مهدي شاكر العبيدي : فايق أبو الحب

في يوم من صيف عام 1955م ، كنتُ اقتعد ركنا ً في مقهى ( حسن عجمي ) ببغداد وقد وفدت إليها من ( الهندية ) , جلس قبالتي شخص عرَّف نفسه أنـَّه دارس للآداب العربية في دار المعلمين العالية , وأنـَّه شقيق المربي المعروف ضياء أبو الحب , كان ذلك بعد انفلاته من أسر المجاملات المألوفة والمشوبة غالبا ً بالتحرج والاستحياء وشيءٍ من الانكماش , وعقب ذلك أنْ قال أنـَّه ألم بالهندية ( طويريج ) صغيرا ً صحبة والده لتأبين شاعرها رضا الهندي , فابتدرت لتصويب هذا الرأي أو المقولة , فشاعر الهندية هو محمد رضا الخطيب ، وليس الهندي صاحب الكوثرية المشهورة في أوساط الأدب النجفية في مدح آل البيت , أما الخطيب فتربطه بشاعريّ زمنهما الرصافي والزهاوي صلات موثوقة ، وقد رثى الأخير بقصيدة رائعة إبَّان ثلاثينيات القرن , بذ َّ في حبكها وصوغها فنيا ً شعراء وفدوا من خارج البلد ، كعلي الجارم ، وشفيق جبري ، وفؤاد الخطيب ، دعتهم لجنة الاحتفال لتخليده , فما أسلفوا شيئا ً ذا بال ويعتد به من التأمل في حقيقة الوجود والانطلاق في التشوفات الفلسفية ، سوى أنْ أوفى على النصيب الأوفر من هذه المقاصد شاعر لبنان الأخطل الصغير المتفايض الشهرة ، وشاعرنا محمد رضا الخطيب الذي لم يحضر الحفل وقنع من التعبير عن تفجعه بنشر مرثيته في الجرائد .

       وأفضى لي ( فايق أبو الحب ) باشتغاله بجمع شعر الجواهري غير المنشور في دواوينه المطبوعة ، ويروم الاتصال بأصدقاء الشاعر علـَّهم يدلونه على النادر من روائعه لكنـَّه يجهل أمكنتهم , وكان ثمَّة علاقة تربطني بـ ( شوقي ) نجل الصحفي العريق محمد حسن الصوري المقيم في الصين إلى ما قبل سنوات معدودة ، والذي أصدر عام 1948م ، عددا ً خاصا ً من صحيفته ( الحضارة ) ، منتصفا ً له من بعض خصومه في الأدب والسياسة لا غير , وفي اليوم التالي ذهبنا إلى منطقة الزوية في الكرادة الشرقية حيث دار الصوري يومها , فزودنا بالعدد المذكور ، مردفا ً أنَّ جهدنا لا جدوى منه ، ولا يستبعد أنْ يأتي يوم يطبع فيه نتاجه عبر مجموعة كاملة .

       وحصل أن التقيتُ ( شوقي ) بعدها  ، فأنبأني أنَّ والده ” زعلان ” على الشاعر هذه الآونة , ولم يشأ أنْ يوهنَ عزيمتنا ، ويحدَّ من اندفاعنا وتحمُّسنا , ويخدش شعورنا وعاطفتنا , لنشره مقطـَّعات من شعره في جريدة ( الحرية ) يشتم فيها الشعب ، ويذم نكوصه عن ميدان الجهاد ، وينتقد استسلامه لمشيئة الحكام بعد خوضه غمرات الكفاح ، وكلُّ هذا هراء في هراء :

قالَ : والحَالُ ، قلتُ : إنـِّي مِن حا       ل ٍ هباءٌ خـُلوٌ كهذِي بـَراء
قالَ : والناسُ ، قلتُ : شيءٌ هـُرَاء       خـَدَمٌ عِندَ غـَيْرهِـم أجَرَاء
…………….

قــَالَ : لله أنـتـُم الـشـعـَــــرَاء       عَدَدُ الرمل ِ عِـندَكم أهـْوَاء
أمْـس والشعبُ كلهُ مُعجزَات       لـَـكَ , والـيَـومُ كلـُّهُ أسْـوَاء
…………….

       وتقدَّم بعدها فايق في العمر , وازداد كلفا ً بحفظ ما يستجد من قصائد شاعر العصر ، حتى أنـَّه كان يؤثر مكانا ً قريبا ً في المحافل الأدبية من الشاعر ، وهو يترنم بشعره لغرض معاونته وتذكيره باستهلالة هذا المقطع أو ذاك لو نسي وانتابه الحصر ، فأشاد الجواهري نفسه بذاكرته الحادة عبر المقابلات الصحفية التي كانتْ تجرى معه من آن ٍ لآن .

       وكان أبو الحب قد تخرَّج في دار المعلمين العالية عام 1958م ، ضمن دفعة من وجوهها : عصام عبد علي , وعلي عباس علوان , وعناد غزوان , وجلال الخياط , وهادي الحمداني , وناهض الخياط , والإذاعي المقيم بلندن صلاح نيازي والكاتب الجزائري أبو العيد دودو ؛ وكلُّ واحد من أولاء سيكون له شأن في يوم ما ، مثبتا ً جدارته على صعيد الممارسة الأدبية , ثمَّ غادرنا إلى الاتحاد السوفيتي   السابق ! ، بأمل استئناف التحصيل والدراسة , ومكث في موسكو زمنا ً إلى أنْ وافتنا الأنباء المحزنة في منتصف ثمانينيات القرن الفائت برحيله عن هذه الفانية ، تاركا ً للناس ما يأخذون به أنفسهم من الأتراح والهموم ، ويجشمونها به من النصب والمشقة في ابتناء نظام العيش وفي مغالبة العوائق التي تحول دونه ومدافعة من يحزنهم ذلك بالنواجذ والمخالب , ومستريحا ً ممَّا يسود العالم الأدبي والسياسي في بلاده من نقص .

       فيالشجني ولهفتي عليه.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.