شكيب كاظم: ذاكرة العراق؛ عبد الحميد الرشودي يدرس حياة الرصافي وآثاره وشعره (ملف/

يوم أقام له بيت المدى للثقافة والفنون الكائن في شارع المتنبي، يوم الجمعة الأول من تموز/2011 ندوة احتفائية، تقديراً لمنجزه في عالم الكتابة والبحث والاستدراك والتحقيق، ودعيت لإلقاء محاضرة فيها إلى جانب الباحث الرصين الأستاذ سالم الألوسي، والأستاذ نجيب محيي الدين والباحثة الأكاديمية الدكتورة نادية غازي العزاوي، والباحث زين النقشبندي وصفته بـ(ذاكرة العراق) ومرد هذا الوصف الذي لم أكن مبالغاً فيه، هذه الذاكرة الوقادة التي حباه الله بها، وهذه المثابرة على البحث والتنقير في بطون المظان والكتب، التي أنتجت لنا هذا الكم الوفير من الدراسات والاستدراكات، فلا تكاد تفوته شاردة ولا واردة في مناحٍ ثقافية شتى، فهو غربال نقدي ينخل الكتب نخلاً، لكن من غير غلو واعتساف، فهو من أشهر من كتب في باب الاستدراكات، وما زال يواصل الكتابة في هذا اللون، بعد أنْ غادره من غادره سواء بالموت كالباحث الرصين الأستاذ هلال ناجي، أو لانشغاله بالتدريس الجامعي كالأستاذ عباس هاني الجراخ أو بالصمت كشكيب كاظم، وما زلت أحتفظ بملف خاص لمستدركاته التي تدل على موسوعية فياضة، فهو إذْ يستدرك على المرحوم أمين المميز، كتابه (بغداد كما عرفتها) (11/12/1985) تراه ثانية يقدم دراسة استدراكية عن كتاب، (السياسيون العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام سنة 1922) لمؤلفه الأستاذ الدكتور محمد حسين الزبيدي، (جريدة العراق 17/3/1986) نراه يُردفُهما بمُستَدرَكٍ ضافٍ على كتاب (أشهر المحاكمات الصحفية في العراق) لمؤلفه الذي طواه الردى سراعاً الأستاذ أحمد فوزي عبد الجبار- رحمه الله- (ثقافية جريدة العراق 23/4/1986) ورابعاً، يستدرك على الباحث الفلكلوري الأستاذ عزيز جاسم الحجية-رحمه الله- واقفاً عند الجزء الخامس من موسوعة (بغداديات) (تراجع ثقافية جريدة (العراق) 14/5/1986) هذا غيض من فيض قلم الباحث الرصين الأستاذ عبد الحميد (عبد الله محمد) الرشودي، ولو أردت الإفاضة في إيراد الشواهد، لطال بنا والقراء المقام، لكنها نماذج للإشارة والتنويه فقط، وللقارئ أنْ يعجب لموسوعية هذا الباحث المدقق، الذي يُنقل نفسه لا كما شاء لها الهوى، بل كما شاء لها البحث والتحقيق.
فتحت عيني على الدنيا، وأمامي مكتبة المرحوم أبي، الذي كان مُعجباً بالرصافي، لذا كان من طبائع الأشياء والحياة هو الذي اقتنى كل ما كتب عن الرصافي، وما كتبه، فضلاً على نسخه لكتاب (الشخصية المحمدية) أو (حلّ اللغز المقدس) في دفتر من الحجم الموسوعي انتهى من نَسخِه – رحمه الله – في 3/8/1949 وينوه إلى أنَّ هذه النسخة غير مكتملة، كونها غير محتوية على مباحث تسعة منها حذيفة بن اليمان؛ صاحب سرّ رسول الله، ونهاية بالإسراء والمعراج، أقول: كان أمراً طبيعيا أنْ أجد كتاب (ذكرى الرصافي) الذي جمعه الأستاذ الرشودي، وقدمه للناشر حسين الفلفلي رحمه الله صاحب (مكتبة الزوراء) متنازلا عن حقوقه في النشر، خدمة لتراث الرصافي وأدبه فنشر الفلفلي؛ صاحب المكتبة الشهيرة في سوق السراي، وما زالت قائمة حتى الآن يتولى رعايتها أحد أنجاله، بعد أنْ استمزج الفلفلي الشخصية البغدادية الفَكِهَة رأي الدكتور أحمد ناجي القيسي (توفي في شهر مايس 1987) والأستاذ مهدي القزاز – رحمه الله – وكان يشغل يومئذ وظيفة ملاحظ المطبوعات بوزارة الداخلية، ثم تولى القزاز تحرير مجلة (المكتبة) التي كانت تصدر عن مكتبة (المثنى) لصحابها المرحوم قاسم محمد الرجب (توفي في 1/ نيسان / 1974).
لقد اهتم الباحث المدقق الأستاذ عبد الحميد الرشودي، بإرث الشاعر الرصافي، الذي لم يعقب من الولد من يهتم بنشر إرثه من بعده، وما كل الأبناء يهتمون بإرث الآباء فهناك، من يفرقونه بددا وكأن الرشودي، جعل من نفسه ابناً باراً لهذا الشاعر الذي ما خَلَّفَ أحداً، فنشر العديد من كتاباته التي اودعها دفاتر مخطوطة بخطه، بعد الاتفاق مع مساعده على العيش (عبد صالح) قبل أنْ يتوفاه الله فنشر (آراء أبي العلاء) بغداد 1955 و(المحفوظات الشعرية) بغداد 1955 والكتاب اللغوي (الآلة والأداة) الذي حققه الرشودي وعلق عليه. ونشرته وزارة الثقافة والإعلام العراقية سنة 1980، فضلاً على اهتمامه بـ(الرسائل المتبادلة بين الرصافي ومعاصريه) الذي أصدرته المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت سنة 1994، وقد كلفته وزارة الثقافة في الثمانينات، في ضمن مشروعها لإحياء ذكرى عدد من أعلام العراق، كلفته لدراسة حياة الرصافي وأدبه، فضلاً على راويته الأستاذ مصطفى علي – رحمه الله – فكتب كتابا عنه عنوانه (مصطفى علي. حياته وأدبه) صدر 1989 و(الرصافي. حياته. آثاره. شعره) نشرته دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 1988، الذي أعادت نشره دار الجمل سنة 2011، ويقع في مئتين وخمس عشرة صفحة، وقد نوه الأستاذ الرشودي في مقدمة هذه الطبعة الثانية، منشورات الجمل إلى نفاد نسخ الطبعة الأولى، واقتراح بعض إخوان الأدب إعادة طبعه، بعد أنْ أجرى فيه قلم الإصلاح، وأضاف إليه فصلاً خاصاً ضمنه قطوفاً دانية مختارة من شعر الرصافي، كي يستطيع من لا يحضره ديوان الرصافي، أنْ يطلع على هذه المنتقيات الجميلة. ولقد أحسن الرشودي في اختياره هذه الإضمامة الطيبة من شعر الرصافي، وعمله هذا يذكرني بما قام به الباحث الدكتور عبد الحسين شعبان في كتابه الرائع والجميل الموسوم بـ(الجواهري. جدل الشعر والحياة) الذي صدرت طبعته الثالثة عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 2010، الذي اختار لنا خمساً وعشرين قصيدة ومقطوعة من غرر القصائد الخوالد الفرائد، لأبي فرات الجواهري فأغنى من لم تسعفه الأيام باقتناء ديوان الجواهري؛ أغناه بهذه المقتنيات المنتقيات الجميلات، وبودي أنْ أذكر عناوين بعضها التي تمثل عمر الجواهري الإبداعي كلّه، بدءاً بعشرينات القرن العشرين وحتى تسعيناته، حيث رحل الجواهري عن الدنيا في أخرياته (27/ من تموز/ 1997) مثل (أبو العلاء المعري)، و(ذكرى أبو التمن)، و(المقصورة)، و(آمنت بالحسين)، و(يا أم عوف)، و(دجلة الخير)، و(أرح ركابك)، و(ذكرى عبد الناصر)، و(أخي أبا سعد) ويعني أستاذي الفاضل الطيب الوديع الدكتور صلاح خالص، لتغسل السماء بشآبيبها جدثه الطاهر.
ما اكتفى الباحث الرشودي بتقديم هذه الإضمامة الرائعة من أشعار الرصافي، بل قدم لنا نحن قراءه في الفصل الثاني الموسوم بـ(في آثار الرصافي) قراءة لإرث الرصافي الفكري، أشفعها بمقبوسات جميلة من كلّ أثر من هذه الآثار، مما يدل على حسن اختيار وعلو امتيار بدءًا بكتاب (الرؤيا) الصادر في بغداد سنة 1327 هـ 1909م، مروراً بالكتاب المهم (رسائل التعليقات) الصادرة طبعته الأولى والأخيرة!! في بغداد سنة 1944 و(على باب سجن أبي العلاء) وطبع ببغداد سنة 1946 وكل كتب الرصافي ما طبعت إلا طبعة واحدة! وصولاً إلى كتاب (الشخصية المحمدية) أو (حلّ اللغز المقدس) الذي ظلَّ مخطوطا منذ أنْ فرغ من تأليفه وكتابة مقدمته في 5/ تموز/ 1933 أيام معتزله في مدينة الفلوجة، حيث أنزله آل عريم الكرام، داراً من دورهم العامرة المطلة على الفرات، قريباً من الجسر الذي يربط الفلوجة بمدينة الرمادي، والذي يشبه جسر الصرافية شمالي بغداد، أقول: ظلَّ الكتاب مخطوطاً منذ ذلك الوقت حتى بداية الألفية الثالثة، حيث تولت دار الجمل بألمانية، التي يشرف عليها الشاعر العراقي المغترب خالد جابر المعالي، نشره ودار الجمل مولعة بنشر الكتب الإشكالية المحركة لسكونية العقل، ولا أقول بلادته وكان الرصافي – كما يذكر الأستاذ الرشودي، قد أَذِنَ لمصطفى علي بنسخ الكتاب الذي وقع في ثلاثة وأربعين دفترا وخصص الرابع والأربعين للفهرس وبلغت عدد صفحاته 1313 صفحة.
وأخيرا كتابه (الرسالة العراقية) الذي تولت طبعه – كذلك – دار الجمل سنة 2002.

عمل الأستاذ عبد الحميد الرشودي، في اختيار هذه المقبوسات الجميلات يذكرنا بالكتاب الرائع للأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري، الموسوم بـ(بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب) حيث قدم لنا واحدا وعشرين مقتبسا، من كتب المؤرخين وكتاباتهم، بدءا بقطعة من مغازي وهب بن منبه (ت 114 – 115 هـ)، وانتهاء بابي حنيفة الدينوري (ت 282 هـ) في كتابه (الأخبار الطوال) وقد وصفته بأنّه مجموعة كتب في كتاب واحد، في مقالتي المنشورة في جريدة (الزمان) طبعة لندن الدولية بالعدد 1966 الصادرة في 13/11/2004 وأعدت نشرها في كتابي (أحاديث تراثية. حين يكون التراث مرجعاً وملهماً) نشرته دار الحقائق بمدينة حمص السورية سنة 2008 – 1429.
لقد ذكر الباحث الكبير، الأستاذ يوسف عزّ الدين في كتابه (الرصافي. يروي سيرة حياته) الصادر عن دار المدى بطبعته الأولى سنة 2004 نقلا عن قاضي صلح الفلوجة أيام ذاك – منتصف الثلاثينات حتى مبارحة الرصافي للفلوجة، وعودته للسكن في محلة السفينة بالأعظمية سنة 1941 – الأستاذ حافظ خالد الذي كان يقوم بتسجيل أحاديث الرصافي بعد أنْ ينفض مجلس الشراب اليومي، ويخلو به، وقد تولى الأستاذ المدقق عبد الحميد الرشودي العناية بهذه الأحاديث إذْ حصل على ما استنسخه منها المؤرخ الأستاذ خيري العمري – رحمه الله – فنشرها في جريدة الاتحاد الأسبوعية التي كان يصدرها اتحاد الصناعات العراقي في ثمانينات القرن العشرين، وكانت جريدة رصينة محترمة، أقول ذكر الدكتور يوسف عز الدين في كتابه آنف الذكر، ما قاله الرصافي للقاضي حافظ خالد، لدى حديث الرصافي عن كتابه (الشخصية المحمدية) ومصادره القليلة (وأنا إذْ كان عملي ناقصاً فسببه قلة المصادر التي لدي، فأنا ألفت الكتاب وليس لدي من أمهات (والأفصح: أمات) المصادر سوى أربعة وهي: السيرة النبوية للحلبي، وسيرة ابن هشام، والتفسير للزمخشري ومعجم البلدان، وهذه الكتب الأربعة هي أيضاً ليست ملكي وإنّما استعرتها من السيد مصطفى علي) أ – هـ
لكن الباحث الأديب عبد الحميد الرشودي، يذكر أنَّ المراجع والأصح المصادر، التي عول عليها الرصافي في تأليف كتابه آنف الذكر، وقد ذكرها له الأستاذ مصطفى علي، وهو ما هو عليه من دقة هي سبعة وليست أربعة، كما ذكر الرصافي في روايته للقاضي حافظ خالد، ويبدو أنّه سها عن بعضها، والمصادر هي:
1- معجم البلدان، 2- مفتاح كنوز القرآن، 3- تفسير الكشاف للزمخشري، 4- السيرة الحلبية وهي السيرة النبوية للحلبي ذاتها، 5- سيرة ابن هشام وبهامشها سيرة ابن دحلان، 6- زاد المعاد لابن القيم، 7- الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي. تراجع ص113 من الكتاب.
وأرى أنَّ هذه المصادر القليلة لا تفي بحاجة الباحث الذي يحاول الإبحار في هذا الشأن الإشكالي الخطير، لكن هي نزوات الشعراء، ثم من أين للشاعر هذه الروح التي تأخذ صاحبها بالشدة، والانقطاع للدراسة والبحث؟ فالشاعر شغله تنميق الكلام وإطلاقه، في حين تحتاج الكتابة إلى مجالدة ومصابرة، غير متوافرة إلا لدى القلة القليلة منهم مثل: المعري. الشريف الرضي. وفي زماننا هذا الدكتور الباحث محمد حسين آل ياسين. أدونيس. سامي مهدي وأستاذي الدكتور أحمد مطلوب والسيد مصطفى جمال الدين.
ذكر الباحث الكبير، ذاكرة العراق الأستاذ عبد الحميد الرشودي، المولود في محلة جامع عطا بكرخ بغداد سنة 1929، ذكر في شهادته التي ألقاها في الحفل الذي ذكرته بداية مقالي هذا، ما نصه (أحبّ أنْ أقول لكم إني سعيد لأني خدمت الأدب العراقي المعاصر متمثلاً برموز الرصافي والزهاوي والجواهري وفهمي المدرس وإبراهيم صالح شكر، وغيرهم من الرواد الذين لا يتكررون) وأرى أنَّ الرشودي نجدي الأصل من منطقة بريدة بجزيرة العرب، ثاني اثنين اهتما اهتماما بالغا بإرث الرصافي إلى جانب الأستاذ مصطفى علي وإذا كان هناك من إذا ذكر اسمه انتقل الفكر إلى خدنه وخدينه ومن تولى درسه والاعتناء بما خلف من آثار، فإذا ذكر الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، انتقل الذهن بنا إلى أبو القاسم محمد كرو، الذي أوقف حياته للاعتناء بالشابي، وإذا ما جاء ذكر الأديبة ماري إلياس زخور زيادة المعروفة باسم (مي زيادة) ذهب الرأي بنا إلى الباحث اللبناني جميل جبر، التي آذاها ذووها، وطمعوا فيما لها من قليل مال، ففاضت روحها البريئة، في مستشفى العصفورية للأمراض العقلية في 19/ تشرين الأول/ 1941 – تراجع مقالتي (لمحة من حياة مي زيادة)، المنشورة بكتابي المعنون (الضفة الأولى. مقالات في الثقافة والنقد) بغداد 2000، وإذا قرأنا شيئاً عن فرقة المعتزلة، تذكرنا جهود الباحث المصري الدكتور محمد عمارة، هذه الفرقة التي أعلت من شأن العقل في مواجهة النص والنقل، واستطاعت التأثير في الحياة الفكرية العربية على مدى عقود، ولاسيما بعد تسنم المأمون (198 – 218 هـ) للخلافة الذي كان من المتأثرين بفكرها والداعين إليه، ومما لا ريب فيه، ما إنْ يذكر الشاعر معروف بن عبد الغني بن محمود الجباري البغدادي الرصافي حسب تسمية أستاذه محمود شكري الآلوسي، فإنَّ اسم الأستاذ عبد الحميد الرشودي سيشخص أمامنا؛ أمام القراء والباحثين وما هذا بالأمر الهين ولا اليسير!

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: صلاح زنكنه كائنات السرد الجريئة

كلما رأيت إليه، وجدته يتفحص مكونات وجوده التي تنقلت مثل عصفور مصاب من شدة حرب، …

صالح الطائي: التثقيف من خلال الترجمة؛ الدكتور علي عبد الأمير صالح نموذجا

منذ مراحل وعينا الأولى، وبدايات اهتمامنا بالقراءة؛ وموضوع الترجمة يشغل بالنا ويجلب انتباهنا، حتى أننا …

الأبعاد النفسية في رواية (عذراً… كوفيد 19 عائدون بلا أرواح)
للروائية أمل عبده الزعبي
الناقد/ محمد رمضان الجبور /الأردن

من الروايات الصادرة حديثاً ، والتي ترسم مشاهد الوباء والجائحة التي ألمّت بالعالم أجمع ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *