داود الربيعي: ملابسات الذاكرة (ملف/34)

إشارة:
جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل في تاريخ الأدب العراقي عموما. فهي لم تكن “الجماعة القصصية” الأولى في تاريخ العراق فقط بل كانت مشروعاً تثويرياً في النظرة إلى دور السرد خصوصا في واحدة من أخطر المراحل التي عاشها العراق بانعكاساتها الهائلة على رؤية الأديب ورؤاه. اقتنصت هذه الجماعة الإمكانية العظيمة لفعل الكلمة المقاوم حبن ترتدي أثواب الفن الباهرة فيمكنها أن تكون ماسة تلمع وتقطع في الوقت نفسه. وإذ تنشر أسرة موقع الناقد العراقي تراث هذه الجماعة وما كُتب عنها فلأنها “ظاهرة” تستحق الدراسة لاستنباط دروسها. تحية لجماعة البصرة أواخر القرن العشرين. ويهم أسرة الموقع أن تتوجّه بفائق الشكر والامتنان إلى الأديب الأستاذ “محمد عبد حسن” مؤرّخ هذه المجموعة وواحد من المساهمين المهمين فيها لأنّه زوّد الموقع بأغلب نصوص هذا الملف.

حملتُ عدتي، وسرتُ تابعاً خطى الولد الذي كان يسير بمحاذاتي تاركين لأقدامنا وقع خطاها، مطبقين بصمت عبر الطريق المؤدية إلى الدار التي قبلتُ الاتفاق على طلسها.
البيوت المترامية، المتشابهة، عبر الأزقة الملتوية، التي تقود إلى تعرجات وانخفاضات وصعود سلالم. هذا ما أكد لي أن الحوش لم يكن إلا من تلك البيوت الخشبية القديمة. تيّقنتُ أنني سوف أدخلُ داراً متعبة ً في طلائها لما سوف تترك على جدرانها تقاسيم السنين وتآكلات الأرضة، وما تركه النزلاء المتعاقبين لسكنته، إذ أنّ الأزقة الضيقة المبلطة بالإسفلت، كانت عبارة عن لوحة لا نهاية لها، مملوءة بما يتركه الصغار من الكتابة والرسومات وشخبطات الفتيات الصغيرات.
كما دلفنا تلك الدور، متخطين دربونة إثر دربونة، تارة ً يكون الولدُ بمحاذاتي تماماً ثم يسبقني بعدّة خطوات، رغم أن عدتي لم تكن ثقيلة لما تحتويه من عدد ٍ قليلة/ فرش كبيرة وصغيرة/ سطل فارغ تركتُ الأصباغ في محيطه الخارجي امتزاج ألوانها التي راحتْ تشكل مع بدلتي كقالب غير متجزئ.
دخلنا فرعاً محاذياً ببيوت وواجهات من الخشب المنقوش، والذي أتلفته الشمس منذ زمان. أشرع الولد بالمضي لدخول تلك الدار المميزة عن بقية تلك الدور المتسلسلة في طراز واحد. وكعادتي أزلتُ عدتي منتظراً قدومه من داخل الدار والاستئذان لي بالدخول.
لعلني وأنا في هذه المدينة قد ألفتُ بيوتها، وأزقتها، وشوارعها الداخلية والمحتضنة الأحياء المتشابهة والتي جعلتني أدخلُ دوّامة ً من الأفكار المختلطة لمآلفة المكان، وكأنه مكان احتضنني في يوم ما حتى بتُّ رهين دواخلها.
لم تزرعْ عندي لحظة الاندهاش في طرازها من الداخل لكن هذه الدار التي انتصبت دقائق عند بابها، جعلتني أتأملها، وأتفحصها من أعماقي إذ لم يكن تفكيري بها مجرد نزوة عابرة أدهشتني، ولا من قبيل المصادفة أن أرمي عصارة جهدي بالتفكير وتأملي من أجل التشبث من أول وهلة كشيء رماني في عقر رأسي لأن أفز بكل كياني تاركاً كل ما حولي يمر بسلام.
يا إلهي؟ ما الذي أثارني لهذا الحد ووضعني بحيرة مما أنا فيه؟ هذه الدار لم تكن غريبة علي. تبادر هذا الإحساس بادئ الأمر، ولكون هذه الدار لم تكن غريبة علي، إذن، كيف تراني أعيد بذاكرتي لأن أطوقها لترشدني إلى تلك الحصيلة النهائية المعروفة بسبب تعلقي وانشغالي من أول خطوة بذاتها من بوابة الدار. كان الباب قديماً، مشابهاً لجميع البيوت المبنية على هذا الطراز بضخامته، وهيئته، ولم يكن هناك ما يجعلني أشعر أنه باب عادي مثل تلك الأبواب التي أدخلها بشكل عادي. ذلك ما تفرضه مهنتي في طلاء الدور. إلا أن ما شدني لأول وهلة أن هناك بعض الأشياء التي حفزت فيّ التمعن والغور بعيداً لإيجاد سبب تركيزي حينما داهمني ذلك الباب بكتلته وانزواء الود بداخله والذي جاءني بهذه اللحظة ليأذن لي بالدخول. حملتُ عدتي ومضيتُ إلى الداخل لأتمم السلام بشفاه ٍ لا تتحرك كتوصية من كتابة ٍ تركت على خشب الباب. هذا ما ترك عندي من شعور ٍ من أنني ربما قرأت السلام المعد سلفاً، كأنني في حلم قد رأيتهُ عدة مرات وهذا ما يحدث عفوياً في بعض الأحيان أو ربما تشابهات البيوت ومداخلها وأبوابها والتي غرقت بجغرافيتها من خلال كل عملي هو الذي أصبح يقودني أن أخلق التشابهات، وأقرر في البداية أن بيوتاً مهما اختلفت في تصاميمها تبدو متشابهة. لكن ذلك يقودني إلى خطأ فادح وهو لا يتعدى محدودية فهمي وتركيزي على أشياء تشدني. شجرة السدر مثلاً التي في منتصف الدار والتي جلستُ تحتها مباشرة ً واضعاً عدتي مفرغاً محتوياتها، فرش متنوعة/ قاشطات/ مكنسة وأشياء أخرى، بمحاذاة مجموعة من علب الأصباغ المملوءة والمتروكة منذ مدة هنا. تلك الشجرة أثارت بي الدهشة إذ أنّ الباب فتحَ لي شطحات من الأسئلة المبهمة تركت ورائي رأس يدور في فلكه لمعرفة ما جعلني أركز في تداعياتي لما يشبه الدوران في الفراغ أكثر مما سأعتلي قاعدتي بادئاً بالطلس. تلك الشجرة التي بدأت أدور في فلكها سابحاً بين أوراقها المتناثرة التي غطت سماء الدار تقريباً بعمرها الذي جاوز عمر البناء.
كان البيت هادئاً، ساكناً، أتخيله دون بشر. ربما لا أحد فيه لأن وجودي بين ظلاله مشوار من الوقت، أعد طبخة الطلاء، والذي قادني إلى صنبور الماء المتواجد جنب الشجرة، متمعناً عند وقوفي وحركتي في كل أنحاء الدار محدقاً بالغرف المتراصة والأعمدة الخشبية وتلك الأبواب المغلقة، إلا من غرفة واحدة لمحتُ من فتحة ِ بابها ذلك الولد الذي اختبأ في داخلها.
بدأتُ الطلسَ، بعد أن اتخذتُ من الزاوية اليمنى للجدار الذي يضمُّ في استقامته بعض الغرف بشبابيكها المغلقة بورق الجرائد، وقد أسندت قدميّ على سير من الخشب ركّز على برميلين فارغين يتسع لي أن أتمشى وبيدي فرشتي لأقوم بعملي بسهولة. فقد بدأتُ أضرب فرشاتي على الجدار تاركاً اللون الجديد يمحى آثار البقع والنتوءات الممعجنة، ويترك على الحائط لمعاناً كنتُ أتحرك بإتقان مهيمناً على زاوية كبيرة من الجدار، متخذاً وضعاً وضربات شبه عمودية بالفرشاة. لم يكن هناك صوت منبعث غير ضربات الفرشاة وأزيز البرميلين المتولد من ثقلي وارتكازي عليهما.. وأنا أقترب رويداً، رويداً نحو يسار الحائط إذ داهمتني تلك الخيول بأرجلها النحيفة الكثيرة والتي بدت متشابكة كأخطبوط ملتو على نفسه. فقد كانت الفرشاة لا تستقر عند حدّها، بل تتعدى، حدود تلك الرسومات الهائلة التي قطعتُ بها شوطاً أمحى تواجدها المزمن وبقعها المسودة على طول الجدار. وقد لاحظتُ نفسي أنني ألعب لعبة التداخل مع تلك المتروكات التي ولدتها أنامل الصغار المهرة الذين خلدوها في ذلك الجدار الصامت. كانت حركتي بطيئة، أحستُ أنني أعيد ضربات الفرشاة عشرات المرات مثل تلك الصور المتعلقة دوماً في ذاكرتي. لقد انمحت الخيول تماماً وأصبحت أمام الفتيات بشعرهنّ المسترسل الطويل تُرى؟ ما الذي .. يستفزني بهذا الخليط من الخربشات التي تبدو متروكة من سالف الأزمنة؟؟؟ كنتُ أتداعى صور هائلة تأتيني لحظة واحدة أمعن فيها وأجدُ نفسي أنا لصيق هذي الدار أو جزءً منها.
تلك الغابة المتروكة، الصامتة، والمنزوية تحت ظلال الرواق الضيق الذي يحصر الغرف المتراصة تبدو مستكينة، متصلبة، متحجرة، بفعل الصمت المطبق بكلية المكان، أو لعله قبرٌ تلفه الوحشة؟ كان الولد يضيع في غياهبه السرية. أتخيل ذلك وراء صمتي وحركتي البطيئة، وأنا أقذف بطلائي عبر فرشاتي لأسدّ أفواه الأفاعي الملتهبة والطيور التي بدت بأجنحة هائلة، والمناقير والرؤوس، وتداخلات الخطوط المتعرجة بخطوط لامتساوية، مستقيمة، منحنية، أسماك بلا زعانف ابتدعتها يدُ طفل ٍ، جراء منبعجة تشقُّ طريقها إلى تلك الغابة وذلك الهمس الذي بدا لي لهاثه عبر زمان التواصل المتصل بالأزمنة المغبرة التي عشش غبارها في سقوف الجدران.. صوتُ الولد وهمس امرأة.. امرأة تبدو كأنها نائمة في قبرها، تأتي حشرجة صوتها الهادئ، المتلكئ، الحزين وهي تغطي سنينها بثوب الموت، كأنها تحاول أن تودّع الدنيا. كان يدور بينهما جدال كأنه تصفية حسابات ما تبقى لهما. يأتي صوت الولد هامساً، يطويه التساؤل العميق، وهو يحشر رأسه في صندوق خشبي عتيق، يبحث عن شيء ما أو يستخرج تراث ماض سحيق. لا أعرف عمّا كان يبحث؟
كنتُ مشدوداً إلى سطل الطلاء أتقدم خطوة، خطوة حتى الباب الذي كان مفتوحاً تدخله شحنة الحياة ولولاها كل المكان مطبق في الصمت.
عدتُ ثانية ً تحت شجرة السدر المُّ شتات عدتي، محدقاً بالجدار الذي تلوّن بلون الحياة. تلاشت الغابة، بحيواناتها، تقهقرت النتوءات والمسامات والخطوط المتعرجة وفقاعات الرطوبة والأملاح وتكلسات الزوايا. كانت الشجرة ضخمة لحدّ أنها أخذت مساحة الفضاء كله. تدلّى من أغصانها قفصٌ معلقٌ دون طير. قفصٌ متيبسٌ فوق جريدة الذروق المتيبس لآلاف السنين هكذا يبدو؟؟ سحبتني ذاكرتي إلى فضاءاتها ، إلى دواخلها. كان يعتريني شيءٌ ما، شيءٌ جعلني طيلة الصباح الذي بدأتُ فيه عملي حتى هذه الساعة من الأصيل أدور وأدور حتى اقتربت تلك اللحظة التي ظهر فيها الولد قادماً من داخل قمقمه… ذلك الولد الذي تأملته بعينين ينمان عن ذكريات قد أصل إلى مبتغاي لأجل معرفة ما الذي يدور في رأسي؟؟ يا إلهي..؟ إنها شطحات لا أكثر. بذلك حينما اقترب مني طاف في ذاكرتي وبدا يسترجع في مخيلتي ثم بادرته حتى يتأكد حسن ظني.
– ما اسمك أيها الولد؟؟
فأجابني بخجله الجنوبي.. علي..!!
جال بذاكرتي. تمعّنتُ اللحظة التي كنتُ فيها.. هي نزوة على ما يبدو نزوة القراءات المربوطة بأحلام اليقظة.
فتح لي طلسمه الذي أوقعني في شراك التفكير لأسحب تلكم الصور التي ابتدأتُ عند أول دخولي الدار قراءتي السلام، ورؤية ما خلّفته الأكفّ على تلك الجدران حتى أيقنتُ من أنني كنتُ سارحاً في المملكة السوداء لا أكثر..؟؟

آب 1994

شاهد أيضاً

قصيــدة وطـن رائية العرب
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي (ملف/14)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

سيميائية الخطاب والصورة في لوحة شناشيل إبنة الچلبي، تجسيد الفنان التشكيلي صالح كريم
إعداد: د. خلود جبار (ملف/15)

لم تكن علاقة الفنان التشكيلي صالح كريم بالشعر علاقة عابرة بل إن القصيدة واللوحة نافذتان …

حسين عبد اللطيف: شاعر على الطرقات يرقب المارّة
سعد جاسم (ملف/30)

ذات مساء تموزي ساخن،غادرنا الى فردوس الابدية الشاعر الجنوبي حسين عبد اللطيف ، وكان ذلك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *