علي عبد العال: الرُقيمُ الأول.. أسماك صغيرة ميتة تشبه روحي (فصل من رواية)

كنتُ فتى يافعا يمشي بين ظلال الأشجار تحاشيا لأشعة الشمس التي تضرب طرقات البصرة وأجساد الناس فيها فكأنما تشويهم على أرضية فرن كبير بحجم المدينة. وكنتُ جميلا في نظر أمي، كما يمكن للأمهات النظر إلى أطفالهن الصغار، وضعيفا هزيل الجسد في واقع الأمر. إلى درجة أن أمي كانت تخاف عليّ كثيرا. بدوري كنت أشعر بالخوف من كل شيء غريب وغير مألوف جراء تحذيرات أمي المتواصلة لي كلما هممتُ الخروج من دارنا البسيط بحثا عن الرزق في أحياء المدينة وشوارعها الفقيرة. الحصول على قوت اليوم لي ولأمي ليس بالأمر الهيّن ولكن ليس بالعسير أيضاً.
أنا أعرف ذلك كما تعرفه أمي بالضبط. لكنها إذا منعتني من الخروج ومواجهة الحياة الخطرة على الميناء وفي السوق القديم العام، فإننا حتما سنموت من الجوع. لذا كانت ترافقني حتى عتبة دارنا المغبرة وهي تقرأ التعاويذ وتمسك بيدها بعض الخرز الغريبة وطاس ماء قديم مطّعج من مادة الفافون الرخيص، هو الإناء الوحيد الذي نتشارك شرب الماء فيه داخل البيت لتباركني برش الماء على أثر قدمي الصغيرتين اللتينن أطبع رسمهما على تراب الطريق المجهول الذي ينتظرني في كل صباح. يستمر هذا الانتظار القلق الذي تفجّره أمي في روحي فجر كل يوم إلى حين عودتي مرة أخرى إلى البيت. أقول البيت عن هذا المكان الغريب، هذا المكان البسيط جدا لا يصلح العيش فيه بالنسبة للبشر العاديين، هو عبارة عن كوخ مهلهل الأركان، أرضيته من التراب وجدرانه من الطين المسقوف بسعف النخيل. حتى أنها لا يغمض لها جفن لا في النهار ولا في الليل جراء القلق عليّ. خصوصا وأني عشت الأيام الأولى من طفولتي في بيت ليس فيه أب. لذا لا أعرف أفضال الآباء على الأبناء بشكل واقعي. ربما يكون هذا الحال أفضل من سلطة أب أهوج وعديم الرحمة. وبالرغم من المشقة التي كنت أتكبد أعباءها بنفسي وأنا مجرد طفل صغير، إلا أن الحياة من دون أب تفرض الكثير من فرص التعّلم على الدروس الخاطئة على أيدي الغرباء، الطيبين منهم والأوغاد. وبما أني أعيش وحيدا مع أمي فأنني لا أمتلك أيضا لا أخت ولا أخ. لم أعر اهتماما جديا لهذا الوضع الذي طالما اعتبرته في داخلي أشبه بـ “الأمر الواقع”. حتى كان يراودني شعور خفي بعض الأحيان أن هذه المرأة الحنون التي ترعاني وتسهر على تربيتي هي ليست أمي الحقيقية. وكما لو أنني بذرة ألتقطها طير غريب ورماها على الأرض فنمتْ وأخذتْ تشق طريقها في الحياة كيفما أتفق. تلك الحياة الشاسعة التي ستجعل بعد عدة قرون نصف الكرة الأرضية من أقاربي ومن المدعين بحقوقي الأساسية في الوجود، وجود الحقوق البشرية على سطح الكرة الأرضية، بالإضافة إلى حقوق الحيوانات الأخرى التي تعيش معنا على هذا الكوكب الصغير، تلك الحيوانات المختلفة الأحجام والأنواع التي أحبها من صميم القلب.
**

كنتُ أتحاشى القدر الأكبر من المخاطر كرماً لمشاعر قلب أمي وحبها المفرط، الذي يبلغ أحيانا مرتبة الخبل والجنون، لهذا الابن الصغير الذي هو الكائن الوحيد الذي يمت لها بصلة جوهرية في هذا الوجود. كانت تقدسني كنيزك هبط من السماء وليس مجرد طفل لفظه رحمها الكريم “كانت امرأة عجفاء لكنها غير لئيمة”. لذا فضّلت أن ألوذ بالصيادين الذين يحصلون على رزقهم من ماء شط العرب الكبير. ذلك الدفق المائي الحلو الذي لا ترى عيني له ضفافا مهما رمت نظراتها إلى البعد حتى بلوغ الأفق الذي تلتصق فيه السماء مع سطح الماء. وكنت أساعدهم بقدر ما يمكن لطفل أن يقدمه لنيل رضا الكبار وتجنب غضبهم وتذمرهم من أتفه الأمور؛ وبالتالي الحصول على نتفٍ من الصيد الشحيح الذي يحصل عليه أولئك الصيادون الكسالى الشرسو الطباع.
هذه الخدمات البسيطة والعفوية التي أنفّذها بقناعة وعن طيب خاطر كانت هي مصدر رزق أمي الوحيد في هذا الكون، وأنا معها في هذا المصير المحتوم. كأن أجلب لهذا الصياد الماء البارد لكي يشرب جرعة ثم يبصق على الأرض من غير معنى، أو بمعنى من المعاني الغامضة التي تنم عن السخط من الحياة ربما. وأجلب لذاك طُعم السمك من كيس الخيش الملقى على الشاطئ، وأنقل سلة الآخر إلى الفيء وفيها القليل من الأسماك الصغيرة الميتة منذ ساعات الصباح الأولى. أسماك صغيرة ميتة تشبه روحي. بل أقول تشبه جميع أحلامي الصغيرة الميتة. وربما أقول بشكل واضح إن هذه الأسماك الصغيرة الميتة هي أنا وأمي كوننا شبه ميتين. لكن بعض الأسماك الصغيرة لم تزل تقاوم زفرات الموت الأخيرة كأنها لا تصدق أنها خرجت من الماء. أنا واحد من هذه السمكات الصغيرة التي تقاوم الموت خارج أقانيمها وقوانينها. هكذا كنتُ أموت وكنتُ أحيا في الوقت ذاته.
لذا كنتُ جاهزا على الدوام لتلبية أي نداء يمكن لصبي في مثل سني أن ينفذه؛ فأحضر لهم الطعام من البيوت، وأنقل طلباتهم إلى زوجاتهم وأوامرهم بإعداد ما يطلبونه من حاجيات وبعض الرغبات الطارئة. وكانوا على العموم أناس طيبين؛ وبالرغم من شظف عيشهم الدائم، كانوا كرماء النفس إلى أبعد الحدود، خصوصا عندما يتناولون الكحول الرخيص الكريه الرائحة “العرق”. فكنت أحصل عند المساء على بعض السمكات الصغيرة الميتة منذ الصباح. وأحيانا على قطع صغيرة من النقود تناسب جهدي المتواضع وعمري الصغير. فضلا عن كوني لم أشعر ولا لحظة بالجوع وأنا أعمل بالقرب من هؤلاء القوم الطيبين. كانت أمي تفرح بقدومي إلى الدار كل يوم تقريبا حين آتي لها بالسمكات الصغيرة الميتة المعتادة. فتعد لنا العشاء على نار هادئة تكون قد حضرتها جيدا من الحطب المؤلف من جذور العاقول الذي يغدو جمرا جميلا وهادئا يطول أمد وهجه عندما تضع قربه السمك الصغير.
أعرف تماما أن تلك الوجبة هي الوجبة الأولى التي تتناولها أمي خلال هذا اليوم، فهي لا تذوق الطعام أثناء غيابي عن البيت على الإطلاق.
حتى صادفتُ تلك العرافة التي ستغير مجرى حياتي إلى الأبد. كنت أسير بين ظلال الأشجار الوارفة المنتشرة على ضفاف شط العرب في ظهيرة صيف قائظ. أشبه بالمتسكع الذي لا يلوي على شيء. وكان عمري يناهز الرابعة عشر عاما. ظننت أنها امرأة مسكينة بحاجة إلى المساعدة. طبع الطفولة البريء في أعماقي ينحو إلى مساعدة الناس وخدمتهم. لا أفعل ذلك بالإجبار وإنما عن طيبة قلب وخلق كريم. ولا أقول ذلك من باب التفاخر، بل تلك هي الحقيقة على بساطتها. تبادر إلى ذهني حين شاهدتها جالسة تحت شجرة الصفصاف العملاقة وهي ترتدي تلك الثياب السوداء المغبرة أنها ربما تكون بحاجة إلى الماء. فقد كانت امرأة غريبة عن هذه الديار كما لا يمكن أن تخطئ عيني. أحضرت لها الماء البارد وقدمته لها رغم توجسي منها وخوفي من نظراتها الثاقبة الشديدة التركيز. تذكرتُ أمي حين وقع بصري على هذه المخلوقة المتشحة بالسواد؛ وخطرتْ على بالي جميع المخاطر التي ربما يتعرض لها صبي بمثل عمري إذا لم يكن شديد الحذر من الناس الغرباء الذين لا يعرفهم. لكن دافع الشفقة والرغبة بتقديم المساعدة هما اللذان تغلبا على مخاوفي أخيرا فاقتربت منها طواعية.
تناولتْ المرأة الغامضة جرعة من الماء بصمت؛ نظرتْ إليّ بعينين صافيتين كما عيني صقر في الصحراء. كانت قسمات وجهها صارمة لكنها ليست مخيفة. ربما، ونتيجة لتعاملي اليومي مع الصيادين من الرجال الشرسين في المظهر والطيبين في الجوهر، صرت لا أخاف كثيرا من الكبار رغم قسوة وجوههم وخشونة اكفهم ونظراتهم المخيفة التي غالبا ما تخفي عواطفهم النبيلة وطيبتهم العفوية. وفي اللحظة التي أوشكت فيها على مغادرة المكان سحبت المرأة الغريبة كفي الصغيرة وفتحت كيس صغير من الجلد القديم فيه أصداف بحرية وقواقع فارغة لحلازين ميته وعظام بيضاء نظيفة ربما تعود إلى فصيلة من الطيور القوية التي تسبح في الفضاء، فهي أشبه بالمناقير المعقوفة المدببة والمخالب القوية المنفصلة عن بعضها، مخالب نظيفة لحيوانات مجهولة. رمت أحجار الودع تلك على الرمل وتأملتها بروية كعالم فلك ينظر إلى النجوم البعيدة، كانت تضرب الودع لتجد حظي في الحياة القادمة، أي تحديد مسار مستقبلي برمته بثمن جرعة ماء باردة. وأخذتْ هذه المخلوقة الغريبة تتطلع في أحجار الودع بإمعان أكثر فأكثر وكأنها تستغرق بغيبوبة من النعاس أو الغياب بخطواته الأولى نحو الرحيل والتلاشي النهائي. قالت العرافة لي وكأنها تشكرني على خدمتها بما يشبه الفحيح:
ـ ” أنت صبي جميل.. ستجد فتاتك في بستان فيه نخيل.. ستراها وستحبك من أول ما يقع نظرك على وجهها.. ستتزوجها وستنجب لك صبي مثلك، وهذا الصبي سينزل بهذا الماء ـ وأشارت بيدها إلى ماء شط العرب ـ لكن أبنك سوف لا يعود من الماء.. سيأكله الكوسج*.. وكلما ولد لك صبيا ونزل هذا الماء سيأكله الكوسج.. فأحذر الكوسج وأحذر هذا الماء”. قالت لي العرافة!
فما كان مني سوى كتابة تلك الكلمات في رأسي، أنا لا أكتب الأشياء إلا داخل رأسي. وبينما كانت يدي النحيلتين التي قدّمت لها الماء قبل قليل تحاولان إنقاذها من الموت حتى لفظتْ أنفاسها الأخيرة. أشكُ كثيرا في أنني أجهزت عليها من شدة الخوف. كانت في الواقع تفارق الحياة من تلقاء نفسها. لكنني تحملتُ وزر هذه الجريمة ربما لأنني لم أستطع إنقاذ حياتها كما يجب. هكذا يشعر الشخص البريء غير شعور الشخص الآثم بالفطرة. لا ضير في شخصٍ نظيف يدوس على جثة عن طريق الصدفة أو عن طريق الخطأ. بيد أن المشكلة الحقيقة كانت تتعلق بأمي ذاتها، إذ راودني الإحساس الفطري بضرورة التخلص منها كونها تشبه هذه العرّافة بأشكال غريبة أحيانا وبصور واقعية في بعض الأحيان، تلك الصور المشحونة بالغرابة والخوف. على الرغم من الحب الكبير الذي يبتعد كثيرا عن الوصف لأنه لا يوصف بأي حال من الأحوال، ذلك الذي أكنه لأمي؛ ربما راودني الشعور بالتخلص منها من غير كذبٍ ولا إدعاء؛ التخلص من هذا الحب القاتل الضعيف. ليس لها سوى أنا في هذا الكون، وليس لي سواها في هذا الكون أيضا، وهذا ما جعلنا أضعف حلقة في السلسلة البشرية العادية. الكون واحد في حساب الناس البسطاء كما هي المدينة واحدة والمحال في السوق واحدة. بيد أن الكون الذي يبدو واحدا في العين المبسّطة ما هو إلا أكوانا كثيرة لا تُعد ولا تحُصى. كل فرد منا نحن البشر هو عبارة عن كونٍ قائمٍ بذاته. الكون يختلف من شارع إلى آخر، ومن حارة إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى، ومن بلدٍ إلى آخر. عالم الجنس البشري مليء بالأكوان الغريبة والأجرام البشرية التي تشبه الأفلاك السماوية، فلكل واحد له برجه الفلكي ومداره الخاص في هذه الخارطة المبهمة، خارطة الحياة. لا حاجة لنا بهذه العلوم الغامضة، حاجتنا الأساسية بمسير الشخص بين هذه الأجرام السماوية. على سبيل الافتراض أنني تسببت في موت العرّافة الذاهبة في الطريق نحو السماء والتي بعثتها السماء لرشدي على مدى ثلاثة عقود من الزمن. لماذا ماتت هي لكن نبوءتها لم تمت؟ نحن البشر على سطح الكرة الأرضية ربما نكون عبارة عن أجرام سماوية تتحرك على كوكب فريد أسمه الأرض. أجسام البشر فيها حرارة وفيها كهرباء ودوائر مغناطيسية والكترونات في الأدمغة لم تتطور بعد لتبلغ الوضع المثالي. ربما ينظر لنا مَنْ هم في النجوم والمجرات الأخرى كوننا أجرام سماوية ذات حرارة مشوشة في الرؤوس وفي العيون بحيث تثير مخاوفهم؟
*(الكوسج نوع من أنواع القرش الكبير المفترس)

***

نسيتُ نبوءة العرافة بتقادم السنين كما نسيت موتها الشاذ على قارعة الطريق؛ كما يمكن للحيوان نسيان جرحه الغائر ويكتفي بنش الذباب عنه من غير مبالاة ولا ألم. نسيتُ الفأل السيئ المتربص بمصيري المجهول. كانت على وشك الموت في الحقيقة. ربما ماتت وأنا أسقيها بجرعات الماء. كانت واهنة، وأظن أنني قتلتها لعدم العناية الجيدة بها. أظن أنني قتلتها بجرعات الماء الباردة وهي قادمة من الصحراء. كان الصيادون يخشون البدو القادمين من الصحراء. يقولون عنهم “برابرة ولصوص”. لكنهم مخيفون بشكل واقعي. ليس الصيادون يخشونهم فقط وإنما عامة الناس.
عودتني أمي أن أعود إليها عقب كل مشوار أقضيه في زحمة هذه الحياة. ولا تعني العودة إليها ذات الشيء الذي تعنيه العودة إلى البيت كما في كل يوم. كل عودة لها شكل خاص يختلف عن عودة اليوم السابق، أو حتى العودة التي تحدث أحيانا تحت سقف النهار الواحد. إنما هو إحساس جامع وشامل يعني مفهوما كبيرا يشبه الدفء والأمان وامتلاك المكان والسيطرة عليه، والشعور الكامل أنك جزء لا ينفصل عن معنى وجوهر هذا المكان الذي يمكن وصفه بعالم مثالي نقي وجميل كما يمكن أن يكونه حضن الأم. وكنت أترك، بتأخري عن مواعيد وصولي المعتادة، تأثيرا كبيرا على مشاعر أمي وأحاسيسها التي تأخذ بالاضطراب كلما طال وقت غيابي، لتتحول في نهاية المطاف كتلة غير مستقرة من القلق والخوف والترقب. وكان يحصل داخل روحي ذات القلق والاضطراب في الوقت ذاته، لكنني لم أكن استسلم له بسهولة بحكم وعيّ الساذج المكون من مواد غاية في السهولة البعيدة عن التعقيد. وإذا كان الرزق هو َمنْ يعيق حضوري إلى البيت في موعدي المعتاد، أعمد إلى عدم رضوخي لمشاعري أو لانفعالات أمي الطبيعية، وكنت كمن يدربها على تقبل هذا الوضع كلما تقدمت بالعمر بضعة شهور أخرى. لكن لم يكن ليخطر على بالي، ولو من باب الوهم أو الخرافة، أنني سأغيب عن أمي أكثر من عشرين عاما دفعة واحدة، وهي غيبة تشبه في الواقع غيبة الموت. بيد أنني لم أكن ميتا على الإطلاق، وإنما كنت مشغولا بالحزن والأحداث الجسيمة التي ألمت بي على حين غرة. الشيء الذي كنتُ احتفظ به دوما كتذكار من أمي هو تعويذة صغيرة كانت تلصقها خفية وكيفما أتفق بجزء من ثيابي بدبوس فضي صغير. وأخيرا، ومع مرور الزمن الطويل، صارت هذه التعويذة الصغيرة بالنسبة لي هي كل أمي. أنام وخدي ملتصقا بها كما لو كانت خد أمي، وأشعر بالذعر عندما أظن أنني ربما أضعتها. لا أعرف بالضبط ماذا يوجد داخل هذه القماشة الحريرية السوداء التي كانت من الجودة والصلابة أنها قاومت عرق وملح جسدي ومياه جميع الأنهار التي خضتها بملابسي ورمال الشواطئ ووسخ الطرقات وقذارة الأسماك الميتة كل هذه السنين الطويلة. لكني كنتُ على قناعة راسخة أن هذه التعويذة هي التي تحميني من الوقوع بالمخاطر المهلكة، بل هي التي تحميني من الموت الذي يحدق بي عند كل منعطف هام من منعطفات الحياة المتشابكة.
**

ذات يوم جلبتُ معي إلى البيت ثلاث سمكات صغيرات. لم تكن السمكات كلهن من نفس الحجم. كانت واحدة أكبر من الأخرى بقليل. ولم يزل رفيف الروح ينبض تحت قشرتها الصدفية اللامعة وبدين جميلات جدا وطازجات كصيد آخر المساء. لم تظهر على قسمات أمي علامات الفرح كما كنت أتوقع. وتلك هي المرة المثالية التي أتقن فيها حصاد يومي البائس حسب اعتقادي. وبدل ظهور علامات البهجة والحبور على وجهها، رأيته يأخذ بالتجهم ويقرب إلى الغم، حتى راودني الشك أنها عرفت سر العرافة وقتلي لها بالحب الفطري والماء البارد. كانت تتأمل السمكات الصغيرة اللاصفة تحت ضوء القنديل نظرات عميقة، بدت لي غريبة. ثم أبعدت السمكات جانبا وهي تقول كلمات ذكرتني بلهجة العرافة التي لاقيتها قبل أيام ولم أخبرها عنها:
“سترزق بثلاثة صبيان يا بني.. وهؤلاء الصبيان الثلاثة سوف يزهقون تحت الماء واحدا تلو الآخر وهم لا يعرفون بعضهم البعض.. أما أنت فستنجو وتبقى وحيدا كما أنت الآن”! لم أجرؤ على التفكير بخنق أمي أيضا. لم أطق التفكير برسم مستقبلي على شكل خرافة. ومع ذلك لم يكن مستقبلي سوى ترجمة سخيفة وباهتة عن الخرافات. لا أستطيع خنق الخرافات، بل حتى لا أستطيع منعها من خنقي.
هذه النهاية التي اختتمت فيها جملتها والمكونة من ثلاث مفردات مصيرية كانت هي العزاء الذي أنقذها من السقوط على الأرض من شدة الإعياء تلك الليلة الساحرة. كان كل ذلك مجرد تكهن لم أحفل به ولم يلقْ مني أدنى اهتمام يومي سوى الشعور الخفي بالخوف الغامض الذي يراودني في ساعات الليل التي أتحول فيها بشكل طبيعي إلى ذئبٍ شرس لا يخاف من المخاطر من أي نوع، حتى الموت ذاته لا يرهبني إلا قليلا.

***

الشيخ العجوز “ماني” هو الملاذ الذي ألوذ به وقت الشدائد؛ لم أكن قد تعرضت إلى شدائد حقيقية في هذه الحياة اليومية ذات السياق الرتيب، بل كنت اكتفي بما يمكن أن يصادفه صبي فقير من متاعب عامة وسط عالم بسيط ينتشر فيه الخير على نحو أكثر مما ينتشر فيه الشر آنذاك. وكنت أتمتع برؤية أصابعه النحيفة السمراء القوية الصلبة وهي ترتق الشباك وتعد خيوط السنارات للصيادين الذين يبجلون هذا العجوز الصامت على الدوام. كان ذهني مشوشا إلى درجة أنني لم أتذكر ما كنت أنوي قوله من أفكار خلتُ أنها غاية في الخطورة والأهمية للشيخ ماني، والتي تبدو لي الآن، على أرض الواقع، مجرد أوهام مضحكة إلى درجة تشعرني بالخجل من نفسي. أعرف جيدا أنه هو من أشار على أمي رفع الحلق النحاسي عن أُذنيّ الصغيرتين عندما بلغتُ السنة الثالثة من عمري. قال لأمي: “أبنك صار رجلا.. ولم يعد كالفتيات لتخافي عليه.. انزعي هذه الأقراط من أذنيه”. وفعلت أمي ذلك فورا. لذا لا أحتفظ الآن بأقراط وإنما بمجرد ثقوب صاحية في كل واحدة من حلمة أذنيّ. وأخبرته متلعثما بنتف من الأحاديث التي دارت على مسمعي في الأيام الأخيرة. كانت كلماتي كافية لأن يفهم العجوز فحواها. كان صامتا طوال الفترة التي استغرقتها ثرثرتي وشروحي الساذجة. لكنه، وقبيل انصرافي عندما حان الوقت، قال لي وكأنه يسدي نصيحة إلى نفسهِ:
“عسى أن تكون البرية خيرا لك يا بُني من البحر”.!

“البحر والبرية” كلمتان ربما أكون قد سمعتُ رنينهما المجرد من المعاني الفلسفية في حياتي القصيرة الحافلة بالعمل البسيط الذي يشبه اللعب. لكن بعد تلفظ الشيخ بهما على هذا النحو الغامض جعلهما تبديان لي مثل الألغاز في الأحاجي والحكايات الخرافية التي لم أفهمها جيدا عند سماعها هنا وهناك. على كل حال فأنا لم أستفد بأي عبرة من هذه العِبر التي تُقدم لي بشكل عميق ولكنه مجاني بالرغم من سعيّ الفطري وراء النصح. ربما كنت غضاً بما فيه الكفاية لكي لا آخذ كل الكلام الذي أسمعه على محمل الجد. هكذا يفعل الفتيان على الدوام. إنهم يسمعون ولا يفقهون.

تمضي الأوقات في مجرى الحياة الهادر كما تمضي المياه الوفيرة في مجرى نهر كبير، وبينما تجُّمع المياه نفسها في البحار الكبيرة لم أكن أعلم أين تذهب كل هذه الأوقات والأزمان المهدورة في حياتي لتجمّع نفسها في أي بحر وفي أي مستنقع وفي أي هور من أهوار العراق الشاسعة الضحلة. وربما في المقابر، أو هناك بعيدا في أعالي السماوات، أو في الجنات التي لا يمكننا رؤيتها وإنما نحلم بها فقط عندما نغوص في الجحيم. وهكذا تمضي سنوات العمر السريعة لتصب أحداثها في قالب الذاكرة. أية ذاكرة؟ إن العالم يتحطم من حولي وهو يحطمني بدون رحمة. ولا يبقى في الذاكرة الحية سوى هذا الحطام. تبا لي كيف لا أدرك مثل هذه الأشياء البسيطة إلا بعد فوات الأوان. فقد ذهبتُ في الحياة كما يذهب نهر صغير نحو اليباب ونحو الهلاك؛ لم يكن بمقدوري السؤال عن مصيري وشكل نهايتي. وكان كل مَنْ أصادفه يغرف من هذا النهر الصغير على ضحالته وقلة شأنه. لكن أخيرا، وعندما تحين اللحظة القاسية التي يجب فيها إثبات براءة النهر من الأخطاء غير المقصودة ومن الأوساخ التي يرميها الآخرون فيه دون مبالاة، يغدو من المتعذر، بل من المستحيل إثبات مساوئ وأخطاء الآخرين إن لم نقل جرائمهم، دعك عن إثبات براءة النهر الصغير.

نسيتُ تلك النبوءات المزعجة التي لم تكن تعني لطفلٍ مثلي بشيء سوى المزيد من تعكير الذهن وصفو الفكر؛ وأكثر ما كان يسليني هو رخاء الوقت والحصول على الرزق بطريقة لائقة، ومن ثم إعجاب الصيادين بشطارتي المبكرة. لم أكن صيادا ماهرا، لكني ما أن أمسك بصّنارة يضجر منها صاحبها، حتى تعلق أكبر السمكات فيها. كنتُ لا أشعر بنشوة الصياد بقدر شعوري بغبطة الصبي المحظوظ، والكل كان يباركني على حظي وحسن طالعي. حتى أن البعض من الصيادين كان يترك صنارته لي لمجرد أن يجرب حظه من خلال طفولتي البريئة. ومَنْ يفعل هذا عن عمد كان يلقى دوما حظه العاثر بالانتظار، حيث لا سمك ولا من يحزنون.

رحتُ، وبولع أكبر، أمضي إلى المكوث معظم الأوقات بعيدا عن الشاطئ؛ إنه بمثابة تدريب خفي راحت نفسي تجنح إليه في ظل خوف مبهم شبيه بخوف الإنسان ورهبته من الموت عندما يلّمَ به مرض ما. المخاوف لا تلحق إلا بالأرواح الهشة، وكانت روحي من الهشاشة بحيث إنها لم تستطع مقاومة كل تلك النبوءات المخيفة عندما أفكر فيها بطريقة جدية في غفلة من مشاعري الطفولية البريئة. إلا أنني كنت أتمتع بصفة النسيان، فضلا عن صفة العناد الفطري الذي ورثته عن أمي الحرود. فهي لم ترضخ إلا إلى ما تراه صحيحا في الحياة ولم تفعل إلا ما تمليه عليها روحها العكرة وعقلها العنيد. وصرت أهرع إلى البساتين الوارفة الطيبة، وكنتُ أجد فيها ملاذا أقل غموضا من مياه الأنهار الجارية غير المستقرة التي بلبلت جميع أفكاري وشتتها كما تتشتت المياه الحلوة في البحار المالحة. سواد البصرة أرض غنّاء بالبساتين الكثيفة العامرة المغمورة بالغرين، ذلك الغبار الناعم الذي يغرس جسمه في الماء فيحوله إلى صحراء بعد آلاف السنين. للماء قوة لا تشبهها أي قوة على سطح الأرض، لكن الغبار له القوة الأكبر لأنه ينتصر ببطء على الماء. لسطح الماء وجوه كثيرة ومتنوعة، فتارة هو خمري كأنه من الفخار المحروق، وأخرى لونه قمحي بلون الغرين، وأحيانا يغدو صافيا مثل وجه ملاك حتى تستطيع الشرب منه كما لو كنتَ تشرب من نبعٍ، ومرة تراه وقد انتشرت على سطحه البثور والدمامل والفورات المخيفة حتى يغدو كالشيطان. بينما يظل البستان محتفظا بلونه الأخضر على الدوام. تقول الكتب القديمة أن وجه الماء مثل مرآة تعكس وجه الخالق العظيم، وهذا أمر صحيح تماما، لأن مَنْ ينظر إلى وجه المياه الرائعة وهي في غمرة السكون بإمكانه أن يرى أعماق السماء. بل يمكنه رؤية جميع الآلهة.

أخذتُ أبيع الفاكهة التي أحصل عليها من البساتين والبستانيين لقاء مجهودي اليومي ونزهتي وتأملاتي الغريبة، في سوق المدينة عند المساء. وصرتُ أعود إلى البيت مصحوبا بالفاكهة بدل الأسماك التي لم تفارقها الروح تماما، أو على وشك أن تفعل ذلك عندما تلبط بوهن، أو الأسماك الميتة أصلا منذ الظهيرة، وهي عادة تكون صيد الفجر. حتى جعلتْ أمي تتحسر على رؤية السمك بعد رؤيتها البغيضة تلك. ويبدو لي أنها نسيت ما أدلتْ به لي ذلك المساء الغريب وكأن روحا غريبة تلبستها بتدلي هذه الرؤية المخيفة السابقة لأوانها. وكانت القروش القليلة التي أحصل عليها تكفينا شراء أرغفة الخبز وبعض اللوازم الحياتية الأخرى.
لم اعد، منذ الرؤية المشؤومة التي روتها لي أمي، ارغب بالبحر كثيرا؛ كنتُ أسمع عن “مواسم الحصاد” التي تحين أوقاتها في الصيف أعالي مدينتنا. مواسم قطاف التمور خصوصا، إذ أنها تدوم فترات أطول وتدر أرباحاً أكثر. ورحت أمني النفس بأن أذهب إلى تلك المناطق وأمضي فترة الصيف في هذا العمل الذي بدا لي شيقا، لكن كيف لي أن أتدبر الأمر مع أمي.؟ قلتُ لها:
“سأغيب عنك يا أمي خلال أيام الصيف، وجدتُ عملا جيدا.. سآتي لرؤيتك كلما سنحت الظروف.. وسأبعث إليك كل ما تحتاجينه”. قالت لي بوجوم:
“أذهب إلى طريقك يا ولدي وليرعاك الله؛ لا أريد أي شيء منك سوى سلامتك”.

أنا لا أجيد الحديث عن أبي؛ لأنني لا أتذكره. لا أعرف من هو ولا كيف كان شكله. أعرف فقط أنه رجل طيب وشجاع كما تقول أمي عند السؤال عنه. مات أبي وأنا لم أزل جنينا في بطنها. ربما أني ورثت بعض خصاله الطيبة، أو السيئة، لا أدري بالضبط. كل ما في الأمر أني توصلت إلى حالة أثيرية تقرب إلى الحلم أوصلتني ببساطة متناهية إلى اعتبار أن أبي كان واحدا من الملوك الكبار المنقرضين. كل طفل يتيم ليس له أب موجود في المجتمع يفكر على هذا المنوال في سبيل التعويض عن النقص. ساعدني في ذلك أن أحدا لم يذكر لي سيئة من سيئاته، ربما لأنه لم يكن موجودا في الواقع ليرتكب الأخطاء التي سيتحدث عنها الناس دون ريب. وكان التوضيح الوحيد الذي استطعتُ فهمه من أمي بشق الأنفس أنه قضى تحت الماء وهو يصارع الوحوش التي تقطع رزق الصيادين في جوف النهر الكبير. “أبي إنسانٌ صالحٌ على أية حال” قلتُ في نفسي دوما. لم أنتبه جيدا إلى مصارعته للوحوش داخل الماء لأني اعتبرت ذلك جزءا من الأوهام. كنتُ على استعداد كامل لتصديق بعض الخرافات الأخرى لأنها تتناسب مع تفكيري البسيط، وربما لا تتعارض مع طموحاتي وأحلامي الصغيرة في أن أكون رجلا قويا وطيبا. وكنتُ أصدق دوما عثور علاء الدين على الفانوس السحري وتحقيق أمانيه بالجملة، وكنتُ أؤمن أحيانا بطاقية الإخفاء السحرية، وتخيلتُ على الدوام أنني سأرتدي مثلها ذات يوم بعد أن أعثر عليها عن طريق الرزق الذي يأتي عن طريق البحر الغامض، أو عن طريق مجرد الصدفة المحض.
تلك أشياء بسيطة يمكن للإنسان تصديقها لأنه يتمناها، بيد أن الموت والشجاعة والبطولة، تلك من الأمور التي يصنعها البشر بأنفسهم ولا يهديها لهم أحد. وكانت البصرة في طور تكوينها الفكري الجديد، ولم يزل واصل بن عطاء تلميذا للشيخ الجليل الحسن البصري، ولم تكن القرامطة قد ظهرت بعد، ولم يكن أسم حمدان بن قرمط قد ظهر أصلا. كل ما كان هو أني سمعتُ باسم حكيم يتداول الناس اسمه على درجة من الورع والهيبة أسمه “ماني” الذي هو نفسه أسم الشيخ العجوز الذي أمضي معظم أوقات الفراغ برفقته. كان يعرف الكثير عن النور والظلام، وعن الخير والشر، والنقي من الأشياء والخبيث منها.

لملمتُ بعض الحاجيات القليلة وأنا أودع أمي بالدموع التي اشتركنا بذرفها بسخاء وكأننا سنموت نحن الاثنان عند المساء وقبل حلول الفجر القادم. كل ما في الأمر أنني ذاهب لأجرب حظي في موسم الحصاد الذي يبعد عن دارنا بضعة فراسخ.
ذهبت إلى مصيري الذي يتحتم علي الذهاب إليه، كما لو كانتْ قوة خفية تجذبني نحوه بتصميم. توفرت في تلك اللحظات القصيرة جميع عناصر الحكمة والتمهيد لها في عقل فتى نظيف، متمتعا بالثقة البريئة والهدوء النفسي العميق تقريبا. في هذا المناخ الطفولي الإنساني الصغير، البريء والجميل والضعيف يبدو فيه حتى الهلاك المحتوم أمرا رائعا.

***

مشيتُ في طرق الفجر النقية الهواء والزاهية المنظر وأنا مفعم بالآمال المجهولة.هذه الدروب أعرفها جيدا، إذ أنني أسير فيها يوميا من دون مبالاة، وأستطيع، مغمض العينين، أن أستدل على كل ثنية وعطفة فيها، لكنها بدت لي في هذا الفجر الأبيض الناعم الجديد وكأنها طرق لم أطرقها في الماضي أبدا. هذه السعادة الفطرية بالحرية المفاجئة جعلتني أشعر بالكدر الروحي بشكل خفي. هذا الكدر الذي سيظل يلازمني طالما تذكرتُ أمي. يمكن للإنسان أن ينسى كل الدموع التي ذرفها في الحياة، لكنه لا يستطيع نسيان دموع أمه. مشيتُ على غير هوادة يشدني خيط روحي نحو البر. كنتُ أتطلع إلى البساتين الداكنة الخضرة التي تلوح من خلف النهر الكبير وكان يراودني الشعور بالفرح كالذي يفلت من حصار جدران من المياه الموصدة كما سمكة صغيرة في حوض زجاجي. هكذا هي روح طفل ذكر يتجه لأن يكون في طور الشباب. لم أتعلم من الرجال الذين عرفتهم سوى الصرامة. لم يكن لأحدٍ أن يحبني كما كانت أمي تفعل. كنتُ على الدوام مفتقدا إلى حب الرجال لي، ربما بسبب غياب أبي عني وعدم وجوده أصلا. أتعرض دوما إلى سخطهم وشتائمهم رغم أني أقوم على خدمتهم ما بوسعي. لذا كرهتُ الرجال الكبار البالغين دوما ولم أعد أثق بهم، الأمر الذي قربني من صورة “فتاة” خجولة بسبب جمالي وهزال جسدي. وهو شعور يعززه شعري الجميل الكثيف وبدني الغض وبشرة وجهي القمحية الصافية وكل الدلال التي وهبتني إياه أمي الحبيبة. كانت بعض الفتيات الصغار مثلي يعاملنني كأنني نفر منهن. لكني كنتُ أعامل نفسي كرجل وسطهن، رجل ولا كل الرجال. وكنَّ يزددن أفتتانا بي ويتنافسن على كسب ودي وصداقتي بتنافسٍ يرضيني. لكني، لصغر سني وعدم الثقة الكاملة بنفسي حدبتُ على الابتعاد عن كل الفتيات اللواتي يضعهن القدر المبكر في طريقي.

الطريق نحو المجهول لم تكن مكّدرة بقدر ما هي غامضة. عثور علاء الدين، صديق طفولتي، على الفانوس السحري كان هو مرشدي في هذه الحياة الكبيرة. على الدوام كان يرافقني شعور بأنني أضعف من بعوضة. وكنت جراء هذا الشعور أردف نفسي بالكثير من عناصر الشجاعة الوهمية. حتى بدوت نزقا ووقحا ويطردني بعض الناس عندما يلمحون الشرر المتطاير من عيني الواسعتين حين أرفض عطفهم وشفقتهم الطارئة. من حق الكائن الضعيف أن يستخدم الحيلة لإخفاء عجزه. أدواتي كانت بسيطة، طعامي يعتمد على خدماتي التي أقدمها لمن يحتاج الخدمة. وصرت طفلا محنكا يتمتع بذكاء تاجر وهو يبحث عن العمل المجدي الذي يجب أن يكفي فيه أجر يوم واحد طعام أسبوع كامل على الأقل.
***
غبتُ عن أمي وحارتي الأليفة والمياه الهادرة الحلوة المتصلة بالبحر ثلاثة مواسم على التوالي. في كل موسم كانت تفرح كثيرا عندما تجد أنني لم أزل على قيد الحياة، حيث أن للابتعاد عن المحبين فوائد غير محسوبة. وكانت تفرح، وإن بدرجة أقل لمحصولي ودخلي المتواضع خلال موسم الحصاد. أرى جيدا بعينيها انعكاسا جلياً لوضعي العام. فأعرفُ تماما كم كبرتُ، وكم صرتُ أدنو من عالم الرجال. كان ذلك واضحاً على قسمات وجهها الكدر المتعب ونظراتها العنيدة الواثقة التي تشي بالفخر والرضا. حتى أنها قالت لي لأول مرة، وكنتُ أقترب من سنة عمري السابعة عشرة: “أنتَ تشبه أباك”. شعرتُ بالفرح، فرحتُ بذلك رغم أنني لا أعرف أبي جيدا، لكنني اعتبرته رجلا طيبا وكريما وأن أمي تحبه كثيرا، وإلا لم تكن لتشبهني به بهذه النبرة السخية المجللة بالبراءة والحياء.

في الموسم الرابع كنت أقترب حثيثا من الثامنة عشرة، وهو السن الذي بدون أدنى شك يقذفني في عالم الكبار بجميع نقاط ضعفي وجميع عناصر قوتي التي تكاد أن تكون شبه معدومة. في كل موسم حصاد جديد رحتُ أبتعد أكثر عن موطني الأول. وجدتُ في كل مرة أبتعد فيها أكثر متعة أكبر. الدرس الذي يجب أن أتقنه جيدا منذ البداية لم أواظب عليه جيدا في المواسم اللاحقة. عندما كنتُ حديث العهد بتركي الدار للبحث عن العمل الذي يشبه رحلة عشوائية إلى المجهول. أدقق بعناية بالقروش القليلة التي كنتُ أحصل عليها. أتفحصها كل مساء وأخبئها في مكان أمين مع التفكير كثيرا بأمي وهواجسها التي أعرفها تماما. حتى أن الملاليم التي أحصل عليها عادت لا تهمني إلا بمقدار ما تهمني الحالة الجيدة التي يجب أن تعيش فيها أعزّ وأنبل مخلوقة على وجه الأرض، التي هي بالطبع أمي، بل أكثر من ذلك، فأنا أتخيل نفسي على الدوام أنني يجب أن أضحي لها بحياتي على حبها الصافي لي. ورغم كل هذه المشاعر العظيمة التي تنتابني عند تذكرها، كنتُ أحرمها دوما من رؤيتي وقضاء الوقت بالقرب منها كما تتمنى وتريد. عواطفي الجياشة تلك، وبالرغم من صدقها وحرارتها وصفائها، إلا أنها لم تمد يد العون لها، لذا بقيتْ على الدوام شبه وحيدة، ومَنْ لها في هذا الكون كي تعيش من أجله سواي؟ كانت الأقدار تترصد بها كما لو أنها اقترفت بحق السماء جرما عظيما. وأعرف جيدا أن ذيل ثوبها أطهر من صفحة كتاب نظيف من الكتب المقدسة، بل أطهر من أي شيء نظيف على وجه الأرض. لا أعرف لماذا تحتم عليها أن تتعذب بكل هذا القدر غير المنصف في حياتها البسيطة رغم أن الله العظيم المتربع على عرش السماوات البعيدة بحيث لا يمكننا رؤيته على الإطلاق، لا يمكن أن تكون صلوات أمي النقية المتواصلة ليل نهار قد بلغته عبر كل هذه السنين الطويلة. ربما أن الله خالقنا ومقدّر أقدارنا سلفا، أدرك مطلبها البسيط في هذه الدنيا السريعة الزوال وقرر البقاء عليّ حيا من أجلها كل هذا الزمن الفائض. لكن ليس دون عقاب يخصني كنتُ أناله بجدارة في كل منعطف من منعطفات حياتي الشاقة، إلى درجة أتخيل فيها حياتي بعض الأحيان كما لو كانت مجرد لوحات واضحة من الجحيم. ومع ذلك لا يسعني إلا أن أشكر أمي من صميم قلبي على كوني لا زلتُ على قيد الحياة، فأن الحياة تبدو جميلة ورائعة رغم جميع العقوبات الربانية القاسية. كنتُ أفعل ذلك بعد كل نجاة من خطر محدق، بعد كل كارثة حقيقية، بعد كل معركة خضتها مع الأوغاد وقطاع الطرق والمجرمين المتربصين بالناس الأبرياء. وفي كل مرة يواجهني فيها الخطر بشكل جدي كانت أطراف أصابعي تتحرك بدون شعور، وكأنها لوامس فراشة طرية، أو قرون استشعار حلزون رخوي، وهي تبحث عن تعويذة أمي التي سرعان ما تتحول إلى نصل سيف طويل رشيق يهابه الأعداء، أو سكين باشط يلمع نصله الحاد العريض في اشد حلكة من الظلام. وبمجرد ملامسة أصابعي لهذه التعويذة الصغيرة يزول كل الخطر الماثل أمامي مهما كانت شدة بأسه وجديته. أعرف على الدوام أنها تقف معي، أمامي إذا داهمني الخطر، خلفي إذا تربص بي مكروه، وهي غطائي الخفي فوقي إذا أسلمتُ نفسي للنوم في البيداء والبراري الغريبة وهي تحتي مثل كومة أمينة من القش في حظيرة خراف مهملة.

“التعاويذ الدينية قد تحمي الإنسان من الشرور الخفية وتبث الطمأنينة الوهمية في الروح؛ لكنها لا تجلب السعادة لكائن وحيد”. تظل على الدوام كلمات الشيخ الجليل ماني هي التي ترن بأسماعي طيلة الأوقات التي أمضيها متأملا هذا الكون. أسأل روحي: “من أين أتى هذا الشيخ الجميل المحّيا المهيب الحضور بكل هذه الثقة والحكمة والهدوء”؟ لم أكن أعثر على جواب معين، لكن صحائف الكتب التي كانت مكدسة في كوخه البسيط والنظيف كانت تبدو لي هي الجواب الشافي عن جميع تساؤلاتي وأفكاري الهائمة. لذا كان يتشكل في داخلي خيطا أشبه بخيط العنكبوت الضعيف، لكن العنيد والمطاط بطبعه، أنني يجب أن اقرأ تلك الكتب التي كان الشيخ يحبها ويحرص عليها بطريقة تكاد تفوق حب أمي وحرصها عليّ. عرف الشيخ ماني بأفكاري السرّية وأدرك رغبتي بحدسه القوي وفطنته الرهيفة. كنت مفضوحا أمامه وأنا أتظاهر بتنظيف الغبار عن أسطح بعض الكتب المركونة دون استعمال.
ـ “تريد قراءة الكتب إذاً”؟! قال لي الشيخ مبتسما برضا وحنان.
ـ نعم؛ قلت له بدون مواربة.
قال الشيخ ماني بهدوء:
“أرضك جميلة جدا؛ جامعها رجال من البدو القادمين من الصحراء، ومن ثم جامعها الرجال العثمانيين، ثم جامعها رجال إيران بعهد الصفويين، وتتالى عليها رجال هولاكو وتيمورلنك وجنكيز خان؛ إنها أرض مباحة لم يدافع عنها أي خليفة أو قائد في التاريخ. حاضرة كانت تحمي نفسها بنفسها بالثقة والازدهار وعن طرق الخجل وليس عن طريق القوة. كان المستعمرون يخجلون من الإساءة إلى بغداد. وكانوا يقعون في شباكها الجميلة المصنوعة من الأثير والحكايا والأساطير. لذا أنت لا تعرف أصلك الحقيقي. أنت ثمرة طيبة من ثمار العراق. أعرف جيدا أنك كنت تريد قتل أمك كما فكرت بدخيلتك العميقة وكما خطرت إليك ذات الفكرة مع العرّافة ورغبتك بالتخلص منها. لكن الرجل الحقيقي لا يقتل أمه. أمك العراق وهي أرض طيبة كانت مشاعة ومباحة للجميع. الرجل السومري لا يقتل ذويه. أنت من أصل سومري. أنت ابن هذه الأرض”.
**
منذ تلك اللحظة القاسمة في تاريخ فكري الساذج والبسيط شعرتُ لأول مرة وكأنني فزت بحرية حقيقية لا يشوبها الشك. صرتُ حرا تماما بعد دخول تلك الكلمات القليلة في رأسي. أكاد أرتجف وأنا أمسك الكتب التي سأفتحها بحرية، وليس خلسة، ورغم الظلام الأرضي الدامس المحيط بي، كان نور العالم ينفتح أمامي على ضوء قنديل أسقيه بالزيت لمعلمي الأول وأعيش على ذبالته في نهاية الليل عندما يرقد المعلم الكبير ويخلد للنوم.
أدركتُ للتو لماذا لا ترتعش أصابع الشيخ وقد بلغ العتي من العمر، وعرفتُ سر ابتسامته الرحبة الوضاءة التي تشبه مياه البحر الهادئة الواسعة والمترامية الأطراف، وتشبه أيضا ضوء الشمس الرحب الفسيح، بل حتى ضوء القمر الفضي البارد كان له المعنى الكبير في روح سيدي الكبير. وأول كتاب فتحته قرأتُ فيه كلمات كُتبت بالحرف العريض “المدينة الفاضلة.. لمؤلفه فيلسوف الإغريق الفاضل أفلاطون”. وعندما دخلتُ المدينة الفاضلة لم أخرج منها إلا بعد نصف عام هو جميع فصل الشتاء القارص الذي أدركه ربيع طري وجميل وكنت أشارف على الصيف حين أيقظني الشيخ الجليل بتلك الابتسامة الحنونة من سباتي العجيب. ثمة أحلام راودتني خلال هذا السبات الشتوي الطويل الذي هو أجمل من كل الأحلام التي رأيتها في حياتي السابقة والآتية. لقد شاركتُ بحروب طروادة، وكنتُ جنديا باسلا تحت آمرة البطل أخيل. وشاهدتُ الأستاذ الأعمى هوميروس وهو يغمس ريشته في الدواة كأنه يرى تلك الفوهة الصغيرة بأنامله الرقيقة. وجلستُ مستمعاً إلى الشيخ سقراط في أعالي جبال الأوليمب، وكدت أحفظ عن ظهر خاطر أشعار القائد العظيم أغا ممنون. والتهمتني أعاصير الإله أبوللو، وشربت الخمر من قارورة الإله باخوس، وكان الإله زيوس يترصدني بمحبة، حتى أنني شاهدت اقترانه بفينوس الجميلة وكنتُ حاضرا ولادة نصف الإله هرقل الجبار. وكنتُ قد أدركت مأساة أوديب وموت أمه الملكة، ودخلت الجنائن المظلمة داخل السراديب الملتوية التي يجلس بين ورودها الطنيور، الإله نصف لإنسان ونصف الثور. كانت بلاد الإغريق بلادا عجيبة علمتني الكثير في حلم قصير. شممتُ رائحة الخبز الجديد دفعة واحدة، وكان الشيخ ماني يقف فوق رأسي وهو يقول بعذوبة:
” كلْ قبل أن تموت”. وعرفتُ قصة جلجامش المؤلمة وأنا أقضم كسرات الخبز كي أعيش. بالضبط عند المقطع الذي أتى به أوتانبشتم بالرغيف السابع ليوقظه من سبات ستة أيام وضع فيها رغيف جديد لكل يوم نام فيه البطل جلجامش فاقد الوعي بعد رحلته الشاقة في البحث عن سر الخلود. الذي اكتشفته من هذا الشقاء اللذيذ إن الإنسان هو رب نفسه، وبما أنه ليس مجبولا من طينة العدالة، فأنه راح يبحث عن إله عادل، وأظن أن الشيخ ماني كان يعرف سر الإله العادل. كان متأثرا بالنور ومعناه في روح الإنسان، وحاول وصف ذلك لي ذات مرة، وقال كلمات قليلة ما معناها “إن لا شيء يمكن أن نصف به الله في هذا الكون سوى الضوء، لا بد أن يكون سبحانه مثل النور”.

إلى أين سأذهب بعد هذا المشوار؟ أنا الضائع الصغير الآثم الذي ترك أمه وحيدة تصارع الدنيا وهي قابعة في بيت صغير من الطين أشبه بالقبر منه إلى البيت.

الدنيا برمتها لا تتسع لي الآن بعد أن عرفتُ سر العالم؛ وكذلك الطريق التي يمكن لي من خلالها الوصول إلى معرفة أعمق الأسرار الغامضة في هذه الحياة “الكتب” ؛ نعم الكتب.! لكني، ولسبب مجهول بقيتُ متمسكا بفكرة صديقي السري علاء الدين، وسرقتُ فكرته الذهبية بالبحث عن الفانوس السحري، أو البحث عن أي شيء كبير الأهمية في الدنيا التي مهما كبرت واتسعت تبدو صغيرة وقريبة على الفهم من خلال الكتب. ذهب هو في طريقه وذهبت أنا في طريقي، لكن العالم بقي ثابتا لا يتحرك لا يمينا ولا شمالا، ظل العالم كما هو على الدوام، حتى بعد أن أصبحتْ مغامراتنا المضحكة وأحزاننا المبكية قصصا تتناقلها الناس في الحاضر، بل حتى بعد موتنا.
لا تزال الدنيا عصية بوجه رجل شاب؛ ولا تفتح مغاليقها العسيرة بيسر بالرغم من الطرَق المضني على أبوابها القديمة والجديدة. الأمر يتطلب أكثر من ذلك بكثير. ببساطة أن الهدف الحيوي في الحياة يتطلب المغامرة حتى الموت. الإنسان يدوخ سريعا أكثر من بقية الحيوانات الأخرى ويصيبه الإعياء لأنه كائن يفكر كثيرا، والذين لا يتمتعون بلوثة التفكير فهم لا يبلغون هذا الاستنتاج بسهولة. إذاً يجب إتباع طريق المغامرة في جميع الأحوال. ثمة زوائد ملحقة بالكائن البشري تمنعه على الدوام من أن يكون حرا في طريقه لأن يكون مغامرا حقيقيا، يقف على رأسها حبه للعيش، وليس حبه للحياة. وفيما لا تعني “المغامرة” بنسبة كبيرة سوى الموت المحتم، ومن ثم ربما الخلود، يعني العيش الرغيد بدون مغامرة هو أسهل الطرق للعيش كبهيمة هانئة. وإذا تسنى لنا إسقاط عامل التفكير بالموت، أي بمعنى آخر إسقاط الخوف من الموت، فأن الحياة ستبدو أكثر أتساعا وجمالا من كل المحسوسات الأخرى في هذا الوجود. رأى الشيخ الجليل ماني كل هذا القلق والتفكير يلوح في عيني ونظراتهما الشاردة. قال الشيخ:
“أنت عرفت البحر وخبرت الماء والنهر؛ ستعود إليه يوما ما. مَنْ عاش قرب الماء لا يفضل العيش بعيدا عنه. أنت خائف ولا تعرف طريقك جيدا الآن. أذهب وأبحث عنه”.
كلمات الشيخ القليلة تضرب قلبي مثل نبال حادة منطلقة من قوسها المشدود حد قوة الدفع النهائية، حتى الذروة. تخيلتُ أنني سأموت بعد قليل. كنتُ خائفا حقا من مواجهة العالم، وحضن أمي هو المكان الذي أفضل النوم فيه دوما حتى لو أبلغ المئة. أمي هي “العيش” الرغيد، لكنها ليست الحياة الواسعة المجهولة، تلك التي يدعوني إلى سبر أغوارها شيخي الجليل. الدهريون والصابئة والروحانيون وأصحاب المذهب الطبيعي والحنفاء، فضلا عن القرامطة والإسماعيليين، والماديين من فلاسفة الإغريق، لم يتمكنوا من صد رميات الشيخ وسهامه النافذة في أعماق روحي.
“صار لزاما عليك الرحيل يا حيان البصري من هذا المكان”. هاتفٌ يهتفُ بي من الأعماق.
**
صعودا على الأرض الجميلة نحو الشمال. طارحا البساتين الدافئة التي يمرح في جناتها الوارفة بني آدم وكأن الكون لا يعنيهم بشيء. من الأفضل أن نترك وصفا بسيطا للبصرة أبان الرحيل، تلك المدينة التي لا تتغير إلا نحو إثبات جوهرها السهل والنقي بالرغم من جميع التعقيدات الكونية التي تلم بها وبأهلها. المدينة بسيطة جدا، سوق يتكدس فيه الهنود، أو البشر الذين يشبهونهم، حتى سمي السوق بـ “سوق الهنود”. ترقد هذه المدينة على ضفاف شط العرب، وتدخل فيها أفرع أنهار صغيرة أهمها نهر “العشّار” الذي يشقها كفخذي امرأة عظيمة. يقولون له “شط العرب” وهو عبارة عن بحر رائع وكبير. يمكن للمرء تخيل كل الأشجار المثمرة والنبات الجميل الذي يمكن أن ينمو ويعيش بسلام على ضفاف نهر ما من أنهار العالم، لكن الأشجار المورقة وثمارها الطيبة ورائحة العشب والورود التي تعيش على ضفتي هذا النهر العظيم الذي هو كالبحر، بفارق إنساني غريب هو أن مياهه حلوة قبل مصبها في حوض الخليج العربي. وإذ يمشي المرء صعودا فهو لا يلقى الشمس من كثافة سعف أشجار النخيل ذات الطول الرشيق والثمر الطيب. نبات الآس والورد الجوري وزهور الشّبوي والرازقي تفوح وتملأ تلك الأرض. حتى الناس يغدون طيبون مثل رائحة تلك الورود الزكية. السوق فيه البضائع أكثر من الناس، وأحيانا لا تستطيع عد الناس، إن ذلك أشبه بالمستحيل. فأنت تلقى الذهب والحرير والجرار والقوارير مثلما تلقى الرغيف الحار واللحوم الطرية المشوية توا على شوايات طبيعية من الفحم والحطب الجاف الطيب الرائحة. وتجد التوابل الهندية والعطورات العربية من مسك وعنبر وعلكة الماء وورد لسان الثور وعرف الديك والبنفسج وكل ما لا يخطر لك على بال. وتجد أفضل أنواع الأسماك والحيوانات البحرية والنهرية مطروحة على الأرض تنتظر من يأخذها إلى البيت بسعر زهيد. لكن الأمر الذي لا تتخلص منه إلا بأعجوبة هو إغواء بائعات المتعة. إنهن يسحبنك من رداء القميص. زنجيات قويات لهن أرداف كبيرة رائعة، تبدو أحيانا مخيفة. وهنديات ناعمات ومسبلات الأهداب كما لو أنهن أضعَّن الطريق. الرجال من التجار يلقون متعتهم بيسر واختيار. أما الرجال الشباب أمثالي فأنهم في العادة يستحون من ظلهم على الأرض، ومن فقر جيبهم، ولا يلقون سوى سخرية الغواني وضحكاتهن الفاجرة، وبعض الأحيان قليلا من الود والنظرات ذات المغزى التي يعلق بحبالها اللعينة الكثير من الساذجين ممن لم تعركهم الحياة. ترصدتني فتاة بدت أنها أصغر مني سناً في سوق المدينة. ظلت تتابعني بإصرار غريب حتى اعتقدتُ جازما إنها بحاجة إلى خدمة ما. وقفتُ بانتظار مبادرتها وبيان حاجتها. كانت فتاة زنجية وكأنها قادمة للتو من قلب أفريقيا. إلا أنها كانت جميلة العيون وطيبة الوجه كتفاحة حمراء داكنة مغرية، ويمكن التخمين إنها من بلاد أفريقيا الشرقية، إرتريا، أو الحبشة، حيث يختلط الدم العربي بالدم الأفريقي، فتنتج هذه الخلطة الغريبة من الدماء والأجساد مخلوقات غاية في الروعة والجمال. عرفتُ أنها تود الذهاب معي إلى أي مكان أختاره، لكن المشكلة أنني لا أملك أي مكان يقع تحت سيطرتي الكاملة في هذا الكون. أحسستُ أنني غريب عن هذه البلاد مثلها. أعطيتها من فيض قلبي ومشاعري ما كنتُ قادرا على إعطائه، كان شيئا من الكلام عن النور والابتسامات الخجولة التي تساوي بصدقها دراهم الذهب. انصرفتْ الفتاة الزنجية وقد أشرق في عينيها بريق جميل يشبه بريق الثقة بالنفس، طبعتْ على فمي قبلة بشفتيها الغليظتين كانت من الحرارة والصدق إلى درجة أنني ما نسيتُ طعمها حتى هذه اللحظات المهدمة من الحياة.

كانت “زوادتي” في الحياة الجديدة المجهولة الآفاق هي عناصر من الذكريات وبعض الأوراق التي لم أكن أعلم جيدا لماذا أحتفظ فيها بكل هذه الجدية والإصرار كما لو أنها أوراق ثبوتية تدل على شخصي وحقيقتي. كنتُ انطلق شمالا نحو الأرض الأكثر اتساعا، والأكثر خضرة، وبالتالي الأكثر خطرا. لم يدر بخلدي أن أكثر المخاطر في هذه الدنيا العجيبة سيكون أمرا عاديا يثير الازدراء في نفسي على الأقل، مثل شيء يقولون أنه “الحب”. لم أقع في مطبٍ حقيقي في حياتي أكثر خطرا من هذا المطب العميق الذي لم أنج منه منذ أن ابتليت فيه. وطأتُ أرضا فسيحة تبعد عن البصرة أياما من المسير المتواصل الذي يشبه الهروب من السجن البعيد بدون مؤن. رأيت خلال مسيري الشاق منظرا لا يمكنني إلا كتابته على ضوء القنديل. مشهد التحام نهري دجلة والفرات في تلك الزاوية العظيمة من الأرض التي يطلق الناس عليها أسم “القرنة” والقرنة ربما تعني “الزاوية”، لكنها أرحب زاوية على وجه الأرض في عيني شاب يرى المعجزات الطبيعية الحقيقية لأول مرة في حياته. أنه منظر يصعب وصفه بدقة، لكنه ذكرني بمقطع من التوراة يقول: “أن الله خلق الأرض في ستة أيام ثم راح وجهه يطفو على سطح الغمر”. كان الله هنا دون أدنى شك، وقد رأى هذا المشهد بعينيه الثاقبتين، وجهه لا بد وأن ارتسم على سطح الماء المقدس وقد رآه الراؤون من القديسين والأنبياء في أرواحهم وصفاء أذهانهم القدسية، ورآه الرواة أيضا، أولئك الذين سوف يكتبون مسيرة الرب المتعالي على عرشه في السماء. ورحت كلما أنظر إلى سطوح المياه الكبيرة والعظيمة التي تنعكس عليها صورة السماء أتذكر وجه الله. أشبه بحلف مقدس تخطه الأقدار المجهولة لتخلق هذه الروعة الفريدة في عين الناظر. اجتاحني شعور بالزخم والقوة والتفرد لأنني أطلعتُ على هذا المشهد الكوني الكبير وفهمتُ سره العميق: “التلاحم بين عنصرين متناقضين.. عنصر الماء الواقعي وعنصر السماء الخيالي”.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

يونس علي الحمداني: رحلة بحرية

عِندما نكون في البحرِ السّماءُ أجمل والدُنيا مِرآةٌ عميقةٌ تعكس أسرَار الزرقةِ وزرقة الأسرار.. عِندما …

أصواتٌ … بداخلِ الصَّمت
حسن حصاري / المغرب

كثيرا ما أضِيع … وأنا أفكرُ في الكِتابةِ اليك، وسَط سُطورٍ لمْ أكتُبها بَعد. أدركُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *