أ.د. بشرى البستاني : قراءة في عذاب نصوص الشباب العراقي / ألا شئ خارج النص حقا..؟!

ونحن نغض النظر عما كتب من ثلاثين عاما، ونقرأ بأناة ما يكتبه الشباب العراقيون اليوم من نصوص، تلوح لنا مقولتا جاك دريدا وميخائيل ريفاتير “لا شئ خارج النص” و “النص مكتف بذاته” شاحبتين باطلتين عاجزتين عن التسويغ والمكوث، ذلك ان كل إشارات هذه النصوص تؤكد أن التاريخانية الجديدة هي التي تشتغل اشتغالا حثيثا داخل هذا الخطاب، لان كل شئ يثوي في النص، في أعماقه ومكنوناته مرة، وفي طبقاته الوسطى أخرى وعلى سطحه الظاهر مرات، ها هي النصوص أمامي، وها أنا أحدث نفسي بصوت عال كما أراد لنا خطاب ما بعد الحداثة..أن نهذي، وأن نعلي مكنونات المجانين والمهمشين والمساجين والمعاقين الذين طال بهم الضيم والقسر، ولماذا الخجل من الحقيقة وان كانت مرة، فنحن مهمّشون مساجين معاقون من ثلاثين عاما مضين، مساجين بمنع السفر ومنع الكهرباء والماء في بلد الحضارات والثروات والأنهار، ومعاقون بعذاب يفتت أرواحنا بالداخل وينخر عظامنا، وعميان بدخان يملأ عيوننا وصدورنا بشظايا الليل و النهار وبكمامات تلجم أفواهنا فلا نقدر على الكلام حتى لا نُختطف في وضح النهار أو نُقتل على مرأى الأشهاد الذين لا يملكون لنا حولا ولا قوة وان كانوا رافضين قتلنا، حتى لم نعد بحاجة إلى ما يكمم أفواهنا يوم أدركنا ألا جدوى من الكلام فصمتنا حتى حولنا الصمت الى معاقين فعلا أمام قوى ظالمة تعمل على استمرار إعاقتنا بطرق شتى، طرق ليس لنا القدرة على مجابهتها، لانها لا تمتلك وسائل للمواجهة غير الحديد والنار، ونحن لا حديد لدينا ولا نار، وحينما اقترح هذا الخطاب (ما بعد الحداثة) مصطلحات النص والنصوصية والخطابات لابتلاع كل الأجناس الأدبية والفنية كذلك حسبما شاء دريدا ورولان بارت وأشياعهما، وحينما اقترحوا النص المفتوح كذلك ليجتلب إليه تداخلات شتى وليستوعب لا نهائية الدلالة والإرجاء والاختلافات والأثر، لم يكن يعتقد احد أن ذلك كله وجد ليتسع أو ربما لا يتسع لأحزان الشعوب المنكوبة بالصواريخ والحرائق والتشردات ولمكابدات شبابها الذين فتحوا أعينهم على الظلم وحفر الخنادق وعلى لملمة أشلاء أصدقائهم من الملاجئ المشتعلة بالقنابل العنقودية ودفن أعضاء أطفالهم وجيرانهم المتناثرة مع الشظايا، ولقد كان أولئك الفلاسفة على حق لان أي جنس من الأجناس الأدبية المعروفة قصيدة كان أم قصة قصيرة أو رواية أو مسرحية، لم يكن ليتسع لمثل تلك العذابات، ولعلهم كانوا يدركون في تخطيطهم الإستراتيجي ما ستكون الرزايا الجديدة بحاجة إلى المكوث فيه… مخازن أسلحة تنفجر لتبعثر مدنا، انفجارات تهدم أحياء سكنية بكاملها، عبوات تحرق شوارع، أشلاء النساء والرجال والأطفال تختلط معلنة المساواة التي ما تحققت إلا بالموت، قواطع أسمنتية تقطع الحي الواحد إلى خمسين قطعة فما بالك بالمدن، وكيف تخرج من بيتك لتضيع بين الموانع والقواطع وأنت تبحث عنه في العودة فلا تصل إليه إلا بعد جهد، وإذ ترفع المفخخة جدران بيتك وتكومه مع ما فيه وأنت في العمل لتعود بعد الظهر فلا تجد إلا حطامه، وبين الحطام تقف لا تبحث عن شيء ولا تفكر بشيء لان اختلاط دلالات ما يجري في رأسك وتداخل الأجناس فيه يكون قد ابتلع كل شئ، هل اتسع النص المفتوح لحزن العراقيين إذن، وأنت نائم في الليل تهبط طائرات الأمركة الديمقراطية الجديدة على سطح دارك، تفجر بابك الأعلى بالـ ..تي، إن، تي، تدفع بالبساطيل الثقيلة المتحضرة أبواب غرفك حتى تعثر عليك في غرفة النوم لتجرك من سريرك وسط زوجك وأطفالك وليدفعك المحررون الجدد إلى السطح بملابس نومك، وقد تكون عاريا في الصيف إلا مما ستر الله فحر الصيف لهيب قاهر قاتل ولا كهرباء، فالكهرباء تضر بالصحة في العراق، والنوم في سطح الدار يزعج طياري الديمقراطية العتيدة ولذلك يؤشرون رفضهم للنائمين بالرصاص، وبعد أن يقيدوا ساعديك ويدفعوا زوجك بالرشاش مغمضة العينين بقناع اسود نحو زاوية الغرفة بعد منعها من الكلام بالتهديد ينصرفون لتفتيش الدار على السريع حاملين معهم اللاب توبات وحقائب النساء وما خف وزنه وغلا ثمنه من مصاغاتهن، وبعدها يذهبون بالرجل وربما بالمرأة إذا أساءت الأدب واعترضت إلى مكان مجهول دون ان يعرف أحد لماذا، ولا الى اين..!!
خطر لي كل ذلك وأنا أفحص النتائج النهائية لنصوص المسابقة الإبداعية لشباب جامعة الموصل التي أدرب نفسي منذ أكثر من عشرين عاما على إخفاء أسماء كتابها لأتعامل مع النص وحده، لكن وخزات النصوص ظلت توجعني حتى تراكمت أنينا وفقدانا وحزنا ونزفا وحرائق، وحتى امتدت لوعة النص الأخير إلى صميم الروح، وحينها تحول الوخز إلى صدمة وصرخة، ففتحت ما خبأت عن نفسي لأقرأ..”الزاوية البعيدة..” علي حيدر، هذا النص الذي كثف مع النصوص الأخرى خسائر العراقيين وفجائع أعمارهم وما تكدس من كوارث دحضت أحلام مشروعهم البرئ الذي خربت نبله وجرّحت طفولته عدوانيةُ وحشية بشعة الشراسة:
 لا تنسي الموعد    
                            
 قرب الشارع الملكي أو الجمهوري                     
 لا فرق …                                      
          ربما تأخر الموعد عشرة أو خمسة عشر عاما              
        وربما أكثر، فلم أعد أكترث بالخسائر كثيرا            
فقد تعلمت ألا انظر إلى الخلف، ولا حتى إلى الأمام،            
تعلمت في الآونة الأخيرة ألا انظر أبدا،                      
هل أنا في الآونة الأخيرة فعلا…؟!                            
          منذ عدة حروب وأنا لم أعد أعرف شيئا…               
وأنت ربما هرمت قليلاً وذوى انتصاب جسدك قليلا، ربما تساقط شعر رأسي، وانطفأت الشراهة في عيني ولم نعد مناسبين لبعضنا، أو لم نعد مناسبين لأي شئ آخر، ربما الأسئلة التي أرقتنا قد فات أوانها كثيرا، ربما الذكريات صارت أكبر منا، ذكرياتنا الشخصية ونحن بعيدون عن بعضنا، والتي بددت عنفواننا وصارت هي الماضي أكثر منا،              
          لكن على الرغم من هذه الربمات ….                           
 تعالي إلى الموعد…                                     
لا تتوقعي مني أن اعتذر إليك/ لن أعتذر أبدا/ الحروب أيضا لم تعتذر/ السنوات التي ضاعت لم تعتذر مني/ حتى الآمر الذي تركني وسط الشظايا/ لم يعتذر/ كنت مجرد كائن أو كائن مجرد/ مجرد حتى من نفسي/ كانت الحياة قطرة صغيرة استقرت في قلبي…
         تعالي إلى الموعد….                                  
ولا تنسي أولادنا الذين لم ننجبهم/ الذين حلمنا بهم يوما/ اجلبيهم معك/ أطفالا بلا أمل/
قد يلوموننا لانا لم نفعلها من اجلهم/ لكن اجلبيهم/ ولا تنسي بطاقة الجنسية/ وبطاقة السكن وبطاقة الحصة التموينية/ قد نمر على دائرة الرعاية أو دائرة التقاعد …../ لا تنسي حين تدخلين/ أن تنظري إلى الزاوية فورا/ فأنا أجلس هناك/ معتما ومجعدا…./اجلس وكأني غير موجود/ لا تتلفتي وكأنك تبحثين عن أحد/                      
  فأنا لا أحد …                                  
وأي عذاب أن يتشيأ الإنسان ليصير لا أحد…وأي دين او فلسفة وضعية محترمة تقبل بتحويل الإنسان من توهج روح الله وآياته في خلقه الى شئ بارد صامت قاتم، الى كتلة  ثقيلة لا علاقة لها بالزمن ولا فقه الواقع، والى غصن مخلوع ومستباح…..         
 ويواصل النص التوغل باغترابه ومعاناته طويلا، كطول عذاب العراقيين الذي لا يراد له أن ينتهي، ويواصل حضوره وهو يكشف عن إنسانية مهشمة، منكسرة مجروحة مرهقة لكنها تتلفع بإباء لا يعطي نفسه للمساءلة، لأنه إباء المستغني الذي لا يرجو من وراء تعرية البشاعة مقاصد آنية، ولا يسعى في نقمته على القبح السائد إلى هدف ذاتي مكشوف أو مكنون، لكنه يضمر في التأويل هدفا أكبر من كل أهداف مناوئيه وأنبل من كل مساعيهم التي عبرت وتعبر على أحزان الأبرياء ومشروعية أمانيهم، كونه يحتج على كل منظومات القيم التي جعلت من كرامة روح الإنسان وسيلة تُمتطى لوصول أهداف ضيقة ومبتذلة وعديمة القيمة إلا من أنانية أصحابها وضيق أفقهم وغباء طرائق وصولهم حيث لا وصول إلا إلى الهاوية، فيا أيها الشباب العراقي مبدعين ومبدعات…من حقكم ألا تعتذروا لأحد لكني أعتذر لنصوصكم ألا أقرأها قراءة نقدية لان جروحها الغائرة الداكنة من شدة ما نزفت في الداخل والكثيفة زهدا بتفاصيل لا تجدي، أكبر من كل النظريات النقدية التي درستها وأدرسها لطلابي والتي أرجوهم في نهايتها أن يحفظوا قول ميشيل فوكو عن ظهر فلب….”إن تفسير الخطاب دوما رهينٌ بيد من يمتلك السلطة” فمتى نعرف الطريق للامساك بسلطة مشروعة تؤهلنا لتفسير خطاب نشكله برؤانا وهي تفصح عن نفسها قوية واعدة ومعاصرة ناهضة من كل ما هو أصيل عصي على الإلغاء والتغييب.
و…..أليس من حقنا جامعات ومؤسسات مدنية ومنظمات غير حكومية أن نرفع نصوص شبابنا المنكوبة بدمها وخرائب أيامها ودكنة لياليها المحرومة من النور والأمن والأمل الى لجان حقوق الإنسان في ((الأمم المتحدة ……؟!!)) والصحة النفسية واليونسكو واليونيسيف إن كان للإنسان وحقوقه حقوق لنسألهم من المسؤول عن تجريح هذه البراءة التي ما اقترفت إثما ولا خاضت غمار عدوان، من المسؤول عن ضياع أجيال تتعاقب وزمن يذوي وطاقات تضيع…؟!
من المسؤول عن لوعة شابات بعمر الورد تتناثر دموعهن على المسرح، يبكين ألوانا من الكوارث والخراب والفقدان، وغصص شباب يحكون بوجع حزن أيامهم الطافحة بما لا يصدق من الفجائع، من المسؤول..؟ من المسؤول… والى متى…!!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.