علي حاكم صالح البريكان: في الطريق إلى البريكان (2/1) (ملف/12)

إشارة :
رحل الشاعر الكبير الرائد المُجدّد “محمود البريكان” بطريقة مأساوية وطُويت صفحته كالعادة فلم نشهد خلال السنوات الأخيرة بحثا تحليليا حازما ومخلصا ومستمرا في تراثه الشعري الباهر المميز الذي شكّل علامة فارقة في مسار الشعر العراقي والعربي. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الأحبة النقّاد والشعراء والقرّاء إلى إثرائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق. وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية على عادة الموقع.

 

ليست رسالة الشعر أن يبهرنا بفكرة غير متوقعة؛

بل أن يقدم لحظة من لحظات الكائن فيحولها إلى

لحظة لا تنسى وجديرة بحنين لا يطاق.

ميلان كونديرا، رواية الخلود

1. صوت الشاعر

بين فتحِ النافذة “للنور والريح وعطر الأرض”، وغلقها لصد هجوم “صخب العالم” تنهض سيرتي، وتقوم مسافة سيتعذر اجتيازها بغير “شَرك الشعر”. وستشحبُ ضمن هذه المسافة ممكنات، فتتضاءل حدّ الحسرة والوجع، ولكن ستنبض أخرى، فيسهل، حينئذ، مسح الذات وصفحة العالم “لسبر الأبعاد المجهولة للوجود”. ومن هناك سأغذّ السير، وأضع خدي على راحة السكون المطلق. سأرقد في الظل وأدفع بقصائدي إلى النور، وسأحمي هذا الوضع حتى الأخير؛ فهكذا يجب أن يكون الشاعر. لن أزاحم أحداً على الأصول، ولن أنشر البيانات والبلاغات أعلن فيها سلطة ريادة من نوع ما؛ فأنا لا تفتنني خرافة البدايات، ولن أعرض الأحلام مطولاً، كي لا تستحيل، بعد ذلك، محض أوهام، وكي لا أُطالب بإشهار الندم، أو حتى الأسف على ما كان: سأسجن العالم خارج نافذتي، وأقيّده بلوعة فقدي!

أعرف جيداً أنّ الروحَ يلوب، وأن العينين تدوّمان أبداً في وهمِ هذا العالم الماضي في انطفائه، انطفاء نهاراته؛ وأعرف أيضاً أن الليل طويل، وأن النهار ليس سوى مصادفة تتكرر كثيراً. سأكتب الشعر، وأرعاه “كما يرعى الجندي المخذول في الحرب ساقه الوحيدة” (ماياكوفسكي)، أدنو به من حافة العالم، وأشيدهما سكناً، وأشحذ بصبر سجين كلَّ ما تطوله رؤاي، وأصوغ كلماتي تعويضاً للفقد، وأعلن إلى الوجود أشياء وحكاياتٍ لطالما غطست تحت أكوام الكلام.

لكل عيناه، ولكل عالمه. سأسلك تحديقاتي في مسارات عديدة: مسار أشعة الشمس، أو مسار كوكب لا يدري لماذا يدور، أو مسار جسد ينمو ليذبل، أو مسار قذيفة أطلقت بدقة الحساب لتبعثر عند منتهاها الأكيد حركةَ جسد غافل؛ ولن تستقر نظراتي، ستظل تدوّم، فهي بعد كل شيء مأخوذة بما يحجبه سراب ما تحدّق فيه، فتنحسر كحلم، وتعاود التحليق ثانية، وبراحتيّ أحاول أن أتثبت مما يحيط بي: لا شيء سوى برودة قديمة، وعالم صلب؛ أغير اتجاههما، أرفعهما نحو عيني، تفركانهما لتركيز الرؤية. هكذا بت مأخوذاً بما أشاهد؛ سرٌ تكسّر جليد تناسيه، فأصبح أمامي حديثاً طويلاً؛ أسمعه، وأعاود الاستماع إليه، وأدقق النظر فيه؛ لقد نصّبت نفسي شاهداً أبدياً على ليل الذاكرة.

سأشرع، إذن، نافذة أخرى. فالسؤال (سؤالي) هو: من أي نافذة تطل على العالم؟ من هنا أستشرف أكثر فأكثر البدايات ونهاياتها الكامنة، وتلك الخطوط المختلفة الواصلة بينهما حتماً. تستفزني حركة الأشياء، فأسعى إلى معاينة مآلاتها الحزينة؛ أواكب الكائنات في تنفسها، وألقي بوهج الشعر ضوءاً يكشف عن مصائرها، أتسلل عبر عروق العالم الممتدة في الظلمة، وأمضي في تماهيّ بصخور العالم لأستنطق تململها الصامت. سأرى في انثلاماتها محيّا نبي خذله القوم، وانتظارات عيل صبرها، وحكايات سردت بعيداً عن أسماعكم، وأنفاساً تحشرجت في ظلمة ما. سأسلط بروقي الزرق لتكشف لي عن صفحة (عورة) العالم السادر في ظلمته.

أبصرها تلك المسافة بين “عابر صغير” لم يملك غير أن “أطلّ من خلف الزجاج…” على المطعم الصاخب فـ “أغمد نظرتين في الأطباق نهمتين” وتلك العيون التي “همّت به فغاب”. أبصرها هذه المسافة عميقة وغائرة، لن يردمها صوت النبوات، ولا الثورات، ولا همهمات موائد تغيير العالم؛ ولا حتى الشعر. سأحتفظ بارتسام الصغير لنفسي شارة!

وتقودني المسارات. وأصغي لفزع الأجنّة وهي تبكي في “ظلامها الدامس”، يشككني بكاؤها هي التي لم تر النور بعد! وأسائل الغرور، وأسائل ذلك الضجيج لمَ لمْ نشعر مثلها “بارتعادة العالم/باضطرابه:

الأجنة الصغيرة

الأجنة الشاحبة الصفر

التي ترفض أن تشاهد النور

ولا تريد أن تولد.

لماذا ترفض الأجنة أن تشاهد النور الذي يملأ أحداقنا؟ أتراها عرفت سرَّ “متاهة الفراشة”، الفراشة التي أغراها الضوء :”فانجذبت نحوه/سقطت وسط هاوية معتمة”. وإنها لحكمة قديمة قالها أوتوـ نبشتم لكلكامش:”… والفراشة لا تكاد تخرج من شرنقتها فتبصر وجه الشمس حتى يحل أجلها، ولم يكن دوام وخلود منذ القدم”1.

سأقفز، ولكن ليس بعيداً سألمحه في رحلته القدرية الحزينة الأخيرة. فعلى إحدى حافات العالم و”داخل القفص الخشبي/في مؤخرة الشاحنة” يواصل القرد رحلته هادئاً، ساكناً، ولكن ليس قانعاً. يحدق القرد؛ يحدق في “المزارع خضراء صفراء غبراء/…/النخيل النساء، الصغار”؛ إلى أين يمضي؟ سؤال لن يعرف القرد إجابته أبداً. يأسرني القرد، ولن أتخذه قناعاً لمآرب في نفسي، ولن يهمني كيف ترتدونه! أنا شغوف به، أعاين مصيره مثلما أعاين مصائركم؛ لن أختزله إذن. أنا تقلقني تلك المسافة الفاصلة بين حلم القرد بغابته النائية وأراجيحها وما لا يعرفه عن:

غرفة الأجهزة

والمجاهر والمبضع الدموي

حيث تصنع من مخه الأبيض المستدير

عينات التجارب.

أود أن أقف، آه فلقد شاهدت ما يكفي؛ غير أن صراخاً وتصفيقاً يجذبانني؛ إنه “الأسد في السيرك”، إلهي!هذا “الأسد الهرم يحدق في الجمهور/ويطأطئ هامته”، حتى الأسود تطأطئ هاماتها! لا يرفض الأسد لمروضه أمراً، ولن يبخل على الجمهور بمهارة تغرغرها مسامات جسده التي فتّحت عيونها السياط. يأمر السوطُ “أقفز”، فيقفز، ويتنقل ” يعبرُ قوسَ النار”: وينتظران التصفيق. يزأر الأسد باستحياء، ولن يخيف زئيره أحداً! الأسدُ الضجر ملّ المواعيد الدقيقة، ومرح العروض الزائفة، و”أكداس اللحم الجاهزة”:

يتحسس موت مخالبه

وتفتت أنيابه

ويحدّق في الظلام.

الصغيرُ العابرُ يحدّق عَبر الزجاج في الأفواه المتلمّظة، الأجنّةُ المرعوبةُ تحدّق في النور، الفراشةُ تحدّق في “مهرجان المصابيح”، القردُ يحدّق، والأسدُ يحدّق؛ ومن فناري أحدّق أنا في المسافة الفاصلة (الواصلة) بين عيونهم وما يحدقون فيه. وأحدّق في أناي، وأطيل الرؤى. فأنا ذاتٌ لن يكسرها الضجيج، وإن أشاع فيها الأسى. وسيأتي الموت منمقاً ضرورياً، وبالتأكيد من دون معنى، فمتى كان للموت من معنى إن فقدت الحياة معناها! وما معنى الكلمات نفسها إن تاهت عن مراجعها! لن تخلف سوى أطراس متعاقبة، وصروح من الرمل يهدمها طفل (أو قارئ) لحظة ضجره.

ولكن لا بأس فالممكنات عديدة، ومتدرجة: “إقرأ ظلال اللون/ تلك التي ليس لها لغة”، ليس الوقوف عند الأطراف المتقابلة القصوى هوية، ولا النأي عنها انطماس؛ ثمة برهة في الزمان، وكذلك المكان، لم يطل العديد الوقوف عندها. إنها هنا في هذا “الوقوف عند حافة العالم المتلاشي”، وفي هذا القلق الحي، في تطلعي إلى الأبعد الساكن فيّ.

سأزهد بأساطيركم، وسأقيم الفواصل بيني وبينكم لتكون دعاماتي، وملامح الوجه الذي أشتهيه:

أوثر أن أبقى

على جوادي

وأهيم من مهب ريح

إلى مهب ريح

وسأكتفي من العالم بأشيائه الزائلة، ألملمها خياراً أخيراً، وقيمة أعبر من خلالها إلى كائنات العالم وأشيائه، وأرعى في داخلي هذا الحنو. ستزعمون أننا جميعاً لنا عواطفنا، ولكن يجب أن تعرفوا أن “الإنسان العاطفي ليس [مَن] يكابد العواطف (لأننا جميعاً قادرون على مكابدة العواطف)، بل هو شخص يضع العواطف في مرتبة القيم”2. وأنت، أنت أيها القارئ:

أنت تعرفني؟

هل أنت تعرفني جيداً؟

2. صوت القارئ

لن أدّعي معرفة ما بصوت الشاعر، غير أني سأطيل الاستماع إليه والتحديق فيه. فهذه حالة وجود يمكن تعلمها. وسأمنح نفسي حق كتابة ما تراه عيناي، والعثور على صوى طريقه. لن أفتت الهمّ الذي قاله البريكان شعراً إلى تصنيفات، ليست فقط قد تخطئ أو تصيب، إنما قد تحجب ـ لأن التصنيف يحجب ـ جوهر هذا الهمّ. واللغة، خالقة الدلالات، ونتاجها في الوقت نفسه، هي أيضاً ستنجو من إجراءات هذا التفتيت نفسه. إذن سأحفظ للبريكان اسمه وهويته، رغم “رياحه التاريخية”.

هذه الصفحات مجرد تأملات غير مكتملة (لأن القول عن البريكان لن يكتمل) في تجربة البريكان الشعرية. ولأنها كذلك، فسوف أهب نفسي نعمة التحرر من حدود منهجية معينة، أو طريقة في التناول صارمة. هي تأملات من أجل مواكبة تجربة البريكان الشعرية في بعض مداراتها الرئيسة التي تلوح لي، ومن خلال ذلك تسعى إلى بلوغ فهم من نوع ما بهذه التجربة. فالشعر يمكن أن يفهم. وعبر هذا الفهم يمكن أن تشق قنوات التواصل؛ التواصل مع الهمّ والإحساس الإنسانيين اللذين عاشهما الشاعر وقالهما شعراً.

كانت تجربة البريكان الشعرية، التي استغرقت مدة طويلة من الزمن، يسيّرها وعي ما بطبيعة الشعر، ودور هذا الشعر في كتابة الهمّ الإنساني الجوهري. نحن هنا أمام تجربة شاعر يعي جيداً ماذا يكتب، ويعي جيداً رؤيته الفكرية المقولة شعرياً. (لم يكن شعره مناسَباتياً) وهذا هو مسوغ وصفها “تجرية شعرية”. وليس كل شاعر يفعل ذلك، وإن كان في معظم ما يكتبه شاعراً.

تكشف قصائد البريكان عن أنه كان مشدوداً إلى تشييد أركان عالم متكامل يراه هو بطريقته الخاصة، وخصوصية طريقته لا تظهرها رؤيته فقط، فهذه ربما يحملها العديد، إنما في لغته التي عبرت عنها. أو دعني أقلْ، في تزاوجهما. تتراص أغلب قصائده، وتتكون بطريقة معينة، لتكون لبِنات هذا العالم. كلّ قصيدة جزء، وإن كانت مكتفية بذاتها شعرياً، إلا أنها سوف تتعفر بدلالات ومعان أخرى ما أن تقرأ ضمن تجربته الرؤيوية ككل. وتجربة البريكان الشعرية تعبيرٌ عن همّ إنساني عام يتجاوز التحديدات التاريخية الجزئية ليصعّدها إلى منزلة ماهية مشتركة عامة تجلت تاريخياً. وسيجد التاريخي، ولابد، حضوره الأكيد داخل هذه التجربة الفذة. وسأمنح نفسي، كذلك، الحق في حرية التجوال داخل هذه التجربة من دون ضابط التسلسل الزمني المقود في غالب الأحيان بالرغبة في التحقيب، أو الذي قد يلبي كما يقال شروط البحث الأكاديمي أو العلمي.

3 . الأيدي

في قصيدته الأيدي يعلمنا الشاعر البريكان أن: “أسرار الكيان كلها / تندفع إلى أطراف الأصابع”، فيتوحد الشاعر في صمته متأملاً في هذه الأسرار. وتقوده كلماته إلى خارج منطقة الصمت، لتتيح لنا مشاركته هذه التأملات. الأيدي، كما العيون، نافذة الجسد والروح على العالم، وشيء آخر: الأيدي هي الموضع الذي يمفصلنا بالعالم، مفصل يجلّي الاتصال. لذلك، سيصعب عند هذا الموضع التمييز بين ما للجسد وما للعالم. لن تعود العلاقة هنا قائمة بين طرفين متواجهين، إنما هي مسافة للتماهي تعرفها الأيدي. وبأطراف الأصابع يكشف حتى البصير جوهر ما يحيط به. ليست الأيدي تختبر فقط، إنما هي تكشف أيضاً، وترى، وتبوح. وعند هذه النقطة يلتمّ نبض الروح. اليد تجسيد الروح، اليد هي الروح مجسدة. ليست اليد وسيلة، ولا آلة؛ اليد تفعل، وبفعلها هذا ترسم على صفحة العالم الروحَ. اليد “تهاجم”، “تتهالك”، “تتصلب”، “تشف”، “تدور”، “تضطرب”، “تصلي”، “تجوع”، “تغضب”، “تجن”، “تتساءل”. لليد حضور الفعل. وكل فعل غامض، لا يتيسر تعيينه، أو تعريفه بدقة لأنه متصل، ومحايث. وكينونة الفعل أنه متحرك وكاشف رغم غموضه.

لو جردنا العالم، والوجود الذي يكوننا ونكونه، من الأيدي التي رسمته، سيعود محض هيولى لامتعينة، ولا تاريخ له. فاليد هي تاريخ العالم. والأيدي هي التي ترسمه، وتجبله، وتصوغه، وتشكله، ولكنها أيضاً هي التي تمحوه، وتطمسه، وتهدمه. تأمّل ما حولك: الجدران، والطرقات، والحدائق، والأبواب، والنوافذ، وساحات الحروب، والمقاصل، والمقابر، سترى الأيدي. وتأمل يديك، سترى تقاطيع وجهك! ويحرّضنا الشاعر: “تأمل الأيدي تخبرك بالكثير”. فحيث تشكل الأيدي العالمَ، ترتسم على تقاطيعها تغضناتُه وملامحُه، وستخبرنا قصةَ هذا العالم وقصصها: “الأيدي تقص قصصها”. والشاعرُ كان قد خبرَ هذه الأيدي، وسبرَ أغوار عالمها. ولكنّ الأيدي إذ تشفّ عن ذاكرة الجسد، لا تثقلها هذه الذاكرة فقط، إنما يشجيها أيضاً الكشف عن مصيره. ومن بين ما عرفه الشاعر هو أن مصائر الأيدي مختزلة حتماً إلى مصير واحد، وهو مصير تنطق به تلك التقاطيع.

ليس في هذه الخبرة أو المعرفة جديدٌ يمكن أن يزودنا به البريكان؛ إذ يعرف الجميع مصيرَ يديه الأكيد، ولكن ليس الجميع يتفرس في هذا المصير. إن الشعر لا ينشغل بتقديم المعرفة، بالمعنى العلمي التراكمي، لأن المعرفة أوسع من العلم، رغم أن الشعر، بالتأكيد، منهمك في رسم وجه للحقيقة. هو يسعى إلى الكشف عمّا تضمره هذه المعرفة من حس مأساوي. وتكثيف هذا الإحساس، ونقله، وتصويره، ومواجهة الإنسان به هي أيضاً معرفة. فالمعرفة بمعناها العلمي بحد ذاتها قد تقع خارج نطاق الشعر، ولكن تبئير هذه المعرفة وجودياً في شكل مصير هي مهمته اللذيذة ولعنته.

ستغدو هذه المعرفة بعد أن ينزع عنها الشعرُ الكاشفُ وضوحَها المألوفَ الذي تتستر به (رغم المفارقة)، ستغدو صريحة ولكن مفزعة وقاسية في صلادتها. وفي هذه النقطة بالذات سيقع على عاتقك اتخاذ القرار؛ الانهماك بالمصير أو تناسيه. مطاف كل يد، إذن، سيرسو حتماً عند “أيدي حفاري القبور”، التي تظهر بثبات معلنة عن نهاية أيدينا جميعاً، ونهاية القصيدة كذلك:

أيدي حفاري القبور

الأيدي التي تهيل التراب على الجميع.

وتتوقف القصيدة. انتهت القصيدة نهاية طبيعية، حيث لا شيء آخر يمكن قوله بعد أن تقتحمَ المشهدَ أيدي حفاري القبور؛ هي وحدها من يحق لها الكلام بعد ذلك. نهاية القصيدة يعني الموت. وعلى وفق شكل المصير الذي تعلنه هذه القصيدة، صار بوسعنا الآن أن نزيد على قائمة الأيدي، التي تضمنتها القصيدة، يدي الشاعر نفسه. فلقد هيل عليهما التراب وانضمتا إلى “الجميع” بعد أن انتهى بهما المطاف إلى “أيدي حفاري القبور”.

هل كان الشاعر في حاجة لأن ينتظر عشرين عاماً ـ الفاصل الزمني بين التاريخ الذي تُذيَّل به قصيدة “الأيدي” وموته ـ كي ينضم إلى الجميع؟ ألم تكن يداه جزءاً من “الجميع” حتى قبل أن تعانيا موتهما؟ فلماذا، إذن، لم يدرج الشاعر يديه ضمن قائمة الأيدي التي كتبت قصيدتُه قصصَها؛ هل فاته ذلك أم أنه كان يخشى رؤية أيدي حفاري القبور تلهتم يديه بعد أن التهمت القصيدةَ ذاتها؟ ولكن، إذا لم يكن الشاعر ليكتب قصة يديه، فمن يجازف في كتابتها؟

يكتب البريكان في القصيدة ذاتها: “تتكلم الأيدي بفصاحة، وتشير إشارات خفية”؛ لنرهف السمع إذن إلى فصاحة يدي الشاعر، ولندقق النظر في إشاراتها الخفية، ونجلبها إلى الوضوح، رغم أن يديه تمتدان الآن كالجذور داخل برودة الأرض “مهد الجذور العميقة”، تعيدان التعرف على موطنهما الأصلي، وتواصلان سيرتهما الأولى، لتستأنفا صمتاً آخر: صمت الأرض. فالحياة التي كانت فاصلاً انطفأت، ولم يخلفها سوى الموت “المزهر” أبداً!

في هذه القصيدة يقص البريكان قصص عشرين نوع من الأيدي (سأستثني أيدي حفاري القبور، فهي وإن كانت لها قصتها داخل القصيدة؛ إلاّ أنها لن تحضر فعلياً إلا بعد أن يصبح الشاعر جزءاً من “الجميع”): أيدي الشيوخ، الأمهات، إلخ. ولن ينسى “أيدي القتلة الخالية من العروق كالصخور” التي ستضع خاتمة حياته. لكننا لن نستمع إلى قصص أيدي الشعراء، أو يديه هو بوصفه شاعراً، رغم أن في القائمة متسعاً للجميع، ورغم معرفته الأكيدة بقصة يديه. فهل من علاقة بين القصص العشرين وسنيه العشرين المتبقية التي كانت فاصلاً بين القصيدة والموت؟!

كان البريكان يمارس في هذه القصيدة تأجيلا للموت (موته) عبر كتابة موت أيدي الآخرين، وعبر صمته عن موت يديه. وكلمة “الجميع” التي ينتهي بها السطر الأخير من القصيدة قلقة بين ما يحضر فيها ويغيب عنها. فهي نصّياً تغطي الأيدي التي تضمنتها القصيدة، غير أنها وجودياً تغطي اليدَ التي كتبت القصيدة أيضاً. وفي فضاء التعليق هذا يجري تأجيل الموت. كانت يده التي غابت عن النص ـ النص الذي يكتب الموت ـ حاضرة وجودياً، ولكن حيث غاب الشاعر وجودياً حضرت يداه جزءاً من “الجميع” نصياً.

وستظل يداه جزءاً من الجميع، لأنهما ستظلان مسمرتين بالحضور (الحضور الذي لطالما أفزعه)؛ حضور النص. وهذا يوحي بإجابة ما عن تساؤلاتنا السابقة: يداه هما نصه الذي يكتب الموت، إن النص هو إمضاء اليد التي كتبته. لم ينقش يديه ضمن تلك القائمة لأنه لم يكن ليرغب في حبسهما في قراءة واحدة وحيدة (حتى وإن كانت قراءته هو بالذات)، أو رهنهما إلى مصير واحد. ستتلون قصة يديه بألواننا!

وهو إذ يغيّب يديه يحضرهما علامة ـ وليستا أنا فقط ـ تلقي بظل يتسع دائماً، ليتعذر القبض عليه بيد واحدة. لذلك أناط بمهمة التأمل في يديه، والتحديق فيهما، والاستماع إلى قصتهما (أو قصصهما) إلى أيد أخرى تضطلع بقراءة نصه. فإذا كانت الأيدي تشكل العالم، وتتشكل به، فإن نصه هو العالم الذي دأبت يداه على نسجه بنول الهدوء والصمت.

4. قراءة البريكان

مضى الشاعر وخلّف نصوصاً بعضها منشور، وبعضها الآخر غير منشور (مفترضاً وجودها رغم أني لا أعرف أي شيء عنها حتى الآن)، وحتى ما نشر منها ليس كله في متناول الجميع؛ قصيدة مبثوثة هنا، وأخرى مطروحة هناك. ما يهمني في هذا الصدد هنا والآن هو إن تجربة البريكان الشعرية تركت مؤشرات تقع خارج نصه يمكن تسميتها مؤشرات لانصية. وإدراج هذه المؤشرات اللانصية في قراءة البريكان ليس مطلباً حتمياً لمن لا يريد أن يرفع ناظريه خارج النص (ولكن من يسعه تجاوز السيرة أو التاريخ؟). زِدْ على ذلك أن قراءة البريكان تتجاذبها توترات عديدة من بينها الظرف التاريخي الذي ينتمي إليه القارئ، الذي ربما يكون هو ظرف البريكان نفسه. فتقييم الشاعر قد لا ينفصم عن تقييم الإنسان الذي كانه.

وأول هذه المؤشرات اللانصية هو الصمت الذي تلفع به البريكان، وليس مهماً هنا دقة أو عدم دقة هذه الملاحظة التي تنسب للبريكان صمتاً غير مألوف، أو أنها تصف حقيقة واقعة، وأياً كان موقفك من ذلك، فمما لا شك فيه أن هذا الحديث بحد ذاته صار واقعة ليس من اليسير تجاهلها عند تناول تجربة البريكان الشعرية. ويمكن التعبير عن ذلك بطريقة أخرى هي أننا ننسب للبريكان صمتاً من نوع ما بمقابل ما ساد (ويسود) الساحة الشعرية عادة. إنه ليس صمتاً مطلقاً، ولكنه أيضاً ليس إعلاناً مستمراً. هو أقرب ما يكون إلى الحذر المتوجس من الحضور المستمر الذي قد نرى إليه الآن بوصفه نوعاً من أنواع صون الذات في خضم نصف قرن (النصف الثاني من القرن العشرين العراقي) عات، ومضطرب، ومتنوع، ولكنه أيضاً قد يشوه. فحديث الشعر لم يكن بعيداً أبداً عن حديث السياسة والأيديولوجيا، والأطروحات الفكرية الجاهزة المتعاقبة تعاقب الموضات.

ستتلون دلالات هذا الصمت حسب إيقاع راهنيته السياسية والاجتماعية، وربما لن يجد البعض غضاضة في تحقيبه ليستخرج منه دلالات تنسجم، إلى هذا الحد أو ذاك، مع الوجه الذي يبحث عنه، وربما يصعّد البعض الآخر هذا الصمت شعرياً ليرى إليه، وفيه، موقفاً تبناه الشاعر بوعي استناداً إلى كشف شعري (أو فكري، أو حياتي). وأياً كان المذهب الذي يُذهب إليه، لا شك في أن صمت البريكان صار واقعة ضمن تاريخ الشعر العراقي المعاصر. وصمت البريكان واقعة شاركنا جميعاً في بنائها وتكوينها بما في ذلك البريكان طبعاً. وبهذا الاعتبار هي لانصية، ولكنها كموقف، حياتي أو شعري، لابد أن يجد تفسيره، أو أصداءه، أو أصوله، داخل نص البريكان نفسه. بهذا المعنى يكون الصمت ماثلاً في النص.

وينضاف إلى صمت الشاعر موته مؤشراً لانصياً آخر. وهو كسابقه يمكن أن يثري (الموت يثري!) سطوراً، أو قصائد، معينة بدلالات تنهج منهج الربط بين كسرات عالم الشاعر بما في ذلك موته، كما أنها واقعة تنتمي إلينا نحن فقط، رغم أن الشاعرـ وليس نحن ـ من عانى موته بتلك الطريقة المأساوية. ونحن سنربط شكل هذا الموت ببعض عبارات، أو قصائد، نافخين فيها روح النبوءة، أو الافتتاح التي سنجعل الشاعر يستهلها لتأطير هذا الموت.

ويغريني القول هنا إن موت البريكان بالشكل الذي حدث فيه هو نهاية كان على البريكان نفسه أن يتوقعها، أو ينتظرها، أو ألاّ يرتجي غيرها في عالم لطالما أفزعه فحاول تفاديه صمتاً، وحاول دحره شعراً. ولكن فكما أن الاعتكاف على الشعر وكتابته لم يوفرا ، كما سنبين، سكن الطمأنينة والتآلف مع العالم، كذلك الاعتزال، والصمت، والخلود إلى سلام البيوت وهدوئها يتهددها أبداً ذلك التصحر الذي يزحف متوعداً بطمس كل ما يصادفه؛ إنه القدر الملاقيك حتماً مهما كلفت النفس عناء تفاديه أو إلهائه عنك. وإنه لقدر منسجم تماماً مع الهمّ الذي كان يتآكله:

الهمّ، توأمك

موعد موته هو بالضبط

موعد موتك.

جاءت نهاية البريكان الإنسان منسجمة تماماً مع طبيعة العالم الذي فصّله البريكان الشاعر. والحد النهائي الذي عبره البريكان الإنسان إلى المجهول بهذه الطريقة، يمكن أن نرى إليه نتيجة منطقية لن يعجب لها البريكان الشاعر. ومثلما كانت حياة البريكان الإنسان متطابقة تماماً مع كينونة وقيمة البريكان الشاعر، كانت نهايته كذلك. وما يبدو لنا نحن المتلصصين الخارجيين محض مصادفة ربما يبدو أمراً طبيعياً من جهة النظر من داخل تجربة البريكان الشعرية، ومن داخل مكونات العالم الذي جهد سنين طويلة في رسمه.

الموت هو بحد ذاته، كما يقال، صار منسجماً مع طبيعة الحياة، ليس فقط لأنه نقيضها الزاحفة نحوه حتماً، وليس فقط لأنه الكامن في تضاعيفها أصلاً، بل إن شكل الموت الذي عاناه البريكان مرسوم بدقة متناهية في قصائده. لا يقع العالم الذي شيده البريكان شعرياً بعيداً عن عالمه الذي لاذ فيه؛ عالمان لا يفتآن يتداخلان، إلى أن تحين لحظة التطابق النهائية. تتطابق المراكز مشكلة نقطة واحدة هناك حيث يكون البريكان الإنسان والشاعر. تشترك العزلة مع ضجيج العالم (الذي لطالما أغلق نافذته دونه) كونهما عالمين يغطسان في بحر الزمان نفسه. الزمان الذي يتحرك بـ”إسلوب الرمال” لابد من أن يفكك سكون الأبدية، ويهدّ أسوارها: يدنو، ويقترب، وينقض، وما من مفر.

زيادة على هذين المؤشرين اللانصيّين، ثمة سمة نصيّة جوهرية في نص البريكان الشعري. يفتقد قارئ البريكان إلى ما تعود عليه في قراءة شعر الحداثة العربية. فعلى عكس ما يسود المشهد الشعري، لم يستعن البريكان في بناء عمله الشعري لا بالأساطير، ولا الحكايات الشعبية، ولا الرموز، ولا الشخصيات التاريخية والتراثية. لذلك سيبدو قارئ البريكان كمن يواجه عالمه مباشرة، ومفتقداً نظام الإحالات الثقافية والفكرية الذي تعوّد عليه في قراءاته للشعر الحديث. وكيما أخفّف من حدة هذه الملاحظة أستثني قصيدة واحدة هي “أعماق المدينة” استناداً إلى ملاحظة للناقد حسين عبد اللطيف في شهادته “م. البريكان: بجانب الوجه تماماً”. يكتب: “ومن الجدير بالتنويه والإلتفات أن نشير إلى أن ذكراً للأنبياء، والمرسلين، أيوب، وموسى، والمسيح، واستخداماً للأساطير العربية، وبخاصة مدينة النحاس، ورحلات السندباد، قد وردت في “أعماق المدينة”3. وتكمن أهمية هذه الملاحظة في كونها تصدر عن ناقد على اطلاع بكل ما نشر من شعر البريكان، أو حتى على اطلاع جزئي ربما بما لم ينشر منه، وقصيدة “أعماق المدينة”، المكتوبة في 1951، أي في بواكير تجربة البريكان الشعرية، واحدة من القصائد التي “كادت” أن تظهر حسب عبارة عبد اللطيف نفسه. ومما له دلالة في هذا الصدد أنه يستهل ملاحظته بـ “ومن الجدير بالتنويه والالتفات” كما لو أنه يضمر القول بعدم تكرار هذه الاستعانة في قصائده الأخرى.

ويبدو لي أن هذا الامتناع ناجم عن اختيار شعري ثقافي. إختيار سيكون سمة مميزة لنص البريكان، تمحضه فرادة من نوع ما. ولتجلية هذه الفرادة، يمكن أن يرشدنا تفسير للدكتور محمود أمين العالم يفيد أن مصادر الخبرة الشعرية لشعر الحداثة تكون ثقافية قرائية، معرفية أكثر مما هي خبرات إنسانية حية4. تعزز هذه الملاحظة، في حالتنا، اختلاف تجربة البريكان الشعرية عن سواها؛ حيث كانت مفعمة بما يسميه أمين العالم “خبرات إنسانية حية”، ومفعمة، في الوقت نفسه، بالفكري الثقافي، ولكن من دون أن يُتوسل كوسائط جاهزة، أو بضائع مسروقة متقنة الصياغة، للتعبير عن رؤيته الشعرية. لاشك في أن الأساطير والرموز وما سواها جزء من ذخيرة الخبرة الإنسانية، ولكن شأن من يلجأ إلى هذه الأساطير باستمرار شأن من يستعين بغيره لمضغ طعامه (بتحوير معين لتشبيه شوبنهاور).

5. سؤال الشعر

في مقال بعنوان “عن مساهمة الشعر في البحث عن الحقيقة”، يطرح هانز جورج غادامير السؤال الآتي: “ما هو السؤال الذي يكون كل عمل شعري إجابة عنه؟”5. بهذا السؤال يفترض غادامير بالتجربة الشعرية أن تأتي في هيأة إجابة من نوع ما، ليندرج الشعر، على هذا النحو، في أفق يؤسسه جدل السؤال ـ الجواب؛ جدل يتوخى الحقيقة. وبطبيعة الحال، سوف تسهم الكتابة عن الشعر في تفصيل وتفعيل حركة هذا الجدل. وفي إطار هذا الجدل، ستبث الحقيقة نوعاً من شرائط التواصل المتنوع تنوع الفهوم. ونستثمر سؤال غادامير هذا، ونقول: ما هو السؤال الذي مثل، ويمثل، عمل البريكان إجابة عنه؟ وستكون هذه الدراسة محاولة للإجابة عن ذلك.

لكن لنبدأ بما يأتي: قبل الإجابة عن هذا السؤال، لننتقي سطراً من سطور البريكان هو في الوقت نفسه سؤال، ولكنه أيضاً جواب. في مجموعة قصائده المعنونة “عوالم متداخلة”، ثمة قصيدة عنوانها “بلورات”، ومن بين هذه البلورات سأنتخب واحدة. يصقل البريكان بلورته بالشكل الآتي:

من يخرج الإنسان منها هذه الدائرة؟

يمتح هذا السؤال من البلورة سماتها. سؤال هو في غاية السرية والوضوح في آن. وبصفته هذه يعكس السؤالُ طبيعةَ البلورة ذاتها. رغم وضوح البلورة وشفافيتها تشف عن عمق دفين، فهي إذ تمتص الضوء لتعكسه في وهج النهارات، تلمع وتبرق في أشد العتمات حلكة؛ وهما لمعان وبريق كاشفان رغم زوالهما الممكن. وكذا لمعان هذا السؤال وبريقه، إن استهلال العبارة :”من يخرج الإنسان منها هذه الدائرة؟” بـ”من” الاستفهامية، وتذييلها بعلامة الاستفهام، يمنحها شكل وكينونة سؤال. بيد أنها كينونة تنم جديتها عن سخرية سوداء كابية. إذ تبدو “مَن” ـ التي توهم بتوقع إجابة ـ فوهة تخبئ، وتكشف، عمقاً لا قرار له. ويجد المرء نفسَه، حالما يثير هذا السؤال، عالقة بين الخيارات التي تتيحها “من” وما تمنعه في الوقت نفسه. والمأزق الذي سيعيشه من ينتظر إجابة عن هذا السؤال يكمن في أن هذه الإجابة ـ إن كانت هناك إجابة أصلاً! ـ ستأتي في آخر المطاف؛ لحظة أن يكون هو الوحيد الذي لا يسمعها، لأنه يكون قد غادر الدائرة نهائياً. (وبهذا المعنى يكون موت البريكان منتمياً إلينا).

الدائرة هنا هي الحياة، العالم، الوجود، الشرط الذي وجد الإنسان نفسه ملقى فيه (وجودياً)، أو هو الشرط (الشرك) الذي نسجه بيديه (أخلاقياً)؛ فالتف حوله وأخذ بتلابيبه، وما من فكاك. ما فائدة طرح السؤال وما غايته، إذن، إن لم يكن يلتمس إجابة أصلاً، أو إن لم تكن هناك إجابة يمكن استشفافها؟

إنه سؤال لا يتوقع أية إجابة لأنه في الحقيقة لم يتشكل سؤالاً ليجاب عنه، إنما شكل نفسه على هذا النحو ليكون هو نفسه إجابة. إنه سؤال ـ جواب. ليجد السؤالُ نفسَه، من ثم، عالقة بتلابيب الدائرة نفسها التي كان يتوسل الخروج منها. ولكن هل سنحاول إنقاذه من دائريته هذه؟! ألأنه سؤال شعري افتقد إلى الإجابة؟ فالشعر، كما قد يُرى، لا ينتظر إجابات معينة عن تساؤلاته، وإن غامر في هذا الانتظار فلابد من أن يكون هو لا غيره مصدر هذه الإجابة، ليستحيل بذلك إلى سؤال ـ جواب. ونُخفق في إنقاذه من دائريته؛ لقد عاودت الدائرة انطباقها. أم لأنه سؤال ساخر؟ ومكمن السخرية شكل الدائرة بالضبط، فمن بوسعه الإفلات من ربقة الدائرة؟ كل حركة فيها دائرية حتماً، فحيث لا خطوط مستقيمة لن يكون ثمة مخرج، أو منفذ. يظل هذا السؤال ـ الإجابة معلقاً بين شكله وفحواه، وحائراً حيرة الشاعر، وقلقاً قلق البلورة. إلى من تتجه “من”، وعلى من تحيل؛ على الإنسان نفسه، ذلك الكائن الذي هو نفسه يريد الخلاص، أم على كائن آخر يقع خارج الدائرة بأسرها؟

يمثل هذا السؤالُ ـ الجوابُ المركزَ الذي يشدّ إليه بتوتر نصّي وأخلاقي مقيم جميع مدارات تجربة البريكان الشعرية. وتقوم هذه التجربة مقام المحيط الذي يؤطر ويغلف، ويرسم المحيطُ والمركزُ (أي التجربة ككل) شكل دائرة. ويقع البريكان الإنسان نفسه داخل هذه الدائرة، يتوسلها للخروج، ولكن إلى دائرة أخرى. وبهذا المعنى سيكون الشعر شركاً.

لعلنا نصادف نصياً أشكالاً متنوعة ومختلفة لحضور هذه الدائرة، ولأشكال أخرى أهمها “الأفق”: الدائرة مجموع آفاق. وتكشف هذه الأنواع عن دواخل قاطنها؛ فهي أما أن ترسم حركة مشهد كئيب، أو تلهج بإحساس كارثي بأن شيئاً ما سينطبق، ويضيق على من بداخله. لنتابع بشيء من التفصيل:

قصيدة “إنسان المدينة الحجرية”:

ماذا تقول أنت في هدوئك الأليم

للأفق المدورالمغلق.

قصيدة “فن التعذيب”:

أيها الإنسان في غسق الزمان

الدورة اكتملت…

قصيدة “حارس الفنار”:

الأفق الطويل

خال.

وكذلك:

إن الأفق يوشك أن يدور

سينغلق المدار

سينغلق المدار

قصيدة “قصيدة ذات مركز متحول”:

مدونة الوهم لاتنتهي أبداً. النهايات تبدأ دورتها.

وكذلك:

ماذا تقول الطرق

مغروزة في الأفق…

وكذلك:

وفي بقعة

مسورة بالعدم

تعهد زهورك

قصيدة “أسلوب الرمال”:

أيها الإنسان تنفس بعمق فإنك محاط بالعدم.

قصيدة “تاريخ لحظي”:

الأفق الرمادي خال من الأطلال

وكذلك:

هل الأفق الرمادي رمادي

قصيدة “الطارق”:

روح على الأفق هائمة أرهقتها جريمتها

قصيدة “فقدان ذاكرة”:

يخطو إلى الأفق المنكسر

قصيدة “عندما يصبح عالمنا حكاية”:

على إغماءة الأفق

قصيدة “هواجس عيسى بن الأزرق”:

إن الأفق الحزين

ينكره الصباح

“التصحر”:

الصحارى المشعة تغلق دائرة الأفق

“البدوي الذي لم ير وجهه أحد”:

حفظت أغاني الزوابع عبر الأفق

أما قصيدة “أفق من ذئاب” فعنوانها يجسد روحها؛ إذ ترسم أفقاً “يتحرك ويدنو ويضيق قليلاً قليلاً”. إن الإحساس الذي تصدر، وتعبر، عنه أشكال الحضور هذه داخل نص البريكان، ليبثه في نفس القارئ بعد ذلك، إحساس المحشور في زنزانة انفرادية، تسحقه ظلمتها، وتطبق عليه جدرانها كلما تناوب شهيق وزفير. والعالم على رحابته واتساعه وامتداده حُشر في دائرة، وأطبقت آفاقه، بنعوتها وصفاتها السالفة، تهصر كائناته. إنها دائرة، وآفاق لا تني تذكر الإنسان بانغلاقها الصلد كلما تطلع في دواخله، أو جال بعينيه في زمانه ومكانه المحدودين.

والأفق هنا يتخذ دلالة تختلف تماماً عن الدلالات الدارجة والمألوفة في لغة الحياة اليومية، وكذلك ضمن عوالم الفكر والشعر. فإذا كنا نفهم الأفق بوصفه الإمتداد الرحب والفسيح الذي يغري بالكشف، والانفتاح الذي يشي بمسافات وفضاءات أقصى وأبعد وأوسع مما هو في المتناول، والهضبة التي تعد بممكنات أوفر على سفوحها غير المطروقة، فإنه يتخذ في نص البريكان دلالة الحاجز الذي يمنع، والانغلاق الأكيد الذي يكبح، والحد الذي لا يعلن غير التهديد المستمر. وأي محاولة لعبوره سقوط في هوة مجهولة.

لا ريب في أن هذه الدلالات التي تتلبس مفهوم “الأفق” في تجربة البريكان الشعرية تفصح عن مكنونات دواخل الشاعر النفسية، ولكنها تعبر حسياً عن رؤاه الفكرية. ودواخل كل إنسان أساس رؤاه الفكرية. ومبعث الإحساس بانغلاق كل ما يحيط بالإنسان خبرة حياتية ورؤية فكرية؛ وهو إحساس سيتبلور شعرياً على امتداد تجربة البريكان، وسيصبح ركيزة وجودية تؤسس العالم الذي ترسمه هذه التجربة. لذلك، فإننا هنا لا نتحدث عن سمة نصية شكلية محايدة، أو لا نريد الاقتصار عليها، إنما نتحدث عن رؤية فكرية، وحس حياتي، سيترددان بأطياف وأشكال متنوعة، وعن موقف هو بالدرجة الأولى أخلاقي. وسيعمل البريكان على صقل رؤيته هذه. وفعله الشعري هذا في رسم صورة لعالم ما هو ما أسميه العمل الشعري المحايث لجميع قصائد البريكان. إذ تبدو لي هذه القصائد كما لو كانت تعبيرات (تجليات) جزئية عن عمل كلي ينمو من خلالها، ويشدها ببعضها.

وفضلاً عن ذلك، فإن شكل الموت نفسه في عمل البريكان ليس نقطة تأتي عند النهاية، نهاية الخط المستقيم الزماني أو المكاني. فرغم أن قصيدته “الأيدي”، التي طفنا بها بسرعة، ترسم ما يشبه خطاً مستقيماً يمتد من “أيدي الشيوخ الطاعنين، والعشاق، إلخ” إلى “أيدي حفاري القبور”، فإنه في الواقع مستقيم وهمي، لأنه منتشر، ومتوزع بيننا وفي دواخلنا. فمَن أولئك الذين تهيل عليهم أيدي حفاري القبور الترابَ؟ إنهم الأموات، الذين يحملون دائماً صفة النذير؛ نذير الفعل كما في قصيدته “حضور الأموات”:

من يتسلل../من ينقر…/ويحرك…/من يبسط…، وينادينا…/من يتنفس…، من يهمس…/ من يبتسم…/إنهم: الأموات.

للحياة والموت شكل الدائرة مادامت نقاطهما تمتد على الخط المنحني نفسه، وتقود إحداها إلى الأخرى. ويصطبغ شكل الدائرة بصبغة أخلاقية في قصيدة “قداس لروح شاعر على حافة العالم”6. فإذا كانت الطيور، والوحوش، والثعالب “تؤدي طقوس موتها في الخارج”، أي أن موتها انقطاع تدفق آنات الزمان، ونقاط المكان القابلين للملاحظة والرصد، فإن الإنسان يموت في داخله رغم مظهر الحياة؛ إنه موت الإنساني بالمعنى الأخلاقي:

ووحده يموت في داخله الإنسان

في العالم الباطن

6. شَركُ الشعر

ينعكس توتر البلورة ـ السؤال: “من يخرج الإنسان منها هذه الدائرة؟” على تمفصلات تجربة البريكان الشعرية كافة. والشاعر المهموم بهذا السؤال وتصادياته الممكنة تقوده الرغبة الحميمة إلى الاستغراق في تبصر تخوم هذه الدائرة التي يُرى الإنسان محشوراً فيها. والشعرُ كشفٌ عن هذه الحقيقة، وعن المعنى. والحقيقة هي المعنى الذي يتوخاه الشعر، غير أنه معنى لا يقر، ولا يثبت في صورة، إنه متسع أبداً وغائر. وكلما شفّ عن ملمح تستر على آخر؛ لأن الحقيقة أو المعنى هي، في أحد ظلالها، جزء من الشعر نفسه. والجوهري الذي يفتنه يجري في عروق كتابته ذاتها. لهذا ستجيء الكتابة، كتابة الشعر، وسيلة كشف. يكتب البريكان في “انتماءات”: “وحيداً أنتمي إلى ما يسقط الضوء على منطقة المعنى”.

ووسيلة الكشف ليست في علاقة خارجية بما تكشف عنه، هي جزء منه، أو هو جزء منها، فالعلاقة بينهما داخلية، تسري في أوصال أحدهما تموجات الآخر، وروحه. الوسيلة جزء من الحقيقة ذاتها. إن العلاقة بين الكتابة (أو اللغة) والشعر علاقة داخلية. بهذا المعنى بالضبط يختلف الشعر عن العلم. فهذا الأخير، مفارق للغته. وهو إن كان كشفاً، أو اكتشافاً، إنما كشف عما هو مطرد داخل الوقائع، ناظماً إياها، من حيث تعميماته، في وحدة واحدة. أما الشعر فهو كشف عن الجوهري حتى في الواقعة الواحدة نفسها: “في نقطة واحدة يشفّ عمق الكون” يكتب البريكان في “بلورات”.

وإذا ما امتد الشعرُ إلى أبعد من ذلك، وليس للشعر تخوم يقف عندها، فهو لا تعنيه الإطرادات، بل ربما كان ما يميز واقعة عن أخرى (أي ما يقيم بينهما الاختلاف) هو الذي يكشف، أكثر فأكثر، عمّا يبحث عنه الشعر. ولئن اكتفى العلم بالممكن التجريبي، فإن الشعر يهفو أبداً إلى الممكنات المتخيلة التي بوسع اللغة أن تحيط واقعة ما بها. لا يفتقر العلم إلى الخيال، جميع النظريات الفيزيائية العظيمة أنتجتها قدرة تخيلية خصبة، غير أنه خيال محكوم بمنطق التجربة، والإحصاء، والقابلية على التحقق، أو التكذيب، والاتساق الرياضي، حتى في حالة كون الواقع افتراضياً. وشغل القدر الأكبر من الفيزياء تصميم عوالم افتراضية. أما الخيال في الشعر، فهو لا يسعى إلى إقامة العلاقات بين وقائع، ذلك أنه لا يشتغل على منطق مراكمة الشواهد والأدلة؛ ولا تشغله الاتساقات، وعدم التناقض؛ فهو يرى الجوهري في الجزئي المنفرد، وغير معني بأن يدرج الجزئي شاهداً على كلي ما.

كتابة البريكان غير مفارقة لموضوعها. فمن وراء نافذته، كان يتسمع لذبذبات صوت ضائع في صخب العالم. لذلك سيستبد بهذه الكتابة ذلك التفرس المستديم. يكتب في قصيدته “قصيدة ذات مركز متحول”:

وما من ملاذ أخير

نفتني المنافي. أحاول أن أقهر الموت عبر القصائد

أدحر بالشعر هذا الظلام الذي يتمدد داخل روحي.

أحاول ان أجعل الفقد أجمل حين أصوغ المراثي.

أحاول أن أتثبت من درجات الوضوح. وأن أتشبث

بالزائلات. أحاول أن أتعرف ما لا يباح وأن

أتقصى حدود العوالم.

فهل يفلح الشعر في تحريره من ربقة العالم ـ الدائرة؟ وهل تسهم الكتابة في تهدئة هذا التوتر؟ يتوسل البريكان الكتابة لقهر الموت، ودحر الظلام الذي يُدوّم في روحه، وجعل الفقد (قانون الوجود) أجمل. ووفاقاً لهذه السطور الشعرية، يكتب غادامير: إن “حقيقة الشعر تكمن في إبداع القرب…إننا عندما يكون علينا أن نبقي على شيء، فإن هذا يكون راجعاً إلى كونه سريع الزوال، ويهدد بالفرار من قبضتنا. والحقيقة إن خبرتنا الأساسية باعتبارنا موجودات خاضعة للزمان هي أن كل الأشياء تفرّ منا، وأن كل أحداث حياتنا تتلاشى شيئاً فشيئاً، حتى أنها في أحسن الأحوال تتوهج بوميض غير حقيقي غالباً في فعل التذكر الذي يكون عن بعد. ولكن القصيدة لا تتلاشى لأن الكلمة الشعرية توقف تماماً زوال الزمان”7.

لذلك سيخلد الشاعر إلى كتابته سكناً مقيماً في بحر الزمان المتسرب أبداً؛ تقيم كتابته في الزمان وتفر منه في آن. غير أننا سنمضي خطوة أبعد؛ فواقع توفير الكتابة إمكانية أن يفلح الشاعر في إبداع “إبقاء القرب”، هو واقع لم يوفر للبريكان “الشعور بالألفة في العالم” (وهذا المفهوم يعود به غادامير إلى هيغل). وليس السبب في ذلك إخفاق كتابته الشعرية في إبداع “إبقاء القرب” هذا، إنما العكس تماماً؛ فقدرتها على هذا الإبداع هو الذي نزع عنها كل مألوفية ممكنة. تبدو كتابته كما لو كانت تدميرية، وتوريطية إن جاز التعبير. كلما ترسخ سكنه إلى الكتابة تغلغلت في روحه حقيقة ما تكشف عنه هذه الكتابة؛ حيث تضاعف الحقيقة، وتزيد في سطوعها. فكان حاله حال من ينير دربه بجمرة تأكل يديه. ولا مناص له من الاثنين: التوغل بعيداً في هذا الدرب، وتنكب الكتابة الشعرية ضوءاً لالتماس دربه. وبين الكشف عن الحقيقة وتحقيق التآلف معها، تبدو الكتابة ـ للوهلة الأولى ـ معلقة بين خيارين. ولعل وضع هذين الخيارين في مرتبة متساوية القيمة كان يسوّغ اختيارهما معاً، غير أنه آثر المضي من دون الاستغاثة بما يقع خارجهما، وكان من شأن هذا أن غلّب ـ حتى في فعل الكتابة نفسه ـ الإحساس الممض بالزوال الدائم، فحال دون أي إمكانية لتحقيق نوع من التآلف.

يكتب في مطلع قصيدته “قصيدة ذات مركز متحول”:

مدونة الوهم

لا تنتهي أبداً. النهايات تبدأ دورتها. القصائد تنقض أسرارها وتغادر منطقة الصمت. ها أنا أجلس بين رماد الحرائق منتظراً أن يتم انطفائي. وأن تبعث النار. أنتظر اللحظات دهوراً. دهوراً سأنتظر اللحظات. وسوف أبطئ عبر سبات الشتاء رؤاي، أغني ولا صوت لي وأغامر أن أستفز الحدود. وكيف أستر عري الحقيقة؟ وكيف أرمم روحي؟ وهل شرك الشعر ينقذني من متاهي؟ وهل يستقيم مصيري إلي خلال الوجود المراوغ؟
بين “عري الحقيقة”، و”الروح المعطوبة ومتاهها”، و”الوجود المراوغ” من جهة، وإمكان “ستر” عري الحقيقة، و”ترميم” الروح المعطوبة، و”الخلاص من التيه عبر شرك الشعر”، و”استقامة المصير” خلال الوجود المراوغ من الجهة الأخرى، أقول بين هذا وذاك ثمة فاصل للحيرة، واللاحسم: حيرة الشاعر، ولا حسم أحكام القارئ. إن الشعر الذي يُتوسل للخلاص ليس سوى “شرك”؛ وكل شرك تيه آخر.

تتضمن هذه القصيدة، على نحو لافت، 42 علامة استفهام، هي تساؤلات متنوعة النغمات، تطرحها ذات محملة بأوزار ذنب لم تقترفه، ولكنها كانت شاهدة عليه. تبدو القصيدة، ولكن بنَفَس آخر، استئنافاً لمشاهدات “حارس الفنار” (التي سنقف عندها لاحقاً). كتابة الشعر، إذن، ليست محايدة، ولا مرآة صقيلة تسلم من خدوش ما تكتبه، أو تكشفه. فهي تعاني كشفها، وتعيش توتره. لأن الكتابة ليست وسيلة، إنما هي كشف للحقيقة، وبناء لها. وحيث لم تكتف هي بظاهر الأشياء وسطوحها، ولم تستمرئ اللعب بالكلمات، والبحث الساذج عن مفارقات اللغة والصور والأشياء من حيث تقابلاتها المصطنعة، أو كلمات لا تعني شيئاً بحجة الغموض (الأمر الذي سيصبح ممارسة استهوائية لجزء غير قليل من شعر الحداثة العربية)، إنما هي تغامر باختراق جوهر ما تعانيه من دون تكلف الغموض المفتعل، أقول حيث كانت على هذا النحو كان حتماً أن تفقد طمأنينتها المفترضة، لتنتابها لوثة ما سيعلنه البريكان في “القوة الطاردة المركزية”، إذ لم يجد سوى:

…(توتر مفروس

في جسد العالم)…

“فما هو جوهري”، تكتب إيزابيل الليندي في رواية “صورة عتيقة”، “يكون غير ملحوظ في الغالب، فالعين لا تلتقطه، وإنما القلب وحده8. والبريكان يصف نفسه بأنه “قلب مفكر”. وبهذا الوصف يحتفظ لنفسه بجزء من المفكر، وبجزء من الشاعر (كما يمكن القول). وحين يقول :”لقد اعتدت أن أدخل في التناقض الوجودي، وأن أجد كثيراً من الجمال في وجه الحقيقة”9، إنما هو يعبر عن خلوّ شعره من الطابع الفكري المحض الذي من شأنه أن يعقلن هذا التناقض الوجودي ليضفي عليه مسحة الألفة، وليؤبده قانوناً كلياُ ينبغي تقبله باعتباره كذلك، في حين يعاين البريكان هذا التناقض بعين القلب (إن جاز التعبير)؛ وهو أمر، وإن وفر الوضوح والمواجهة ـ أي بعض شرائط المألوفية ـ لكنه لم يوفر المألوفية مع ذلك. وفي الوقت الذي يكتب فيه هيدغر: “في الشعر… نرى أن الإنسان ينكب على عمق أعماق وجوده في العالم، وبذلك يتوصل إلى الدّعة”10، نجد أن الشعرَ قد سلبَ البريكان كل دّعة، لأن هذا الشعر الذي قاده إلى عمق أعماق الوجود (ووجوده) لم يكشف له غير تناقض وجودي لا يهدأ، وتوتر مفروس ومقيم في جسد العالم لا يفتر ولا يضمحل. يكتب في “فقدان ذاكرة”:

إلهي. إذا كان هذا عقابك

دعني أجتز عذاب الثواني

إذا كان هذا اختبارك

هبني الشجاعة أن أتأمل وجهي الغريب

أعنِّي لكي أتنفسَ ثانية في سمائي

لكي أستعيد روائح أرضي

أعنِّي لأعثر يوماً على روحي الضائعة

أعنِّي لكي أعبرَ الفاجعة

من أية فاجعة يتفجع البريكان؟ في السطور الأولى من قصديته “قصيدة ذات مركز متحول”، يدوّن البريكان التساؤلات الأربعة الآتية: “وكيف أستر عري الحقيقة؟ كيف أرمم روحي؟ وهل شرك الشعر ينقذني من متاهي؟ وهل يستقيم مصيري إليّ خلال الوجود المراوغ؟”

بداية يمكن أن نقول إن كل سؤال يقصد إلى معرفة حقيقة ما، أو حقيقة شيء ما؛ أو إلى معرفة الحقيقة. وعندما نستفهم عن شيء ما فهذا يعني، من حيث المبدأ، أننا نتوخى المعرفة. أي أن نعرف ما نجهله: نستبدل الجهل بالمعرفة. السؤال، إذن، ينطلق أصلاً من جهل ما، أي الجهل بما يسأل عنه. من جهة أولى يمكن أن يكون الجهل الباعثَ الأصلي على التساؤل. ولكن هناك أصلاً آخر هو المعرفة. فلولا المعرفة لما تبين الجهل، ولولاها لما صيغ السؤال نفسه. ولكن ليس هذا حسب، فالمعرفة أصل، أيضاً، من حيث كونها غايةً. الجهل يأتي هنا مقابلاً للمعرفة، وسابقاً عليها منطقياً، وإلاّ فإن فعل المساءلة نفسه لن يكون له معنى، أو أهمية، إذا كان كل شيء معروفاً، أي إذا كانت حقيقة ما يسأل عنه في متناول الفهم. إن هذا التقابل ـ كصورة لعلاقة أولى ومن جهة واحدة ـ بين الطرفين تقابلٌ يحرك فيه أحدهما الآخر ويدفعه إلى الأمام على نحو متبادل، ولكن علاقة التقابل هنا لا تعني الانفصال بين حديها، إنما هي علاقة بين حدين هما، ربما، حد واحد؛ فالسؤال الذي يريد أن يعرف يفترض أصلاً الجهل كمقابل ضروري؛ وهذا يعني أنهما متلازمان.

المعرفة تنطوي على الجهل؛ لذلك تسأل، تثير التساؤل من أجل أن تكنس ساحة الجهل هذه لترممها ( تؤسسها) بإجابة ما؛ أي تمحو الجهل. وعملية المحو هذه هي نفسها عملية إكساء. فالمحو الذي تمارسه المعرفة عملية إيجابية في ذات الوقت الذي تمارس فيه السلب. إنها عملية رفد وسلب. ومحصلة هذه العملية، بخطوتيها المتزامنتين، حقيقة ما، أو حقيقة شيء ما.

ولكن لماذا يكتب البريكان : كيف أستر عري الحقيقة؟ ومن هذا الذي يعرف كيف يستر عري الحقيقة؟ وقبل ذاك، هل هناك من يريد ألاّ يرى الحقيقة عارية؟ تظل حقيقة الشعر، وهذا ما يميزها جوهرياً عن العلم، ذاتية؛ ولكن ذلك لا يمنعها من أن تحمل شروط التواصل، وجواباً عن ما تقدم، لن يستر الحقيقة التي يريد سترها البريكان أحدٌ سواه!

شعر البريكان تعبير رغبوي عن تضايف للجهل والمعرفة. ولكن الجهل هنا هو الرغبة في جهل ما يعرفه. بأي معنى إذن يكون هذا الجهل؟ إن سؤال البريكان “كيف أستر عري الحقيقة؟” يعرف جواباً ما. فثمة حقيقة (هي الحقيقة) ينطق بها السؤال بوضوح بالغ. وحين تكون الحقيقة (بأل التعريف الجارحة) عارية، تنعدم فرصة، وإمكانية، أي تساؤل. إن سؤال البريكان لا يصدر عن فعل التساؤل بالمعنى المألوف. إنما هو فعل تساؤل آخر مختلف، لأنه ينطلق من حقيقة معروفة له، ومن ثم ينشد جهلها (أو تجاهلها). المعرفة يلتمسها سؤال البريكان لستر (لجهل) ما يعرفه. إذن تصبح المعرفة هي المقدمة. وتنعكس الاتجاهات؛ صار الجهل غاية تلتمس من خلال المعرفة ذاتها، لا من طريق آخر. وانهمام الشاعر في ستر الحقيقة، يعني لفها في سدم الجهل، أو بتعبير ينتمي إلى البريكان نفسه، “ستر الحقيقة”. فالحقيقة عارية تماماً، ومنكشفة أمام فهم الشاعر، وفي منطقة الضوء.

في حالة تساؤل البريكان تبدو المعرفة (معرفة الحقيقة هنا) هي الأسبق منطقياً، وزمانياً ربما. المعرفة التي يحملها تساؤل البريكان تتبين من خلال رغبته في ستر الحقيقة، وستر ما يعرفه، أي يريد أن يلقي بها إلى منطقة الظلمة. الستر الذي يتوخاه البريكان هو ذاته معرفة. وهو يريد أن يجهل ما يعرفه. بهذا المعنى يصبح تساؤل البريكان تساؤلاً يسير على خلاف المعنى المألوف. من جهة ثانية، ثمة ممكن آخر؛ هو أن سؤال البريكان ينطوي على جهل ما، ولكننا هذه المرة لن نصادف الجهل بالمعنى المألوف الذي أشرنا إليه. فالجهل هنا يبرز بمعنى آخر، أي يبرز من حيث كونه لا يريد أن يحتفظ بالحقيقة؛ هو يعرفها ولكنه يريد التخلي عنها، أو هجرانها. “إن التخلص من المعرفة هو السبيل الوحيد لامتلاكها الحقيقي” كما يكتب عبد الفتاح كيليطو (العين والإبرة، ص 19ـ20). فهل من شيء آخر غير الحقيقة يمكنه أن يستر الحقيقة؟ أم أننا هنا كما لو كنا عالقين في حلقة مفرغة لا تتبين نهاياتها من بداياتها!

… يتبع

موقع الشاعر محمود البريكان

شاهد أيضاً

رحاب عوض: رؤيا نقدية في شعر يحيى السماوي (ملف/128)

إشارة : يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ …

الشاعر العراقي سعد جاسم: الشعرية العربية تعاني الآن من خفّةٍ وإستسهال فاجعين أَجرى الحوار : عبد الناصر الدشناوي (ملف/6)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

مقروناً بقراءة لديوانه “طائر بلا سماء”
سعد جاسم الكائن الذي عزف موسيقاه على ضفاف شط الحلة
كتابة: احمد الحلي (ملف/5)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *