المعلم*
شعر: حسن البياتي (ملف/2)

يا منشئ الأجيال فى إيمان ِ
قدستُ فيك شهامة الانسان ِ
أحرقتَ قلبك شمعة قدسية
كيما تنير الدرب للحيرانَ
وقضيت عمرك جاهداً ومجالداً
تطوي الليالي متعب الأجفانِ
أمن المروءة أن تعيشَ منكــّداً
وتموت فى بؤس وفي حرمانِ؟!
قد كنت كالغصن الفتيِّ نضارة
واليوم كالورس الذبول الفاني
تمشي ذليلَ الخطو مشية مضنك
وعلى جبينك مسحة الأشجان
وبصدرك المنهوك يحتدم الأسى
فيثور جرح صارخ الألوانِ
أترى توفـّيك الجميلَ شبيبة
قد كنت ترعاها بقلب حان؟
يا ملهمي النغم الشجي مخضباً
بالدم والدمع الهتون القاني
إن الفؤاد ينوء فى أحزانه-
همٌ يبارحه ليدنو ثان
باتت تروّعه خطوب جمة
لتهد منه واهيَ الأركان
إني لالمح في الدجى شبح البلى
يدنو لينشب ظفره بجناني
فأهب مذهولاً وأصرخ مفزعاً:
يا موت، ماذا؟ لِمْ، ترى، تهواني؟
فيجيبني والإثم ملء جفونه:
إني لأهوى المخلص المتفاني!
قالوا مربٍّ، قلت عفواً!.. إنه
عند السواد معلم الصبيان!
أنــّى يمـرّ فثـمّ همس ساخر
أو ضحكة تلهو بها شفتان
فيعود يهمس فى أسى ومرارة،
متأوهاً، متعثر الخفقان:
تعست حياتك إن غدوت معلماً
في عالم متزعزع البنيان!
في عالم يزهى ويشمخ أنفه
متباهياً بالأصفر الرنان!
يا رائد الأجيال دعنا منهمو
ما دمت تحمل مشعل الإيمان
واهتف معي وعلى شفاهك بسمة
تمحو بها شبح الظلام الجاني:
سعدت حياتك إن غدوت معلماً
في عالم متزعزع البنيان
ومضيت تعمل في خطى جبارة
لتعيده خلقـاً جديد الشان!..
ايهٍ معلمتي، وأنتِ بمذهبي
نصف يؤازر في النضال الثاني،
المرأة اليقظى تسير وجنبها
رجل يشد يمينها بحنان –
صنوان فى سوح الثقافة شيـّـدا
صرحاً متين الأس والأركان ،
صرحاً أطل الوعي من شرفاته
يمحو ظلال الجهل والبهتان
حتى إذا طلعت ذُكاءُ على الورى
ورمت غلالتها على الكثبان
وتهادت الأنسام فى سرح الفضا
وزهت عذارى الورد في الأفنان…
كان المعلم فى الزوايا قابعاً
وسواه يمرح في ضلال جنان.
ايه معلمتي، وأنتِ بأفقنا
نجم يضيء الليل للركبان،
ناشدت روحك أن تلقــّـن جيلنا
أن لا ينام على فراش هوان
إن الفتاة رمت اليك زمامها
فخذي بها لمناهل العرفان
قولي لها: صوني بلادك وادفعي
عنها المكاره بالنجيع القاني…
اقسمت بالوطن العظيم الشان،
بجبين شعبي الصامد البنيان
أقسمت بالفجر المطل بنوره
يلوي قلاع البغي والطغيان
أقسمت بالأمل الذي يحدو بنا
لغد سعيد زاهيَ الألوان
أقسمت بالفكر المنور مهجتي ،
بقداستي ومشاعري وكياني…
إن المعلم خير هادٍ، إن يكـن
عفّ الفؤاد، منزه الوجدان.

بغداد – دار المعلمين العالية – ايار 1953

* المعلـّم : نشرت في جريدة (الأخبار) البغدادية في 10 حزيران 1955 العدد 4068. ألقيت في حفلة العشاء والسمر التي أقامتها دار المعلمين العالية مساء الجمعة في الثالث من حزيران 1955، تكريماً لخريجيها لهذا العام، بحضور وزير المعارف آنذاك خليل كنة الذي استعاد مراراً بعض أبيات القصيدة. والجدير بالذكر ان هذه القصيدة كانت قد قدمت الى المهرجان الشعري الذي اقامته دار المعلمين العالية سنة 1953، وكان موضوع المعلم من جملة الموضوعات المطروحة في المهرجان إلا أن اللجنة المشرفة آنذاك قد رفضت القصيدة لاسباب سياسية. وقصيدة (المعلم) هذه هي واحدة من قصائد مجموعتي الشعرية (جراح الغضا) الصادرة سنة 2010 عن دار (الرواد المزدهرة) – بغداد.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : مسرحية “الحلم”.

مسرحية من أربع لوحات سأنشرها تباعا ، مثلت هذه المسرحية ضمن فعاليات مسرح الهواة عام …

| جمعة عبدالله : قصيدة : أم الشهيد للشاعر يانس ريتسوس ( ΓΙΑΝΝΗΣ ΡΙΤΣΟΣ ).

قصيدة : أم الشهيد   يا ولدي , لا أعرف أي قدر كتب عليك وعليَّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *