فهيم السليم: قوالب اللغة العراقية المحكية
كفاءة المفردات والتعابير العراقية

لكي نتعرف على معنى الكفاءة لغة، يعرف لسان العرب الكفاءة على النحو التالي:
كفأ (لسان العرب)
كافَأَهُ على الشيء مُكافأَةً وكِفَاءً: جازاه. تقول: ما لي بهِ قِبَلٌ ولا كِفاءٌ أَي ما لي به طاقةٌ على أَن أُكافِئَه.
والكُفْءُ: النظير والمُساوِي.
وتَكافَأَ الشَّيْئانِ: تَماثَلا.
وَكافَأَه مُكافَأَةً وكِفَاءً: ماثَلَه.
والمقصود بالتماثل والتساوي هو المقياس
وقد انسحب هذا المعنى لاحقاً لتعريف الكفاءة في العلوم كالفيزياء بمعنى مشابه
فماذا نقصد بكفاءة المفردة العراقية؟ وكيف نقيس الكفاءة اللغوية؟
بالعودة الى الغاية من اللغة (أي لغة) نجد أنها واسطة التفاهم بين البشر وكلما كان الوصول الى هذا التفاهم مباشراً وسهلاً وسلساً وبدون أي التباس كان التعبير اللغوي كفوءً ومتميزاً في كفاءته عن باقي التعابير.
وقد قطعت اللغة العراقية المحكية شوطاً كبيراً ومتميزاً في هذا المجال بالذات كونها وريثة اللغات القديمة السومرية والأكدية والآرامية والتي أبدع العراقيون في استخلاص عصارتها ومزجها بالعربية وهي آخر اللغات التي سادت العراق بعد العام 600 للميلاد.
من الواضح المعروف أن صفات العربية كلغة اشتقاق متميزة إضافة لتعدد المعاني والمرادفات قد أسبغ عليها جمالية ورونقاً بديعا وهذا امر لا يختلف عليه اثنان إلا انه في نفس الوقت عقّد اللغة وجعلها مستغلقة وعصيّة على الكثيرين خصوصاً إذا أضفنا وجوب التحريك في الكثير من الحالات حتى يتضح المعنى المقصود.
إن (حدث يحدث حدثاً حادثاً) يمكن بسهولة أن تتداخل مع (حدّت يحدّث حديثاً) ويمكن بسهولة أن يختلط (الحديث عكس القديم) بمفردة (الحديث بمعنى الكلام) ونقول (حدث أحداث) ونقصد الفتى والفتيان ونقول (حدث أحداث) ونقصد الحوادث ومثل ذلك كثير جداً ومتواتر في العربية.
ومن الواضح أن كفاءة اللغة بالمعاني التي بيّناها في بداية الموضوع تنخفض بسبب هذا التداخل خصوصاً في اللغة المحكية ولهذا لجأ العراقيون لاستبعاد الالاف من المفردات والتعابير العربية العامة وأحلوا محلها نظاماً لغوياً يتسم بالكفاءة المتناهية والدقة التي لا تخطئ.
والمقصود بالتعابير أو المفردات العربية العامة هو كونها ذات معانٍ متعددة كقولنا في نظر
نظرت الصورة
ونظرت في الأمر
ونخلطها ب نضر ذات اللفظ المشابه كقولنا نضر وجهه أي حسن
ولهذا تجاوزنا هذه المفردة واستخدمنا باوع ‘يباوع التي لا تقبل التأويل او الاشتباه مطلقاً.
ولغرض توضيح التفاصيل بشكل أدق سنحاول تبيان الأساليب التي اتبعها العراقيون في التخصيص العالي الكفاءة
1. اختراع المفردات الجديدة أو الأشكال العديدة للاشتقاق غير القياسي من العربية
وهذه تعد بالآلاف وبالتفصيل التالي المختصر محاولين تبيان الفكرة لا غير
• الأفعال المستحدثة التي لا أصل لها في لغات العراق القديمة كالسومرية والأكادية والآرامية أو آخر لغات العراق وهي العربية
مثل باوع وفرفح وقشمر وخرمش وطنبر ولبج وخمط ورهم وكمش وطربك وحنفش وباس ولاف وخاس ودندش وكرمش و وحرمص وجنبد وكربس وخردل ولا شك أن هذه الأفعال ذات كفاءة عالية لأنها محددة تماما لخدمة الغرض الذي استحدثت من أجله وبلا مواربة وهي كثيرة جداً وتجدونها في باب آخر من أبواب الكتاب لذا جئنا بأمثلة قليلة للتوضيح لا غير.
• الأفعال المزيدة خارج نطاق الزيادات المعروفة في اللغة العربية بقصد رفع الكفاءة وإزالة اللبس عن الفعل العربي الأصلي وتحويله الى فعل خاص باستخدام محدد والأمثلة على ذلك لا تحصى
– إضافة الشين الأكدية أول الفعل شربك من ربك وشقلب من قلب وشنتر من نتر وشعنب من عنب
– إضافة حرف نهاية الفعل الثلاثي لتحويله لفعل جديد ذي كفاءة عالية ومعنى محدد
فمن خرب خرّج العراقيون خربط وخربج وخربص وخربش وكلها أفعال أكثر تخصصا بما لا يقاس بالفعل الأصلي خرب
ومن شرب خرّج العراقيون شربت
ومن طرب خرّج العراقيون طربك وطربل
ومن سكر خرّج العراقيون سكرش وسكرب
ومن برك اشتق العراقيون بركس
ومن تلف انتجنا تلفس
ومن صخر خرّجنا صخرج
ومن قرم أنتجنا قرمط
ومن زرب نذكر زربن
ومن فرز قلنا فرزن ومثلها فرطن من فرط وفرعن من فرع
ومن ضرب اشتققنا ضربط
ومن كبس انتجنا كبسل والمفردة الإنكليزية كبسولة مأخوذة منها وليس العكس. العراقيون يقولون مكبسل وتعني مضغوط ومرهق عصبياً
ومن سرب اشتققنا سربت وسربل التي انتجت سربلي وهو ابن الشوارع ولا علاقة لها بالمعنى العربي للبس القميص وهو السربال.
وغير ذلك كثير ومن الواضح أن تحديد استخدام الفعل الجديد وتضييقه الى معنى أكثر تخصصا يرفع من كفاءته.
– إضافة حرف او أكثر وسط الفعل
سورب من سرب
ضجور من ضجر
ضبضب من ضبّ
عروج من عرج
زحلف من زحف
زوبل من زبل
سحسل من سحل
خنزر من خزر
فرفح من فرح
قرقش من قرش
من رأى يرى اشتققنا رارى ويراري وتعني يُرى من خلاله
– إضافة حرف الى أوائل الأفعال
من غلط نشتق بغلط وزغلط
من سمر نشتق بسمر
من نفش نشتق حنفش و دنفش
من سمل نشتق دسمل
من رفع نشتق درفع و كرفع
من فحم قلنا فلحم وتعني احترق بالنار الحقيقية أو المعنوية.
– استحداث أفعال من أسماء جامدة عربية وغير عربية لا اشتقاق لها في العربية ذات معنى محدد معروف متفق عليه بين الجماعة
قندل من قنديل
نكرز يتنكرز وهو فعل عالي الكفاءة ويصيب الهدف تماماً ومن الصعب جدا الاتيان ببديل عربي له
– شيوع إضافة حرف الميم الى أوائل الأفعال الثلاثية في اللغة العراقية المحكية لاشتقاق أفعال رباعية محددة الاستخدام لغرض معين وهذا الاشتقاق غير وارد في العربية بهذا الشكل الواسع.
مسلت من سلت
مرجح من رجح
مرعد من رعد
ملعب من لعب فنقول لا تتملعب عليّه
ملعن من لعن نقول يتملعن
مرجل من رجل فنقول يتمرجل علينا
مضيك من ضيّق ومنها يتمضيك
مضرط من ضرط والمعنى كما هو واضح مختلف تماماً عن الفعل الأصلي ومثلها مخرط من خرط
مسلت من سلت
وغير ذلك كثير
– دمج فعلين لاستحداث فعل جديد وهذا متواتر كثيرا في العراقية المحكية وفيه الكثير من العبقرية لأن ظلال الفعلين تبقى حية في الفعل الجديد مع انتاج فعل جديد كفوء ومتميز
شرمخ هو نتاج شرم وشرخ
خربط فيه ظلال خرب وخرط
درفع هو جمع دفع ورفع
سربت فيه ظلال سرب وسبت
ومن هنا نستنتج أن اللغة العراقية المحكية كانت ولازالت وستبقى قادرة دائما على أن تكون ذات كفاءة عالية جداً وعلى مستوى التحدي اللغوي في استحداث واستعمال أفعال وأسماء لغرض محدد دون خلط أو تشويش في المعاني.

فهيم عيسى السليم
أوكلاند
22 شباط 2020

شاهد أيضاً

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (10) (ملف/43)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

دفاتر قديمة
مترجمون عراقيون لروايات عالمية
ناطق خلوصي

ترجم مترجمون عراقيون العديد من الروايات العالمية وتوقفوا في المقدمات التي كتبوها عند جوانب مما …

ندوة أحلام عمّانية
بقلم: منى عساف*

في رابطة الكتّاب الأردنيين وفي قاعة غالب هلسة كان اللّقاء مع الكاتب زياد جيوسي بمحاضرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *