محمد درويش.. مترجماً (ملف/1)

إشارة :
قامة إبداعية عراقية شامخة هو المترجم الفذ البارع الدكتور محمد درويش ؛ أثرى المكتبة العراقية والعربية بنماذج رائعة من الأدب العالمي نقلها بترجمة مقتدرة ووضع مقدمات ثمينة لبعضها. أمتعنا وأثرى معارفنا وصقل ذائقاتنا الأدبية بمهارته الترجمية ودقّة اختياراته. تحية له مبدعاً كبيراً مع تمنيات اسرة الموقع له بالشفاء العاجل ودعوة للأحبة الكتاب والقرّاء لإغناء ملف الموقع هذا عنه.

(1)

قال عنه يوماً أحد المثقفين إنه ظاهرة.. ولا أرى في هذا من مبالغة، ببساطة لأن مكونات شخصيته العراقية بامتياز متنوعة، فهي إنسانية وثقافية ولغوية ووطنية. ذلك هو المترجم الدكتور محمد درويش موضوع وقفتنا القصيرة اليوم. وبداية لعل في استعادة حادثة طريفة لي مع الدكتور محمد درويش ما يعرّف ببعض شخصيته. خلاصة التجربة هو أنني كنت وما أزال معتاداً، حين أستعير كتاباً من أي مكتبة جامعية أو غير جامعية عامة، على الرجوع إلى بطاقة الاستعارة في بداية الكتاب أو نهايته فضولاً مني للتعرف على من استعاره قبلي. وحدث أن استعرت يوماً، وأنا أجمع مادة لبحث كنت أكتبه عن التأثير الكافكوي في الرواية العربية، كتاباً عن كافكا من مكتبة كلية الآداب، وعلى عادتي، رحت أتفحص بطاقة الكتاب، وهنا كانت المفاجئة الدالة والطريفة أيضا. فقد وجدت أن آخر مستعير سبقني للكتاب كان الصديق المترجم محمد درويش، ولكن عندما كان طالبا، وعلى وجه التحديد قبل ذلك بحوالي ربع قرن. نستحضر هذه الحادثة الطريفة، إذن، لنتعرف على بعض ملامح هذه الشخصية فقط، ونحن نتوقف فيما سيأتي عند درويش مترجماً.
الواقع أننا كنا، في مقال سابق، قد وضعنا جبرا إبراهيم جبرا على رأس هرم المترجمين بوصفه الأكثر ذكاءً وتوفيقاً في إيصال النص الأجنبي، الإنكليزي تحديداً بالطبع، إلى قارئه العربي باللغة والأسلوب اللذين يزيلان كل حاجز يمكن أن يبقى ما بين هذا النص، بوصفه في الأصل مكتوباً بلغة أخرى غير العربية، والقارئ العربي، مقابل القصور بدرجات مختلفة في هذا الجانب عند مترجمين عديدين آخرين. فمعظم هؤلاء لم يستطيعوا (التحرر) من (قيد) الالتزام الذي قد يكون (شكلياً) وليس (جوهرياً) بروح اللغة التي يترجمون عنها، مما كان يوقعهم في مطب تلك اللغة بعد مغادرتها بترجمة النص إلى لغة أخرى هي العربية، وهو ما تمثّل، مثلاً، بدرجة أو أخرى في الدكتور عبد الواحد لؤلؤة وكمال أبو ديب. وإذا كان من الصعب، وفقاً لذلك، أن نجد من يقارع جبرا في هذا، فإننا نجد المترجم القدير الدكتور محمد درويش يفعل ذلك، وإنْ ليس في ترجماته المبكرة، بل يحقق أمراً قد نتجرأ ونقول إن جبرا لم يحققه، ولكن دون أن يعني هذا بالطبع المسّ ولو بشعرة بمكانة جبرا. وكل ذلك إنما تجسد جليّاً في جل الكتب العديدة التي ترجمها خلال أكثر من ربع قرن من تجربته الغنية وغير العادية.
(2)
إذا ما استثنينا بضعة كتب لا أجدها تنتمي إليه بوصفه معنياً بالثقافة عموماً والأدب والنقد خصوصاً، مع ميل خاص للرواية، أجد أحد أكثر ما يُحسب للدكتور محمد درويش، قبل أن تقرأ له وعدا ما سجلناه في الفقرة الأولى، هو اختيار الكتب والدراسات وعموم النصوص التي يترجمها. فقائمة الكتب التي أصدرها، وقد قاربت الثلاثين تبدأ بكتاب كولن ولسون “فن الرواية” عام 1984، وتنتهي- وما هي بمنتهية- بكتاب “استنطاق النص” عام 2012 الذي ضم أكثر من سبعين دراسة نقدية، تفصح عن هذا الذي نعنيه. فإضافة إلى هذين الكتابين هناك: رواية كنغزلي أميس “جيم المحظوظ”، ورواية وليم غولدنغ “السقوط الحر”، ورواية جون فاولز “امرأة الضابط الفرنسي”، ورواية “الخلود” لميلان كونديرا، ومجموعة لويس بورخيس القصصية “ذاكرة شكسبير”، وكتاب “اتجاهات في النقد الأدبي الحديث” لمجموعة من النقاد، إضافة إلى مجموعة من أهم روايات دوريس ليسنغ. وهنا لا ننسى أن للدكتور محمد درويش ما يزيد على العشرة كتب بالإنكليزية ترجمها عن العربية أو حررها إنكليزياً لآخرين.
وإذا كنت قد قرأت من هذه القائمة الطويلة هذه كتب “فن الرواية”، و”السقوط الحر”، وامرأة الضابط الفرنسي”، وبعض دراسات كتابه الأخير “استنطاق النص”، و”الحلم الجميل” الذي أقرأ فيه الآن، فإنني أتذكر هنا قراءتي لترجمته لرواية غولدنغ “السقوط الحر” التي أصدرتها له دار المأمون عام 1991 حين انبهرت بثلاثة أمور، أحدها يعود لمؤلفها الإنكليزي وليم غولدنغ، ونعني نص الرواية ذاته، واثنان يعودان لمترجمها العراقي الدكتور محمد درويش وهما مقدمته الغنية، وترجمته ذاتها. فلماذا المقدمة؟ حسناً، لأن الكثير من المترجمين يتجاوزون هذا التقليد الأدبي والعلمي- إذا صح تعبيري- والنقدي والترجمي، وهنا لا أقول إن هؤلاء بالضرورة مخطئون، بينما يحرص الدكتور محمد درويش عليه ليس شكلياً، بل هو يغني القارئ من خلال المقدمة بما قد يكون غائباً عنه، أو على الأقل يعزز ما يكون موجوداً لديه. فمثل هذا انطبق عندي على غولدنغ، الذي نعرف اللغط الذي صاحب منحه جائزة نوبل، وعلى روايته غير العادية في موضوعها ومعالجاتها، إذ يجد القارئ في صفحات تلك المقدمة المعدودة جل ما هو مهم تقريبا عن الكاتب والرواية الذي يُفضّل أن يعرفه القارئ. وهكذا كانت النتيجة أنني كتبت عن الرواية موضوعاً نشرته حينها في إحدى الصحف ليحتل فيما بعد مكاناً في كتابي “مقالات في النقد والأدب الظاهرة الأدبية”.
وإذا ما فرضت هذه الرواية نفسها علينا هنا، من بين قائمة أعمال مترجمنا، فهي في الواقع تصلح أن تكون مثالاً على ترجماته، خصوصاً وهي رواية غير عادية في طبيعتها وانتمائها، كما قلنا. فإن لها شيئاً من كلٍّ من رواية الأفكار والسحرية والفنطازيا والوجودية والواقعية والأسطورة والتجريب، الأمر الذي قد يقرّبها من أن تكون عبئا على دارسها أو مترجمها، وهنا يأتي الأمر الثاني الذي يعود للمترجم، نعني ترجمته ذاتها، وفيها يحقق الدكتور محمد درويش ما لم يحقق أبرز مترجمينا جبرا إبراهيم جبرا، ومرة أخرى دون المس بمكانة ذلك العملاق بالطبع.
(3)
هذا الذي يحققه الدكتور محمد درويش، ولم يحققه الآخرون، هو المعادلة بين هوية النص بلغته الأصلية والنص مترجماً إلى العربية. فمثل هذه المعادلة لم تتحقق كاملةً عند جبرا ومترجمين آخرين. فمع انحنائنا لكل ما قدمه جبرا ترجمةً، وجدنا ميله إلى جعل النص الذي يترجمه عربياً يُوقعه، أحياناً، في قليل من الخرق للنص الأصلي. فربما بالغ جبرا في الابتعاد عن لغة النص الأصلية ليضع نصّاً عربياً، الأمر الذي جعلنا شخصياً، على تواضع تجربتنا الترجمية مقارنة بالمترجم الكبير، نختلف معه، جزئياً على الأقل، في بعض ما رجعنا إليه من مقاطع وفقرات في رواية “الصخب والعنف” حين درسناها في أطروحتنا للدكتوراه “الرواية في العراق 1965-1980 وتأثير الرواية الأمريكية فيها”.
ومقابل أسلوب جبرا هذا بالغ مترجمون آخرون في الأمانة والإخلاص للنص الأصلي الأمر الذي أخلّ بشيء من عربية النص بعد ترجمته. وهكذا أخفق الطرفان، مرة أخرى جزئياً، إلا مترجمنا. فمع اقترابه، بعد ترجماته الأولى، من جبرا ليكون عندنا فيما بعد المثال الذي يُحتذى، حقق الدكتور محمد درويش ما جعلنا نسميه من مدة مترجماً فذّاً، نعني الموازنة، التي نعتقد أن تحقيقها أعيت الكثير من المترجمين، بين الاقتراب في النص مترجماً من القارئ العربي من جهة، وعدم الابتعاد، في الوقت نفسه، عن النص في لغته الأصلية من جهة ثانية. وهو ما تمثل عندي واضحاً حين قرأت ترجمته لرواية غولدنغ، وحين وصلني من النص الأصلي جل ما قيل عن الكاتب ورواياته ولاسيما تلك الرواية، سواءٌ ما كان متفقاً عليه أو مختلفاً فيه. أما كيف حقق المترجم هذه الموازنة، فهو ما ربما يحتاج إلى تحليلٍ ومراجعةٍ لا لترجمته لتلك الرواية فحسب، بل لجلّ ترجماته مما ليس مكانه هنا.

عن جريدة المدى

شاهد أيضاً

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (14) (ملف/62)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (14) (ملف/61)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

فاضل البياتي: سنواتُ السبعينات الحُلوة المُرٌّة والذكرى 21 لرحيلِ الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي (ملف/4)

هكذا قررتُ إذن… سأمضي في رحلةٍ ليس بوسعي أن أُحددَ مسافاتها ألآن، ولا أدري ماهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *