فؤاد قنديل: نساء وألغام (الحلقة 13 الأخيرة)

كنت فى عز نومي، بل كنت ميتاً تماماً، وكانت أول ليلة فى الشقة الجديدة الصغيرة التى بحثت عنها بنفسي طوال عدة أيام دون أن أعثر عليها، وعندما فاتحت خالتي، كلمت شخصاً، فدلني عليها، وهو جالس فى مكانه بعد مكالمة تليفونية، لم تستغرق دقيقة، تقع خلف بيت خالتي فى مسرة فوق محل كشري اسمه “البغل”، لم تتح لي الفرصة بسبب الأحداث التالية كي أسأله عن السر فى استخدامه هذا الاسم، حتى لو كان اسم العائلة.. ثم أقترح عليه تغيير الاسم وإطلاق النار على عميد العائلة.
       بالأمس أثثتها بما يلزم من “المناصرة” حتى أنهكت تماماً.. كان علىّ أن أودع خالتي ولا أزورها بعد ذلك إلا نادراً لساعة أو ساعتين على الأكثر من قبيل الاطمئنان عليها، وأتصل قبلها، لأن حمدي ابن خالتي تزوج من فتاة مغربية وعاد بها من الرباط واستقرت فى البيت مع خالتي.
       لم أكن رغم وجود والدىَّ وزوجتي وابنتي نهي ودينا وعملي فى بنها أستطيع الاستغناء عن القاهرة، فأنا فيها بشكل مستمر منذ عام 1962.. إنها المدينة القاسية التى تغلغلت فى كياني، كما أني أضيق بركوب القطارات والميكروباصات، خاصة بالليل، ومعظمها غير أدمي، وأنا فى هذه الأمور غير مناضل.. وهل أنا مناضل فى غيرها؟.. أنا فى العادة غير مستعد لبذل مجهود بدني كبير ومتواصل، لذلك بعد أن أنهيت مهمة توفير كل متطلبات الشقة الصغيرة غرقت فى نوم كالموت . محطم العظام ومنهك الأعصاب وفى الوقت ذاته سعيد بالنتائج.
      فى عمق هذه الظلمة، اقتحمت موتي المؤكد مدفعية ثقيلة، تواصلت حتى بدأ الأمر يصل إلى عقلي المهروس، ثقوب دقيقة من الوعي شرعت تكشف عن أن بابا يطرق بشدة وأنني فى عالم آخر.. ربما كنت نائما. حاولت فتح عيني فلم أستطع، وتواصل الطرق ربما من أجل هدم البيت على من فيه. تحركت بصعوبة شديدة نحو الباب الذى عانيت كثيرا حتى أبلغه. كان الظلام مهيمنا تماماً، ولذلك انزعجت أكثر، إذ لا يستقيم الظلام الفاحم والنوم العميق مع طرق الباب. 
 صرخ بعزم ما فيه رغم أنه كبح صوته، ليخرج فحيحاً مرعباً:
ـ إذا لم تغادر هذا المكان والقاهرة كلها سوف أطلق عليك النار من هذا المسدس.
  هززت رأسي موافقاً وكأنني فهمت شيئا. عاد ليوجه فحيحه الصارخ:
ـ أقسم أني سأنفذ ما أقول، أنا لا أعرفك وأنت لا تعرفني.
  حاولت تجميع أي شظاياً تساعد فى تكوين شكل ما أو معني أو حالة. لم أفهم لأن الشظايا المتاحة لا رابط بينها.. المكان جديد لا يعرفه أحد. أنا فى عز النوم. الدنيا فى عز الليل. هشام يصرخ.. لماذا تغير على هذا النحو؟.. وهل انتقلنا بسرعة إلى حالة تستحق استخدام المسدس؟ وهل أنا رفضت أي أمر؟.. وما هو الأمر؟ وما السبب..و..؟
 علىّ مغادرة المكان الذى بالكاد دخلته من ساعات، ماذا جرى؟ ربما أهلي فى بنها. هل حدث لأحدهم شئ. مسنودا على الجدار أحاول أن أفهم.. كان الفهم غاية فى الصعوبة.. يصرخ فىّ هشام ويهزني:
ـ اترك المكان فوراً.. اترك القاهرة وبنها أيضاً.
 مؤكد أنا أحلم. ربما هناك قنبلة وضعها إرهابيون تحت العمارة على وشك الانفجار
الكلمات الصوتية لا تتوقف.
ـ تحرك يا بنى أدم.
 لا أمل فى الفهم،.. لأكن عبدا وأنفذ، مخدرا تماماً قلت:
ـ ثواني. أدخل ألبس.
ـ تحرك الآن وكما أنت.
  كالسكران قلت:
ـ مستحيل يا باشاً.
ـ أمامك خمس ثواني.
   ثم صرخ:
ـ بسرعة. تحرك يا بني آدم بسرعة.
 صدرت عن المسدس أصوات طرقعة مثل صوت ترباس صدئ يفتح بقوة. حديد ينحر فى حديد.
 أفقت أخيرا ، بعد أن وضعت  رأسى تحت ماء الحنفية لثانيتين
 خطفت المحفظة والساعة، وأدخلت جسمي فى قميص وبنطلون وحذاء صيفي بدون أربطة ولا شراب..  رأيته هابطا من السطح.
 دفعني بيده فى ظهري بشدة كشفت غيظه الذى لا أدري له سببا، قال:
ـ اطلع بسرعة على السطح واقفز إلى السطح المجاور، وكمل طريقك، وحذار أن تتصل بأي شخص.
ـ ماذا ؟
  جمع قبضته ليقذفها فى وجهي، وتحدث إلى كأنه يتحدث إلى قاتل أبيه:
ـ اسمع ما أقوله ونفذ.
ـ يا حضرة الضا.
 ارتِعد بشدة ليكبح صراخه:
ـ ولا كلمة..
  صعدت إلى السطح، ودفعني الفضول لأطل من فوق، لمحت على ضوء العمود البعيد سيارة بصندوق تقف وثلاثة رجال أمامها، وقد خرج إليهم هشام وهو يشيح لهم بيديه، ثم ركبوا جميعاً، لكن السيارة لم تتحرك.. انطلقت أقفز فوق الأسطح، ومن سوء الحظ سقطت فردة حذائي فى منور أحد البيوت وكان بلا سور.. تعذر علىّ استعادتها لأن الدور الأخير بلا سلم . واصلت القفز فوق الأسطح حتى بلغت عمارة عالية فانتهت  المغامرة ..السطح الأخير له باب لا يفتح.. استخدمت العنف، فلم يتأثر.. اضطررت للهبوط على ماسورة المجاري.  
  الفجر يؤذن، وأنا غير جاهز نفسيا للصلاة. لكن الواجب فى هذه الظروف أن أصلي لعل الله يعين ويفرج الكرب ويكشف الغمة. اقتربت من باب المسجد الكبير. تركت فردة حذائي، ولبست شبشباً، لأن حساباته فى المقاس مفتوحة، كان كبيراً وعريضاً لكنه كان متعاوناً، لو كان حذاء لأثار مشكلة، بدلا من أصلي سرقت الشبشب..
 مضيت إلى محطة القطار حيث لحقته فى آخر لحظة بعد أن جريت وراءه بطول الرصيف، ولما لمحت الرصيف على وشك الانتهاء وتزداد سرعة القطار، قذفت فى الهواء فردة شبشب بعد فردة والتقطتهما، فإذا أنا فى يسر أمسك بالمقبض الحديدي، وراكب يفتح الباب ويمد لي يده.
     بقيت على مدي ثلاث ساعات وهى عمر المسافة إلى الإسكندرية أحاول ترتيب الأمور وأقلبها يميناً ويساراً لأبلغ أي وضع وأعثر على سر هذا الصرع دون جدوى، لكن ثمة تهديد واضح يلاحقني، وأن هشام فيما يبدو كسر القواعد الراسخة لينقذني. ودهشت من نفسي.. كيف سعيت إلى ركوب القطار المتجه إلى الإسكندرية.. لماذا الإ سكندرية؟.. لماذا لم أذهب إلى مكان آخر.. طنطا مثلاً أو الزقازيق أ و المنيا ؟!.
   جلست على مقهى أمام بحر إسكندرية الذى ينسي الإنسان كل هموم الدنيا، سلمت للمدينة الفاتنة قلبي المكسور وألقيت فى أحضانها جسمي المرتعد وأفكاري وهمومي.. التهمت ثلاث ساندوتشات فول وطعمية ثم بحثت عن فندق قريب من محطة الرمل، حيث خطفت عدة ساعات من النوم.
   النوم بالنسبة لي ليس فقط غذاء الجسد، ولكنه غذاء للعقل والروح.. لو نقصت ساعة واحدة من الثماني ساعات اليومية لا أملك القدرة على التفكير.. وأبدو جائعاً ومتوترا، وأحياناً ساخطاً.
  نمت وقمت فدخلت السينما. اعتدت فى أحيان كثيرة، عندما لا تكون لدي القدرة على حسم بعض الأمور، وأني لست صاحب القرار أن أخفف عن ذهني ضغط الأفكار بأن أدفن نفسي فى النوم أو مشاهدة الأفلام، ولا أحتمل كثيراً من المسلسلات المصرية مهما كانت حالتي، لأنها ستزداد سوءاً.
  بعد خروجي من السينما تمشيت على الكورنيش من الرمل حتى اسبورتنج. الجو بديع يساعد على الحب والكتابة. اتصلت بزوجتي ووالدي . قلت لهم  :
ـ  إنني أحضر ندوة فى دمنهور، وسوف أزور رشيد غدا لأني أتمني زيارتها من زمن، وهى فرصة أني قريب منها.. اطمئنوا.
 الساعة تجاوزت العاشرة قررت أن آكل أكلة كباب وكفتة محترمة  حتى أمتلئ، واشتريت نصف كيلو تفاح ونصف موز ونصف جوافة وربع لب.. عدت إلى الفندق، وسهرت أمام التليفزيون، ألتهم الفاكهة، وأقزقز اللب تشجعني الأفلام الأكشن.. كلما حاولت التفكير لم أصل إلى شئ، قررت التجاهل حتى الصباح، فربما حملت الصحف ما يفيد.
  صحوت فى السابعة وأسرعت إلى الشارع لأشتري الصحف.. لم أحتج إلا إلى ثواني قليلة لأعرف ماذا جري لي ولغيري فى المذبحة.
  وقفت أمام الفرش، كانت الصحف كلها تقريباً قد أقامت حفلا على صدرها بعنوان مطبوع بأكبر بنط                          ثورة 5 سبتمبر 1981.
        قبض السادات على ألفي مواطن، وبصرف النظر عني، فقد كان معظم من تم القبض عليهم هم أهم مفكري مصر السياسيين والدينيين وكبار الكتاب والصحفيين، وهذا ما لم يحدث فى تاريخ العرب حتى أيام الحاكم بأمر الله وأيام جنكيز خان ومحمد على والإنجليز وعبد الناصر، وأظنه لم يحدث ـ على حد علمي ـ فى أي بلد فى العالم.. العبرة ليست بكم المقبوض عليهم ولكن بنوعيتهم.. لقد كانت هذه هى المصيبة الخامسة.. ولكن ما دمت ممن المطلوب القبض عليهم فهذا يعني أن المسئولين لم يأخذوا برد مباحث روض الفرج عليهم الذى أكدوا فيه عدم وجود علاقة بيني وبين الرسالة.
        لا أظن هشام كذب على  . لماذا يؤلف هذه التمثيلية؟!.. لا.. لن أسمح لنفسي بأن أقع فريسة سوء الظن. أنا على يقين أنه كان صادقاً ومخلصاً ومحباً.. واللعب مع النظام ضرب من الجنون.. أسئلة كثيرة لا تموت ولا ترحم. وليس ثم يقين مطلقاً فى هذا العصر ولا فى هذه البلاد.
 بقيت فى الإسكندرية ثلاثة أيام ثم عدت إلى بنها فى عز الليل.. طلبت من أهلي إنكار وجودي بحجة أني مسافر فى مهمة للعمل.. المسألة غير مأمونة.. أدركت الآن حجم ما فعله هشام جمعة، ذلك الرجل النادر الذى مات بعد ذلك بعشر سنوات بالضبط فى حادث على طريق طابا حيث أطلق البعض عليه وزميليه النار، ولم ينج من الثلاثة غير واحد.
       الآن فقط تذكرت أني أخطأت فى حق الرجل النادر، وكنت بعد سماعي خبر وفاته رحمة الله عليه قد عقدت العزم على أن أجعل اسمه بطلاً لرواية كبيرة، يكون دوره فيها لائقاً باسمه ولا علاقة لها بمباحث أمن الدولة، ولا يمنع أن يكون ضابطاً فى الجيش أو البوليس أو أي وظيفة، المهم أن يكون متألقاً كمصري ووطني أصيل ونبيل.
 كان هذا ندراً ونسيته تماماً. فما الصفة التى يمكن أن أطلقها على موقفى الناكر لفضل  الرجال ؟
* * * * *

11 سبتمر1981
  إذن فقد صدمتني سيارة بينما كنت أحاول جاهدا الهروب من مطاردة رجال أمن الدولة.. كانت السيارة المجنونة تنزلق باندفاع شديد من فوق كوبري 15 مايو. حاول السائق أن يوقفها لكنه فيما يبدو لم يبدأ فى ذلك إلا متأخرا، فلحقتني وقذفتني ستة أمتار على الأقل حسب ما قيل بعد ذلك، وقيل أيضاً أن الشاب بعد أن توقف ظل فى سيارته وقد أصابته هستيريا، ومضي يرتعد ويبكي ومنع عبد الخالق البقال عددا من الجيران من ضربه. وحملني الشاب إلى المستشفي ووراءه ـ كأن الحادث لا يخصها ـ سارت عربة أمن الدولة، وتابعت كل شئ حتى تولت المهمة بالكامل مع المستشفي وخصصت جندي لحراسة المصاب.
 أصبحت فى حالة صحية أفضل وتجمعت مع الأيام كل الشظايا، والأمور فى مجملها باتت صالحة للتأمل  والغضب.. هشام جمعة لا تفارقني صورته ولا تبدد ذاكرتي حرفا من كلماته.
     سيطرت فكرة وحيدة على ذهني وتتسق تماماً مع ما سبقها من أفكار، بل لقد تعمقت بدرجة أكبر، فكرة الهرب.. الإصرار على مطاردتي والقبض على حتى وأنا محطم يكشف جنون الأمن، ويكشف مقدار الهوس الذى يعيشونه، والحضانات التى يربون فيها أفكارهم عن كل من يفكر أن يقول مرة رأيه، والجميع تقريباً يمضي فى الاتجاه الخطأ.. ليس مهما رأيك وجدواه.. المهم كيف تقوله، ولماذا تقوله؟.
 إلى أي مدي يمكن اعتبار رجال الأمن مرضي نفسيين؟.. من أنا حتى تنشغل بي قواتهم على هذا النحو ؟!.. وماذا فعلت؟.. أي طفل فى المدرسة له دور فى المقاومة والرفض والاحتجاج أفضل مني.
  المهم.. كيف السبيل للخروج من هنا، والهرب من وجوههم التعسة بينما لا أستطيع التحرك إلا خطوات قليلة مستندا على عكاز أو كتف الآخر؟  ماكينة البحث تعمل باستمرار بلا جدوى ويلاحقني السؤال.. ماذا يريدون مني بعد أن تحطمت على هذا النحو؟.. تتجدد الأسئلة وتتوالد دون أي أمل فى إجابة.كل الأسئلة . ئلة . ئلة . ئلة .
   دخل الطبيب ومعه الممرضة أفكار والجندي سيد الغلبان، ابتسم الطبيب وهو يقول:
ـ عندما قرأت اسمك على التقرير.. لم أصدق.. فؤاد  قنديل . يااااه  . عشرين سنة مرت لم أرك خلالها، وإن كنت أتابع أخبارك.. ألف سلامة..
  لم تجد الذاكرة صعوبة.. ما زال كما هو.. على النجار.. رفيق الصبا ما زال هو الشاب الطويل  النحيل المتفوق جدا فى العلوم  . على الذى كان يصنع لنا العطور من تقطير الورد المغلي، وكان يجري تجارب على القطط والأرانب، وكان  أبوه وأخوته يتشككون فى قواه العقلية.. كان مشغولا دائما بفرض الفروض. لنفرض أن الأرض انشقت مثلا أو زادت حرارة الجو جدا. وهو أول من سمعت منه مسألة تحويل الطعام إلى كبسولات  فى حدود عام 2020 ، وسوف يباع الطعام فى الصيدلية.. تذكرت إنه كان دائما يقول :
ـ إن الناس فى الأغلب نسخة من البهائم المتخلفة، فالإنسان أدني من القرد وليس أعلي.. يخرب بيتك يا على.
 فرحت ـ  أهلا يا دكتور على.
أخذني التفكير فى إمكانية مساعدته لى  فى الهرب.
ـ ألف سلامة.. واضح إن المسألة معقدة.
ـ يعنى.. المهم أنا سعيد جداً إني شفتك.. كنت من صغرك تتمني أن تدخل كلية العلوم.
ـ والدي يا سيدي أصر على الطب بعد ما فوجئنا بالمجموع الكبير.
      مضي يكشف علىّ ويقلب فىّ وهو يتكلم ويسألني عن بعض الأصحاب.. سألته عن جيراننا السودانيين. اشتقت إليهم ، قال :
ـ   إن محجوب أصبح وزيرا فى السودان، وعبد الله فى سكرتارية النميري، ومرت سنوات لا أعرف عنه شيئا. وعمك الطيب مات.. فاكره.. كبير الهجانة، والبنت رقية ابنة سهوة تزوجت مصرياً يعمل الآن فى الجامعة العربية.
 كيف يمكن أن يساعدني على الهرب.. يقلب فىّ ويحكي، ويسألني عن أحوالي.. اكتشفت إنه يعرف عنى أكثر مما أعرف.. سألته:
ـ ما أخبار الاختراعات والفروض؟
ـ كل شئ تقريباً كما هو.
ـ هل وصلت إلى شئ ؟
دماغى مشغولة بالسؤال  : كيف يمكنه أن يساعدنى على الهرب ؟
ـ أنت بالذات لا يجب أن تسأل هذا السؤال.
ـ لماذا ؟
ـ تعرف أن هذه البلاد مناخ ملائم فقط للأحلام  وغير ملائم للأفكار أو الابتكار.. كل شئ   فيها يولد محكوم عليه بالموت.
ـ سنة الحياة
ـ فى بلادنا يموت كل شىء قبل موعده بسنوات طويلة.
  شردت.. كيف يمكن أن يساعدني على الهرب.. يجب أن أستثمر عبقريته، لكنه يتميز بعيب أساسى ..  لم يكن محتكاً بالناس ولا يعرفهم ولا يود أن يعرفهم.
ـ عرفت إن سيارة صدمتني؟
تنهد وقال: للأسف.
ـ ألاحظ أني لا أستطيع تذكر بعض الحوادث رغم أنها كانت على بالي دائما.
ـ تقصد أن الحادث أثر.
ـ أظن.
ـ سأطلب من د. نوال أن تكتب لك منشطاً للذاكرة.
ـ لا أريد منشطات.. أريدك أن تمر علىَّ كلما فرغت من عملك ونتحدث معاً عن أيام الصبا.
 ضحك على، وسألني:
ـ هل تريد حقاً أن نتحدث عن أيام الصبا ؟
ـ طبعا..
ـ من عيني يا سيدي.. سأمر عليك.
  قلت لنفسي: ربما إذا خلونا أستطيع أن أفتح معه الموضوع.
جاءني بعد ساعتين.. كشفت له عن رغبتي.. أبدي برصانة وهدوء رفضه للفكرة، متسائلا عن النتيجة وجدواها.. لن يتركوك.. حاول أن يذكرني بأحداث ومواقف من أيام الصبا.. كنت أذكر كل شئ عن ظهر قلب..لا أريد التذكر ياعلى .. أريد أن تساعدنى على الهرب .. أعرف اختراعه للإريال الذى استطاع به أن يجلب كل محطات العالم على الراديو الخاص بهم والذى بالكاد يسمعنا صوت العرب، وحدثني عن أشياء كثيرة، لكني كنت قد فقدت التواصل معه إلى أن انصرف.. ابن الكلب تخاذل وكان هو الفرصة الوحيدة.
  بعد نصف ساعة عاد ومد يده إلىَّ بكيس صغير فيه قليل من بودرة صفراء، وقال:
ـ هذه البودرة تسبب الإسهال. ضعها كلها أو جزءا كبيرا  منها على طعام يفضل أن يكون سائلا مثل الملوخية ، واعزم عليها الجندي فى حدود الثانية بعد منتصف الليل، سيحضر روبي التمرجي ليأخذك.. سلام.
     بعد أن أكل العسكري سيد الغلبان  الملوخية التى أعدتها أم الأولاد دخل دورة المياه .. كان روبى الضخم ينتظر . حملني بمنتهي البساطة كأنه يحمل وسادة وحطني على النقالة، واندفع خارجاً.. قلت له بعد أن خرجنا من المستشفي.
ـ شوف تاكسي ووصلني لمباحث أمن الدولة.
   وقف الروبي مذهولا.
ـ بيت ابن عمي ملاصق تماماً لمقر المباحث.
 صرح روبي بأن الدكتور أعطاه خمسين جنيها.
قلت له: لما يقطعوك.
قال بسرعة: عيب يا أستاذ.
      بقيت ثلاثة أيام نائماً على سرير ظهره فى ظهر مكتب مدير المباحث ثم عدت إلى البيت فى الفجر،  يخامرني إحساس قوي بأن السادات سيعلن فى 6 أكتوبر العفو عن المسجونين ..  لابد سيشعر بالندم لأن المسألة كلها غير منطقية وموقف غير مسئول ولا مقبول وزائد عن الحد .   سوف يكون وصمة كبيرة فى حقه، خاصة بعد حديثه المتكرر عن الديمقراطية التى لا علاقة له بها.خسارة . خسارة أن يتراجع كل تطلع رائع للمستقبل . لست أذكر من الذى قال : إنها لعنة الفراعنة . ولم أتمكن يومها من الرد عليه : وماذا عن العرب ؟ !
 حضر رجال المباحث للسؤال عني، وعلمت أنهم سألوا لدي الأقارب الذين أكدوا جميعاً أن أخر مرة رأوني فيها كانت فى المستشفي  ، ثم اختفي المخبر الذى كان يداوم اليوم كله على ناصية شارع فيكتوريا .
جاء يوم 6 أكتوبر..
 تابعت الاستعراض بتحفز  فى انتظار أن يتحدث الرئيس عمن اعتقلهم ويعلن العفو عنهم.. وما إن ظهرت الطائرات فى الجو ورسمت بدخانها الملون خطوطاً فى السماء حتى سمعت أصوات رشاشات، فصرخت رغما عني:
ـ لقد قتل.. لقد قتل.
  ومع سخطي عليه فقد صدمنى أن يصدق ما توقعت .. شعرت بالطعنة فى قلبي ، وضاق صدري فلم أستطع التنفس.. كان السادات من الوطنيين المخلصين ومن الساسة الدهاة، لكن خبرة المصريين و كل العرب  فى السياسة الدولية ومع الصهيونية بالذات لا تزال تتعثر وتمضي بسهولة إلى المستنقع. ليس السبب فقط قوة الغرب ولكن تماسك الرؤية الغربية الكارهة للعرب وتدنى النظرة نحوهم  وتصور أن العالم سيكون أفضل بدونهم . وخاصة بعد تأسيس إسرائيل . ربما تدخل فى الحسبة معايير تاريخية أو دينية  أو سلوكية أو نفسية . المسألة  تتطلب الدراسة وربما لا داعى للدراسة .. المهم  بناء القوة العربية وليفعل الجميع ما يودون فعله.
   من الذى قتلك ؟.. قتلك من حركتهم ضد الشيوعيين . والدافع . القبض العشوائى على الأبرياء.
بقيت جالسا فى موضعى . متجمدا ومذهولا مما حدث برغم الاجابة التى تبدو واضحة . لكن صفا طويلا من الأسئلة كان يمر مثل شريط . كرة الصوف عبثت بها كل قطط الحى . ماعاد بالإمكان تحديد أى طرف للخيط .
     أحاطنى الغروب . الغروب الذى لا يأتى فى كل الأحوال سرا  ، ولا يظهر فجأة وإن تصورنا ذلك ..  الغروب ليس غريبا ولكنه منذ زمن يجد مراتعه بيننا وفوق أسرٌتنا فيتمدد ويبيض.
     رغم الغروب انزاحت كثير من الظلمات  المحدقة بأفق حياتى ، وانطوت صفحة خشنة من الركض والهروب ، وآن للبدن والروح أن يأخذا قسطا من الراحة ، ولعل الفرصة تتاح للحظات طويلة من التأمل . ليس كل الغروب غروب ، بل شروق.الغموض يتسلل كل شىء ، والأسئلة تتكاثر وتتوالد ، بينما اليقين يتفلت من العقول والقلوب كما يتفلت الماء من بين الأصابع.
 خللى المكنجى يرجع المشهد
عايز أشوف نفسى زمان وانا شب
داخل فى رهط الثورة متنمرد
ومش عاجبنى لا ملك ولا أب
عايز اشوف من تانى واتذكر
ليه ضربة من ضرباتى صابت
وضربة من ضرباتى خابت
وضربة وقفت بالشريط فى وضع ثابت

قال المكنجى : رجوع مفيش
عيش طول ما فيك أنفاس تعيش
وبص شوف
ركن الشباب صفوف صفوف
ركن الشباب فى السينما بيصفر
مفيش وقوف
ركن الشباب فيه ألف مليون شب
ومش عاجبهم لا ملك ولا أب
انظر إليهم
وانت تتذكر
                                                             
                     
                              الحــمــــد لــلــــه 

                                                                                الهرم فى نوفمبر 2008

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : مسرحية “الحلم”.

مسرحية من أربع لوحات سأنشرها تباعا ، مثلت هذه المسرحية ضمن فعاليات مسرح الهواة عام …

| جمعة عبدالله : قصيدة : أم الشهيد للشاعر يانس ريتسوس ( ΓΙΑΝΝΗΣ ΡΙΤΣΟΣ ).

قصيدة : أم الشهيد   يا ولدي , لا أعرف أي قدر كتب عليك وعليَّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *