مهند طلال الأخرس: كيف تُخَلَّدُ الاسماء؟ دلال المغربي نموذجاً

صورة الكاتب وبجانبه خالد ابو اصبع احد ابطال عملية دلال المغربي ومع ثلة من ابناء الشبيبة الفتحاوية

لأن الشهداء أخلد الاسماء -كما يقول فيكتور هيغو- تبقى اسمائهم وذكرياتهم وما قدموه وانجزوه عالقة في الاذهان ومحط فخر وتقدير كبير من قبل مختلف الشعوب والامم، وتبقى سيرتهم واسمائهم على الدوام تضيء عتمة الذاكرة مهما تقدم العمر وطال الزمن.

فلا عجب ان تمتليء الاوطان بأسماء الشهداء، فهي اسماء لا تموت، ولا عجب ان تفتخر الصبايا بأنهن يحملنّ اجمل الاسماء (فلسطين، ثورة، تحرير، نضال، جهاد، انتصار) الى ان جائت دلال واقامت جمهوريتها فأضافت اسما جديدا لاجمل واروع الاسماء الفلسطينية الناهضة دوما من رماد النكبة الى جمرة المقاومة، فتلك الاسماء على الدوام كانت ولا زالت ترعبهم وتقض مضاجعهم، تلك الاسماء استطاعت ان تبقى وتدوم وان تصبح كوشم الخلود العصي على المحي والمقاوم للنسيان.

ولم يقف الامر عند هذا الحد وحسب؛ فحتى الشوارع والميادين والمدارس والساحات والمراكز الثقافية والاجتماعية والرياضية والقاعات المختلفة والمكتبات والملاعب سميت باسماء الشهداء، واصبحت تلك التسميات من اوجب صور الوفاء لهم بغية استذكارهم والاقتداء بهم وابقائهم منارة يستضاء بها كلما شتتنا الدروب وتاهت منا البوصلة.

من هنا نرى ان امثال هؤلاء الشهداء يبقون حاضرين في الذاكرة وخالدين فيها، وبالرغم ان افعالهم وتضحياتهم هي التي حفظت مكانهم في الذاكرة، إلا ان لكل شعب من الشعوب اسلوبه وطريقته في تخليدهم وابقائهم كجزء حي من سيرتهم وصيرورتهم، فالشهداء لا يموتون بل يخلدهم التاريخ.

وفي هذا السياق جاء هذا الوقع الصاخب والمثير الذي نحته اسم دلال المغربي ورفاقها ابطال عملية الساحل في التاريخ، اذ نجحوا وبكل اقتدار بان يكونوا مثالا حيا على صحة هذه القاعدة وصوابها فتناولتهم الافلام والاقلام على حد سواء.

فعلى صعيد الافلام الوثائقية نجح تلفزيون فلسطين من خلال برنامج توثيق تاريخ الثورة الذي يعده ويقدمه يحيى يخلف من تسجيل حلقة خاصة تتضمن شهادات كل المشاركين بالعملية والمعدين لها من مرحلة التخطيط والاعداد والتجهيز وحتى التنفيذ، وقد شكل هذا الفيلم او هذه الحلقة احد اهم المصادر الاساسية لجميع المواد والشهادات المسجلة فيما بعد بما فيها فيلم جمهورية دلال والذي بثته قناة الجزيرة القطرية والذي تميز بتقنياته وامكانياته الكبيرة، ورغم ان للجزيرة دائما اسبابها التي تدفعها لبث هكذا افلام، لكن هذا لا يمنعنا من انصاف هذا الفيلم وتقدير هذا الجهد المبذول فيه.

ففي هذا الفيلم نجح امجد المالكي (المخرج والمعد) بسرد قصّة عمليّة «كمال عدوان»، والتعريف بالأخير، ولماذا اختار مخطط العمليّة، الشهيد خليل الوزير، هذا الاسم لها؟ ولماذا سمِيت هذه المجموعة بمجموعة «دير ياسين»؟ ورصد الأجواء والخلفيّات السياسيّة، الفلسطينيّة والإقليميّة والدوليّة، لهذه العمليّة، والهدف والرسائل المرجوة منها، فلسطينيّاً وعربيّاً ودوليّاً، كردّ على تصريح بريجينكسي، «وداعاً يا منظمة التحرير»، وعلى زيارة أنور السادات القدس، وتزامناً مع زيارة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات موسكو.

ونجح المالكي في جمع المادّة الوثائقيّة، وترتيبها، بما ينسجم مع إيقاع الفيلم. كما نجح في سرد أحداث العمليّة من التخطيط والتنفيذ لها، من خلال شهادة حسين فياض وخالد أبو أصبع اللذين نجيا بأعجوبة، ونجح المالكي في تسليط الضوء على طفولة دلال المغربي ونشأتها، سواء عبر شهادة والدتها وشقيقتها وشقيقها، أو عبر شهادة والدها المتوفّى سعيد المغربي. ناهيكم بحديث فياض وأبو أصبع عن اللحظات الأخيرة لحياة المغربي، خلال العمليّة. كما لم يغفل المالكي عن التركيز على بعض أحداث العمليّة ذات الاحداث الدراماتيكية والمشوقة حد حبس الانفاس مثل عرض بعد الاحداث في عرض البحر، والنزول على الشاطئ، وما صاحبه من مصاعب وفقدان مقاتلين غرقاً وأثر ذلك على دلال، وإصابة ثالث بحالة إغماء وفقدان الوعي.

ولعل من أبرز اللحظات المؤثّرة في الفيلم، رسالة دلال لوالدها وبكاؤها على الشهيدين الغريقين. ولحظة رفض دلال تغيير مسار الباص الى مطار بن غوريون، كما طلب منها حسين فيّاض، والتزامها التامّ بخطّة خليل الوزير. ولحظة إصابة الشقيق التوأم لدلال (أحمد) بمرض، ووقوفه أمام البحر، وصراخه في وجه البحر: «أعد لي أختي! أين أخذت أختي؟!»، كما جاء على لسان شقيقة دلال. ولحظة خداع أبو الرمز الجنود الاسرائيليين بادعائه الاستسلام قبل أن يقف ويطلق النار عليهم، حال اقترابهم منه. كلها كانت لحظات غاية في التأثير والعمق الإنساني.

لعل تلك المشاهد البصرية التي تحتويها الصور والرسومات المتعددة لدلال ورفاقها من مجموعة دير ياسين، او الافلام التي تناولت تلك العملية وقع وتأثير خاص كان ذو تأثير كبير في حفظ سيرة هؤلاء الابطال واعادة تقديمهم من جديد، هذا عداك طبعا عن رساىة الوفاء والاقتداء التي تحتويها.

ولعلنا اذا استغرضنا رسومات فناني فلسطين جميعهم سنجد من النادر ان يكون رساما فلسطينيا -ولو حتى مبتديء- قد تجاوز عن تلك العملية البطولية دون ان يرسم لوحة لزعيمة اول جمهورية في التاريخ الثوري دلال المغربي.

حتى ان نساء المخيمات في تلك الفترة كنّ يتسابقنّ في رسم صورة دلال، لا بل واكثر؛ اذ كنّ يطرزن صورها على قطع من القماش، ومرت فترة كانت نسوة المخيم يفترشن الشوارع في اذار ويلحقن بالشمس اينما حلت وارتحلت ليخطن صورة لدلال والعلم وهما يُحملان على ساريتين موجودتين على متن سفينة كبيرة، وهذه السفينة بدورها تحمل في تفاصيلها وتقاسيمها وطريقة تكوينها اسم فلسطين، وبحيث ترتفع منها ساريتين بحيث تخرج الاولى من حرف اللام وتحمل علم فلسطين كشراع وتخرج الثانية من حرف الطاء وتحمل صورة لدلال المغربي كمثال ونموذج لطريق العودة، لكن هذه الرسومات وهذا التخييط كان متميزا هذه المرة وفائق الروعة والجمال، اذ كانت النسوة تخيطه بإضافة البرق الملون له، وكان استخدام حبات البرق الملون ومن قبله الفضي بالتطريز احدث صرعة ابتدعتها النساء في المخيم، وشكلت موضة جديدة اخذت تقتحم كل بيت، لكن الجميل هذه المرة مع هذه الموضة ان دلال

كانت هي الضيف الجديد الذي يزين جدران كل بيت. لعل امهاتنا ومنذ ذلك الوقت وهنّ يضمرن ماذا يردنّ في المستقبل، وهكذا اعتقد، فلا يمكن لصور وبراويز ان تعتلي جدران بيوتنا الضيقة والمكتظة إلا أذا كنا نريدها ان تُصبح منارةً وقِبلة.

لكن هذه الصورة البصرية لم تكن لتوجد اساسا لولا مساهمات متعددة لتضحيات عظام خطها ابطال العملية اساسا وكتبوا سيرتها بالدم قبل ان يخطها الاخرون بالاقلام.

ورغم كل هذا الامر لا يمكن لنا التجاوز عن تلك القيمة الرائدة لكل تلك الاقلام من الكتاب والادباء والشعراء كفاضل يونس في روايته عودة الاشبال وكنزار قباني في اشعاره ومقالاته المتعددة واشهرها مقاله المعنون “بجمهورية فلسطين” وكالياس خوري وغيرهم العشرات من الكتاب والشعراء والرسامين والذين استاطعوا مؤخرا غزو العالم الافتراضي بابداعاتهم، حتى انك تشعر جليا بهذا الغزو للعالم الافتراضي ما ان تحل ذكرى هذه العملية في الحادي عشر من شهر اذار من كل عام، والذي يُحب ان يسميه الفلسطينييون بشهر اللوز من باب التفائل والبشرى.

ليس هذا وحسب؛ بل اننا لا نستطيع تجاوز تلك الهتافات والشعارات التي ادمنا سماعها في حواري المخيمات والتي كان لها الوقع والاثر الكبير بالتعريف بالعملية وحفظها في ثنايا الذاكرة، وكانت احد اهم تلك الهتافات واكثرها شيوعا تقول:
يادلال يادلال ، حكام العرب انذال
وعلى الساحل نزلت دلال ، تهز الكرة الارضية
يادلال صولي وجولي ، في ساحات البطولة
خلنا نعلم هالانذال ، من بنات الرجولة

كم هي جميلة ورائعة كل تلك الكلمات والرسومات والشعارات والهتافات والافلام التي تناولت تلك العملية وبطولات افرادها، لكن الاجمل كان الغناء الثوري صاحب الرسالة والكلمة الهادفة والمعبر دوما عن الطلقة الصادقة والفكرة النبيلة، وتلك رسالة مارستها بكل امانة اذاعة صوت العاصفة والتي كان لها فضل كبير على جيل كامل تربى منذ الصغر على ان دلال ورفاقها قصة تستحق ان تروى.

فمن منا لم يغمض عينيه ويطلق العنان لاحلامه ويعبر الحدود الى فلسطين ويصل الى شواطىء يافا ما ان تصدح اذاعة صوت العاصفة بأغنيتها الشهيرة:
في الحادي عشر
لشهر اللوز
يوم السبت

هبط الموج على الشاطئ
واناخ الحمل

خرج فدائيو وطني من قلب الموج
ودلال السمراء العربية انطلقت هتفت

بلادي بلادي بلادي
لك حبي و فؤادي

أرضي يا أرض الجدود
إليك لابد أن نعود

هذه الثورة تسود
وعلى شعبي اعتمادي

تلك الاغنية كانت اول معرفتنا بعملية دلال، تلك الاغنية كانت بمثابة نشرة الاخبار التي لا نحب ان تنتهي، تلك الاغنية كانت كوقع الخطى عند الاياب، تلك الاغنية كانت بالنسبة لنا منشور ثوري مكتوب في اعلى صفحته يعمم ويوزع على الجميع، كنا نحن الجميع، وكانت دلال ورفاقها هم الاستثناء.

تلك الاغنية ومن كتب كلماتها ولحنها والحناجر التي صدحت بها، كان لها الفضل الاول في كل ذلك، تلك الاغنية كان لها السبق في تلك المعرفة، لكن هي عادة المحب دائما، فهو المتيم والعاشق للتفاصيل…

وتلك التفاصيل وذلك الحب قادنا لان نلتقي بخالد ابو اصبع احد ابطال تلك العملية ليقص علينا حكاية تلك الجمهورية التي قامت على شواطيء فلسطين ولو لبضع ساعات.

تتلخص حكاية دلال ورفاقها انه في فجر الثامن من آذار من عام 1978 أبحرت مجموعة فدائية مؤلفة من 13 عنصرا من «حركة فتح – مجموعة دير ياسين» من سواحل الجنوب اللبناني نحو الشواطئ الفلسطينية المحتلة.

وحملت العملية اسم الشهيد كمال عدوان الذي اغتالته إسرائيل في بيروت مع ابو يوسف النجار وكمال ناصر عام 1973، وهدفت إلى احتجاز أكبر عدد من الرهائن الإسرائيليين لمبادلتهم بالأسرى الفلسطينيين والعرب القابعين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

وتضمنت التعليمات التي أعطاها مهندس العملية الشهيد خليل الوزير (ابو جهاد) لأفراد المجموعة “تحرير الأسرى الفلسطينيين، وأن يبكي مناحيم بيغن، كما أبكانا في دير ياسين. وأن يكون شموخكم في حال الأسر شموخ جبال الجليل ومعاملة النساء والأطفال معاملة حسنة، إذا ما وقعوا في أيدي المجموعة المنفذة” بالاضافة الى “رفع علم فلسطين فوق أرض فلسطين، والتشديد على روح التعاون بين أفراد المجموعة المنفذة للعملية”.

ضمت المجموعة التي نفذت العملية ثلاثة لبنانيين ويمنيين، إضافة إلى ثمانية فلسطينيين من بينهم الشهيدة دلال المغربي (المفوض السياسي للمجموعة).

وتلقت المجموعة، التي كان يشرف على تدريبها بشكل أساسي ضباط من كتيبة الشهيد أبو يوسف النجار، تدريبات قاسية على السواحل الشمالية لمدينة صور والقاعدة البحرية الفلسطينية في الدامور آنذاك. وبعد اكتمال كافة التدريبات والتجهيزات اللوجستية، وتحديد الأهداف داخل فلسطين المحتلة، استقل أفراد المجموعة الـ 13 قرابة الرابعة من فجر الأربعاء في الثامن من آذار 1978 زورقين مطاطيين (زودياك) إلى عرض البحر بعدما نقلتهم باخرة تجارية من أحد موانئ الجنوب.

واستغرق إبحار المجموعة التي ضمت ستة أفراد في زورق، وسبعة آخرين في الزورق الثاني، أكثر من 48 ساعة نتيجة التخفي الذي مارسه أفرادها من البحرية الإسرائيلية التي ترابط في المياه الإقليمية اللبنانية والفلسطينية. وعلى بعد مئات الامتار من نقطة الهدف بين تل أبيب وحيفا، داخل فلسطين المحتلة تسبب غرق أحد الزورقين باستشهاد عنصرين من المجموعة، هما خالد عبد الفتاح يوسف وعبد الرؤوف عبد السلام علي.

بعد ذلك، وبحسب خالد (الذي وقع في الاسر حينها)، والتقارير التي أوردتها بيانات “حركة فتح”، والقيادة العسكرية الإسرائيلية؛ أوقف أفراد المجموعة الفدائية المزودة بأسلحة رشاشة وصاروخية لحظة نزولهم إلى الشاطئ الفلسطيني فتاة كانت في المنطقة، تبين لاحقاً أنها صحافية أميركية. ويروي أبو إصبع، ما اكتنزته ذاكرته من تفاصيل تلك العملية، التي قتل فيها العشرات من الإسرائيليين، وغالبيتهم من الجنود.

ومن الجدير ذكره ان ابو اصبع كان قد وقع في الأسر مع رفيقه حسين فياض بعد استشهاد كافة افراد المجموعة، وأطلق سراحه في عملية تبادل الاسرى (النورس) بين “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة” والعدو الإسرائيلي .

ويشير ابو اصبع إلى أن المجموعة المنفذة لم تعرف الأهداف إلا قبل وقت قليل من تنفيذها، حفاظاً على السرية، ويضيف بأن المجموعة خضعت لتدريبات طويلة شملت السباحة والغطس والهجوم واحتجاز الرهائن وسواها من متطلبات العملية”، لافتا إلى أنه “عندما انطلقنا من الساحل الجنوبي بواسطة زورقين مطاطيين كان ينتابنا شعور بالفخر لانتدابنا إلى تلك المهمة المقدسة”.

ورغم الصعوبات والمعيقات المتعددة التي واجهتنا في هذه العملية، لا سيما عند بلوغنا المرحلة الحاسمة في تنفيذ العملية والتي تمثلت بخوضنا غمار البحر وما صاحبه من احباط وحزن ناتج عن استشهاد اثنين من رفاقنا بعد ان قضيا إثر انقلاب أحد الزورقين. ليس هذا وحسب بل تعطلت الزوارق وفقدان الزيت فيهما وامور اخرى كان اخرها خطأ في عملية الانزال ونقطة الانزال وبعدها، مما تسبب لنا بصعوبات جمة كادت ان تعصف بالعملية وان تُذهب جهودنا سدى، لكن اصرارنا على ان ارواحنا لا يمكن ان تذهب سدى هو ما جدد العزيمة لدينا وعليه قررنا مواصلة الابحار حتى نزلنا على الشاطيء وابتدأت الحكاية التي مازلنا نرويها لابناء شعبنا حتى اليوم وستبقى هذه العملية ومثيلاتها خالدة وستذكرها الاجيال على انها احد مآثر الزمن الفدائي الجميل.

ستستمر المسيرة وان كانت صعبة وشاقة وطويلة، فهي ثورة حتى النصر، فنحن لا ننهزم ننتصر او نموت، وسنغذي الامل بالامل، وسينصفنا التاريخ ولو بعد حين. اما حصتنا من الدم فقد دفعناها، وحصتنا من الحب فقد اخذناها، ومازال هذا الحب الى الان يشكل بالنسبة لنا احد اهم اسباب الفخر والاعتزاز، واحد اهم اسباب الايمان بحتمية النصر.

يواصل خالد الحديث سرد تفاصيل العملية ويقول: عند الوصول إلى الشاطئ الفلسطيني بين حيفا وتل ابيب صباح السبت في الحادي عشر من آذار 1978، اندفعنا نحو الشارع الرئيسي الذي كان شبه خال حيث كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة ظهراً. وقد توزعنا إلى مجموعات صغيرة، وتمكنا من احتجاز باص إسرائيلي يعج بالركاب، كان متوجها من تل أبيب إلى حيفا. وأمرنا سائقه بالسير نحو تل ابيب. كما سيطر عدد آخر من أفراد المجموعة على سيارة أجرة، ثم تركوها بسرعة ليحتجزوا باصا آخر”.

ويتابع ابو إصبع، متذكرا ذلك اليوم بكل فخر “عمدنا إلى جمع ركاب الباصين، ومن بينهم جنود داخل باص واحد وتعدى عددهم التسعين، وفي طريقنا إلى حيفا بعدما قطعنا مسافة طويلة نوعا ما نشر جيش الاحتلال عدداً كبيراً من الحواجز على طول الطريق. وعمد إلى وضع عدد من السيارات في وسط الشارع لمنعنا من مواصلة احتجاز الرهائن. ولكننا تمكنا من اجتياز بعض الحواجز، فيما كان أفراد المجموعة الـ 11 الذين توزعوا في مقدمة ووسط ومؤخرة الباص يشتبكون مع عناصر الشرطة الإسرائيلية المنتشرين على طول الطريق، موقعين قتلى في صفوفهم، وخاصة في هرتسيليا”.

ويلفت أبو إصبع إلى أن الاشتباك الكبير الذي شاركت فيه طائرات مروحية وقع عند تقاطع نهاريا – الخضيرة، “حيث أطلق الجنود الإسرائيليون النار بكثافة على الباص، فاستشهد أحد أفراد المجموعة (ابو هزاع) وعامر عامرية، وكانا في مقصورة الباص الخلفية مع ثلاثة آخرين من أفراد المجموعة”.
ويشير إلى أنه “في ذلك الوقت أصيبت دلال المغربي، وقالت لي: يا ابو صلاح خذ كلاشيني وكفي المعركة. وبعد وقت قليل تمكنا من إنزالها من الباص، وكانت لا تزال على قيد الحياة، إلى جانب إحدى الشجرات في منطقة الاشتباك التي طوقت بمئات الجنود”.

ويؤكد أبو إصبع على أن “أفراد المجموعة الآخرين التسعة قد استشهدوا، فيما وقع هو في الأسر بعدما تعرض للإصابة إلى جانب زميله حسين فياض”، وبعد خضوعه “للعلاج نقل إلى سجن الصرفند، بعدما كانوا قد اخذوه إلى المستشفى للتعرف على جثث مجموعة من الشهداء، وإعطاء إفادات حول الشهداء الذين استشهدوا داخل الباص”.

ذهب الشهداء وبقيت اسمائهم، فكل شيء في الوجود يمكن ان يكون فيه جانب مبهم، او غير مفهوم للجميع ويحتاج الى شيء من التوضيح أو الشرح، وعندها تكون الآراء والأجتهادات مختلفة، ولكل صاحب رأي ان يبدي ما يراه من وجهة نظره وحسب مفاهيمه، وبما هو مقتنع به …

لكن الشهادة هي أكبر من أن تخضع لمقاييس الحواس الخمسة او لتبادل الاراء، لانها اكبر وأعمق معنى من كل الأشياء ، ربما لان فكرة الشهادة لكي تبقى تتجدد فهي بحاجة الى غايات سامية والى خطوات جميلة بجمال الهدف الذي تقصد والنتيجة التي تسعى، وربما لان الافعال البطولية بشكل عام واقدس مراتبها الشهادة قد سئمت التكرار والتناص والتلاص، فهي بحاجة الى لغة بكر وكلمات خلاقة لم تعرفها الالسن بعد ولم ينطق بها لسان من قبل، فالشهادة فعل بطولي مقدس ليس كمثله شيء.

وبما أن الأنسان هو أفضل وأقدس الموجودات، ولا يقّدر بثمن ، إذاً فالشهادة هي لا تنحصر بذات الشهيد الذي يقدم نفسه شعلة وضاءة تنير الدرب للآخرين، فهنا تكمن القيمة الكبرى ، ويتجلى معناها في الحياة الأنسانية الخيرة ، وديمومة الحياة الحرة الكريمة، وما دام معناها ينطوي على المُثُلُ العليا ، إذاً هي قيمة الأنسانية بكل وجودها ومعناها…وهذا ما اوجز مقصده فيكتور هيغو حين قال:”اسماء الشهداء أخلد الاسماء”.

ولتصح الحكاية لا بد لها من نهاية، ولكن قبل هذه النهاية لا بد من التعريف ببقية اسماء وابطال من صنعوا كل تلك الحكاية والذين ساهموا في تخليد اسمائهم وفق هذا المفهوم وهم كل من:
دلال سعيد المغربي {جهاد} مواليد بيروت،(20) عام، المفوض السياسي للمجموعة، أصيبت برصاصة فوق عينها اليسرى واستشهدت.
محمود علي أبو منيف {أبو هزاع} مواليد نابلس، 1960، قائد المجموعة، أصيب في جبهته واستشهد.
الأسير حسين فياض { أبو جريحة} مواليد غزة – خان يونس 1960، أوكلت له قيادة المجموعة بعد إصابة أبوهزاع بدوار، وبقي القائد حتى بعد تحسن حالة أبو هزاع، تم اعتقاله بعد العملية وحكم عليه بالمؤبد.
أبـو الرمــز.. (18) عام، أشجع أفراد المجموعة، تظاهر بالاستسلام للقوات الإسرائيلية وعندما اقتربوا منه التقط الكلاشينكوف المعلق بكتفه وقتل مجموعة من القوات الإسرائيلية، أصيب بعدها واستشهد.

الأسير خالد محمد أبراهيم {أبو صلاح} مواليد الكويت (18) عام، أصيب في يده، تم اعتقاله بعد العملية وحكم عليه بالمؤبد.
حسين مراد {أسامة} مواليد المنصورة 1961 ،15 عام، لبناني الأصل، اصغر أفراد المجموعة سناً، أصيب بطلقة في رأسه واستشهد.
محمد حسين الشمري {أبو حسن} مواليد شمر – اليمن 1958 ،(18) عام، يمني الأصل، ارتبط مع الفلسطينيين بوشائج الدم، كان مواظباً على الصلوات الخمس، كان يحب فتاه فلسطينية اسمها فاطمة كان سيتزوجها بعد العملية، حتى يحقق أمنيته بأن يصبح الفلسطينيون أخوال أولاده، أصيب أثناء العملية بكسر في قدمه اليمنى ثم أصيب برصاصة أدت إلى استشهاده
خالد عبد الفتاح يوسف { عبد السلام} مواليد طولكرم 1957، (18) عام، غرق قبل أن تصل المجموعة إلى هدفها وذلك بعد أن انقلب الزورق الذي كان يستقله هو ورفاقه فنجا بعضهم وغرق هو وفدائي آخـر واستشهدا.
عبد الرؤوف عبد السلام علي { أبو أحمد} مواليد صنعاء – اليمن 1956، يمني الأصل، غرق بعد أن انقلب الزورق.
محمد محمود عبد الرحيم مسامح { فاخر النحال} مواليد طولكرم 1959، فلسطيني من مواليد الكويت، قناص من الدرجة الأولى أصيب في عينه برصاصة قاتلة أدت إلى استشهاده.
عامر أحمد عامرية {طارق بن زياد} مواليد المنية – طرابلس 1953، لبناني الأصل، استشهد بعد إصابته برصاصة قاتله.
محمد راجي الشرعان {وائل} مواليد صيدا 1957، 17 عام، دائم الابتسام حتى خلال العملية، أصيب برصاصة في بطنه أدت إلى استشهاده.
يحيى محمد سكاف {أبو جلال}لبناني، مواليد مواليد المنية – طرابلس 1959 اصيب في العملية ،شهادات الصليب الأحمر تقول انه كان محتجزاً في سجون الاستخبارات العسكرية وإسرائيل لم تعترف بوجوده في سجونها.
محمد حسين الشمري {أبو حسن} مواليد شمر – اليمن 1958

كتب الشاعر والأديب العربي نزار قباني مقالاَ بعد العملية قال فيه: “بعد ألف سنة سيقرأ الأطفال العرب الحكاية التالية…

إنه في اليوم الحادي عشر من شهر آذار 1978 تمكن أحد عشر رجلا وامرأة من تأسيس جمهورية فلسطين في داخل باص … أحد عشر رجلا بقيادة امرأة اسمها دلال المغربي تمكنوا من تأسيس جمهورية فلسطين بعدما رفض العالم أن يعترف لهم بحق تأسيسها …
ركبوا أوتوبيساً متجهاً من حيفا إلى تل أبيب وحولوه إلى عاصمة مؤقتة لدولة فلسطين، رفعوا العلم الأبيض والأخضر والأحمر والأسود على مقدمة الأوتوبيس، وهزجوا وهتفوا كما يفعل تلاميذ المدارس في الرحلات المدرسية، وحين طوقتهم القوات الإسرائيلية ولاحقتهم طائرات والهليكوبتر وأرادت أن
تستولي بقوة السلاح على الأوتوبيس العاصمة فجروه وانفجروا معه…
ولأول مرة في تاريخ الثورات يصبح باص من باصات النقل المشترك جمهورية مستقلة كاملة السيادة لمدة أربع ساعات.
لا يهم كم دامت هذه الجمهورية..
المهم أنها تأسست، وكانت اول رئيسة جمهورية لها إسمها دلال المغربي”.

شاهد أيضاً

الفلسطينيون يترقبون ليلةَ القدرِ ويحيونَها
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

ليس أكثر من الفلسطينيين جميعاً، في الوطن والشتات، وفي مخيمات اللجوء وبلاد الغربة، وفي السجون …

مهند طلال الأخرس: آلام وآمال، سيرة تُشبه صاحبها

لم نكتب حكايتنا لأننا كنا نزرع الأرض ولم نحسن الكتابة ، وعندما احسنا الكتابة غافلنا …

الجريمة والعقاب
الدكتور عدوان نمر عدوان
جامعة النجاح الوطنية-فلسطين

لأول مرة يعاني المجتمع الدولي ما يعانيه الفلسطينيون يوميا، فالحجر على السفر بين الدول يعانيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *