د. عامر هشام : شقاء

لم يكن قراره هو عندما ترك بغداد في ليلة حالكة…كانت يدا أمه أقوى منه، فجذبته من ياقة قميصه وهو يبكي…لا يريد ترك بيته وحاجياته..سمعها تقول لقد هدّدوني اليوم بعد أن قتلوا أخاك..لم يفهم ماذا تعني أمه بالضبط، وهو يحاول فكّ طلاسم حديثها …عمره كان يومها عشر سنوات..هو يفتقد أخاه الأكبر حيث أصيب بشظية في رأسه جرّاء أنفجار في منطقة المنصور،حصل قرب مركز لبيع التلفونات الجوالة، كان أخوه أحد العاملين فيه..لم يره بعد ذلك..قالت له أمه.. لقد خسرناه….مات أخوك..
ترك مدينته…قضى محمود سبع سنوات في الأردن..درس هناك قبل أن تقبله مفوضّية اللاجئين مع أمه لاجئا في بريطانيا..لم يكن ذلك سهلا أبدا..كأن الشقاء مكتوب على جبينه،لا مفّر منه..حاول أن يتم دراسته في مدارس اللاجئين في لندن..حاول جهده..لكنه فشل….فشل نعم.. ولكنه لم يندم كما ندم اليوم..!.
عمل في محل للمعجّنات في منطقة سكناه بكرويدون جنوب لندن..محل صغير، وصديقه الأسباني يعمل معه في المحل الذي يملكه والده..بدأ بتعلّم المهنة..يصنع العجينة الحارة..ويعمل الكابشينو لزبائن المحل كل صباح..لم يندم كما ندم اليوم..فقد بدّل ساعات عمله الصباحي بالساعات المسائية لزميله في المحل..
فجأة في ذلك اليوم الذي لن ينساه من شهر آب….يدخلون عليه في المحل، مهشمين كلّ شيء في طريقهم، وكاسرين الباب الرئيسيّ متوجّهين حيث زبونة يبدو عليها الثراء..أخذوا كل شيء في المحل.. حتى الصيدلية المجاورة كانت قد أستبيحت..وأدوية غالية سرقت…هددّوه….هم نفسهم الذين هدّدوه وأمه في بلدته البعيدة..أو هكذا ظن هو اليوم..وفجأة وجد نفسه مضرّجا بدمه بعد أن كسر فكّه ..جاءته ضربة مفاجئة على رأسه الذي أصطدم بمنضدة حديدية كانت موضوعة في مدخل المحل..سقطت منه محفظته حيث فيها صورة لأخيه الكبير..صارت صورة أخيه قريبة منه…نظر أليه في عينيه، وهو يشم رائحة النار في مكان مجاور..ولا أحد يساعده في النهوض..ولا زال أخوه ينظر أليه بعينين ساهمتين كأنها تنتظر اللقاء…

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صفاء أبو خضرة : من أينَ أتيتَ؟ من تجربتي مع السرطان .

-1- أتدري ماذا يعني ألّا أكتُب؟ هكذا، بلا اندفاع وبلا رغبة، دونَ أن أغزلَ الكلمات …

| د. قصي الشيخ عسكر : الجثّة .

راحت تقطع الممرّ ذهابا وإيابا ومع كلّ خطوة كان القلق يضيف علامة يأس على وجهها. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *