حسين سرمك حسن: الجواهري مركب النار.. النرجسية الضارية والقصيدة المفتاح (الحلقة 11 الأخيرة)

لحسن الحظ يتوفر بين أيدينا نصّان مهمّان للجواهري وللشاعر فاضل العزاوي يعالجان فيه موضوعاً واحداً هو : ((المتنبي))… وسأقدم هنا نص العزاوي كاملاً مع نماذج من نص الجواهري لأنه طويل حيث تقع قصيدته في(85) بيتاً .
أ- نص فاضل العزاوي :-
عنوان النص هو((بحكم العادة)) وهو قصيدة نثر يقول فيها :
((في مصعد بناية ((أوروبا سنتر)) في برلين
وأنا ذاهب الى طبيب أسنان يوناني شهير
يقيم في الطابق الخامس عشر
ليقلع لي آخر أضراسي
تشبث بأذيالي أعرابي
كان قد ترك حصانه في الممّر
يرعى الأعشاب الاصطناعية
وراح يصرخ بصوت عالي
أنا المتنبي..
أنجدني..
كان المسكين يتضوّر جوعاً
بعد أن أنفق نقوده كلها
على اللواتي يقفن مساءاً
متراصات على أرصفة الكودام
أمام أعمدة الإعلانات
فاقترحت عليه أن أدله على مستشرق
كان يحفظ أشعاره عن ظهر قلب
ليقرضه بعض المال
غير إنّه رفض
طالباً أن أقوده الى ملك الألمان نفسه
ليمدحه بقصيدة ، كما كان يفعل دائماً
في كل بلاد غريبة يحل فيها
وهكذا قدته
مشياً على الأقدام
الى متحف ألماني مملىء بالملوك
فتركته هناك
ناجياً بجلدي  ..  ))
والنص منشور في مجلة : (المدى) العدد (2)  بتاريخ1/1/1993 ، أي إنّه من نتاج الشاعر في التسعينيات ، أي بعد أكثر من عشرين عاما من إعلانه الذي أشرنا إليه في البداية والذي أعلن فيه تخلّف الجواهري عن هموم مرحلته المعاصرة آنذاك بل موته الشعري الصارخ في الخمسينات ، وبعيداً عن(المحسنات) النقدية التي حاول الدكتور(عبد الله الغذامي) إضفاءها على هذا النص في كتابه((المشاكلة والاختلاف))(71).فإنّ الأمر الحاسم الذي يجب علينا البت فيه قبل كل تحليل نقدي هو:
أين(الشعر) في هذا النص ؟ .
   والإجابة المنصفة من أي ناقد موضوعي لا يتلاعب بالألفاظ والمصطلحات هو إنّ هذا النص عبارة عن حكاية ، قصة قصيرة لا يفيدها ولا ينقذها أي جهد في محاولة (رصفها) عمودياً وفق بناء أبيات القصيدة . يمكنك أن تقرأها وبسرعة فائقة كرسالة أو حكاية قصيرة . ولتوكيد رأينا ننقل هنا رأي الناقد الكبير ((فوزي كريم)) في قصيدة نشرها فاضل العزاوي في مجلة ((اللحظة الشعرية)) العدد (2) – 1973 –  أي في نفس العام الذي نشر فيه قصيدة ((بحكم العادة)) . يقول((فوزي كريم)) :
 (( أود أن نخلص أنا والقارئ الى قراءة عينة من شعر فاضل الجديد الذي ينتسب الى الحداثة.. هذه قصيدة ((الحفلة)) – وبعد أن يثبت الناقد القصيدة كاملة :
 (إن احتفاء الشاعر بالبيت الشعري هنا ، يبدو أمراً محيراً . ولم يرد هكذا عفواً دون قصديّة .. لِمَ لم يكتب نصّه على هذه الهيئة :
   ((أفكر في أن أقيم حفلة يحضرها الذين نحبهم فقط أما أولئك الذين يكتبون قصائدهم بحكم العادة، فسوف ندعهم يمارسون عادتهم أمام الناس أو بعضهم على الأقل )) ؟ .
   لاشك إن هذا النص ، لن يصبح قصيدة ((شعر حر))بالهيئة التي كتبها فاضل بها لأنه يخلو تماماً من أي نوع من أنواع الإيقاع، خارجيا كان أو داخلياً، وهو بهيئته الجديدة، التي اقترحها لن يكون(قصيدة نثر) أيضاً بسبب عدم توفر أهم مواصفاتها وهي الكثافة، والقافية الداخلية، وتناغم الأصوات، الصورة المدهشة..الخ. هذا إذا ما اعتمدنا قاموس المصطلح الأدبي: أمّا إذا اعتمدنا توصيفات فاضل الملتبسة، الخلو من الزوائد. دقّة اللغة ووضوحها، الصوت الطبيعي للنثر، وهج الوضوح، الغموض الكامن في الفكرة لا في اللغة، السريّة الداخلية للنص، الرؤية المفتوحة(لانهائية المعنى)، كلية النص..الخ…
   فسيصبح نصه الشعري ممكناً وغير ممكن في آن. شأنه شأن كل نص نثري مجتزأ. حتى من افتتاحية جريدة . إلاّ إذا كان مشهد النص ينطوي على سرية داخلية، وكلية لا تلتقطها حاسة . وهو أمر لا أحسب أن أحداً لا يشاركني الشك في أمره، أو إذا كان وراء ((أفكر أن أقيم حفلة يحضرها الذين نحبهم فقط)) إيقاع داخلي بأي صورة من صورهِ..))(72).
   ونص العزاوي هو تعبير عن(خصاء) الشاعر المعاصر، الحداثوي، المطحون في أوروبا، وكما يقول الدكتور (الغذامي) فإن العزاوي قد أسقط على المتنبي كل سيئاته وصراعاته حيث (استعار) أنموذج المتنبي ليضعه خارج سياقه التاريخي والشخصي خدمة لدوافعه الشخصية . ولأننا لا نستطيع إلا أن نسم حالة العزاوي بـ(النكوص) الفكري والنفسي فسوف نرى في نصّه -_ حكايته تطبيقاً لحداثه أوروبية سحق فيها الإنسان تحت أقدام وحش المدينة فصار يعاني من الضياع والاستلاب والغثيان وهي هموم غريبة أو معطلة ، لأمّة تقاسمها اللئام فباتت تستنجد وتستغيث برموزها كي تأخذ منها المدد الروحي وقدرة الإرادة على الصمود، وهذا ما فعله الجواهري.
ب- قصيدة ((الجواهري)) :
هي قصيدة((فتى الفتيان.. المتنبي)) التي ألقى الجواهري قسماً منها في
الأمسية الشعرية التي أقيمت بمناسبة مهرجان المتنبي، مساء الاثنين 7/تشرين الثاني/1977. أي أنها من نتاج السبعينيات من عمر الجواهري الذي يفترض إن الأبناء قد(أنهوه) منذ نهاية الخمسينيات .وبسبب طول القصيدة سنقدم هنا مقاطع منها :
تحدّى الموت واختزل الزمانا      فتىً لوّى من الزمن العنانا
فتىً خبط الدُنا والناس طرّا       وآلى أن يكونهما فكانا
أراب الجنّ انس عبقريُ          بوادي((عبقر))افترش الجنانا
تطوف الحور زدن بما تغنّى      وهنّ الفاتنات به افتنانا
ونصبن الاله على سرير          من الزهرات زين بها وزانا
– – – – – – – – – –  – – – –
دماً صاغ الحروف مجنحاتٍ      رهافاً، مشرئبات، حِسانا
وطار بهنّ من شرقٍ وغربٍ      كأن لهنّ في قصبٍ رهاناً       
فويقَ الشمسِ كنّ له مداراً       وتحتَ الشمسِ كنّ له مكانا
وآبَ كما اشتهى يشتطّ آنا        فيعصفُ قاصفاً، وبرِقُّ آنا
وفي حاليه يسحرنا هواهُ         فننسى عَبْرَ غمرتهِ هَوانا
فتىٍ دوّى مع الفلك المدوّي       فقال كلاهما : إنّا كلانا
– – – – – – – – – – – – –
فيا ابن الرافدين ونعمَ فخرٍ       بأنّ فتىً بنى الدنيا فتانا
ويا ابنَ الكوفةِ الحمراء وشّى    بها سِمْط اللآليء والجُمانا
وعاطى رملَها من أصغريهِ     عيونَ الشعر تبرقُ والحنانا
وأبقى فوقها دمه ليسقي          هناك بشعَب بوّانٍ حصانا
فقد كره الطعانَ وكان أدرى      بأنك-وهو- مذبوحٌ طعانا
ـ ـ ـ ـ ـ ـ
وإنّا أمةٌ خُلِقتْ لتبقى             وأنت دليلُ بقياها عيانا
          *     *    *      *      *
   إن أهم ما يستوقفك ويأخذ بتلابيب نفسك في قصيدة الجواهري من مطلعها حتى ختامها هو أنّها تطفح بالشعر، ولا يمكن (سردها) كحكاية مهما بذلت من جهد وعناء. وإذا كان الإسقاط (السلبي) واضحاً في نص العزاوي فأن (التماهي) الأيجابي بين الجواهري، وأبي الطيّب كان واضحا منح القصيدة تأججاً وأحتداماً. ورغم أنّ الجواهري يخاطب المتنبي الذي مات منذ قرون طويلة، يمدحه ويسمو به نحو الشمس، إلا أنّ القصيدة تلامس الوجدان العام، فهي قطعة عن الخلود والانتصار على الموت، وهذا ديدن العراقي منذ أيام جلجامش، ودعوة إلى النبل والسمو والاعتزاز بالذات وتقديس الإبداع والخلق، دعوة إلى التمسك بقيم المروءة والرجولة، دعوة إلى الوحدة والصمود وقوة الإرادة، نداء حيّ ساخن للنهوض والانبعاث ونفض رماد الذلّ والاستعباد. التصاق بهموم الإنسان العربي. وأعود هنا إلى تساؤلات الناقد ((فوزي كريم)) في كتابه ((ثباب الإمبراطور- الشعر ومرايا الحداثة الخادعة)):- ((أما كان الأجدى والأبعد عن المماحكة حول الشكل الأنصراف إلى انطباعات- ولو انطباعات حول (المعاني الكامنة) في روح العصر؟ أما كان الأجدى للشاعر في (فاضل) أن يكشف لنا عن (الإنسان المستقبلي) فيه وكيف نرى المستقبل ؛ هذا التيار الدموي من القتلى والخراب؟ كيف يتجلى الرعب في هذا الكائن العربي (المستقبلي)؟.. إنّ القارئ الأوروبي في لندن، نيويورك أو باريس قد يدهش قليلاً حين يُدعى لمطالعة قصيدة على هيئة صفحة بيضاء في مجموعة شعرية، أو يصغي لشاعر تبوأ نصاً شعرياً لمدة خمس دقائق محتواه: ((قرررر..الخ)) لقد قرأت وأصغيت لكثير من هذه التجارب في سنوات إقامتي في لندن ودهشت قليلاً كما دهش القارئ الغربي ولكننا استقبلناها عن رضا واستجابة لروح الدعابة فيها… ولك أن تتخيل أن هذه القصيدة البيضاء وهذا الصوت المقرقر يفرضان على قارئ عربي يسكن بغداد أو الأمارات أو البحرين أو الجزائر…))(73)..
   أنا منحاز للشعر في أي صورة جاء: قصيدة اتباعية أو شعر تفعيلة. أو قصيدة نثر… لكن مع دخول قوات الغزو إلى بغداد الحبيبة.. حبيبة الجواهري.. لا أعرف لماذا قفز الجواهري وانتصب أمام عيني.. أنا أجزم أن (مكان) الجواهري فارغ على المنصّة الشعرية وفي ساحة الوجدان الوطني… كان الحكام يخافون من الجواهري كشاعر وليس كمنتظم في أي حزب سياسي أو حركة ثورية فالجواهري لم ينتم إلى أي حزب سياسي طوال حياته كما يقول هو نفسه في مذكراته .. كان الطغاة يخشون قصيدة من الجواهري وكانت التظاهرات المحتجة تنتظم وتنطلق من القاعة التي يقرأ فيها الجواهري شعره.. هل هناك شاعر حديث يخاف منه رئيس الجمهورية أو ملك المملكة؟… يقول ((فوزي كريم)):- ((الغريب أنّ التمرن على تصفية الحساب مع السلطة أو العدو عن طريق الأدب والشعر قد أصبح أكثر الملاهي المنتظرة التي تصطفيها السلطة أو العدو لتسليتها. فهي تنطوي أولاً على اعتراف أعلامي ضمناً، ثم هي، ثانياً، لا تعيّن أو تحدد بشراً فلا تشكل تجريحاً. ثم هي، ثالثاً، تشكل، بسبب هوائيتها، متنفساً لبؤساء كثيرين يأخذون صياغاتها مأخذاً جدياً.. السلطة تعرف بحكم التجربة أنّ ((النضال الثوري للشاعر)) حفنة من الرمل أمام رصاصة بفلسين، أو أمام ثروة قادرة على خلق إعلام يسحق بعجلته الهائلة عجلة الشعر المسكينة. إنّ الشعر الذي يريد (فاضل العزاوي) وكثيرون أن يجعلوه سلاحاً، هو صرخة عابثة لا تحمل إلا قداسة وفردية وأخلاقية الشاعر التي وراءها..))(74).

 
(6)
هوامـــش :

 

 

 

 

 

 

 

هوامش :
(1)و(2)و(3)-هؤلاء في مرايا هؤلاء –مؤيد عبد القادر-الجزء السادس-مكتبة المنصور- بغداد-2001
(4)و(5)-الابداع من الرؤية القومية الى المنظور الانساني-خالد محيي الدين البرادعي- الدار العربية للكتب- ليبيا-1983.
(6)و(7)-الجواهري-دراسات نقدية-مجموعة نقاد- بغداد-1969-
(8)العرف الطيب في شرح ديوان ابي الطيب-ناصيف اليازجي-ط/2-دار القلم-بيروت-بدون تاريخ.
(9)المصدر رقم(6)-ص19.
(10)المصدر السابق-ص150.
(11)الاصابع في موقد الشعر-حاتم الصكر-دار الشؤون الثقافية-بغداد-ص227-231.
(12)آلة الكلام النقدية-محمد الجزائري-منشورات اتحاد الكتاب العرب-دمشق-1999-ص278.
(13)الأدب وروح العصر-مجموعة كتاب-منشورات ذات السلاسل و(14)الكويت-1985- ص72.
(15)المصدر رقم(6)-ص77.
(16)الجواهري في العيون من اشعاره-دار طلاس للطباعة والنشر-دمشق 1986-ص24-25.
(17)و(18)-المصدر رقم(6)-ص19-20.
(19)و(20)و(21)-المصدر رقم(12)-ص259-260.
(22)و(23)-في النقد الادبي-إيليا حاوي-الجزء الثالث-دار الكتاب اللبناني-بيروت-ط/1-1980.
(24)-المصدر رقم(12)-ص275-
(25)-المصدر رقم(16)-ص300.
(26)-المصدر رقم(6)-ص
(27)-المصدر رقم(6)-ص67.
(28)-المصدر رقم(16)-ص535.
(29)-المصدر رقم(8)-ص626-627.
(30)و(31)-المصدر رقم(13)-ص78-80 و ص83-84.
(32)-المصدر رقم(8)-ص624.
(33)-المصدر رقم(6)-ص45.
(34)-المصدر رقم(40)-ص151.
(35)-المصدر رقم(12)-ص254-255.
(36)-المصدر رقم(16)-ص350.
(37)-المصدر رقم(6)-ص34.
(38)و(39)-المصدر رقم(12)-ص272 وص271-272.
(40)و(41)و(42)-المصدر رقم(6)-ص57-ص59.
(43)-المصدر رقم(12)-ص266.
(44)-المصدر رقم(6)-ص71.
(45)-المصدر رقم(4)-ص151.
(46)-المصدر رقم(6)-ص129.
(47)-المصدر رقم (12)- ص 254-255.
(48)-المصدر رقم (16)- ص 380.
(49)-المصدر رقم (40)- ص 125.
(50)-الاستعلام وملحمة الخلق والأسطورة- تركي علي الربيعو- المركز الثقافي العربي-بيروت-1992.
(51)-المصر رقم (6)- ص21-22.
(52)-المصدر رقم (12)- ص254.
(53)-المصدر رقم(6) – ص 98.
(54)و(55)و(56)- مرايا جديدة – عبد الجبار عباس – دار الرشيد للنشر- بغداد -1981.
(57)-المصدر رقم(6)- ص78.
(58)و(59)-الصراع بين القديم والجديد في الشعر العربي- الدكتور محمد حسين الأعرجي- المركز العربي للثقافة والعلوم- بيروت – بدون تاريخ.
(60)،(61)،(62)،(63)،(64)،(65)،(66)،(67)-الإتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث- د.سلمى الخضراء الجيوسي – ترجمة د.عبد الواحد لؤلؤة- مركز دراسات الوحدة العربية-2001- ص211-270.
(68)و(69)و(70)- المصدر رقم (58)- ص93-94.
(71)- الشاكلة والاختلاف- قراءة في النظرية النقدية العربية وبحث في الشبيه المختلف- د.عبد الله محمد القذافي- المركز الثقافي العربي- بيروت -1994.
(72)-ثياب الامبراطور-الشعر ومرايا الحداثة الخادعة-فوزي كريم-دار المدى-2000- ص357-359.
(73)-المصدر السابق-ص304-305.
(74)-المصدر السابق-ص309.

شاهد أيضاً

هشام القيسي: أكثر من نهر
(5) حفر كي يبقى

لهبه أوسع مثل نوافذ لا تستفهم الوهم ولا تحتفي سوى بالأفق قد أوقد شعرا علم …

طلال حسن: حكايات للفتيان (حكايات عربية)
(5) سعاد

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (19)

التقاط الدر من واحة الشعر قراءة نقدية موجزة في ديوان ( في آخر الزمن نجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *