بين نوري مصطفى بهجت ومحمد غني حكمت..النصب الذي لم يرَ النور (ملف/5)

في شهر تموز من عام 1971, كان الدكتور نوري مصطفى بهجت آنذاك مديرا لمركز التأهيل الطبي , إذ قدم بدوره تقريرا إلى وزير الصحة مطالبا فيه الموافقة على إنشاء مركز متطور للتأهيل ورعاية المعوقين في بغداد طبقا للمعايير الدولية,

حصل ذلك بعد زيارة ودراسة موقعيه إلى 60 من مراكز مؤسسات التأهيل والعلاج الطبيعي ومصحات المياه المعدنية في أربعة دول أوربية استغرقت ستة أسابيع. وقد حضي التقرير حينذاك على موافقة وزارة الصحة ومجلس التخطيط على إنشاء المركز الجديد للتأهيل الطبي في بغداد. جرت حينذاك دراسة أولية ووضعت التصاميم الأساسية والخرائط من جانب وزارة الأشغال والإسكان التي كلفت رئيس المهندسين المعماريين مهدي الحسني لأخذ مسؤولية هذا العمل على عاتقه.
تم الحصول على ارض واسعة في صدر القناة بمساحة 24 دونم بعد جهود شخصية مضنية و متواصلة . وفي عام 1974 جرى حفل إرساء الحجر الأساس للمشروع وبرعاية وزير الصحة آنذاك . وكان الغرض من الإصرار على الحصول على مثل تلك المساحة الواسعة من الأرض هو الأمل في توسع الخدمات التأهيلية مستقبلا ليتسنى تأسيس ولأول مرة في القطر (مؤسسة تأهيل ورعاية المعوقين ) بشكل كامل شاملة جميع شرائح العوق وليس العوق الفيزيائي , وعلى أن تكون تلك المؤسسة تحت إدارة ممثلين من الوزارات المعنية , وزارة العمل والشؤون الاجتماعية و وزارة التربية والتعليم و وزارة الصحة, وبذلك يحظى المعوق بالخدمات الصحية والاجتماعية والفكرية و يتسنى إدماج اكبر عدد ممكن من ذوي الحاجات الخاصة بالمجتمع العراقي. تم انجاز المرحلة الأولى من تشييد المركز المتضمنة مبنى العيادة الخارجية ومصنع الأطراف والمساند والمسبح الصحي المتطور ولا ول مرة من نوعه في العراق, وتم إشغالها في عام 1983 . استمر العمل في المرحلة الثانية التي تشمل على المستشفى ذات ال220 سرير المخصصة إلى المرضى التي تتطلب حالتهم الرقود لغرض عمليات التأهيل . تم استلام كافة مستلزمات المستشفى مع أسرتها التي أودعت إلى مخازن المركز وحصلت على كتاب شكر من وزارة الصحة على انجاز مهمة الاستيراد, كما تم استلام أثاث كافة المرافق الضرورية لتأهيل المرضى الراقدين التي شملت على تأثيث كافة متطلبات المستشفى ذات ال230 سرير, تأثيث مطعم خاص للمرضى يصلونه بواسطة الكراسي المتحركة , مكتبة خاصة للمرضى الراقدين وقاعة العاب لهم, دار حضانة , قاعة حلاقة, مركز بريد, مركز الهدايا و الزهور, قاعة مسرح ترفيهي متكامل مع جميع ملحقاته يسع الى200 متفرج الخ.
في تلك الأيام وعند ملاحظة الأعمال الجدارية الفنية في مدخل مدينة الطب والتي قام بعملها الفنان المعروف محمد غني حكمت, هرع الدكتور نوري مصطفى بهجت إليه خاصة وانه كان زميلا له في معهد وكلية الفنون الجميلة حيث عمل الدكتور نوري هناك محاضرا لدروس التشريح الفني لطلاب الفن التشكيلي والنحاتين, طلب منه انجاز نصب ثلاثي الأبعاد يمثل رعاية بلدنا العراق لمعوقيه ليوضع في مدخل المركز تأكيدا على الاهتمام الجاد بهذه الشريحة . وخلال عدد من اللقاءات استوعب تماما عمق المعاني المطلوب التعبير عنها . وخلال مدة قصيرة أنجز نموذجا صغيرا ( ماكيت) من الطين ربما بأبعاد 30 سنتمتر على أساس ارتفاع النصب سيكون 3 أمتار عدا القاعدة. يمثل هذا النصب, فتاة في وضع الوقوف لتعبر عن العراق الأم, الساق اليمنى ممتدة إلى الأمام وكذلك الصدر, الذراعين ممتدة نحو الجانبين والخلف والأسفل, تتدلى من الذراعين أنسجة الأردان إلى الأسفل والخلف حتى الأرض, يلتصق على اردنة العراق الام من الجانبين مختلف شرائح معوقي البلد.لا يمكن لأي نصب أن يتوصل إلى عمق المعاني والإبداع الذي ظهر في هذا النصب. شاهد الدكتور نوري مصطفى بهجت نموذج هذا النصب ( الماكيت ) في وزارة الأشغال والإسكان وجرى حينذاك التداول حول تكليف عمله التي كانت على ما يتذكر 48 ألف دينار , ولأي سبب ما لم يتم انجازه. وفي عام 1984 ويقول الدكتور مصطفى بهجت: ((ارتأيت أن احصل على هذا الماكيت الصغير لأتبارك فيه واضعه في مدخل العيادة الخارجية للمركز, إلا إني لم أجد له أثر في المكان الذي كان فيه وقد غاب عن الأنظار , وهكذا فان النصب العظيم هذا ذو المعاني العميقة لم يرى النور, وكذلك الحال بالنسبة إلى النموذج الصغير, وكذلك بالنسبة إلى المرحلة الثانية لمركز التأهيل وحتى اليوم)).

عن موقع الحوار المتمدن

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *