البطاقات
جيمس كيلمان
ترجمة صالح الرزوق

قال سانديرسون:”صفحتك سوداء يا دانكان”. نظر من فوق رأسه لمكان ما ونخر من أنفه ثم أضاف:”كنا على وشك فصلك من العمل منذ المرة الماضية”.
رد دانكان:”ولكن يا سيد سانديرسون لهذا الغياب أسباب موجبة”. ونظر لجهة أخرى من الحياء والخجل.
حمل الملف وقال:”وما عذرك لكل هذا. متى كنت هنا آخر مرة. انظر لسجلاتك”. وخبط على الصفحة بيده اليسرى وتابع:” تشرين الثاني: السادس منه. والثامن. والتاسع. والرابع عشر. والعشرون. والواحد والعشرون. والثاني والعشرون”. وألقى سانديرسون بالورقة من يده.
قال دانكان:”ولكن قدمت شهادة صحية لثلاثة أيام”.
قطب سانديرسون ملامحه وقال:” شهادتك لا تنفع. أقصد ماذا سيقول رؤسائي. كلا.سندفع لك حتى نهاية الألسبوع. والآن دعني أفكر. اليوم هو الثلاثاء أليس كذلك؟”.
“نعم”.
“حسنا. حسنا” قال وسجل ملاحظة على ورقة ثم جلس وظهره على مسند كرسيه الجديد.
“والآن يا دانكان. يمكنك العودة إلى البيت وتبديل ثيابك. ثم اذهب إلى المستودع قبل أن يغلق. أو اذهب في الغد. نعم. ربما الغد هو الأفضل”.
“لا عمل اليوم لي إذا؟”.
رفع حاجبيه بدهشة وقال:”اليوم!. لا. لا”. وامتص سانديرسون الهواء بصوت مسموع من بين أسنانه المطبقة، وأضاف مجددا:”كلا!”. وكان صوته مرتفعا وهو يهز رأسه الأصلع بقوة وعنف.
ونهض دانكان وقال:”وهل ستكون البطاقات جاهزة في الغد أيضا”.
نظر سانديرسون بغرابة إلى دانكان، ولاحظ شعره نصف الطويل، ثم خفض نظراته، وهو يتأمل ياقة بلوزته الرسمية تحت جاكيت البذة وقال:”كما تعلم منذ البداية لم أعتقد أنك تناسب هذا النوع من العمل”.
شعر دانكان بدمائه تفور في رأسه. يا للمسيح. هذه إهانة. كانت فعلا إهانة.
غمغم سانديرسون يقول:”حاول أن تجمع أشياءك قبل 2:30. اتفقنا؟”. ورفع سماعة الهاتف بيده.
تساءل إذا كان بمقدور سانديرسون أن يسمع ضربات قلبه. ثم انحسر الغضب فقال:”حسنا. سأنفذ تعليماتك يا سيد سانديرسون”. واستدار وفتح الباب. وبدأ سانديرسون يطلب رقم الهاتف. ونظرت سكرتيرته لدانكان وهو يغاد من الباب الأمامي. وتوقف دانكان لحظة وهو يبتسم وقال:”يا له من قذارة صغيرة؟. أليس كذلك؟”.
التفتت المرأة بكرسيها الدوار وسحبت درجا من خزانة الملفات. أغلق الباب وراءه وتابع عبر البواية إلى الخارج وسار حتى موقف الحافلة. حسنا. هذه هي الخاتمة. من الطيب أن تكون حرا مجددا. ولكننا لا نزال في كانون الثاني؟. وقت سيء من العام لطلب الإعاشة. وربما تكون ممنوعة بحجة سوء التصرف والسلوك. أنت لا تعرف كيف تحسن التصرف بالوقت يا سيد دانكان. أهااا. إنها خطيئة لا تغتفر. ولا يوازيها غير اغتصاب زوجة ملاحظ العمال في المنطقة. ولكن على مديرية شؤون العاملين أن تدفع لأنه هناك زوجة وطفل؟. فجأة نادى شاب يرتدي ثياب مفتش الحافلات:”جاك دانكان؟”. نظر دانكان حوله.
قال:”آه. أليك. كيف حالك؟”.
“ماشية”.
وأشار المفتش للمكتب وقال:”لماذا أنت هنا؟”.
“غياب. تقارير بالتأخير. التنمر”. وهز دانكان كتفيه.
“يا للمسيح. لا بد أنك بحالة سيئة الآن”.
“إي”. ونظر للطريق أمامه.
قل أليك مع ابتسامة:”أفكر بعطلة لأرتاح”.
رد دانكان:”يبدو أن حافلتي تقترب”.
قطب ملامحه وقال:”حسنا يا جاك. ربما نلتقي في وقت ما في بار بيلز”.
“ربما. هل معك يا أليك سيجارة؟”.
“إي”. وقدم أليك علبة سجائر. وقال:”هل تريد سيجارتين؟”.
“إي. إن كنت تستغني عنهما يا رجل”.
“لدي الكفاية. هل أنت تمزح”. وقدم له ثلاث سجائر. وانفجر جاك بالضحك وهز رأسه وقال:”يا له من أمر محرج. اللعنة”.
توقفت الحافلة بجانب الرصيف، واقترب دانكان من الباب. ثم التفت وقال:”نلتقي يا أليك”. وصعد على متنها وجلس في المقعد الخلفي. وأخذ آخر نظرة من المرآب قبل أن تستدير الحافلة من حول المنعطف نحو شارع غلاسكو الرئيسي. كان دانكان يحفظ عن ظهر قلب كل حفرة وهضبة في هذا الطريق. ويمكنه أن يسمي كل بار وصالة رهونات بين حدود المدينة وغارت هيل. استقر في مقعده وأغلق عينيه. كان ينام في بالحافلة بسهولة، بسهولة تامة وفي كل الأوقات. الحافلات ليست سيئة. فالوقت كان مزعجا وفظيعا بما يكفي ولكن يمكنك أن تحصد مبلغا محترما إن عرفت كيف تضبط وقتك. لكن يا للمسيح. كم الوقت الآن سيء بالنسبة للمعونة. وزوجته قلقة من ذلك. ولا تقدره كمايجب. ولعله خرج من رأسها. لكن ربما يجد عملا مؤقتا أو عملين. أن يشرف على استراحة أو مشرب. لديه خبرة سابقة بهذا المجال. عموما، حان الآن الوقت لمكيال من البيرة قبل أن يدفن نفسه في البيت. وهي لا تنتظر عودتي قبيل منتصف الليل في كل الأحوال. وبمقدوره أن يتسكع قليلا. ولعله يراهن بجنيهين على الأحصنة. من يعلم؟. ربما يحالفه الحظ. استغرقت الرحلة إلى شارع كيليرمونت من محطة حافلات غارت هيل أربعا وخمسين دقيقة بالضبط. وحينما نظر جاك في ساعته كان الوقت 2.30 بعد الظهر. ساعة متأخرة بالنسبة لمكيال بيرة. وكان لديه في جيبه 4 قطع نقدية ومساحة حرة تساوي طول وعرض هذا العالم. غير أن هذا لا يكفي لمشاهدة فيلم. مع ذلك أمامه فرصة للرهان أو لجولة على طاولة السنوكر. ثم لم تكن لديه لفافات إضافية. سار جاك إلى الكشك واشترى نصف أونصة من صان فالي وعلبة ريزلاس. كان يفضل أن يعتمد على الرحلات المجانية بالحافلة. فموظفو المؤسسة وغيرهم من عمال شركات النقل الأخرى اتفقوا بشكل غير رسمي أن يعفوا عموم المفتشين والسائقين من ثمن التذاكر على كل الخطوط إن كانوا بالبذة. ولكن أحيانا كان جاك يضطر للدفع في حافلة المؤسسة إن تصادف أن المفتش من الجيل القديم. وأفراد هذا الجيل في الشركة من الشخصيات القاسية والمتحجرة.. ربما لأنهم كانوا يعملون بالترام. وقسما بالله، هذه مهمة شاقة في تلك الأيام – كانوا يرتدون الياقة البيضاء، وربطة العنق السوداء ومعها حذاء أسود كذلك. كان مظهرهم أفضل من أصحاب الرواتب الجيدة. إي، إي، إي. ليس كما هي الأحوال حاليا. أبدا. وقرر أن يعود أدراجه إلى البيت ويخبر جوان. من الأفضل أن ينتهي من هذا الموضوع. وتابع في شارع بوشنان. وتمهل قرابة دكان جيراردس لثياب الرجال. رأى هناك ربطة عنق ممتازة في الواجهة. تأملها بإعجاب. وفكر أن يقتنيها من أجل عيد الميلاد. كان شارع بوشنان مزدحما بسبب موسم أعياد الميلاد ولا سيما في شارع أرغايل حيث المتاجر والمستودعات باهظة التكاليف. ربطة العنق هناك تكلف خمس جنيهات ونصف الجنيه. كان شارع أرغايل مشغولا بألوف البشر. وهم بحركة دائبة. وبأيديهم أكياس من ورق وحقائب التسوق. وعندما تبدلت إشارة المرور انطلقوا في الطريق وأصبح رجل الشرطة بياقته الحمراء قليل الحيلة وليس بمقدوره أن يتصرف. سوى أن يشير لهم بيده ليتابعوا سعيهم. بقي أقل من أسبوعين، وضغط الشراء يتزايد قبيل ميقات العيد. كان طابور الحافلة يتمدد أمام أرنوت. ووصل طوله لثلاثين ياردا وكان جاك في نهايته. ولسوء الحظ توجب عليه أن يأخذ دوره في الصف الطويل مثل غيره، فهو يعمل بالحافلات الزرق وليست لديه أفضلية في هذه الشركة. وكان الناس في الطابور يتذمرون، وجاك يصغي لهم بحيادية. من الواضح أن الحافلة رقم 63 و64 لم تظهرا من عشرين دقيقة تقريبا. وكان الثلج بدأ بالتساقط. رجل صغير الحجم وقف بعد جاك. فتح زاوية فمه اليسرى وقال:”برد منيوك. أليس كذلك؟”.
رد جاك:”إي”.
وبصق الرجل الصغير على الحافة، ورفع ياقة معطفه، وأرخى قبعته لتغطي رأسه حتى وصلت أذنيه. و أشار لحافلة تتلكأ عند إشارة المرور وسأل:”ماذا هناك يا ابني؟. هل ذاك هو رقم 64؟”.
قال جاك:”لا. رقم 63”.
“يا للمسيح” قال الرجل الصغير وطامن ما بين كتفيه وانكفأ على نفسه. واشتعل الضوء الأخضر واقتربت الحافلة من الموقف. وهبط منها ثلاثة أشخاص. ومدت المفتشة رأسها ونادت:”أول ثلاثة”. حوالي ثماني نساء قفزن بعزم وإصرار.
“قلت أول ثلاثة!”.
قالت إحدى النساء:”كنا بالانتظار منذ نصف ساعة كما تعلمين”.
ردت المفتشة:”يا للعار. انتظريني حتى ألقي إليك السلم لتتسلقي على الظهر”.
قالت امرأة أخرى:”لا يوجد أكثر من خمسة ركاب واقفين”. ولكن الباب الأوتواتيكي أغلق قبل أن تنتهي من كلامها. وابتعدت الحافلة ثم توقفت مجددا وانفتح الباب وصاح السائق:”أنت. جاك!”. انتبه دانكان وقفز بسرعة دون أن ينتبه للنظرات المستنكرة التي طارده بها الناس الواقفين حوله.
قال:”هاري… متى بدأت هنا”.
رد السائق:”منذ ثلاثة شهور”. وأغلق الأبواب وانطلق بعيدا.
قال له:”هكذا أفضل من أن تبقى مع تلك الجماعة هناك”.
قال جاك:”الطقس صعب. ولكن حالفني الحظ اليوم”.
“إي”.
“هل سمعت أنهم طردوني من عملي”.
قال السائق:”لا يهم إن حصلت على تزكية”.
“آه. طالبت بذلك”.
وانخرط كلاهما بضحكة واحدة.
“لماذا لا تنضم إلينا هنا”.
قال جاك:“كلا يا هاري. انتهيت من الحافلات. على الأقل في الوقت الحالي”.
كانت الحافلة تمضي من تحت الجسر المركزي.
سأل السائق:”هل من أحد يفكر بالهبوط؟”.
قال جاك وهو ينظر في الممر:”لا”.
قال هاري:”إذا انتظر”.
رفع الناس الواقفون بالطابور عند الموقف أيديهم. وأبطأ السائق الحافلة قليلا على سفح الهضبة، ثم توقف عند الرصيف. وأقلع دون إنذار وزاد من سرعته ملوحا بيده على سبيل التحية، وهو يبتعد في شارع هوب. وانفجر جاك بالضحك. وقال:”يا له من عمل لعين”.
قال هاري مقطبا ملامحه:”اسمع الركاب”. كانوا جميعا يتكلمون بعصبية ويشيرون لغرفة السائق في المقدمة. وجاءت المفتشة وهي تبتسم. كانت بحدود ثلاثين عاما وترتدي ثيابا أنيقة ونظيفة. قالت:”لقد استفزهم تصرفك. انظر كيف جميعا يثرثرون”.
سأل جاك:”هل شاهدت وجوه الناس في الموقف”.
قالت:”هذا حالهم دائما”. وبدأت بعملها وباشرت بجمع ثمن البطاقات. وتوقفت الثرثرة فجأة. قال هاري:”شيلا معروفة بشكل جيد. حينما تبدأ عملها يلوذون بالصمت”.
ابتسم جاك وقال:”إي. أرى ذلك”.
قال هاري:“شيء يثلج الصدر. فهي في العمل منذ حوالي عشرة سنوات”.
وعادت المفتشة أدراجها وقدمت لهما السجائر. سأل هاري بعد قليل:”أين تعيش يا جاك؟”.
“في باتريك يا رجل. شارع بيث”.
“بجوار المرآب”.
“إي. قبل ساندي رود”.
وتوقفت الحافلة عند الإشارات في تقاطع باتريك.
وتابع جاك كلامه فقال:”غرفة ومطبخ. ومعه مرحاض”.
سألت شيلا:”شراء؟”.
“لا. ستة جنيهات في الشهر مع الضريبة. وتوجد تخفيضات”.
سألته شيلا:”إي. مثل بيت من الشركة”.
قال السائق:”هذا رائع. ولا سيما لو أنه بيت في كاستل ميلك”. ابتسم جاك كأنه موشك على البكاء وقال:”إي. أو في درام”.
قالت شيلا:”أختي تسكن في درام شابيل. وهي مرتاحة تماما.هذا يعتمد على مكان البيت بالضبط”.
رد جاك:”إي. عموما هنا يجب أن أغادر”.
“حسنا. لا تنس أن تزورنا في ويت شيف في أول أمسية ممكنة يا جاك. أنتهي من العمل مبكرا هذا الأسبوع. وسأكون حتما هناك في ليلة الجمعة”.
“حتما. ربما أفعل ذلك”. وهبط من الحافلة وهو يقول:”إلى اللقاء”. وسار في شارع كروفورد الفارغ تقريبا. لم يبق أحد إلا في مطلعه وآخره وفي البيت القديم قرابة محطة الخطوط الحديدية. فهو مسكون في الوقت الراهن. وبدأ جاك يشعر بالكآبة لأن كل شيء يحتاج لتفسير حتى تفهم جواني موقفه. وانعطف باتجاه رقم 136 وداس على براز قديم كان هناك. قال وهو يشخر”أولاد حرام”. ولكن لم يحترق من الغضب كما يجب. ومسح حذاءه بصفحة من جريدة. وهنا لفتت العناوين نظره. وقرأ بصوت مرتفع:”باكستير يغادر رانجيرز؟. يا للمسيح ما هذا الكلام”. ونظر للتاريخ وقال بصوت مخنوق”1966”. صعد السلالم. كان السلم مكسورا ومهشما في بعض المواقع. والرطوبة تسيل من جدران مطلية بلون أحمر. وكانت أسماء وشعارات العصابات مكتوبة في كل مكان وبطلاء من ألوان مختلفة. كان آل دانكان يقيمون في الطابق الأخير أمام بيت آل مونان. نقر على الباب وسمع صوت زوجته يأتي من المطبخ. وأمكنه رؤية خيال من ثقب الباب. ثم انفتح الباب قليلا وفورا على وسعه. قالت المرأة بدهشة:”جاك؟”.
قال:”مرحبا”. ودخل وقبلها.
ثم سألها:”أين بائع الحليب إذا”.
ابتسمت لهذه الطرفة القديمة وقالت:”هل لديك فرصة؟”.
عبس قليلا وقال:”كلا. إيه. طردوني. هل عندنا شاي؟”. وتابع نحو المطبخ وملأ الغلاية. ثم وضعها بقابس الكهرباء.
ورآها تقف بالباب وتسأل:” ما الأمر يا جاك؟”.
قال بلا مبالاة:”فصلوني. لعدم الالتزام بالمواعيد”.
“آه”.
“يمكن أن نصمد أسبوعين. عموما الآن وقت الأعياد. يعني عطلة”.
ارتمت جوان على الأريكة.
فقال جاك وهو يقترب منها:”سأحصل على رواتب ثلاثة أسابيع قريبا”.
قالت المرأة:”أوه. جاك. ما هذا؟”.
قاطعها بقوله:“اسمعي. يمكن أن أجد عملا وفورا إن أردت؟”.
نظرت له وهي ترفع عينيها نحو وجهه وقالت:”أين؟”.
وضع يده على كتفها وقال:”في الشركة. ما خطبك. ألا تفهمينني؟”.
“لا تكلف نفسك”.
نهضت والغلاية تفور.
“شاي؟”.
“إي. أفكر بالانتظار لما بعد العام الجديد ثم أبدأ”.
سكبت الماء في إبريق الشاي.
“يا له من عام جديد”.
قال جاك بهدوء:”أوخ. اصمتي كرامة للرب”.
سألته:”وماذا سيحصل إن لم يقبلوك؟”.
رد جاك:” إنهم يبحثون بالملقط عن الرجال. وعموما سأجد عملا صغيرا أو اثنين على الهامش”.
تنهدت وقالت:”مثل ماذا؟”.
“فنادق ومطاعم أو في مشرب. لا تقلقي. يوجد شواغر كثيرة”. وتقبل الشاي منها ورشف ببطء. فتنهدت مجددا بحزن وتعاسة وقالت:”وهكذا لن نجد فرصة لنكون معا. الآن لا نلتقي إلا بصعوبة”.
“على الأقل لن أعمل بنوبات”.
سألته:“هل يمكن أن تعمل مندوب مبيعات؟”.
“أحتاج لبذة رسمية”.
“لديك اثنتان”.
رد جاك:”آخ. هما مدعاة لليأس. لم أكن متحمسا لهما دائما”. ولف سيجارة.
“كنت أعتقد أنك توقفت عن التدخين؟”.
ضحك ضحكة قصيرة وقال:”توقفت عن شراء السجائر الجاهزة. فقط نصف أونصة بقرشين”. وتوقف وتخلص من ثيابه. وسأل:”هل تعرفين أين بنطالي”.
ردت جواني:”الأزرق؟”.
“إي”.
“في الخزانة، إن لم تبدل مكانه”.
ذهب عبر الغرفة ووجده معلقا في الخزانة. وكانت الطفلة تغرغر لنفسها. مال على السرير واختزل ضحكة صغيرة. وجاءت زوجته وهو يحمل الطفلة.
سألته:”هل عملتها؟”.
قطب ملامحه وهو يرقص بالطفلة وقال:”يبدو. لها رائحة منفرة”.
قالت:”قابلت أمي صباح اليوم. وسألت متى سنزورها”.
سألأها:”وماذا قلت لها؟”.
“قلت سأتصل”.
“نزورها غدا مساء”.
قالت بحذر:”قد يحجزك والدي معه ”.
رد جاك وهو يبدي اهتماما واضحا:”هذا ممكن؟”.
“اقترح ذلك سابقا يا جاك”.
“نعم. أذكر”. قال وهو يقدم لها الطفلة. وتابع:”ربما أوافق”.
“هل أخبره بشيء”.
قال بنفاد صبر:”:لا. اتركيها لوقتها”.
قالت المرأة بصبر:”حسنا. وماذا تريد مع الشاي؟”.
“الحساء مثل الجمعة الماضية”.
“حسنا”. ابتسمت له وابتعدت من الغرفة وهي تحمل الطفلة. والتقط جاك كتابا وجلس ليقرأ فيه.

*جيمس كيلمان James Kelman: روائي اسكوتلاندي. من دعاة اللامركزية واستقلال اسكوتلاندا. حائز على البوكر عام1994. له نشاط في جمعيات حقوق الإنسان والمجتمع المدني. يكتب بلغة غلاسكو المحكية. والقصة من مجموعته : بار قديم قرابة الملائكة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حميد الحريزي : رواية (ثلاث وستون ) للروائي احمد الجنديل .

(ياتي زمان على أمتي القابض على دينه  كالقابض على جمرة ) النبي محمد(( ص)) ثلاث …

| نبيــل عــودة : النجــــار.. (حكاية عربية) .

في عصر ما وفي سلطنة من سلطنات الارض التي لا عد لها، عاش نجار بارع، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *