فؤاد قنديل : نساء وألغام (12)

ارتضوا بي رئيساً للجماعة الأدبية.
     توسم شباب الأدب فى شخصي المتواضع مستوي لا بأس به من المعرفة الأدبية، وهدوء الطبع وحسن الإدارة، ورضاهم فى الأغلب عن أفكاري الإيجابية خاصة عندما اقترحت إصدار كتاب غير دوري بالتصوير لنشر القصائد والقصص القصيرة المؤلفة والمترجمة، والأخبار وعرض الكتب وسير حياة الأعلام (التراجم) وخاصة الأدباء العرب والأجانب.
كنت قد أسست هذه الجماعة فى أواخر عام 1971 فى شبرا بالقرب من بيت خالتي “السيدة” التى تسكن فى شارع مسرة إبان فترة قيامي بتدريس الفلسفة فى مدرسة البنات بشبرا، وكنت مضطرا للمبيت عند خالتي عدة ليال فى الأسبوع.  أما انعقاد الندوة فكان فى الدور الأول من بيت يملكه أحد المدرسين فى مدرسة التوفيقية الثانوية.
     استمرت “ندوة شبرا” وتزايد أعضاؤها، وكنا نلتقي كل أربعاء من السادسة ولا نتوقف قبل العاشرة، وربما تجاوزناها. كانت تجتذب أدباء شباب وهواه من شبرا الخيمة وجزيرة بدران والقللي وقليوب والقناطر وبهتيم، وشبين القناطر، زارنا فيها:  يحيى حقى و د. القط، ود. النساج، ومحمد صدقي، والنقاش، وضياء الشرقاوي، وإبراهيم عيسي، وعنتر مصطفى، وأحمد خميس، وفؤاد قاعود، وأسامة عكاشة، وحافظ رجب، وعباس الأسواني، وأحمد عباس صالح، وعبد الحليم عبد الله، وأمل دنقل، وتليمة، والعالم، وأمين ريان، وفؤاد نجم، وأبو سنة، وفاروق خورشيد.. ومن تعجز الذاكرة عن حصرهم.
كشف لي أحد الزملاء واسمه عباس قورة فى يوم أن هناك ضابطاً من مباحث أمن الدولة يحضر بانتظام منذ عدة اجتماعات، وأضاف إنه غير مرتاح لوجوده، قلت له:
ـ وما الضرر؟ نحن نتحدث فى الأدب، وإذا انتقلنا إلى مكان آخر سيرسلوه وراءنا، أو يكلفوا غيره، فإما أن نستمر أو نلغي الندوة.
 سألت الجماعة عن رأيها عن طريق التصويت فصوتت الأغلبية بالاستمرار، قال عباس قورة  ـ أنا مع الديمقراطية، لكني أسجل عدم رضاي عن وجوده، خاصة أن الأوضاع السياسية ملتهبة، والمظاهرات كثيرة والشعب كله مؤهل للغضب فى أي لحظة، كما أن قوات الأمن مستنفرة، وأتصور أنهم الآن يريدون أن ينقضوا إذا أمكنهم الإمساك بأي خلية..
 اندفعت قائلا:
ـ أحسنت.. أي خلية.. هل نحن خلية؟
قال: الأمن لا يعدم حيلة ولا يحتاج إلى سبب.
قلت بحسم: عباس.. الموضوع انتهي وأنتم أصدرتم قراركم.
     لم تشم أنفي خطراً، كما أني لم أتعود الأسرار ولا أميل إليها .. أشعر براحة غير عادية إذا كان كل شئ مكشوفا خاصة بين الأخوة والمتعاونين فى عمل مشترك.
     لما عدت من ليبيا.. التقيت صدفة بجلال رشوان صاحب البيت الذى كانت تنعقد الندوة فيه. دعاني للعودة، بدا حزيناً وهو يخبرني بتفككها وتفرق أعضائها، واعترف إنه وجد ذاته بيننا وزواجه لم ينقذه من حاجته إلينا.. أخرج لي من جيبه قصاصة جريدة “التعاون” التى نشرت له قصته الوحيدة منذ عام.
      بعد أن تزوجت قمت خلال عدة أيام بالمرور على معظم أعضاء الندوة، وأمكنني  بمساعدة البعض تجميعهم وبدأنا النشاط، وكان عدد منهم قد نضج ونشر على استحياء قصصا وقصائد واشترك فى المسابقات وفاز بعضهم، وتعامل بعضهم معي باستعلاء لأن منهم من نشر فى الأهرام والأخبار والمساء.. تغاضيت عن الطريقة وسعدت بالنتائج.
لقد كان من بينهم من ينصب الفاعل ويرفع الحال ثم أصبح خلال شهور قليلة وبفضل موهبته وبعض التوجيهات يكتب قصيدة أو قصة جيدة.
فعلت الشئ ذاته فى بنها، حيث قمت بعد عودتي من ليبيا بتجميع أدبائها وتأسيس نادي الأدب فى أواخر 1977 وسرعان ما تألق خاصة بشبابه وما كان لي من دور سوي التنسيق والتوجيه والحوار  وفتح الآفاق، واجتذبنا إليه أغلب المشاهير من الكتاب والشعراء والنقاد من القاهرة وخارجها، وشجعت على تأسيس نوادي أدب فى طوخ وكفر شكر وشبراً الخيمة وأماكن كثيرة.
عاد عباس قورة بعد كل هذه السنين يقول لي:
ـ هناك ضابط من مباحث أمن الدولة، يحضر اللقاءات بانتظام وأنا غير مرتاح لوجوده، خاصة إن الأوضاع السياسية ملتهبة وهناك حرب خفية أحيانا ومعلنة فى أحيان أخرى بين الحكومة والشيوعيين والجماعات الدينية والطلاب والعمال.
قلت له: وما الضرر ؟
عدنا للتصويت، أعلنت الأغلبية ضرورة الاستمرار.. فى نهاية الندوة سلمت على الزملاء واتجهت إلى بيت خالتي “السيدة” بجوار سينما مسرة، تلك السينما التى لا أنسي أبدا كلما مررت عليها أني كنت أدخلها وأنا صغير من العاشرة صباحاً فلا أخرج منها إلا فى السادسة باستثناء مواعيد الغداء وإذا احتجت الحمام. كان عمالها يعرفون أن زوج خالتي هو مدير أعمال قوت القلوب الدمرداشية وزميل صاحبها فى الدراسة، والاثنان لم يتما الثانوية.
أمام باب السينما استوقفني شخص، أظن أني رأيته من قبل أكثر من مرة، وجهه ليس غريباً على. قدم لي نفسه:
ـ الرائد هشام جمعة مباحث أمن الدولة.
استنفرت أجهزتي الداخلية، خاصة العصبية والذهنية حتى تتأهب للمشاكل، ولابد من حضور البديهة، التى لا علاقة لي بها، فكثيرا ما أضطرب فى المشاكل المفاجئة وغالبا مالا أتمكن من الرد الفوري المناسب، لكني أستطيعه بعد أن يكون الوقت قد فات.. تأكدت أنه سيقول: مثل هذه الاجتماعات محظورة، والبلد مستهدفة، وأنت لا تحتاج إلى أن أنصحك.
تذكرت أنه يحضر معنا وربما كان الذى يقصده قورة . قال الرجل بمنتهي الأدب:
ـ هذا هو اللقاء الثالث الذى أحضره، وأنا معجب جدا بكلامك، وقصصك القصيرة التى قرأتها
أود أن أقول له: سيبت ركبي. خش فى الموضوع.
أومأت برأسي مع ابتسامة باهته، حاولت بها أن أقول له:
ـ وماذا بعد؟
 قال وهو يخرج من جيب الجاكت بعض الأوراق.
ـ خجلت أن أقدم لك نفسي فى الندوة، كما أني أشعر بخجل لأني.
 كدت أضحك من المقدمة الطويلة الخجولة، وتصورت أنه يستأذنني ليقبض على خالتي أو يطلب يدها للزواج.. قلت:
ـ لا داعي للخجل.. تفضل.
     عاد هشام يدخل فى بعضه ويجتهد كي يرتب عباراته ليعترف بما اقترف من جرائم، إلى أن قال وهو يبسط أمامي بعض أوراقه:
ـ أحاول أن أكتب الشعر، ولكني أحس أنه ليس كما يجب.. قرأت ناجي ونزار وحتى عبد الصبور وأمل.. وقرأت أبو شادي والشابي وعلى طه، فأجد الفارق كبيراً.
ابتسمت.. ثم أمسكت بالورق، واتسعت ابتسامتي فتحولت ضحكا، والضحك تصاعد، ثم قهقهت، وأخذ جسدي نفسه يضحك وأحسست أن كبدي وقلبي أيضاً يضحكان، بل المرئ والبنكرياس والكلي والأمعاء تضحك.. ساقاي وقدماي والأرض من تحتي تضحك.
لقد كنت مشغولا بالاستعداد لمواجهته بشدة وسخرية إذا قال: الاجتماع ممنوع.
 أعددت كمية من الكلام الكبير لمهاجمته وجهازه وحتى رئيس دولته إذا لزم الأمر.. أنا غاضب جدا من زيارة السادات لإسرائيل وأراها خطوة استعراضية لا معني لها، بل ستكون ضد مصر والعرب، لو وجد من يفهم.
ضحكت كما لم أضحك من قبل، وإن لم يكن ضحكا صافياً، كان مشوباً بشئ من الأسى.. ضحك لا ينبع من السعادة، وإنما فقط من المفارقة. تنبهت إلى أن الرجل ارتبك. احمر وجهه وأحني رأسه وأخذ ينظر لحذائه الذى اكتشفت أنه يضعه فوق الرصيف. حذاء أسود مدبب لامع بكعب عال. تذكرت أحذية رعاة البقر الذين يلبسون أحذية عدوانية.. أحسست أني تجاوزت حدودي.. قلت:
ـ أهلا سيادة الرائد.. أنا سعيد بالتعرف عليك، وشئ رائع أن تكتب الشعر، لتنضم إلى الشعراء الفرسان.. أبو فراس والبارودي.
ـ لا داعي لذكر الرتبة، يكفي هشام. أود أن أكون تلميذا يجد لديك ما يعينه كي يتقدم.. تعنيني جداً كتابة الشعر وأتمني أن تجد لدي الموهبة.
ـ لو أنك وزملاءك أحببتم الشعر والفنون فسوف يتغير حال مصر.
عاد الرجل لخجله، حتى تشككت أنه ضابط.
قال: أملي أن تقرأ وتحدد حالتي بالضبط وهل هناك أمل ؟
قلت له صادقا: أولا أحييك أنك فكرت فى كتابة الشعر أو أي جنس أدبي.. ثانياً أحييك على تواضعك، ورغبتك العميقة فى أن تعرف مستوى ما تكتب، وفى الندوة القادمة سنسمع منك قصيدة.
أسرع يقاطعني:
ـ لن أقرأ قصيدة إلا إذا كان رأيك إيجابياً.
قلت مؤيدا وجهة نظره:
ـ لك هذا.
تململ قليلا قبل أن يقول:
ـ من حقك على أن أصارحك دون أن يكون هذا خيانة لعملي أن لك ملفاً عندنا منذ عام 1968 ولكنه لا يحتوي على أشياء مزعجة. بعض الكلمات الحادة ضد رئيس الجمهورية،عام 1972 وصور لك فى مظاهرات،  لكنه يعتبر من الملفات النائمة.
أفسد علىّ حديث الشعر بأقواله، فعلقت بشبه حدة:
ـ شكرا.. هذه المسألة لا تعنيني.
ـ تعنيني أنا.
ـ شئ يخصك.
ـ أعتذر عن الإزعاج.
ـ أراك على خير.
بعد أن تحركت واستدار ومشي خطوات قليلة، عاد على عجل وقال كأنه بهيام يتحدث عن عشيقته:
ـ يا سلام يا أستاذ لو عجبك الشعر.. يا سلام.. سوف أكون أسعد إنسان فى  الدنيا  .
  تنهدت بعمق ولم أدخل البيت. رأيت أن أسير على قدمي.. هناك ما يستحق التأمل. وصلت إلى سوق روض الفرج. استعدت كل كلمة قالها الضابط. واضح أنه ينتمي لعائلة محترمة.              انحفر فى رأسي وجهه المستدير وشاربه الرفيع، وعيناه العسلية وطابع الحسن فى ذقنه وشعر رأسه الخفيف، والفارق الواضح بين أسنان الفك السفلي وحواجبه الكثيفة.  
قلت لنفسي: ياما فى السجن مظاليم.. هل هذا ضابط شرطة حقا؟
ضحكت من كلامي الساذج.. الضابط ليس مجرماً فى العادة من نشأته، إنه يتدرب على ذلك فى الكلية وفى الأقسام وفى الشوارع وأيضاَ على يد مرتكبي الجرائم ويد رؤسائه ، ضابط مباحث أمن الدولة لا شك مختلف، فهو لا يتعامل مع المجرمين، بل مع رجال السياسة والثقافة.
فى الندوة التالية لم أقدم هشام للزملاء.. وبعد اللقاء دنا مني.. فقلت له:
ـ هيا بنا إلى البيت.
حاول أن يعتذر، فرفضت اعتذاره، قال:
ـ إذن نذهب إلى المكتب.. إنه قريب.
فى مكتبه، قلت له إن له علاقة ما بالشعر.
 بدا عليه الانزعاج. فقلت:
ـ لديك موضوعات جميلة وأفكار جيدة، لكن الصياغة فيها مشاكل، سواء اللغة أو الأوزان.. سنعد خطة تتحسن بها كتابتك أسبوعاً بعد آخر.
ـ ومن الذى سيساعدني؟
ـ أنا لن أتركك إلا بعد أن تصبح شاعراً حتى لو بعد عشر سنين.. المهم أن أطمئن أولا على الموهبة.
قال فى رعب: يااااااه.. ليس قبل ذلك.
قلت: أقول لك.. حتى لو بعد.
قال: يعنى ممكن خلال سنة.
قلت: ممكن.. إنت ومجهودك.
ـ ستتعب معي.
ـ أجد متعة فى ذلك.. المهم أن شيئين لابد منهما فى البداية.. تحسين لغتك العربية وقراءة دواوين الشعر الجيدة.. وتنبه.. أنت لم تخدعني عندما قلت إنك قرأت عبد الصبور وأمل.. أنت ربما قرأت لغيرهما مثل نزار أو الشابي، ومرات محدودة.
ـ أنا الحقيقة عندي دواوين صلاح وأمل، لكني لم أجد الوقت.
ـ إذن اقرأ لهما وسوف أعد لك مجموعة أخرى.. على أن تهتم جدا باللغة.. يكفي مؤقتاً أن تقرأ منهج اللغة العربية حتى السادسة الابتدائية.
  بعد ستة أشهر ألقي قصيدة فى الندوة، وصفقت له وصفق البعض، واستمرت العلاقة على خير ما يكون، وكان بالفعل يتقدم، ونشرت له قصيدة فى مجلة “الندوة”، وأصر على الاحتفال بهذه المناسبة، ونشرت له قصائد أخرى فى بريد الهلال، ومجلة الزهور وفى مجلة آخر ساعة.
       بدا سعيدا جدا كأنه أصبح وزيرا، وكان فى كل لحظة يؤكد امتنانه لي، أدهش من حالته، وكم أفهمته أن الأمر طبيعي جداً بين الأجيال أو الزملاء  فى الأدب والفن ولا يستحق كل هذا التقدير، لكنه لم يستطع أن يتخلص من إحساسه بأن لى فضلا عليه.
 كنت قد نشرت مجموعة قصص “عقدة النساء” وأعقبتها “كلام الليل” اللتين ضمتا قصصا كثيرة كنت قد كتبتها منذ  منتصف  الستينيات .. لم أنشر فيهما بعض القصص التى رأيت إنها لا تستحق.
      التقيت كثيراً فى المنتديات المختلفة بأدباء كثيرين من القدامى والجدد ولمست الغرام بالأدب وأهله حتى إن الكثيرين منهم لا يودون العودة إلى منازلهم.  و  كان هناك الكثير من الأدباء المخلصين للكتابة إلى درجة رفض حضور أى لقاء قد ينزعهم من الكتب  أو من البحث والإبداع  ، وربطتني علاقات طيبة بالجميع ، فقد كان شعورى ومازال ناحية كل أديب شعور الشقيق حتى لو لم ألتق به وأنا  بالتأكيد قريب أو صهر  تشيكوف وبوتزاتى وفوكنر وباسترناك ونيرودا وإيلوار وطاغور وسنجور ومايكا فالتارى  وصادق هدايت وعزيز نيسين وناظم حكمت وجدى ليس والد أبى وإنما هوميروس وشيكسبير وملتون ودانتى  وجدتى  سافو  والخنساء  وعمتى جورج ساند وبقية  القبيلة ..كنت ومازلت أعتقد أن صلة الهواية وحب الأدب حتى مع القراء  المغرمين العاشقين له أقوى من صلة الدم والرحم .
 أما ما صدمني ولم أستطع استساغته ولا أ زال فهو قول الكثيرين: ليست الكتابة مهمة قدر العلاقات.. العبارة الصدمة .
      التصور الذى استقر فى روعى منذ كنت أذهب إلى ندوة العقاد أو ندوة مقهى عبد الله فى الجيزة ، وما تلقيته مباشرة من شيخ النقاد محمد مندور أن القراءة والكتابة أهم مما عداها , بل لقد قرأت ذلك بقلم نيتشة  الذى أقدره جدا .” إذا كنت تريد أن تكون شيئا مؤثرا فتجنب الثرثرة وتبديد الوقت مع البشر” . صحيح أن الادباء ليسوا من البشر العاديين ، لكننى لم أتخيل أبدا أن يبقى البعض على المقاهى لأكثرمن سبع ساعات ، ومنهم من يبقى عشرة ، ويضطر للانتقال من مقهى إلى آخر ومن رصيف إلى رصيف،وتمر عليه الجماعات تلو الجماعات ويضيع الوقت فى الثرثرة والنميمة والشاى والبيرة والسجائر المحشوة وغير المحشوة . أقل القليل ذو نفع ولو على مستوى المودة الإنسانية .وإن كنت لا أرفض بالطبع أن يكون ثمة يوم للقاء أسبوعيا لتبادل الأخبار والأفكار والاتفاقات وفتح الأبواب والقلوب للمرح.
                                  
                                      

 

                                        *********
 
      
         بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، تزايد نفاق رؤساء تحرير الصحف للرئيس السادات، وكثر حديثهم عن بطل الحرب والسلام، وكان طبيعياً أن تفرح البلاد بالاتفاق على عودة سيناء، لكن القليل جدا هو الذى كان يشير من طرف خفي إلى المصائب الثلاثة التى حلت بمصر وسوف يكون لها تأثيرها العميق  فى زلزلة الاستقرار  الذى يريده السادات بكل لهفة .   
      بعد توقيع الاتفاقية والتضخم الذى امتلأ به السادات، طلب تعديل الدستور كي يحكم مدي الحياة، مع أنه هو الذى طلب فى دستور 1971 ألا تتجاوز فترة حكم  الرئيس مدتين، فتملكتني حالة شديدة من التوتر إلى درجة إحساسي بالاختناق دون أن أجد وسيلة لإيقاف هذا التوجه المدمر، بينما الطبول المؤيدة تصم الآذان.
 كتبت مقالتين وأرسلتهما لعدد من الصحف، أنتقد فيهما الفكرة وأضع المسألة فى إطارها الحضاري كإجراء يرتد بنا عشرات السنين، وأوضحت مدي تأثيره السلبي البالغ على مسيرة العمل الوطني، لكن الصحف لم تنشر ولو جزءا من أي مقالة، فتكدس الغضب وظل الغطاء جاثماً على صدري.
       اهتديت فى إحدى الليالي إلى ضرورة أن أكتب رسالة إلى الرئيس السادات مباشرة.. جددت فيها تحيتي للعمل التاريخي الذى لن ينسي  وتمثل فى  قيادته بدهاء بالغ حرب أكتوبر التى أعادت الأرض وردت الشرف، وحذرت من الجريمة البشعة التى سيقدم عليها.
      كانت الرسالة شديدة اللهجة، وكان كتمانها فترة طويلة قد زاد من حدتها ،  وكان يجب أن أمزقها بعد أن كتبتها، ولكني لم أفعل، وأرسلتها بالفعل إليه وكانت تتضمن استعراضاً للمصائب الأربعة التى أقدم عليها خلال عشر سنوات وهى “99% من ورق اللعب فى يد أمريكا ـ الشعار الكارثة” والانفتاح العشوائي وضرب الشيوعيين بالإخوان والجماعات ثم محاولته الجادة والملحة لتغيير الدستور.. ولم أعلم أن الخامسة فى الطريق.
  الغريب أنني بعد أيام شعرت بأن الرسالة لم تخلصني مما يمور بأعماقي ويثيرني بشدة، فكتبت “السقف” وهي رواية قصيرة، ترسم  صورة منزل يفاجأ سكانه بأن السقف الثقيل يضغط على الجدران ويحطم الأبواب والنوافذ.  ويستمر ضغطه حتى يضطر أهله للدخول منحنين فى البداية ثم زاحفين . طبعت الرواية بالتصوير (الماستر) فى خمسمائة نسخة، اختفت خلال أيام قليلة ولقيت استحساناً، أفرغني من بعض ما بي من براكين لا تهدأ، وكان الاستحسان أدبيا فى الأساس.
    أتبعت “السقف “برواية قصيرة أخرى هى “الناب الأزرق” وسلمتها لهيئة الكتاب وكان رئيسها صلاح عبد الصبور، وبعد شهور بدأت تتسرب أخبار عن عدم تحمس عبد الصبور لنشرها إذ يري فيها مساساً بالسادات، وكان محمود العالم قد قرأها مخطوطة، وأعجبته ، ولما علم بموقف صلاح ، قال لى :
ـ اصبر قليلا على صلاح، وسوف أكلمه.
  بعد إحدى ندوات شبرا طلب أحد الصحفيين إجراء حوار، فجلسنا فى مقهى وكان معنا هشام جمعة، فوجئت بالصحفي يسألني عن رواية “الناب الأزرق”.
فقلت: إنها فى هيئة الكتاب.
قال: أعرف، وقد سمعت بأذني صلاح عبد الصبور يقول لمدير النشر
ـ دع “الناب الأزرق” الآن.. سوف تثير مشاكل..
فسألته: هل هى رواية جنسية ؟
قال صلاح: ياريت.
استطرد الصحفي: فهمت إنها مشاكل سياسية.
       بعد انتهاء الحوار دعاني هشام جمعة ملحاً أن أذهب معه إلى مكتبه بروض الفرج. وقدم لي أوراقاً، ما إن وقعت عليها عيني حتى غاب عقلي وعميت عيناي. كانت الرسالة الطويلة التى بعثت بها إلى السادات قبل عام.. صدمني المشهد وأماتني لحظات، ثم انتقلت إلى مشاعر متناقضة من الغضب والحيرة والدهشة وعشرات الأسئلة تعصف برأسي.. ضابط المباحث يحدق فى . يفتش فى ملامحي عن الحقيقة، أنا الآن فأر فى قفص، ولست أستاذه وصاحب الفضل عليه كما يكرر دائما.   أشعر أني أركب زورقاً صغيرا فى أعالي البحار.. الزورق شبه مفكك ويوشك الموج أن يبتلعه.
قال: هل هذه رسالتك؟.. هل كتبتها بيدك؟
  بلعت ريقي وتأهبت للإجابة، لكني لم أجد صوتي.. كان الحرج شديدا.. لو كان الضابط غريباً، فليس ثمة مشكلة، ولكنني أعرفه جيداً، ويعرفني جيدا، ونظرته إلى نظرة التقدير البالغ وأنا الآن أمامه عريان وفى موضع الاتهام.
سلكت حنجرتي، وقلت: نعم.
قال على الفور: أعرف إنها رسالتك، منذ أرسلتها الرئاسة. فأنا أعرف خطك، وعباراتك، والأغرب أنك كتبت فيها اسمك و عنوانك، وكانت قد ذهبت إلى بنها، وتم تحويلها إلينا بعد الاستفسار عن مكان إقامتك الحالي.
  فوجئت به يقول وقد اكتست ملامحه بعض الحدة، وكأنه يوشك على ضربي:
ـ هذا عمل جنوني.
  وفجأة قال دون أن تهدأ الحدة:
ـ سامحني.. أنا مندهش.. كيف لمثلك أن يجهل النظام الأمني فى الدولة  ؟ . هذه الدولة لا عمل لها إلا الأمن.. كيف لمثلك ألاَّ يعرف حقيقة وأسرار نظام الحكم المصري؟
 ضرب المكتب ثم أشعل سيجارة وأشاح بوجهه بعيداً عني. أكمل بعد أن تنهد وأزاح جبلاً ونفث سحابة هائلة من الدخان:
ـ لا تحسب أن الوضع اختلف فى عهد السادات عن عبد الناصر، على العكس إنه أسوأ بمراحل.. دعك من تمثيلية حرق الأشرطة وهدم وإغلاق بعض السجون، كل شئ كما هو.. كانت هذه خطة لهدم عبد الناصر وليس السجون. وسوف تظل مصر كما هى لقرن على الأقل، وإن اختلفت الأساليب.
 ستقول لم يكن من ذلك شئ قبل الثورة، أقول لك  : لسبب بسيط ..  المصريون لم يكونوا هم الحكام، كان الأجنبي هو الذى يحكم والمصريون كلهم يد واحدة ضده، والأجنبي كان قابضاً بيد من حديد على كل شئ.
  وقفت، وأنا أحاول استرداد بعضا من كرامتي المبعثرة، قلت:
ـ يكفي هذا.. أنا لست فى حالة تسمح لي بمناقشة شئ الآن.
قال وهو يعود بالكرسي إلى الخلف وينفث ماسورة طويلة من الدخان الذى كان كلكمة فى وجهي: لكنك لم تعرف بقية القصة.
سقطت على الكرسي، كأنه شدني بعنف.
قلت مندهشا: قصة ؟
قال بتؤدة كأنه يحاول منع نفسه من تحميلي عبئا نفسيا كبيرا ، لكنه كان مصرا على مصارحتي.
ـ طبعا حضرتك عارف إن والدي نفسه لو كتب هذه الرسالة لسلمته للسلطات بلا أدني تفكير.. لكنك شخص آخر.. أنت..
  مضي يمتدحني متحدثا عن أهمية الأدباء والمثقفين، ويضعني ـ بحسب شعوره نحوي ـ مع الكبار الذين سيمثلون يوماً الأعمدة التى تحمل مستقبل مصر.
 أخذ نفساً، ثم ضرب جرساً وطلب من الجندي ليموناً وشاياً مع إغلاق الباب.. تابع عرضه الذى يشبه لوحة مسامير أمشي عليها بصدري.
ـ عندما وقعت عيني على اسمك. أصابني الذهول. قلت يستحيل أن يكتب الأستاذ هذا الكلام. لابد إنه عمل كيدي، ولكني لم أتصور أن أحداً يكرهك إلى هذه الدرجة، إنه بهذا يمسحك من الوجود.
كنت أرغب أن أتكلم. أصبحت كالخرقة وأريد أن أنطق بأي حرف.. بلعت ريقي وقلت:
ـ   هذا يعنى أني أكره نفسي. 
اندفع بثقة:
ـ نعم.. هذه كتابة شخص يكره نفسه.. يكرهها لدرجة إنه يستعدى عليها النظام الفظيع، ما لا تعرفه إننا نعلم الكثير عن جميع نظم العالم، نحن مثقفون جدا فى مجالنا، ونعرف كيف تحكم الشعوب.. ولكننا مختلفون تماماً، ونتفوق على الجميع ولا تقبل أنظمتنا أقل من أن يعبدها الأفراد.
كنت أحاول أن ألملم أعصابي وعوراتي المكشوفة، أمام مباحث أمن الدولة.
أشعر بخجل شديد وأنا  أسمع هذا الكلام، وخجلي نابع من جهلي، خجلي نابع من اكتشافي حجم ما أنا فيه من تخلف واستهتار وحماقة.
  قفزت إلى رأسي بسرعة ذكرى حمقاء قديمة.
     كتبنا استمارة التقدم لامتحان القبول الإعدادي (شهادة الابتدائية) ثم ذهبت للعب الكرة ووضعت الاستمارة فى جيبي وركنت الحقيبة على جنب، واندمجت فى اللعب. وقعت عشرين مرة، ولما انتهينا وجدت الاستمارة المصيرية عبارة عن قطعة بسكويت طحنها أتوبيس. أخفيت الخبر عن الأسرة رعباً من أبى إلى أن سألني عمي فوده قبل الامتحان بأيام عندما تأخر وصول رقم جلوسي. كشفت له خبر الاستمارة المسحوقة.
  عمل الرجل المعجزات حتى حرر غيرها وأدخلها السجلات محشورة، واستخرج لي رقم الجلوس قبل الامتحان بأيام، لأنه كان مدرساً معروفاً ومحبوباً من كل المسئولين فى الإدارة التعليمية.. تذكرت أخطاء كثيرة وحماقات، سببها فى الغالب إني كنت أري أن العالم يقوم أصلا على التسامح والمحبة والتغاضي عن الأخطاء، لأننا لا نملك شيئا، وما دمنا لا نملك فلا يحق أن ننزل العقاب .. الأب لا يملك الابن والحكومة لا تملك الشعب.. كلام عجيب تثبت لي الأيام دائما إنه على الأقل غباء.
لاحظ الضابط شرودي.. فقال:
ـ طلبت الرئاسة الرد خلال أسبوع على الأكثر.. مطلوب معرفة هل فؤاد قنديل نفسه الذى حرر هذه الرسالة، وهل هو الكاتب الذى يكتب أحيانا فى الصحف، وله كتب كذا وكذا، وعضو اتحاد الكتاب. و..؟
سألته: وكيف عرفوا كل هذا؟
اسمك مكتوب وعنوانك، وأكملوا هم.. لقد كتبت اسمك ثلاثيا.. أي أنك تتحداهم.
سألته:
ـ متى كان ذلك؟
ـ منذ سبعة أشهر .
ـ فماذا فعلتم؟
ـ أرسلنا بالرد.. وهل كان يمكن أن نتأخر ساعة ؟!
  أحنيت رأسي فليس لدي ما أقوله،  شملتنى شبه غيبوبة،  ثم تنبهت فقلت:
ـ لكنك لم تسألني أو تتأكد إنها رسالتي.
قال: اشرب الليمون.
أشعل سيجارة ورشف من الشاي البارد.. أحسست فعلا بحاجتي إلى الليمون الذى كان حلوا بدرجة مستفزة..قال:
ـ أدركت على الفور إنها رسالتك، وليست كيدية، كنت أثق أني لو استدعيتك، ستقول:
 ـ  نعم رسالتي  ، ولن أندم عليها ولن أتراجع ومستعد لإعادة كتابتها.
 ستأخذك العزة بالإثم.
قلت:  هذا ما كان ، وسيظل ردي.
ـ لذلك. جهزت الرد على أساس إنها.
   ثم نهض وأغلق الباب من الداخل، وعاد ليستطرد.
ـ أرجو أولا أن تعدني ألاّ تكشف هذا الكلام يوماً مهما مرت السنين، وإلى أن ينتهي الأجل.. أرجوك . هذه ليست مسئوليتي وحدي. مسئولية نظام.. وكل الملفات يمكن أن تفتح.
ـ اطمئن يا سيادة الرائد. أقدر جدا ما فعلته أيا كان.
قال: جهزت الرد على أساس إنها ليست رسالتك، وإني استدعيتك وحررت محضرا، وبسؤالك أنكرت علاقتك بالرسالة، وجعلتك بنفسك تكتب إقرارا بذلك، وأن الآراء الواردة بها لا تمت لك بأية صلة ، ولا يمكن أن تصدر عنك لإيمانك بالتوجه الوطني الذى يشمل كل منطلقات النظام السياسي الذى لا شاغل له إلا صالح الأمة.
 وضعت رأسي فى كفي.. خجلا وضيقا وأنا أري نفسي ممددا على منضدة يلتف حول جسدي رجال يعبثون بي كما شاءوا، ويخرجون منى أعضائي ويلقون بها بعيداً، أو يعيدوها فى غير مواضعها.
 حاولت أن أنطق ببعض العبارات التى تحفظ كرامتي، وقبل أن أكون جملة واحدة، قال:
ـ أنا الذى كتبت الإقرار بيدي بعد التصرف فى الخط طبعاً، ووقعت بالنيابة عنك.
قلت: ولكنك لم تكشف لي ذلك مع أني أعرفك منذ أكثر من  ثلاث سنوات
ـ قاومت أن أستعيده معك لكي لا أجرح شعورك، وأحملك جميلاً يؤثر على صداقتنا، والأهم أني لم أكن أضمن سكوتك، فلقد أصبحت أنا المدان ولست أنت.
ـ وضعت نفسك فى مكاني.
ـ بل أسوأ.. وضعت كل رجال الأمن فى منطقة الشك وعدم الثقة.
  شعرت ببرودة شديدة.. هل يمكن أن يفعل شخص آخر مثل ما فعل هشام ؟. هذا شخص نادر المثال.. هذا شخص مسئول جداً وغاضب جداً من النظام.
تحلل بدني وأدركت أني لن أستطيع النهوض إلا بعد فترة.
 كانت الساعة قد أصبحت الواحدة. القاهرة ترتعش تحت الأضواء وأنا أيضاً.. الظلام يقف بعيدا يتربص. عرض هشام أن يوصلني فى طريقه. رفضت. أعاد عرضه متمنيا بصدق أن أوافق. قلت له:
ـ أنا بخير. أود فقط أن أمشي قليلاً.
  غاب شهراً عن الندوة حتى ذهبت إليه، وسألته عن سر غيابه. قال:
ـ البلد على كف عفريت.. لا نكاد ننام.
ـ حاول تحضر. سلام.
أنا بالتأكيد مجنون. لم يعد ثمة شك فى هذا، ولو كنت غير ذلك، ما كتبت ما جري، فهي أحداث لا تدون، بل لا يجب أن أسمح لها أن تعاود الظهور حتى فى أحلامي.. ربما لأن الحماقة لدي مركبة من طبقات.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : مسرحية “الحلم”.

مسرحية من أربع لوحات سأنشرها تباعا ، مثلت هذه المسرحية ضمن فعاليات مسرح الهواة عام …

| جمعة عبدالله : قصيدة : أم الشهيد للشاعر يانس ريتسوس ( ΓΙΑΝΝΗΣ ΡΙΤΣΟΣ ).

قصيدة : أم الشهيد   يا ولدي , لا أعرف أي قدر كتب عليك وعليَّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *