علي حاكم صالح البريكان: في الطريق إلى البريكان (2/2) (ملف/17)

إشارة :
رحل الشاعر الكبير الرائد المُجدّد “محمود البريكان” بطريقة مأساوية وطُويت صفحته كالعادة فلم نشهد خلال السنوات الأخيرة بحثا تحليليا حازما ومخلصا ومستمرا في تراثه الشعري الباهر المميز الذي شكّل علامة فارقة في مسار الشعر العراقي والعربي. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الأحبة النقّاد والشعراء والقرّاء إلى إثرائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق. وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية على عادة الموقع.

التساؤلات الأربعة التي تقع في مفتتح قصيدته “قصيدة ذات مركز متحول” تشترك في مركز واحد؛ لذلك هي تساؤلات ذات مركز متحول من تساؤل إلى آخر. يكشف التساؤل الثاني :” كيف أرمم روحي؟، عن مدى وضوح هذه الحقيقة أمام روح الشاعر، وتغلغلها فيها. وهو تغلغل يبلغ حدّ أن الشاعر يستشعر ثقلها ووطأتها. إن السؤال “كيف أرمم روحي؟” تنويعة أخرى على التساؤل الأول “كيف أستر عري الحقيقة؟”، ولكنها تنويعة مستقلة استقلال النتيجة عن مقدمتها، بمعنى أنه استقلال مرتبط صميمياً بما يدعي الاستقلال عنه. كلمة “أستر” في التساؤل الأول هي نفسها كلمة “أرمم” في التساؤل الثاني. أو أن “الترميم” هو النتيجة التي يفزع إليها الشاعر من خلال “الستر”، فعبر ستر الحقيقة، يحاول الشاعر أن يرمم روحه. ذلك أن الحقيقة هي روحه، أو روحه التي تعيش الحقيقة. ما معنى الترميم غير كون الذي يحتاج إلى الترميم شيئاً فقد براءته الأصلية، شيئاً انثلمت حافاته، بحاجة لأن يعاد إصلاحه، أي أن يُرمَّم؟ فالروح مثلومة، لأنها تمثلت (عرفت) الحقيقة حد أن صارت الحقيقة هو كل ما تراه، أو حدّ أن صارت هي الحقيقة. وإحدى وسائل هذا الترميم، أو ربما الوسيلة الرئيسة، هي التجاهل، أو النسيان. تجاهل الشيء يعني محاولة نسيانه. البريكان، القابض على الحقيقة، يريد أن ينساها. يكتب في قصيدته “استعادة العالم”:
إنس ما تعرف
وابدأ كآدم
يخطو على الأرض التي أخصبتها البراكين.
ويكتب في “البدوي الذي لم ير وجهه أحد”:
أنا البدوي الذي نسخته التجارب
واستعبدت روحه المعرفة
هل النسيان هنا نوع من نشدان البراءة؟ وهل كان آدم (آدم الأصل) يمثل البراءة الحقة، ليمثل البداية التي ستدشن تاريخ فقدان البراءة؟ من ثمار هذا النسيان الذي يأمله الشاعر ترميم ما خلفته الحقيقة والمعرفة في روحه من عطب؛ العطب الذي تحدثه هذه الحقيقة. أقول “تحدثه”، لأن العطب الذي تنزله هذه الحقيقة بروح الشاعر لم يتشكل مرة واحدة وإلى الأبد، بل هو لا يزال مستمراً، فالزمن الذي اكتشف فيه الشاعر الحقيقة ساطعة ما يزال يتدفق، بلا انقطاع، في كل لحظة؛ ذلك أن الشاعر لا ينقطع أبداً عن معاينة الحقيقة الساطعة في الزمان؛ كلاهما زمانيان: روح الشاعر والحقيقة. ويبلغ الوجع بالشاعر حدّ أن يصرخ في قصيدته “قصيدة ذات مركز متحول”:
الزمان. الزمان. الزمان.
الحقيقة التي ينوء بمعرفتها الشاعر تتنافى مع اكتمالها مادام الوجود قائماً ومستمراً، ومادامت معرفة الشاعر المتصلة أبداً لا تنقطع، وتتنافى أيضاً مع متع الحياة المنقضية. هنا ثمة مفارقة يخلقها الشعر؛ مفارقة تعيش مستويات عديدة ربما. من بينها إن الحقيقة لا تكتمل أبداً لأن الحياة متدفقة، ويعاين الشاعر تدفقها من حوله، مع أن تيارات هذا التدفق تحمل من بين ما تحمله ما أسميناه متع الحياة المنقضية (أو الزائلة بحسب كلمة البريكان الأثيرة). كما أن عدم اكتمال الحقيقة يضمر معنى آخر يتعلق بممكن إنساني غير متحقق (سنأتي عليه كخيار آخر).
عملية الترميم هي نفسها، كما قلت، عملية الستر التي يبحث عنها الشاعر. ستر الحقيقة يعني محاولة الشاعر أن يلقي عن روحه ذلك العبء الذي تحمله؛ عبء بدا الشاعر، في عالمه الذي يعيشه، وأمام الحقيقة التي تتآكل وجوده، أشبه بلعنة يريد سترها. إنها لعنة الحقيقة. فالحقيقة لم توفر الألفة التي اعتدنا أن نقول إنها توفرها. لاشيء غير الألفة والنسيان من يمنح الإنسان القدرة على المضي في الحياة. فإن نزعت الألفة عن كل ما يحيطك، صار كل شيء غريباً. وإذا كان منطلق التساؤل الفلسفي البدئي هو الدهشة، والتآلف مع العالم هو الرغبة التي تسكنه، فإن الشعر في هذه الحالة، رغم أنه يرمي إلى الشيء نفسه، عكسَ النتيجة تماماً. إن المعرفة عند البريكان سبب لعنة الروح المعطوبة. ولكن كيف يمكن معالجة شيء لم يتوقف، شيء ما زال ينخر الروح كداء مقيم؟
في التساؤل الثالث :”وهل شرك الشعر ينقذني من متاهي؟” تبدو معرفة الحقيقة متاهة يجد الشاعر نفسه عالقاً فيها، ويرغب في الإفلات منها. إن الحقيقة، كما يعبر عنها هذا التساؤل، متاهة. فما معنى أن تكون الحقيقة كذلك؟ أليس الوضوح، كما يرى فكر فلسفي، صفة للحقيقة، وأليس الاطمئنان الذي تُسلمنا إليه الحقيقة (أو الركون إلى الحقيقة) ثمرة يخلد إليها الباحث عن الحقيقة؟ وأليست هي ما يوفر الاطمئنان لمن يعثر عليها، أو ما يشبع رغبة “حب” الحقيقة، فيستسلم للاسترخاء الذي يعقب إشباع الحب؟
المتاهة تعني الحيرة، والارتباك، والغموض، والمراوغة. وهذا يتنافي، ظاهرياً، مع العري الذي تتجلى به الحقيقة. العري يعني الوضوح، والانكشاف التام. فلن تعود بين العارف وموضوع معرفته العاري أي حُجب تفرض على المعرفة أن تسلك التوسط في الوصل أو في الإنجاز. المعرفة هنا مباشرة. فكيف نطابق بين هذا الوصف، ووصف الشاعر لوجوده في متاهة؟
يمكن أن نفهم “العري” (“عري الحقيقة”) هنا على نحو مغاير تماماً لمفهوم الوضوح؛ وضوح الحقيقة. فالوضوح معيار نقيس به الحقيقة معرفياً، والعري شكل تتبدى به الحقيقة أخلاقياً أو نفسياً. يقيم الوضوح مسافة بين من يعرف وموضوع معرفته، وبهذا يقيم التواصل أو الشيوع؛ لأنه قابل للعقلنة. الوضوح قيمة عقلية معرفية. أما العري فهو حكم قيمة نفسية وأخلاقية. والشاعر يرى عبر تعري الحقيقة جوهرها المراوغ. وهذا ما يؤكده سؤاله الرابع: “وهل يستقيم مصيري إليّ خلال الوجود المراوغ؟”.
يوفر هذا السؤال مخطط إجابة (أو إجابات) معينة. إن الحقيقة التي تهفو نفس البريكان إلى سترها هي، إذن، حقيقة الوجود نفسه. إنها الحقيقة الكلية. حقيقة الوجود، ليس فقط وجود الشاعر بوصفه هذا الكائن الفرد، وإن كان ذلك هو المنطلق، وإنما بوصفها حقيقة الوجود التي يعاينها، ويعانيها، الشاعر في كل مفصل تتطلع إليه عيناه، وفي كل ثنية ترقد فيها روحه. إن الوجود الذي يتدفق من خلال روح الشاعر، أو ما تتعثر فيه هذه الروح هو الذي يبدو هنا متاهة حقيقية؛ لأنه الحقيقة تعرت أمام الشاعر بوصفها متاهة، وبوصفها أيضاً حقيقة مراوغة. المتاهة مراوغة. الحقيقة متاهة مرواغة. الوجود متاهة مراوغة. حقيقة الوجود متاهة مراوغة. حقيقة الحقيقة، إذن، متاهة مراوغة.
كان البريكان في قصيدته هذه قد أعلن في مطلعها قبل طرح تساؤلاته العبارة الآتية:
مدونة الوهم
لا تنتهي أبداً.
ما هي المدونة؟ قصيدته نفسها، أم ما تدونه القصيدة؟ (ولكن هل من فرق! فالقصيدة تدون نفسها). التدوين يفترض المعرفة بشيء ما ضرورة. واستناداً إلى ما سبق يمكن القول إن الوهم الذي يُدوَّن هو حقيقة الوجود؛ ذلك إن الوهمَ متاهةٌ مراوغة. وهذه المتاهة المراوغة يريد البريكان أن يدونها ولكنها متاهة لا تنتهي. والمراوغة تتضح أكثر حين يكتب البريكان في القصيدة نفسها:
عالم من ظلال
يتفكك في الريح.
ها هو ذا
وطني الأول
وطني المنسي
وطن أعرفه، لا أعرفه.
وشكل المراوغة يتجلى في هذا التأرجح بين المعرفة واللامعرفة. فمن بوسعه أن يدعي معرفة بالوجود؛ والوجود هنا ليس شيئاً مستقلاً عن المعرفة، الذي هو مجرد وهم! فكل معرفة من هذا القبيل وهم؛ ليس لأن موضوع المعرفة نفسه وهم، بل لإن ما يؤسس المعرفة من جهة الذات العارفة (التي تعرف ولا تعرف)، وموضوع معرفتها هما أيضاً جزء من هذا العالم نفسه: العالم غير القار، وغير المستقر؛ العالم الذي يتفكك في الريح هو ليس أكثر من ظلال. وما يؤكد هشاشة هذا العالم إنه ليس ظلاً يعكس شيئاً آخر أكثر حقيقية وصلابة؛ إنه عالم قائم بذاته؛ حقيقته الوحيدة إنه وهم.
هذا هو العالم المتأرجح بين الحقيقة
والوهم. بين سطوع الوجود وظل العدم.
العدم والوجود يكونان العالم. وكان العالم نفسُه عالماً من ظلال. إنه ظلال العدم. سطوع الوجود ليس غير سطوع مراوغ. فبات من الطبيعي ألاّ يركن الشاعر إلى زعم ما بمعرفته؛ إنما هو متأرجح، كما العالَم، بين أن يعرف، وأن لا يعرف. غير أن اللامعرفة هنا ليست نتاج شك، أو عجز عن المعرفة؛ إنما اللامعرفة تمضي رفقة المعرفة ذاتها، وهي أيضاً تعبير عن نوع وماهية الموضوع الذي تتجه إليه. فإذا كان العالم بهذا الشكل، فإن العدم والوجود هما خيارا الإنسان الوحيدان؛ أو هما تاريخه، وكينونته، ومصيره. ولكن كيف يختار الإنسان بين إمكانين هما كل ما يكوّن العالم تكويناً يفترض فيه أحدهما الآخر؟ ما يؤسس هذه الثنائية، ثنائية المعرفة/اللامعرفة، وما يدفع الشاعر بقوة إلى أن يستر الحقيقة هو الفزع الذي يداخل روح الشاعر في مواجهته (أو تمثله) الحقيقة: حقيقة عالم يتكون من وجود وعدم. يكتب البريكان في القصيدة نفسها:
أي عالم جميل
تحت هالة الغسق!
هل تشاهد الفراغ؟ هل تواصل الرؤية؟ هل تلامس
الفزع؟
عبر الرؤية يلمس البريكان الفزع؛ يراه في هذا الفراغ الأخلاقي والوجودي الذي يبطن العالم. الفراغ يعني أن هناك وجوداً ما، ولكنه يعني في الوقت ذاته، أن هناك عدماً يحايث الوجود. في هذا السطر الشعري يستخدم البريكان الأفعال الحسية: “يشاهد”، و”يرى”، و”يلامس”. وهذه الأفعال بطبيعتها أفعال خارجية، تتجه إلى موضوعات، أياً كانت طبيعة هذه الموضوعات، تقع خارج الذات التي تشاهد، وترى، وتلمس. غير أننا نلاحظ هنا اختلافاً جوهرياً في طبيعة الموضوعين اللذين تتجه إليهما هذه الأفعال؛ فهناك اختلاف بين الفراغ، والفزع من حيث منزلتهما الأنطولوجية، وطبيعتهما. إذ يمكن القول إن الفراغ جزء من المكان، ولكنه ليس متمكناً، والفزع تعبير عن إحساس ذاتي.
كان الفراغ هو العالم نفسه. وفي أخاديد وجود هذا العالم وعدمه، وأمام إشعاع خيوط حقيقته التي تتعرى كمتاهة مراوغة يتساءل الشاعر عن سبيل للإنقاذ، وعن سبيل لترميم روحه، وعن سبيل يوفر لمصيره الاستقامة. فكان الشعر هو الممكنَ الوحيد الذي يمكن أن يكون ذلك السبيل. والشاعر البريكان لا يجد غير الشعر سبيلاً تنقذه من هذه المتاهة؛ ولكن أي سبيل هذه التي هي نفسها شرَك؟! كيف يوفر الشعر، أي الشرَك، سبيلاً للخروج من متاهة الوجود؟ وكيف يساعد الشعر، بحقيقته هذه، على ترميم روح الشاعر؟ وكيف يهيئ الشعر الاستقامة لمصير الشاعر التي يجرفه الحنين إليها؟ ذاك هو همّ البريكان.
مدونة الوهم لا تدون الوهم بوصفه موضوعاً، إنما هي تدون الشعر الذي هو شرك. الشعر الذي “يجب أن تكرس له حياة كاملة”، كما قال البريكان مرة، هو السبيل إلى ستر عري الحقيقة. وهنا فرادة البريكان، فرادته أن كرّس حياته للشعر، ليس لكتابته فقط، بل أن يعيش الحقيقة التي يوفرها الشعر. أن يصبح الشعر بيته، ووطنه الوحيد. ليس الشعر أيديولوجيا، ولا تلاعباً بالكلمات، فيستحيل كلمات متقاطعة، ولا أن يجهد ليفاجئنا، كما يقول كونديرا، بالمفارقات، ولا أن يصوغ أنا وهمية تقوله ولا تعنيه، ولا تعيشه، إنما الشعر هو نفسه الكائن الذي يقول. غير أن الشعر ليس كائناً بريئاً يوفر الطمأنينة التي بدا أن نفس الشاعر تتوق إليها؛ إن الشعر شرك. ولكنه شرك لا محيد عنه، لذلك وقع البريكان فريسته؛ فهل هو من نصب لنفسه هذا الشرك؟
ما معنى أن يكون الشعر شركاً؟ الشعر لغة، ولكن اللغة لا تقول ما يقوله الشعر؛ لأنها لا ترى ما يراه الشعر. اللغة تسمّي لكي تتذكر ما تسميه، أو توجد ما تسميه كما يقول هيدجر، والشعر يأمل منه البريكان (ولكنه أمل لن يتحقق) أن يسلم الحقيقة للغفلية لكي ينساها. يُتوسل الشعر ليس لكشف الحقيقة، إنما لسترها، حجبها، أي سعياً وراء تجاهلها، ونسيانها. ولكن هل يقدر الشعر، فعلاً، على “ستر الحقيقة”؟
ليس من ماهية الشعر (والبريكان يعي هذا جيداً) أن “يستر” الحقيقة، بل الشعر يقول الحقيقة، أي يكشفها. الشعر ينسج الحقيقة. وفعل “النسج” هذا هو الذي يراه البريكان شركاً. وسؤاله :”وهل شرك الشعر ينقذني؟” يعرف هذه الحقيقة جيداً؛ لذلك فهو سؤال لا يستفهم، إنما هو سؤال يعلن.
7. عالم يشيّده البريكان
عالم لا شكل له، أو هو عالم انطمس وجهه إلى الأبد، فغدا مثل مقبرة، بل هو مقبرة لا شواهد فيها. مقبرة تجوسها كائنات شبحية، نهضت على قدميها وسط ركام عالم منهدم لا سبيل حتى لإعادة إصلاحه. عالم يضج بصفير ريحٍ تفككُ أركانَه، وتحيله محض فراغ. ومن هواء هذا القفر الموحش تشكلت روح الإنسان ليضاعف الوحشة، أو يكررها، أو بالأحرى لينتجها في صور أخرى. صور وهمية شاحبة، لا تني تستبدل حقيقة العالم الذي ظهرت فيه بأوهامها، فتتحول هذه إلى واقع مُتوهم. وضمن صور الوهم هذه، تبرز أخلاقيات الخلود تتلاعب بالتاريخ والوجود، في عالم جوهره الزوال.
هذه بالضبط صورة العالم كما تشيدها تجربة البريكان الشعرية؛ صورة يمكن أن نراها (نقرأها) مكوناً شعرياً ثابتاً، وهاجساً إنسانياً مستمراً في تجربته. وجميع قصائد البريكان تنويعات فريدة على هذه الصورة، أو تكوينات متنوعة للصورة نفسها. والصورة هنا ليست بالمعنى الشعري فقط، بل بالمعنى التشكيلي التصويري. فالرسام يختار في كل قصيدة، بفرشاته الثابتة، الألوان القاتمة نفسها في رسم المشهد الذي يختلف في كل مرة رغم أنه يجلي الجوهر نفسه. وببراعة الكلمات يمنح التكوين حركة، فيخرجه من سكون اللوحة المثبتة بين إطاراتها إلى سيل الموسيقى المتدفق. ولكنها بالطبع الموسيقى الجنائزية التي تتأوج في “قداس لروح شاعر على حافة العالم”. والشاعر الذي زف العالم إلى قبره، لم ينس أبداً أن يدخل نفسه مكوِّناً من مكونات اللوحة. وبين البداية والنهاية ليس مهماً أبداً طبيعة وقيمة الحياة التي مرّت، فالنهاية التي تترصد البدايات كقدَر (وهي كامنة في البدايات) هي كل ما يهم.
ولتأثيث هشاشة عالم كهذا: “عالم من ظلال/يتفكك في الريح” ينثر البريكان في نصه مكونات هذا العالم: رمال، صفير رياح، وباء لا اسم له، هواء الأوبئة، طوفان، عصور جليد، وأشباح. وكل عنصر من هذه العناصر يمحضه البريكان حركته الخاصة. وقصيدة “أسلوب الرمال” مرجع تحظى بعض هذه المكونات بدلالات معينة من خلال الإحالة عليها. تتكون هذه القصيدة من قسمين يفصل بينهما بياض نصّي. يبدأ القسم الأول بالسطر: “للصحراء الساكنة تحولاتها”، ويبدأ القسم الثاني بالسطر: “للتاريخ دويّ”. تحاول القصيدة أن تجعل من الحركة التي تسود الصحراء مطابقة تماماً للحركة التي تسود التاريخ. هي حركة الصراع الذي يطمر، ويغزو، ويتقدم ويتراجع، ويتكتل وينشطر. وفي وسط هذه الحركة يقف الإنسان:
هذا هو ملكوتك
أيها الإنسان
عالم التغير والزوال
حيث تتراكم الحوادث
ويتموج التاريخ
ويتغير المحيط الثابت بأسلوب الرمال
بهذا المعنى تكون هذه القصيدة مرجعاً لمكونات العالم الذي يرسمه البريكان:
1. قصيدة “إنسان المدينة الحجرية”:
في العالم المطمور تحت الأرض، في متاه
قدّ من الحديد والإسمنت والحجر
2. قصيدة “عندما يصبح عالمنا حكاية”:
على الظلمات كانت أرضهم تطفو لغير مدى
تعاف الشمس دكنتها، ويكره جدبها القمر
3. قصيدة “رحلة الدقائق الخمس”:
مدينة موحشة وعالم غريب
الثلج في الشارع
الشمس لا تغيب
والليل لا يأتي. ووجه القمر الضائع
تجرفه الرياح الشتائية
4. قصدية “قداس لروح شاعر على حافة العالم”:
عصور الجليد
تمرُّ، وطوفان هول بعيد
وطير وحيد
يرف على صفحات العوالم.
وتأتي قصدية “التصحر” لترسم مشهد العالم الذي يراه البريكان بسبع تفصيلات تكوينية تكون لوحة متكاملة. وقارئ هذه القصيدة سيجد نفسه كما لو أنه يعاين لوحة سريالية تصور عالماً تكلست حركته، فأضحى من دون زمان. والرسام يرتب لموضوعه وضعية معينة تظهر جوهره الخفي.
الرمال تهاجم
تركب متن الزوابع
تبتلع الشمس
تغزو حدود المحيطات
تدخل في فجوات الطبيعة
في فوهات البراكين
تطمس كل المسالك
تجثم عند ضواحي المدن
وتحاصرها
والبريكان يستثمر هذه التقنية في قصائد عديدة ليشكل صورة محسوسة للعالم، تمكن القارئ من أن يعاين تفصيلاتها معاينة حسية. وعلى هذا النحو تتشكل قصائده: “غياب الشاشة”، و”الغرفة خلف المسرح”، و”مدينة أخرى”، و”الكهف العميق”، و”النهر تحت الأرض”، و”غرف للعدم”، و”مدينة خالية”، و”مشاهد حجرية”. في جميع هذه القصائد، وفي غيرها أيضاً، ثمة موضوعات (ثيمات) رئيسة تصوَّرُ حسياً: الزوال وهو الجوهر الوحيد الدائم، والعالم الغريب الذي فقد غرابته في ما اصطنعه الإنسان من ألفة تحير الشاعر، وذلك كله يُرى إليه من زاوية أخلاقية؛ أعني هذا التصادم بين أفعال تتوهم الخلود في تضاعيف عالم متوتر زائل أبداً. يبلغ هذا التوتر أقصى حالاته في صورة شعرية مرعبة ومعبرة في “حارس الفنار”:
يبدو الوجود
كالقوس مشدوداً
8. الوجود بوصفه توتراً
إن ما يسميه البريكان “التناقض الوجودي” تعبير آخر عن صورة ذلك التوتر المفروس الذي يراه في جسد العالم، وهذه المرة نجد هذا التناقض أخذ شكل القوس المشدود. شكل القوس هو ما يتبدى فيه الوجود أمام ناظري حارس الفنار، فهو لا يبصر سوى أفق يبدو تخماً نهائياً يحد لانهائية البحر. وبين هذين، نهائية الأفق ولانهائية البحر، ينبض توتر يصفه بأنه مشدود؛ لأن القوس لا يكون إلا مشدوداً. والأفق، الذي هو شكل قوس، هو كل ما يبدو من الوجود، أو أن الوجود لا يمكن أن يتبدى أمام حارس الفنار إلا كأفق؛ لأن مهمته هي أصلاً أن يرصد الأفق؛ فالسفن لا تطلع إلا من أفق. ويمكن القول إن هذا التلازم التقابلي بين تناهي الأفق ولاتناهي البحر أمام ناظري حارس الفنار هو صورة التوتر نفسه.
في خميرة الوجود التي قدّ منها جسد العالم وموجوداته ثمة، إذن، توتر يستشعر البريكان بتأصله، غير أنه يستشعر، وهذا هو الأهم، لحظات انفلاته. وهذه هي الموضوعة الرئيسة لقصيدة حارس الفنار. ورغم ذلك، يبدو هذا التوتر توتراً مستديماً، لأنه متوازن. وكل توازن لابد أن تؤسسه ثنائية؛ كثنائية طرفي عصى لاعب السيرك. وما تحمله نصوص البريكان هو ذلك التوتر المتزن عبر ثنائيات: الخلود/الفناء؛ الحياة/الموت؛ الحقيقة/الوهم؛ الثبات/الزوال؛ الوجود/العدم؛ الحب/الرعب.
لا ريب في أن التوازن لا يلغي التوتر، إذ يفترض أحدهما الآخر. وكل حدّ في هذه الثنائيات يفترض الحد الآخر (ضده). ولكنهما لدى البريكان حدّان لا يتحركان نحو التجاوز، لأن العلاقة القائمة بينهما ليست جدلية، إنما هي نزاع مستعر، لا يهدأ، ولا يرتفع إلى مركب آخر جديد؛ إنها علاقة إلغاء ومحو. تنبرم هذه الثنائيات على سطح كل موجود وفي أعماقه؛ تتقاطع الكائن، تتخذه موضعاً، وحداً ثالثاً. فمن دونه ستفقد معناها، وربما وجودها برمته؛ تنبثق منه، وترتسم عليه، وتظل تتناهبه كما لو كان نقطة ضرورية تعبره وتجرفه في دورانها المطرد. وبهذا تغدو الدائرة التي تحدثنا عنها سابقاً أنطولوجية وأخلاقية مثلما هي نصية. يشيع هذا التوتر إحساساً في نفس الشاعر لطالما تسلل إلى نصوصه في صور متنوعة، وفي جميعها يبصره قادماً ومكتسحاً في هديره وسيلانه عالمَ الشاعر وكتابته.
“التصحر”
في الهواء
يتحرك هذا الوباء الذي لا اسم له
يتسلل عبر النوافذ
يسيح في الغرف الهادئة.
وفي قصيدة “أفق من ذئاب” يشكل التوتر أفقاً يضيق على من بداخله شيئاً فشيئاً:
قرية في العراء
يحاصرها الليل والريح والأنجم الميته
ويطوقها أفق من ذئاب
ويتساءل الشاعر منتظراً هجوم الذئاب (إنغلاق الأفق):
الذئاب ستهجم. لكن متى؟
أول الليل؟
منتصف الليل؟
عند الهزيع الأخير؟
أوان احمرار الشفق؟
وتنتهي القصيدة نهاية دالة:
(وثانية يختفي
في وضوح النهار)
وما يختفي هو أفق الذئاب، وعن هذه النهاية يكتب سعيد الغانمي: “للقارئ أن يتأول هل ظهر النهار على الذئاب، فهربت من الغابة، أم على الناس فهربت منها الذئاب. لسنا ندري”11. وسأتأولها، ولكن على وفق التوتر الذي يستشعره البريكان. فتعبير “وثانية”، مثل “ومرة أخرى”، يشير إلى أن هذا المشهد كان قد حدث سابقاً وسيحدث دائماً مادام هناك ليل ونهار. وهذان المتعاقبان الطبيعيان المتوازنان يغطيانِ ويكشفانِ ويناظران هذا التوازن المتوتر بين حصار الذئاب وانفكاكه في ديمومة لا تنتهي. والشاعر يعلق نهاية القصيدة بين قوسين كما لو أنها عبارة اعتراضية، تنويهية، تفسيرية، تحذيرية (أو صِفها بما شئت) تقف في نقطة من طريق مستمرة، ستكرر أجزاؤها اللاحقة ما سبقها من أجزاء. إن زمان التوتر هو اللحظة الحاضرة الذي يغلف هذه العبارة.
يتكثف هذا الإحساس بوجود متوتر، كما قلت، في قصيدة “حارس الفنار”. يبلغ الإحساس بالتوتر الذي هو جوهر الوجود نهاية بلغها هو حياتياً بعد ذلك. في هذه القصيدة يصبح انفلات التوازن، وابتلاع أحد حدّيه الحدّ الآخر أمراً محسوماً، وما على حارس الفنار، والبريكان، والقارئ سوى الانتظار، إذ لا خيار آخر. فالزمن يتقلص (أو تقلّص فعلاً) في لحظة واحدة، وبلغت الحركة، والسرد، والرؤية مطافها النصّي والأنطولوجي الأخير: إنه زمن الكشف ودفع الحساب.
ترسم القصيدةُ المشهدَ بجميع تفصيلاته: تلك التي تستدعيها الذاكرة، وتلك التي تظهرها إلى الوجود مشاهدات حارس الفنار الحسية، وتلك التي تتشكل كمكونات لصور التوقع. أما الهدوء الذي يصاحب رسم المشهد فهو الهدوء الذي يسبق العاصفة، والحتمية المؤكدة. والقصيدة منذ مطلعها تسمّر القارئ في حالة الانتظار “أنا في انتظار”. تتجاذب القصيدة، إذن، ثلاثة محاور: الذاكرة، والإدراك الحسي، والتوقع. وباختلاط هذه الأفعال الإدراكية يتحدد زمان القصيدة، وتُفصّل حركتها، وهو اختلاط يلغي، في الوقت نفسه، وجه كل لحظة، ويقلص اللحظات الزمانية، التي تقابل كل واحدة منها فعلاً إدراكياً، في لحظة واحدة هي لحظة إحساس حارس الفنار، والبريكان، والقارئ بوشاكة شيء ما.
تهشم الكتابة، في المقطع الأخير، هدوءها الذي استهلت به القصيدة، لتشيع إحساساً باختلال التوازن. والقارئ، السادر في قراءة القصيدة، تتحرك دواخله مواكبة هذا التسارع المفاجئ في الزمن، ليصير حاله حال من يتلقى إنذاراً بإخلاء المكان بأقصى سرعة ممكنة، ولكن “الوقت أدرك”، فما عاد بالإمكان لملمة الأغراض، ولا حتى الخروج بسلام:
الوقت أدرك. رعشة في الريح تعكسها الصخور
الوقت أدرك. موجة تنداح من أقصى الدهور
الوقت أدرك. لست وحدي
يعرف القلب الجسور
أن الرؤى تمت، وأن الأفق يوشك أن يدور.
أنا في انتظار اللحظة العظمى
سينغلق المدار
سينغلق المدار
والساعة السوداء تنبض ـ نبض إيقاع بعيد ـ
رقاصها متأرجح قلق يميل إلى اليمين
إلى اليسار ـ
إلى اليمين ـ
إلى اليسار ـ
إلى اليسار
إن الإلحاح على تكرار النذير “الوقت أدرك”، يستفز الجميع، وينذرهم، ويدنو بهم من شفا هاوية. وهذا النص يدمج (يستغرق) القارئ، معلقاً إياه إلى رقاص الساعة، متأرجحاً معه فوق هاوية، يميل به إلى اليمين، إلى اليسار، إلى اليمين، إلى اليسار لينقذفوا جميعاً في هوة لا قرار لها.
لقد صار بديهياً القول باندراج القارئ في النص في عملية تفاعل حي تتمخض عن معنى. وحالة الاندراج يستهلها من حيث المبدأ طرفان: النص والقارئ. الأول بتتابع كلماته ورموزه وسطوره، والآخر مفتوناً باستكمال لذة ما افتتحه. غير أن النصوص تختلف، من بين ما تختلف فيه، في تحقيق هذا الاندراج؛ فقد يكون مرده إلى رغبة القارئ في استكمال مساحة المعنى المتكونة شيئاً فشيئاً للظفر بنواة، أو أن نصوصاً قد تفلح في تحقيق هذا الاندراج لا على أساس إشباع هذه الرغبة فقط، إنما عبر ما ترسمه سطورها وكلماتها من حركة حسية داخل تعاقب نسيجها. والحركة هنا هي الحركة الفيزيائية منصّصة. بالطبع، ليس أمراً فريداً أن يجسد، ينصّص، نصّ ما حركةً فيزيائية، ولكن فرادة “حارس الفنار” أنها تنصّص هذه الحركة المفاجئة التي يعيشها القارئ في لحظة تحقق فيه هذه الحركة النصية توقعات القارئ في الظفر بمعنى؛ وهي توقعات توصل دلالة النص إلى نهايتها، وتسلم القارئ أيضاً إلى حالة نفسية معينة.
تتعالق حركة المقطع الأخير من قصيدة “حارس الفنار” دلالياً بما يسبقها من مقاطع تعالق النتيجة بمقدماتها. فالسطران في المقطع الأول من القصيدة:
يبدو الوجود
كالقوس مشدوداً…
يشيعان في نفس القارئ حالة من عدم الارتياح والاستقرار. إن الشعور بانشداد الوجود الذي يغلف المرء، ويتخلله أيضاً، يعني أن يظل المرء في حالة ترقب مستمر إلى ما سيسفر عنه هذا الانشداد. وهذا هو معنى “أنا في انتظار”. ويضع هذان السطران القارئ في قلب مشهد باعث على التوتر. ولئن جاءت السطور اللاحقة لتهدئ من حدة هذا التوتر، فإنها في الحقيقة لا تلغيه، بل هي تأتي لتؤثث دلالة التوتر وقائعياً. وهي وقائع تستدعيها الذاكرة، وتبنيها مشاهدات حارس الفنار الحسية. نقرأ:
“أتذكر الموتى. ولون دموعهم في الزمهرير”،
و:
أتذكر المدن الخفية في البحار
أتذكر الأموات. والسفن الغريقة…
و:
أبصرت آدم في تعاسته، ورافقت الجيوش
في أضخم الغزوات، نؤت بحمل آلاف النعوش.
و:
رأيت كيف تدمر المدن المهيبة في الخفاء
وغير ذلك من الوقائع التي يتذكرها، بوصفه هو حارساً لفنار يطل على صفحة البحر، الوجود. وعلى هذا النحو سيظل القارئ، كما حارس الفنار، في توقع نهاية ما لهذا التوتر: وهو انفلات القوس.
ولكن ماذا لو افترضنا أن القصيدة لم تنته بالشكل الذي انتهت إليه، أي لم تعلن عن انفلات الوجود (القوس)؟ يمكن أن نطرح السؤال بالشكل الآتي؛ هل سيكون بوسع القارئ أن ينتهي من قراءة القصيدة وهو محمّل بالإحساس بوجود ما يزال يحافظ على توتر متزن، أو توازن متوتر؟ إن هذا الافتراض لن يوصل العبارة التي استهلت بها القصيدة “أنا في انتظار” إلى ذروتها الدلالية. فضلاً عن أن عبارة “يوشك أن يحل الوقت” تستشعر، على نحو لا لَبس فيه، حلول نهاية من نوع ما تنسجم مع انتظارات حارس الفنار، الذي لا يعاين سوى قوس مشدود بتوتر. وإنه لأمر لا يطاق أن يظل الجميع مسمَّرين في مشهد لحظته الزمانية هي لحظة وجود متوتر! فلابد إذن من حسم نهائي. والوقت الذي يوشك أن يحل هو وقت مجيء مَن كان الجميع (حارس الفنار، البريكان، القارئ) في انتظاره. وبالفعل تؤذن عبارة “الوقت أدرك” بوشاكة هذه النهاية. وستكون حركة الرقاص الأخيرة النهاية المنطقية لانفلات الوجود المشدود. وحركة الرقاص هي، أيضاً، الصورة الشعرية المعفرة بدلالات ثرة عن هذا المصير. وتأتي النهاية تطميناً لرغبة تعتمل في نفس حارس الفنار؛ الرغبة في الغياب وعدم مشاهدة المزيد، والرغبة في فك أواصر التوتر، الحضور:
أريد
أن لا أمثل من جديد
آلام تجربة العصور.
أن لا أقطع بالتوتر، أو أسمّر في الحضور.
9. خيارات البريكان
في قصيدة “القوة الطاردة المركزية” يكتب البريكان:
ليس الحب مستحيل
ولا الجمال خدعة ـ ولا ندى السحره
خرافة.. ولكن مرقص البشر يفيض
بالعنف والويل.
وفي قصيدة “البدوي الذي لم ير وجهه أحد”:
سمعت كلام النبي
وآمنت.. لكن رأيت الدماء التي انفجرت
وحروب السلالات
والقوة العارية تمارس لعبتها وتغير ألوان راياتها.
يشترك هذان المقطعان في صورة واحدة بؤرتها كلمة “لكن”. “لكن”، الاستثنائية، الاستدراكية، تميز بين شكلين للوجود الإنساني، وتاريخنا الخاص، مختلفين جذرياً، وأحدهما ينفي الآخر قيمياً، ويلغيه وجودياً. بين نظامي القيم هذين يتذبذب التاريخ، ويتذبذب الإنسان بين المعرفة واللامعرفة، ويتأرجح العالم بين الوجود والعدم، وتنتاب الرؤى الحقيقة والوهم. وكذلك هي تجربة البريكان الشعرية؛ فهذه الـ “لكن” تحول بينه وبين الطمأنينة. وكذلك قارئ البريكان؛ فهو سيقف أمام خيارين سيصعب الحسم بينهما. فليس من السهل أن توصف تجربة البريكان الشعرية بأنها تجربة عدمية، ولكنها (لاحظ أنني كقارئ أستخدم “لكن” أيضاً) في الوقت نفسه ليست غير عدمية تماماً. ومرد هذا التردد هو الوجود ذاته، أو تاريخ الإنسان عينه من جهة، وكتابة البريكان الشعرية نفسها من جهة أخرى. والشعر الذي يريد أن يدون التاريخ، ويدون لوعة الزوال، ويعيش محنة الذاكرة التي لا تمّحي؛ ويريد أن يكون شاهداً على ذلك كله، لا يمكنه أن يبرأ من التأرجح شأنه شأن الحقيقة التي ينسجها.
ينصّب البريكان تجربته الشعرية شاهداً أبدياً على تاريخ الإنسان، ويكرس قصائده لقول هذا التاريخ. وأنا الشاعر تحتفظ بذاكرة جمعية تستوعب الذاكرات الفردية. ينصب الشاعر نفسه في أكثر من موضع شاهداً على ما طواه النسيان. وعبارته الصريحة “أنا الشاهد الأبدي” في قصيدته “البدوي الذي لم ير وجهه أحد” إعلان عن هذه المنزلة. وبوسعنا هنا أن نستعين بشكل “الدائرة” الوجودية، أو الوجود بوصفه دائرة، التي ينحبس داخلها الإنسان لنشير إلى الوجود الدوري المتكرر الذي يعيشه الإنسان عبر تاريخه. وعبارة “أنا الشاهد الأبدي” هي مشاهدة لمقطع وجود يجلي تاريخاً كاملاً.
يمكن أن نرى إلى هذه المراوغة تأرجحاً بين المتحقق والممكن. على مستوى المتحقق يمكن أن تجد كل مقطع من التاريخ تكراراً لسيرة الإنسان الوجودية عبر التاريخ. والبريكان بوصفه “الشاهد الأبدي” لا ينأى بنفسه بعيداً عن غمرات هذا التاريخ؛ إنه شاهد يحمِّل نفسه وزر ذنوب لم يقترفها تعبيراً عن العجز عن تغيير هذا المتحقق، وتعبيراً أيضاً عن تعذر نسيان الحقيقة (أعني نسيانه هو للحقيقة: ذلك الأمل الذي كان يفزع إليه). وفي هذه المساحة تنمو عدمية البريكان.
ولكن للصورة جانباً آخر؛ هناك ممكن إنساني آخر مازال يرقد في الظلمة هو الذي ينتمي إليه البريكان في عبارته: وحيداً أنتمي، حراً، إلى فكره/…/إلى جزء من الإنسان في الظلمة مفقود”. ورغم الظلمة التي انزلق إليها ذلك الممكن الإنساني، يظل البريكان يستشعر حلوله:
قصيدة “البدوي الذي لم ير وجهه أحد”:
أحس وراء صلابة جلدي
وراء قناعي القديم
وراء برودة عظامي
أحس اختلاجة روح خفي
بصيص براءة
وبقيا من القوة الغاربة
ونازعة تشبه البعث.
لن أسلك دروب البحث عن اتساقات منطقية داخل تجربة شاعر يصف نفسه بأنه “قلب مفكر”. ولكن لا بأس من أن أزيد على هذين الخيارين احتفاء البريكان بالأشياء الزائلة. وهنا ستكتسب “لكن” القارئ معناها، ولكنه معنى يقرّب البريكان من العدمية نوعاً ما. يكتب البريكان في قصيدته “إحتفاء بالأشياء الزائلة”:
“أجمل ما في العالم/مشهده العابر/ومباهجه الصغرى/طوبى لك/إن كنت بسيط القلب/ فستفهم مجد الأرض/سحر الأشياء المألوفة/إيقاع الدأب اليومي/وجمال أواصر لا تبقى/وسعادة ما هو زائل!
رغم كل شيء، إذن، يمكن أن يوفر الزائل سعادة من نوع ما. ورغم الإحساس باللامعنى الذي يكتنف تجربة البريكان، يظل الشاعر يرى في العالم ممكناً آخر. ولكن ممكناً آخر لأي شيء؟ أللمعنى؟ وهنا ترد ملاحظة لكارل ياسبرز تفيد أن الإنسان يمكن أن يحرر نفسه من اللامعنى أما من خلال الإيمان الاستحواذي بالمابعد الذي ينكر الواقع الأرضي، أو أن يطمس وجهه خدمة لمثال ما، أو بالانسحاب إلى السكر والثمل، أو من خلال الاحتفاء بالآن والهنا12. ولعل احتفاء البريكان الحياتي بالأشياء الزائلة ضرب من ضروب التعويض عن فقدان المعنى. تنشبك خيوط هذين الموقفين، ويصعب الفرز بينها، رغم أنهما يبدوان منفصلين، وينقض أحدهما الآخر. غير أنهما يمكن أن يكونا نوعاً من التسوية الحياتية.
إنْ افتقر الوجود، من حيث جوهره وكليته، إلى المعنى، فهل توفر أشياؤه الزائلة معنى؟ وهل توفر أشياؤه الزائلة سعادة من نوع ما؟ وهل السعادة معنى؟ أليس الزوال هو الذي جرّد الوجود من المعنى؟ ولكن هل هذا يعني أن المعنى وليد الخلود، وصنوه، وجوهره؟ وهل يجوز الحديث عن خلود في غابة الزوال والانقضاء؟ وهل يمكن ردم هذا الزوال بخلود لا ينتمي إليه، ولا يتوافق مع طبيعة أشيائه الزائلة؟ أم أن للشيء، والوجود الذي هو له كلّ، امتداداتٍ يحولُ وجودنا الزماني دون إداركها؟ وهل يمكن الركون بطمأنينة إلى ما هو زائل؟ وهل يمكن للشعر أن يوقف هذا الزوال؟ وأليس الزوال هو نفسه، لا شيء غيره، ما يدفع إلى الإبداع، وإلى كتابة الشعر، والحديث عنه؟ ولكن أليس الشعر حدثاً يحدث في الزمان؟ فكيف يمكن لمن يكون جوهره هكذا، أن يعمل على عكس ما تجوهر عليه؟
تستأنف خيارات البريكان أصواتاً، وحكايات، وحوارات، وتساؤلات، وهمهمات حدثت في اللازمان (لأنها صارت تنتمي إلى كل زمان)؛ حكاية تساؤلات المعنى وأجوبتها التي كَشطت عن سطحها ندوب الزمان والمكان فغدت حكاية ذات تفكر وتعيش. فلقد حدث مرة أن سأل كلكامش، في بحثه المضني الطويل، سدوري صاحبة الحانة سؤالاً مسكوناًً بالرغبة واليأس معاً: “أيكون في وسعي ألاّ أرى الموت الذي أخشاه وأرهبه؟”. وبقناعة من يقف على أرض صلبة، تجيبه سدوري: “إلى أين تسعى يا كلكامش / إن الحياة التي تبغي لن تجد”. لتلقي على مسامعه نشيد الحياة: “أما أنت يا كلكامش فليكن كرشك مليئاً على الدوام / وكن مبتهجاً نهار مساء / وأقم الأفراح في كل يوم من أيامك / وارقص والعب مساء نهار / … / وهذا هو نصيب البشرية13.
غير أن كلكامش لم يقتنع لحظتئذ بجواب سدوري، فمضى في دربه. وبين هذين الصوتين، الخيارين، أنصّب صوت البريكان. يمكنك أن تستمع فيه إلى ترددات صوت سدوري، أو ترددات صوت كلكامش السائدة؛ فالحيرة بينهما، أعني حيرة البريكان والقارئ، جوهر تجربة البريكان الشعرية.

*هوامش:
1 طه باقر، ملحمة كلكامش وقصص أخرى عن كلكامش والطوفان، دار المدى للثقافة والنشر، 2001، ص150.
2 ميلان كونديرا، رواية الخلود.
3 حسين عبد اللطيف، “البريكان: بجانب الوجه تماماً”، الأقلام، ص109.
4 محمود أمين العالم، “لغة الشعر العربي الحديث وقدرته على التوصيل”، عن كتاب الدكتور عبد الرحمن محمد القعود، الإبهام في شعر الحداثة، سلسلة عالم المعرفة، عدد 279، سنة 2002، ص 198.
5 غادامير، تجلي الجميل ومقالات أخرى، ترجمة د. سعيد توفيق، المجلس الأعلى للثقافة، 1997، ص237.
6 حاتم الصكر، الذكرى تلاعب النسيان، العدد السابق نفسه، ص92.
7 غادامير، تجلي الجميل ومقالات أخرى، ص237.
8 إيزابيل الليندي، صورة عتيقة، ترجمة صالح علماني، دار المدى، ط1، 2001، ص 259.
9 عن سعيد الغانمي، المصدر نفسه، ص112.
10 مارتن هيدجر، إنشاد المنادي، ترجمة بسام الحجار، المركز الثقافي العربي، ط1، 1994، ص66.
11 سعيد الغانمي، مجلة المسلة، العدد الرابع، السنة الثالثة/أيلول، 2002.
12 Johan Goundsbolm, Nihilism and Culture, Basil Blackwell,oxford, first published, 1980,p.43.
وهذا الكتاب مترجم عن الهولندية من دون ذكر لاسمي المترجمين بناءً على رغبتهما.
13 طه باقر، ملحمة كلكامش، 142.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *