سالم حسين: رأس السنة السومرية والزواج المقدس

إشارة:
ببالغ السعادة وبمشاعر الامتنان وصلت مساهمة المربي والمبدع العراقي الكبير الأستاذ ” سالم حسين ” .. تتشرف إدارة الموقع بنشر هذه الدراسة المهمة لهذا المبدع والعلامة الجهبذ عاشق بغداد الذي أرخ لها في كتابه ” بغداد في مائة عام وعام “.. عاشق العراق الذي أرخ له في كتابيه ” الموسيقى والغناء في بلاد الرافدين ” و ” الشعر والأدب في سومر وأكد وبابل وآشور ” .. عاشق التراث الموسيقي الذي جسده في كتابه ” دليل سلالم المقامات العربية ” والشاعر صاحب ديوان ” الأفنان ” بجزئيه ..والباحث الناقد في كتابه المتميز ” علاقة الشعراء والمتصوفة بالموسيقى ” .. وقبل ذلك واحد من أبرع عازفي القانون في الموسيقى العربية ..إدارة الموقع تتشرف بنشر مساهمات المبدع الكبير وتتمنى له الصحة الدائمة والعطاء المتجدد.

لكل عصر ودهر طقوسه وأعياده وعاداته وتقاليده الإنسان القديم الذي عاش على أساطيره وطقوسه الدينية والدنيوية يختلف كل الاختلاف عن الإنسان المعاصر الذي يعيش حياته المعاصرة معاناتها وسلبياتها وإيجابياتها عليه واقع حياته الدينية والدنيوية ومحور ثقافته ومجتمعه ، ولما كنا بصدد الحديث الإنسان الذي سبق بآلاف السنين وعن طقوسه وأعياده . نقول هنا لازالت أفواهنا مملوءة تلوك حلويات الأعياد التي تداخلت بعضها مع بعض فهناك عيد الفطر وعيد الأضحى ورأس السنة الهجرية عند المسلمين وهناك عيد الميلاد المجيد وعيد راس السنة عند المسيحيين . والزينات والاحتفالات قائمه في البيوتات والشوارع والمدن استعرضنا بهذه الأعياد المقدسة الأمر الذي جعلني اذهب بعيداً حيث عادت بي الذاكرة قراءتي بذلك التاريخ القديم عن أعياد قامت قبل هذه الأعياد بآلاف السنين اعتمد في تدوينها علماء  لهم مكانتهم في التاريخ القديم والبحث والتنقيب والدراية والمقدرة في معرفتهم ، ومن الصفحات التي قرأتها في الكتب القديمة لوادي الرافدين المعنية بعلوم أسطورة التكوين في بلاد الرافدين الأوامر التي عاشها الإنسان في ذلك العصر ممتثلاً بتأدية طقوسه ومطبقاً ومصدقاً لكهنتها استقيت من بين صفحات وسطور هذه الأسطورة الحديث عن رأس السنة عند السومرين ومن جاء بعدهم ومشى على تقاليدهم حتى أواخر الدولة البابلية عند إنسان ذلك العصر القديم إقامة هذه الاحتفالات ضرورياً وحيوياً إذ كان ينطلق في التزامه بإقامة هذه الطقوس من خلال تفهمه وتفسيره للظواهر الطبيعية والحضارة التي يشاهد في حياته وما اعتادوا عليه من سبقه وهذا ما يمكن ان ندركه عن اختلاف الإنسان القديم الذي عاش على الأساطير والمعتقدات وما توصيه له الإلهة وترويه له الكهنة وعن الإنسان المعاصر الذي يعيش على حضارة تاريخه ومقتضيات عصره ونمو ثقافته العلمية والأدبية والفنية وواقعة الفكري والمادي ، الإنسان الذي عاش في العصور الغابرة إذ أن تاريخه آنذاك يرتبط بسلسلة أحداث صنعتها قوى خارقة إذ أن الأبطال الذي صنعوا تاريخه كانوا آلهة إذاً هو تاريخ مقدس في نظره عليه الالتزام به وإعادة حياته في كل مرة لذا وجب على السومرين والاكدين والبابلين إقامة هذه الاحتفالات سنوياً منها عيد رأس السنة ، والزواج المقدس امتثالاً لأطاعة الإلهة وتخوفاً من الظواهر الطبيعية التي تحل بهم من غضب الآلهة إن عصوهم ، لذا لزم عليهم تمثيل قصة أسطورة التكوين لضمان مسببات الخصب والمياه والتكاثر في الطبيعة سواء ما يتعلق بالإنسان أو الحيوان ام النبات وقد تجسدت تلك الاحتفالات باحتفالات بالهة( إنانا ) عشتار وزوجها ( دموزي ) فكان الزواج المقدس الذي اقترن بعيد راس السنة الذي يبدأ في الأول من شهر نيسان من كل عام حيث المياه المتوفرة والأشجار المثمرة والأرض والمراعي الخضراء والتناسل ولتكاثر وحصاد الخيرات والنعم التي أنعمت بها عليهم الإلهة وهنا تقوم مسرحية قصة التكوين والزواج المقدس حيث تمر جموع المحتفلين من الشعب أمام المنصة الملكية بموسيقاهم ورقصاتهم وأغانيهم مؤدين الطقوس التي يفرضها الكهنة أوامر الإلهة وما يمر من تمثيلية الكبرى الزواج المقدس والذي يطلق عليه باللغة السومرية {Hieros Gamos } ومضمون قصة التكوين في وادي الرافدين ان المياه الأزلية التي تسمى في اللغة البابلية ( إيسو ) أي المياه العذبة و ( نيامه ) المياه المالحة كان مصدر الوجود ونتيجة امتزاجهما ولدن أجيال من الآلهة ، غير أن الأجيال الجديد وخشيتها وتخوفها من الأجيال اضطرها إلى خوض معارك مصيرية معها أي مع أبويها ( إيسو ونيامه ) بعد أن اكتشفت مؤامرة أن ( إيسو دبر مكيدة لأبادت الإلهة الجديدة بسبب انزعاجه من سلوكها وضوضائها وفي الجولة الأولى من المعركة انتصرت الإلهة الجديدة على (إيسو) وقتلته هناك عزمت زوجته ( نيامه ) الانتقام له أصاب الذعر والهلع الإلهة الجديدة لمعرفتهم بجبروتها وسحرها الاهي الخارق وهنا التجأت الالهة الجديدة الى الإله (مردوخ) الاله القومي للبابلين وبطل الأسطورة لقيادة الجملة ضد (نيامه ) وبعد الأخذ والرد والكر والفر استطاع البطل ( مردوخ ) من الانتصار على جيوش (نيامه) وقتلها وتقول الأسطورة ان الإله ( مردوخ ) شطر جسم ( نيامه ) إلى شطرين خلق من أحدهما السماء والشطر الآخر الأرض ثم تبع ذلك خلق الإنسان والحيوان والنبات والحرف والصناعات .

وقد عزا أحد علماء الآثار لقصة التكوين البابلية أن الفيضانات السنوية التي كانت تجتاح وادي الرافدين وطغيانها وتدمير وجرف ما يقع أمامها وكان في مفهوم الفرد البابلي ان المياه الأزلية ( إيسو ) و( نيامه ) تكلف الآلهة والكهنة في صراع عنيف معها لكبح جماحها لذا وجب على الالهة وممثلها في الأرض من ملوك وكهنة خوض هذه المعارك وكسبها وتجري هذه المعارك في كل عام كما كانت في الدهور الأولى وإلا تهدد الكون بالفناء ، إيمان الإنسان الذي عاش عصر ما قبل الميلاد بأسطورة التكوين جعل لهذه الأسطورة عيداً رسمياً يقام كل رأس سنة سومرية وأطلق عليها ( زكموك ) وبدايتها الاول من شهر ( نيسن ) أي نيسان وبقيت إلى قرون متأخرة من العصر البابلي واهم هذه الاحتفالات وتشعبها هو الزواج المقدس يتقمص الملك شخصية الاله ( مردوخ ) بطل أسطورة التكوين البابلية الذي يبدأ بمحاربة قائد قوات ( تيامه ) {Tiamat } والقضاء عليه في مسرحية دينية تمثل وقائع أسطورة التكوين البابلية وبعد هذه المسرحية يبدأ الزواج المقدس الذي يمثل زواج ( عشتار ) الإلهة ( اينانا ) من الملك ( تموز ) او ( دموزي ) حيت يمثل الملك الذي يقع عليه الاختيار والذي يمثل دموزي وتمثل إحدى الكاهنات الإلهة ( اينانا ) عشتار وقد عرف هذا الزواج والاحتفال به في زمن الملك ( انميركار ) أي في حدود (2750 ) قبل الميلاد وهو ثاني ملوك سلالة الوركاء الأولى وثبت هذا الزواج في أيام الملك (دموزي ) رابع ملوك سلالة الوركاء الأولى أي ( 2700ق.م ) والملك دموزي غير الراعي تموز ( دموزي ) الذي رفعته الالهة ( اينانا ) الى مصاف الالهة عندما احبته واختارته زوجاً لها كما جاء في ترجمة قولها فيه شعراً غنائياً:

وامعنت النظر في الناس كلهم

فاخترت من بينهم دموزي لألوهية البلاد

دموزي محبوب الالهة انليل

انه من تعتز به امي دائماً

ومن يجله ابي..

 

شاهد أيضاً

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

هاتف بشبوش: مَن أضاءَ الكونَ وأعناقَ النساء …

ذات يوم إلتقى العملاقان مخترع الضوء.. الأمريكي ( توماس أديسون ) ومخترع اللؤلؤ.. الياباني ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *