د. جمال العتابي*: أبو كاطع؛ ركبت أمواج البحر، ثم أرسيت سفينتك في الغربة

حكايات (ثمن ملح الخبز)، تتصدرها مقدمة قصيرة كتبها (ابو كاطع) معللاً اسباب جمع الحكايات وطبعها في (كتيب)، يقول عنها: انها ليست مقالات سياسية، بل هي شكل مميز، فيها الدعابة، وفيها الفولكلور، وشيء من السياسة، بهذا التواضع الذي تميزت حياة (ابو كاطع) يصف تلك الحكايات، التي ارتقى فيها شمران ذروة مجده الصحفي الابداعي. وتجسدت من خلالها موهبته التي استوعبت التراث الشعبي العراقي. وصاغت اخبار الفلاحين، وأولئك المضطهدين بحكايات فنية رائعة، تعكس في الوقت نفسه إعجاب القراء بها، ومدى تعاطفهم . مع الحلم والأمل في تحقيق مجتمع يسوده العدل الاجتماعي والاقتصادي، كما هو في خلد الوجدان الشعبي.
    مثل هذا النوع من الحكايات التي تعبر عن مشاعر الطبقات والفئات المضطهدة، قديم جداً، قدم الحضارات الانسانية التي افرزته، ان القضية المحورية التي يدور حولها الموضوع الرئيس لهذا النوع من الحكايات يتمثل في: دور الحزب النضالي، الاحتجاج على الواقع الفاسد بلغة ساخرة حادة وذكية، النقد اللاذع المتهكم لاساليب وسياسات الانظمة الحاكمة، حتى في ظروف (التحالف الجبهوي). التنبيه لخطورة السياسة الخاطئة وممارسة مصادرة الحريات وحقوق الانسان، يقدمها الضمير الشعبي صرخة احتجاج انساني، في استخدام الرموز، والاقنعة، في الكتابة. ويصوغها وثيقة فنية يصم بها تلك الفترات الحالكة من تاريخ العراق.
   ان هذا اللون من الأدب – اذا صح التعبير – أحتل مكاناً ممتازاً في تراثنا الشعبي والصحفي على السواء، وهو مايؤكد مسألة ارتباطها تاريخيا وازدهارها فنياً، على يد شمران الياسري. لها اصولها الفنية والابداعية، فتحولت الى عمل متكامل، له سماته الفنية والموضوعية المميزة. وتلك سمة من سمات الكتابة الادبية في التراث العراقي.
    بعض الحكايات لاتشي بمكان معلوم او زمان محدد، بعضها يقتصر على عنصر واحد، او (حيلة) بارعة، او حادثة واحدة، او عدة حوادث مركبة، وبعضها الآخر تزدحم فيه الوقائع والاحداث فتغتني بالحوار.. او تكثيف الصورة في حكايات أخرى مثل: (كيف يحتفل خلف الدواح في عيد الحزب)، (الجبهة كما يفهمها خلف الدواح) (اليفطر خطيته بركبته).. ومنها مايعتمد العنصر الملحمي في سرد الحكاية، كما يتجلى ذلك في (ثمن ملح الخبز).
    الحدث الذي استوقفني كثيرا. في هذه الحكاية ذلك الاسلوب، والعفوية، واللغة الشعرية في الحوار حين يروي حكاية هروب (الشهيد صلاح محمد) من سجن (نكرة السلمان) لرفيقه خلف الدواح.
   تلك القصة يرويها عصام غيدان (المعتقل في النكره) في كتاب (الآمال المجهضة).. يقول عصام: كان ضابط البحرية صلاح يخطط لهروبه الثاني من القلعة الصحراوية، والهروب منها مستحيل، كان هذا الضابط قبل (مجزرة) قطار الموت بثلاثة ايام ينقل من مركز اعتقال الى آخربسيارة عسكرية بحراسة فرد واحد من افراد الشرطة. قبيل المساء توقفت السيارة فخرجا منها لكي يسلّم الى آمر المعتقل، كان يرتدي بزّة رياضية غامقة اللون. سار الى الامام واخذ يتجه الى اليسار شيئا فشيئا، ويهرب بين الزحام. ان المرء ليحتاج الى سيطرة استثنائية والى اعصاب باردة لكي يفعل هذا، وكان هو يتمتع بهاتين الصفتين معاً. توقف عند نقطة تفتيش وحيا الجندي فيها فسمح له بالمرور، فمضى في طريقه واختفى. بدأ التفتيش عنه دون جدوى، وعندما أخذت زوجته رهينة سلم نفسه لانقاذها.
    ذات مساء في (النكره) خرج صلاح مع فريق جلب الماء، نزل الى قعر البئر وظل هناك، اخرج عند منتصف الليل وسار سيرا بطيئا في الظلام، وهو يحمل بوصلة مع مصباح يدوي وقنينة ماء، ليبدأ رحلة شاقة وسط الصحراء. تلقى السجناء الخبر بعدم التصديق. بعد بضعة ايام وجد جسده في الصحراء ميتاً متمسكاً بالبوصلة. وفي جيبه رسالة الى زوجته كتب فيها (اني سأموت بلا سلاسل غير مقيد اليدين، في الصحراء الفسيحة).
    تلك واحدة من الملاحم الاسطورية التي يصنعها الانسان.. تكفي لوحدها ان تسجل عبر اعمال فنية خالدة، روائية، او سينمائية، او مسرحية، من المؤسف حقاً. ان لاتثير هذه (الاساطير) وهذا التحدي الانساني مخيلة الكتاب. مثلما فعل هوميروس بتحويل الموت الى قصيدة بشأن طروادة.. كيف يمكن لفنان ان يحيل البؤس والعذاب والهم الى حلم؟
    لنتأمل قدرة وذكاء (ابو كاطع) في التقاط هذا الحدث بجسامة مضمونه ومعناه، يقول عن صلاح انه فر بطريقة (سحرية)، من بين ايدي الحرس ولم يقع اختياره على الاختفاء… كان الماء (ضحضاح) الجَزِرعلى اشده، وهنا كناية عن العطش والجفاف و(شبوط) بهذه الحيوية وهذا الحجم لايخفيه (الضحضاح). و(الشبوط) من انواع السمك النهري. الذي يعيش وسط مياه غزيرة. فـ(صلاح) المتحدي، يريد الاندماج، العودة للانتماء.. للقضية..
    فيقول (ابو كاطع): لم تكن قوة جسمه بمستوى عزيمته، لابد ان جسمه المريض قد تغلب عليه.. واطعمت من لحمه ذئاب الصحراء.
   هذا التكثيف في الصور ينم عن بلاغة في تجسيد المثل العليا، محققاً للرغبات والقيم، مؤكداً في الوقت نفسه الاحساس العظيم بالتفوق الحتمي للبطل على ظالميه، فلم يتمكن منه، ظلم الانسان، بل ذهب طعماً للذئاب.. أي خيار صعب ذلك الذي قدمه (بطل) ابو كاطع في حكايته.
    لم تقتصر معظم كتابات شمران الياسري على وصف الحواضر السياسية والاجتماعية. والتفاوت الطبقي، وظلم الاقطاع. انما تحمل في طياتها وظائف جمالية بحتة، غايته التطهير النفسي، فأزدهرت الكتابة لديه، لكنه لم ينتصر على الموت، الذي توج حياته، وأصبح مأوى حلواً، تحلو به مرارات الحياة.
    إيه (ابو كاطع). مازال شعاع جبهتك العريضة الناصعة البياض، يهدينا في ظلام هذا العالم. ويلف ارواحنا في أمل.. يكاد يتبدد مثل ماء بين الأصابع، لقد جبت طرقاً كثيرة شديدة الوعورة واقتحمت مسالك، لم يصرّح لك باجتياز خطوطها الحمرا، وركبت امواج البحر، ثم ارسيت سفينتك هناك في الغربة.
 
*كاتب عراقي

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *