الرئيسية » نقد » ادب » الخطاب الأدبي في حكاية الكلب “بونز” وصاحبه “ويلي”
محاولة في قراءة رواية ” تمبكتو”
الدكتور –رياض احمد طه-*

الخطاب الأدبي في حكاية الكلب “بونز” وصاحبه “ويلي”
محاولة في قراءة رواية ” تمبكتو”
الدكتور –رياض احمد طه-*

( الخير يجلب خيرا والشر يجلب شرا،حتى وان قوبل الخير الذي تقدمه بالشر فلا خيار أمامك سوى مواصلة بذل أفضل ما أعطيت، وإلا فأي جدوى من استمرار العيش ؟ )ص١٧٠
بهذه العبارة التي قدمناها عن الرواية( تمبكتو ) يختصر الخطاب الأدبي للرواية للكاتب بول. أوستر وهي من منشورات المتوسط،والتي تعد من روايات أوستر الغريبة التي يأخذنا فيها الكاتب لسرد الاحداث بلسان كلب يموت صاحبه الذي حرص تهيئة ظروف جيده لكلبه بعد رحيله لكنه يتركه وحيدًا في العالم ليواجه بعده صعوبات لم يكن يتوقعها الكلب ،وتتفرع الرواية وتتشابك مع عوالم مختلفة واحداث كثيرة لكنها قبل كل شيء تنم عن صداقة عابرة لحدود الموت نفسه.
والكاتب “بول أوستر” كاتب ومخرج من مواليد 1947. وكتاباته تجمع العبثية، الوجودية و الجريمة والبحث عن الهوية و اتسم خطابها بنهج يدعوا لأنسنة العلاقات بين البشر وكذلك البشر والحيوانات الأليفة كما في سردية هذه الرواية “تمبكتو” .
يعرض الكتاب بشكل مشوق واحيانا فكاهي سلوك الحيوان الاليف الكلب المسمى “بونز”وعلاقته بالبشر،فبالرغم من مفهومية الحيوان المحدودة إلا انه في هذه الرواية يستطيع فك العقد اللفظي الذي ينطقه البشر ليفهم وبمعنى يسمع المقاصد من التعبيرات والايماءات على وجه البشر وضحكته وابتساماته و نبرة صوته و اشارة حركاته وما يستخدمه من كلمات ،وكذلك ما يوحي من عدم الرضا او الشعر بالغبطة والفرح او حين يصيح لدعوته وباسم محبب لها،كما ان للحيوانات الاليفة تعابيرها المعبرة فيها عن الحزن و السرور وكذلك عن الرضى وهي تصوتها، كما تظهر تعابيرها في هز الذيل لها والاذنين وكذلك حركة تشممه للاشياء وهي حاسية قوية امتاز بها الكلب لتعينه في تتبع مبتغاه واحاسيه وعواطفه.
وهنا تتكلم رواية “تمبكتو” على لسان الكلب الذي يعطيها طبيعة سردية وحكائية خاصة عن علاقته بصاحبه ومالكه “ويلي” منذ ان تفتحت عينيه وبدء يفهم ويتلمس محيطه ولمدة سبع سنين اعتاد احدهم التودد والمحبة للاخر وتفاهما ومن تعابير الحركات و نبرات الاصوات وهم يعيشون حياة التشرد سوية اثناء رحلتهم الحياتية ويصبحا صديقين.
وحين احس الرجل باشتداد مرضه عليه فكر كيف يطمأن على حياة كلبه الاليف بعد وفاته ،ليكون بيد امينه (ليتسلل) هو الى “تمبكتو” وهي المنطقة المعدة لدفن الموتى. لشعوره ان الموت يتسلل اليه ببطء، و “تمبكتو” هي منطقة وسط الصحراء الامريكية والتي تذكرنا بصحراء افريقية الممتدة على الشرق والغرب والشمال وفيها مدينة تحمل نفس الاسم ” تمبكتو” كما تؤكد الرواية الفهم الأنساني لصاحب الكلب( لقد أدرك ، ويلي ، أن مهمته من الآن فصاعدا تجسيد رسالة السعادة في كل يوم من ايام العام وأن لا يطلب من العالم شيئا ولا يقدم له في المقابل الا الحب ) ص٢٧
واصبحت لهذه الكلمة “تمبكتو” التي يرددها كثيراً الرجل “ويلي” رنين خاص في اذن الكلب “مستر بونز” والتي تعني كلمة (عظام) باللغة الانكليزية،وهذا هو اسم الكلب الذي اعتاد تسميته له. وفكر الحيوان الكلب انه لابد ان يجد طريقة ليرافق بها صديقه “ويلي” بعد رحيله الى هناك حيث المقبرة في منطقة “تمبكتو”، وفكر الكلب انه سوف يكون بأمان وهو بصحبة صديقه هناك،إذ لابد للوحوش المفترسة هناك في “تمبكتو” عالم خاص بها كونها لاتترك طبيعتها في الهجوم والافتراس والتهام من هو اضعف منها حتى في حياتها الاخرى،لذا سيكون مع صاحبه ليحميه ويأمنه من آتي الزمان. كما في تصوير الرواية لذلك ( اذا كان في العالم قدر من العدل. وإذا كان لرب الكلاب اي سلطان على ما يحدث لمخلوقاته، فان أقرب صديق للإنسان سيبقى الى جانب الانسان بعد ان ينتهي أمره،بل اكثر من ذلك. ففي “تمبكتو” بمقدور الكلاب ان تتحدث لغة الانسان وأن تتحدث اليه ندا لند،ولكن من يدري ان كان للعدل أو المنطق أي تأثير على العالم الآخر أكثر مما كان في هذا العالم ؟ )ص55
وهناك حيث “تمبكتو”سيعيش الكلب ندا ومعادل للانسان ويستطيع فهم لغته،ومنه سيكون له مكان مع صاحبه “ويلي”.
وقد جاهد الرجل”ويلي” صاحب الكلب في اخر ساعاته الاخيرة لعمل اشياء انسانية جميلة لبني البشر ليجعل العالم افضل بمختلف مجالات الحياة وهو يترك هذا العالم الى عالم اخر، وهو عمل ابهى واجمل مما وجده حين اقدم اليه. فلو استطاع كل فرد ان يعمل بجدية لتحقيق هذا الهدف لاصبح عالمنا بالتأكيد على غير هذا الحال ولتغيرت امور كثيرة نحو الاحسن. وكما في تأكيد الرواية وايضاح خطابها الأدبي (أعمال الخير ليست بالمهمة اليسيرة فلا أرباح فيها . وعندما لا يجني المرء مالاً من وراء شيء ما ، يميل الناس للحيرة والارتباك ، يظنون أنه يسعى وراء هدف ما حتى لو يكن هذا صحيحا) ص٨٢
لذا قام صاحب الكلب “ويلي” بتوزيع مبالغ حصل عليها من تامين الحياة عن المرحومة والدته وقدمها للمشاريع الخيرية،وسعى مسافراً لمدينة اخرى ليبحث عن مدرسته المتقاعدة علها تجد مأوى او صاحب لكلبه الوفي قبل ان يتركه وحيدا في شوارع التشرد او في مأوي الكلاب وهو لايستسيغها هذا المسكين الكلب “بونز”،ليحس انه قد جنى عليه حين جرجره معه في شوارع التشرد.
ومن هذا نستشف ان للحيوانات ومنها الكلاب احلامها حين يتقن الكاتب في تصويرها وسردها لنا،في حين هناك بشر لايحق لها ان تحلم في مجرد احلام بسيطة وهي تعيش في غرف التسلط والظلم والهيمنة .
ونستشف من الرواية كيف يحلم الحيوان ان صاحبه وصديقه ايضاً لايمكن له ان يتخلى عنه ،إلا انه يجد نفسه متشردا بعد فقد صاحبه هذا كما عبرت عنه الرواية…
(هكذا هي الكلاب.ربما لايفهمون على الدوام الاختلافات الطفيفة لافكار اصحابهم و مالكيهم ولكنهم يشعرون ربما مايشعر به اصحابهم)ص118.
فلا نفع في وطن لاتحس به بالامان وانت تتلقي فيه معاملة سيئة من قساة منبوذين،ليغدو اي مأوى او بقعة ارض اخرى وطناً او ملجاً ، لهذا يبحث الحيوان”السيد بوتو”عن مأوى يقيه شدة الريح والبرد وعن طعام يسد به رمقه ويملأ معدته الخاوية.
وشاءت الصدف وبعد وفاة “ويلي” ان يعثر على الكلب صبي صيني ليعطف عليه ويأويه ويطعمه ويقيه عبث الاطفال المشاكسين وشرورهم، ويعطيه اسم اخر غير اسمه الاول الذي اعتاد عليه،لكن الكلب وجد نفسه بعد ايام وقد طرد شر طردة من قبل والد الصبي الذي لايطيق الكلاب، ليصبح الكلب مشردا مرة ثانية عبر الشوارع والحقول.
ومرة اخرى يفتح القَدَر للكلب اذرعه فتحتضنه عائلة مع طفلين في حديقتهم، لكن بشروط ابيهم، بأن لايدعون الكلب للدخول في الدار، ليتم إيواءه بركن خاص من اركان الحديقة او المرآب حسب الظروف،ليتم بعد الاتفاق اجراء الفحوصات الطبية البيطرية عليه والقيام بتزينه، لكن الحيوان كان بحاجة اكثر الى لمسة حنان والى من يتحدث معه ويطبطب عليه ليجد نفسه مقيداً ضمن بقعة خاصة داخل بيته الكلبي او في ممر ضيق من الحديقة مطوقاً بسلسة حديديه و رسن في رقبته.
ولظروف العائلة الخاصة عندما تنوي الذهاب للتمتع في عطلة الميلاد ورأس السنة ليتركوه في مأوى للكلاب مدة سفرتهم، فلا يتحمل “السيد بونز” ما يجري له من حالة، فيتوعك ويمرض مرضاً شديداً و يقرر القائمون على المأوى نقله بسيارة الى المشفى البيطري،إلا انه يفر خلال ذلك شاعرا بالخوف والاحباط ليركض عبر الطرقات والممرات الوعرة،لكنه لايستطيع تحمل المرض والتعب فيلفظ انفاسه الاخيرة، ليعود له حلمه الاول حيث يلتقي بصاحبه الاول ويشعر انه لايستطيع العيش بدون صاحبه “ويلي” ليلتحق به حيث منطقة الدفن “تمبنكو”.
من المؤكد ان هناك متسع ومأوى للبشر كما للحيوانات الاليفة في حياة اخرى حيث يعيش الجميع بطمأنينة وسلام.
السؤال الذي يطرحه المتلقي بعد متابعته لسلوك الحيوان الاليف و وفاءه ومشاعره المعلنة والغير معلنة منه، هل يستطيع المجتمع الانساني ان يتصرف بصدق وطيب المشاعر بين افراد البشر في مجتمع بعينه او بين مجتمعات مختلفة الطبائع والثقافة والعادات، ومابالك بين الانسان وبين الحيوانات الاليفة كما في حكاية الكلب “بونز” وصاحبة الانسان “ويلي” ؟!!!
• الدكتور رياض احمد طه – تولد العراق الشطرة1944 وهو طبيب اطفال خريج جامعة – فينا /النمسا
• كاتب نقد ادبي ومترجم عن اللغة المانية اصدر رواية “المحاكمة للروائي “فرانز كافكا” وتحت الطبع “المساخ” لنفس الروائي وكذلك رواية “السماء المُقَسَّمة” للروائية الالمانية – كريستا وولف-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *