه العملية النوعية تسليط الضوء عليها واضافتها الى سجل عمليات الثورة الناصعة والمميزة.

لا ينفك الكاتب في الصفحات اللاحقة للكتاب عن التركيز على الجانب الخلقي والمسلكي للثائر، بل ويحض عليه ويجابه من يحيد عن هذا الخط او يخطء ويسيء للثورة ونهجها، وتنتهي هذه المرحلة وهذا الفصل عند الصفحة 112.

في الفصل الثاني يتحدث الكاتب عن مرحلة الاعتقال فيتحدث اسباب اعتقاله وكيفيته في حادثة مروعة تستحق الوقوف على تفاصيلها وخاصة قصة القنابل المعطوبة ومن اين جاء بها وكيفية تبديلها، ثم يتحدث عن مرحلة التحقيق ومن ثم محاكمته، ويكمل الحديث في هذا الفصل عن ظروف الاعتقال والتحديات التي يواجهها الاسرى، ويختمها عند الصفحة
147- 152 بالحديث عن صراعه وتحديه لمدير السجن والاحداث المرافقة لذلك وهي قصة تستحق ان تدرس، وبها استطاع الحج يوسف عمرو ان يقدم لنا صورة الفدائي النموذج والذي نحب ونعشق، ويختم عند الحديث عن محاولته الهروب من السجن ورسالته لابوجهاد عن اوضاعهم في المعتقلات.

عند الصفحة 178 وحتى الصفحة 254 تبدا الزيادات والحشوات في الكتاب والتي كان بالامكان ازاحتها جانبا وعدم تصمينها للكتاب للابقاء على الكتاب ورونقه وبغية المحافظة عليه كوثيقة يجب ان تحفظ للتاريخ، لأن الحياة ليست ما نعيشه بل ما نتذكره ونرويه ونُحسن حفظه وتوثيقه، وهذا ما قاله وذهب اليه ماركيز في كتابه الجميل عشت لاروي.

صورة عام ١٩٦٨ ليوسف عمرو قبل النزول في عملية فدائية”دورية” الى الارض المحتلة

وعلى العموم هذه الملاحظات على اهميتها إلا انها لاتنقص من قيمة الكتاب، بل على العكس فهذه الملاحظات تحفيز وتوجيه لكل صاحب تجربة لكي يتجنب تلك المطبات عند توثيق السيرة الشخصية ولا سيما تلك السيرة المتعلقة بالسيرة الجمعية لاي شعب واي امة.

هذا الكتاب بما فيه من شهادات وتجارب تشكل وثيقة هامة يجب ان تحفظ وتدرس وسفر جديد يضاف الى التغريبة الفلسطينية، وستتناقلها الاجيال وريثة الحلم والامل جيلا بعد جيل.

من هنا، يمكن القول إن في كتب السيرة الذاتية والمذكّرات عموما ما يمكن ان نسميه تركة الكتّاب والشعراء وأصحاب التأثير من النخب والطلائع، فهي بمثابة المصبّ الأخير والحضن الدافيء الذي يجمع فيه الكاتب كل المعاني التي التقطها في خلاصة حياته، واودع فيها كلّ ما هو مستعد لإيداعه بالذاكرة الجمعية، هذه الذاكرة التي لا تنسى ولا ترحم ولا تبقي ولا تذر.

بقي ان نقول ان هذا الكتاب بحجم وكم التجارب والدروس الوارد فيه يستحق ان يعتلي رفوف مكتباتنا بجدارة، فهي بحق سيرة تُشبه صاحبها، هذا عداك عن كمية السعادة والفرح التي تتسبب بها عند انتهائك من قراءتها، وهذه دعوة صريحة لامتلاك ذلك الكتاب، وللتزود بكل اسباب الفرح والنصر التي تتسبب فيها كلمات ذلك الكتاب وحروفه، الكثيرة الالم والغنية بالامل.

شاهد أيضاً

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

توظيف التراث في رواية (قرد من مراكش ) للروائي مصطفى القرنة
بقلم الناقد/ محمد رمضان الجبور/ الأردن

استطاع الروائي مصطفى القرنة أن يجعل لنفسه لوناً يميزه عن الأخرين فكتب العديد من الروايات …

رواء الجصاني: الجواهري في لبنان، وعنه: إفتتـانٌ وشعـرٌ.. ومصاهرة!

تناقل العديد من وسائل الاعلام، في الايام الثلاثة الماضية، ابياتَ شعـرٍ عن المأساة اللبنانية الاخيرة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *