فؤاد قنديل: نساء وألغام (11)

   أرسلت إلى فى بعض الرسائل ما يفرحني.. كانت تعلم أني سأفرح فقد كانت تقرأ قبل أن أخطبها روايات إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي.. قالت إنها قرأت بعض الكتب التى تركتها.. الأيام لطه حسين وثرثرة نجيب، ونداهة إدريس وبوسطجي يحيي حقي والعجوز والبحر لهيمنجواي، وقصصاً لتشيكوف، وروايات لديكنز وأشعارا لطاغور.
  رائع يا سامية.. لن تكوني سعيدة بدون القراءة ولن تفهمي العالم حق الفهم إلا بها، وهى التى ترسخ المفاهيم الجميلة، وتجمعنا بالحوار. القراءة عندي أهم من الطعام، والمكتبة أهم مكان فى العالم، لا تفزعى فعندى  الحب أهم من القراءة.
 الأغاني تتري بلا توقف. وأنا لا أرفع قدمي عن دواسة البنزين إلا لتعبئة التانك أو للتبول.. غذائي البسكويت بالبلح والباتيه ومعي الشاي فى الترموس والماء فى الكولمان، ومعي عبد الحليم ونجاة وعبد الوهاب وناظم الغزالي وأم كلثوم وفيروز.
        الطريق جميلة وفارغة تماماً. السيارات قليلة لكنها مندفعة ومرعبة.. لم أنم إلا بعد نحو عشرين ساعة، عندما لاحظت أن بعض المعالم تظهر على الطريق من بعد، ثم لا أمر عليها، وبعد أن أنتبه، ألمحها فى المرآة وقد ابتعدت خلفي وتجاوزتني بنصف كيلو.. مآذن كثيرة  رأيتها ولم أعبر أمام مساجدها، وفى مرة كانت هناك أقواس على الطريق، ثم لم أمرق من تحتها ورأيتها خلفي.. أحسست بالخطر، فاتجهت يسارا فوق الرمال  وكانت فى مستوى الطريق المرصوفة بإتقان. أي أن من يخطف من النوم عشر ثانية سوف لن يمنعه شئ من بلوغ قاع البحر.
       نمت مرغماً مرتين فى ثلاثة أيام من السفر المتواصل، كل مرة لم تزد على ثلاث ساعات، وكلها أمام البحر.. أغلق السيارة وأنام جالساً، فليس ثمة مكان فى السيارة كي أمدد جسمي. الكنبة مكتظة وأماكن الأقدام أيضاً. لا فارغ فى السيارة إلا كرسي السائق. أضع يدي على بطني كمن يصلي، وأسلم رأسي إلى مسند الكرسي، وسرعان ما أموت نوماً. وعندما أفيق أجد رأسي مرمية على حقيبة فى المقعد المجاور وأحد المطربين يغني، وفى الأغلب تغني نجاة!!.. “وأنا رمشي ما شاف النوم وهوه عيونه تشبع نوم.. روح يا نوم من عين حبيبي روح. روح”.
     انتهت النومة الأولي بعد أن حلمت أن جسمي مال على الفيتيس وفك فرملة اليد، وتهادت السيارة إلى قاع المتوسط ولا من شاف ولا من دري، حاولت الخروج فلم أستطع فصرخت.. ولذلك كنت أقف عرضياً بمحاذاة الماء وزيادة فى الحيطة أبحث عن أحجار ولو صغيرة أحاصر بها العجلات، وإذا لم أجد أخرجت العجلة الاحتياطية والكوريك وحشرتهما أمام العجلتين.
        فوجئت بالجبل الأخضر الذى كنت أسمع عنه، ولم أكن أتصور أنه شاهق إلى هذه الدرجة. صعدته على طريق أسفلتية سلسة، لكنها ضيقة جداً، ثم صدمني وجود كوبري معلق ضخم وطويل، ينقل الطريق من جبل إلى جبل، وبينهما واد سحيق مرعب، عندما لمحت بربع عين بيوتا فى الوادي صغيرة جدا تكاد لا تري ارتجفت وانكمشت وتداخلت . أحكمت قبضتي على المقود، وسرت ببطء شديد.. عيناي أمامي وفى وسط رأسي.. كنت منحنياً على المقود كأني أدفع السيارة بجسدي.
    المشكلة ليست فقط فى هذا المشهد الجغرافي الذى يمنع من ينظر إليه من الإنجاب ويشيب لرؤيته الوليد، لكن السوء كل السوء يتمثل فى السيارات المسرعة.. إنه الجنون الحقيقي.. كل السيارات تجري كأنها فى سباق وكأن السباق فوق مروج خضراء أو فى ملعب للكرة. حتى سيارات النقل التى تدب بأثقالها وتهجم على الطريق بلا رحمة ولا عقل فتزلزلها من تحتي وتدفع نحوي الهواء المضغوط الذى أحسب إنه من شدته سيقذفني إلى الوادي، فأسافر ساقطاً حتى أتهشم وكل ما معي تماماً، ويتناثر كحبيبات السمسم، هذا هو الجنون الحقيقي يا سمسم.
       كانت أول مرة أذكر فيها هذا الاسم فى رسالة بعثتها إليها أحدثها عن قرب موعد لقائنا. أظن أن ذلك كان عندما قدمت استقالتي لأول مرة بعد أن تحركت اللجان الشعبية فى ليبيا ضد مصر والمصريين.
 مضيت أغمرها بقبلاتي على الورق، وقلت لها: عندما سأعود لن أترك فى جسدك سنتيمترا واحدا دون أن أقبله وأشمه وأنهل من عطره.
قالت لي بعد شهر:
ـ وقعت الرسالة فى يد أبى بطريق الخطأ، كنت قد قرأتها عشرين مرة تقريباً، وكنت أحملها معي إلى حيث أذهب، وظلت بجيبي وإذا غيرت ثوبي نقلتها إلى الثوب الجديد، وربما نسيتها فى الصالون أو على وسادة، وقد أكون نسيتها فى المطبخ، وعاد والدي فى غير موعده فوقعت فى يده.
 هل يكون تراجع رسائلها حتى الجفاف التام نتيجة لواقعة الرسالة.. قالت فقط إن والدها علق بعدم الرضا عن هذا الكلام الذى لا يكتب فى الرسائل.
        ما الذي كان يمكن أن يحدث لي إذا سقطت من فوق الجبل الشاهق ؟ خاصة أنني لا أتصور وجود ملائكة فى انتظاري ليجمعوا أعضائي المهشمة ويبكوا لمأساتي ويقرأوا لي سورة يس أو الفاتحة.
    مدينتا درنة والبيضاء مختلفتان عن عموم ليبيا التى تشغل مساحة صحراوية شاسعة، لكن هاتين المدينتين تتمتعان بمساحات خضراء بديعة، وناسها فى غاية الطيبة، والمباني البسيطة جميلة ومشرقة تجتذبك كي تعيش فيها طوال عمرك، هانئا بالهدوء والجمال والبساطة والمودة.
   أحسست إحساساً ثقيلاً بالجوع، فدخلت مطعماً وطلبت مكرونة ليبية بالشطة ولحم الضأن. بالغت فى صب الشطة ويسمونها (هريسة) حتى اشتعل حلقي وشفتاي، ولم تنفع زجاجتان من المياه الغازية فى تهدئة النار التى امتدت إلى الحجاب الحاجز وبقيت طويلا فى أشداقي حتى جاءتني “زغطة” هاجمتني بعنف وأفسدت مزاجي وخططي .. أسرعت بشراء كيلو موز كبير ولذيذ التهمته على الفور، وحملت معي أربعة كيلو جرامات من التفاح والكمثري والتين والمشمش، فقد كان متبقياً ألف كيلو متر.
   لأول مرة أشاهد عن قرب حقائب معارفي من المصريين الذين لم أكن أعرف منهم إلا اثنين وليس الاثنان من الأصدقاء.. على الحدود الليبية.. طلب الموظفون والشرطة إنزال كل شئ بعد أن أقف بعيداً عن الطريق.. علىّ أن أفرغ السيارة تماماً وأفتح كل الأبواب حتى غطاء المحرك وكذلك الحقائب والأكياس تمهيدا للتفتيش.
  ركنت على جنب ونفذت كل المطلوب. شغلت مساحة تساوي مساحة شقة وانتظرت طويلاً.. جلست ووقفت عدة مرات وتمشيت عشرات المرات لمسافة ثلاثين مترا ذهاباً وعودة، إلى أن جاء دوري الذى تأخر نحو أربع ساعات ..دام التفتيش نحو ساعة، وكان مملا للغاية وبلا أي مبرر.. أسناني تطحن بعضها، وأنا حسن الظن وصبور، لكن لكل شئ حد، وقد اقتربت من حالة نادرة هى تحولي من إنسان إلى بركان، وإذا حدث هذا ألعن أكبر شخصية تتحكم فىّ بشكل مرضي ومشبوه، وما أكثر هذا على حدود الدول العربية !
     يقلبون الكتب كتاباً كتاباً، ليس بحثاً فيه عما يتعارض مع الكتاب الأخضر الذى ألفه العقيد لكي يهدي به العالم إلى أصول السياسة والحكم، ولكن قد تكون فيه رسائل أو منشورات تحرض على قلب نظام الحكم.
 السكاكين تطعنني بقسوة فى لحمي وهم يلقون الكتب بمنتهي الازدراء فى بطن الحقائب.. فتشوا الحقائب المصرية الأخرى التى كنت أحملها.. كانت مملوءة بالملابس الداخلية للنساء وباروكات الشعر الحريمي ولوازم المكياج ومراهم مختلفة وشامبوهات وصابون وولاعات وترابيس وأقفال وأدوات كهربائية وحنفيات ومحابس وخلاطات وورود بلاستيك وأدوية وأشياء كثيرة تافهة وملابس مستعملة تستحق الحرق، وقد فكرت أكثر من مرة أثناء التفتيش القذر أن ألقيها جانباً لأتخلص منها. تفكير مجانين .
     لم يكن الضابط يرتاح  ويطمئن ضميره إلا بعد أن يرفع الحقيبة ويفرغها بالكامل على الأرض ويهزها فى الفضاء وهي فارغة لعلها تسقط تليفزيونا أو مروحة أو شيئا يفيد الأمن.
 لعنة الله على الأمن، فبحجة الأمن أهين البشر فى كل مكان، ولعنة الله على السلطات التى تبالغ فى هذا الأمن المدمر، القاتل للحريات والإنسانية.. لو كان هناك عدل لما كانت هناك حاجة إلى الأمن، لأن العدل لابد أن يمحو الإجرام ويقضي على أسباب التآمر. كان عمر بن الخطاب القائد النادر الذى حكم نصف العالم، ينام فى أي مكان . فى خيمة. فى وادي. فوق ربوة. تحت شجرة. فى بيت مفتوح الباب لأنه كما قال له زائره القادم من بلاد فارس:
ـ حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.
شعار “99% من ورق اللعب فى يد أمريكا” فلسفة مغلوطة من فلسفات الأمن الغارق فى الأوهام. تصور صاحبه أنه إذا سلم كل شىء لأمريكا فلن يجرؤ مخلوق على  إزعاجه، وأظن أن المرحوم  تعرض أكثر من أى شخص فى الدنيا للإزعاج .
 برغم توتري الشديد لم أسمح لنفسي بنطق حرف واحد ضد سلوكيات المفتشين الذين كانوا يتصرفون بشكل آلي تماماً، وكأنهم مبرمجون على استفزازي .. توقعت إذا نطقت معترضاً أن يفسدوا كل شئ، ويرموني فى موضعي حتى يوم القيامة أو يظهر لي صاحب يسأل يوماً عني.
     كان التفريغ سهلا أو قل لهوا بالقياس لإعادة التعبئة، فبعد أن أملأ الحقيبة لا تغلق فأعيد ترتيبها وحشرها ودكها وأكفي غطاها عليها وأركب فوقها حتى يدخل اللسان فى القفل.
     عيب بشع أعاني منه لكنه متأصل، فكثيرا ما أتحول من الغضب على مثل هؤلاء الموظفين المعقدين إلى الإشفاق عليهم، وأبحث لهم عن الأسباب ، وأنتهى إلى أنهم عبيد لمن أمروهم، وخدم لأسيادهم، ولا يملكون من أمرهم شيئا.
تأخر الشرطي الليبي فى جلب جواز السفر من ضابط الحدود. قلقت. مضيت إلى المكتب. سألت عن الجواز. قالوا :عند الضابط..  دخلت عليه.
 مستحيل.. يمكن أن أتصور أي إنسان فى الدنيا إلا هذا ، قلت:
ـ  عبد السلام القذافي شخصياً!.
 تطلع إلى فى دهشة مشوبة باستعلاء، ثم ضرب المكتب بقبضته، وهب دائرا حول المكتب ليعانقني بحرارة قائلا:
ـ  أجدع مصري شفته فى حياتي  ؟ !
شتمته هامساً.. ضحك وضحكت وأصر على المشروب.. حكي لي عن قصة قدومه إلى هذا المكان بعد أن أصبح ضابطاً..  وكل موقف فى قصته يستدعي الضحك، مثل عمله معي فى معسكر بن جواد.
       فى ذلك اليوم  . دخل على شخص  ليبى لا أعرفه
قلت: نعم.. أي خدمة.
قال: أنا ابن عم العقيد.
قلت : أى عقيد ؟
قال : هو عقيد واحد
قلت: أهلا وسهلاً.
 سلمني خطاباً موجهاً إلى من رئيس مجلس الإدارة بتشغيله فى مركز الصيانة كسائق بلدوزر.. ناديت على مبارك. عرفته به. وحددت له مكانا للسكن مثل غيره دون أي تمييز.
 فى اليوم الثاني سمعت بمشكلة بينه وبين أنور، فهمت من الكلام الذي قاله إنه تعامل بازدراء مع زملائه . قلت له:
ـ  حذار تعتقد إنك أفضل من غيرك، ولا علاقة لسيادة العقيد بالعمل.. إذا كنت تجيد عملك وتحسن تعاملك نشيلك على رؤوسنا. غير هذا لن تبقي هنا يوماً واحداً.
 حاول المقاومة والاستمرار فى عزف النغمة  . صرخت فيه وبينت له العين الحمراء.
  بعد أيام دخل مسرعاً على المكتب ، ولم يكن رفقي المهندس موجودا، وقال:
ـ سيارة سقطت وانقلبت.. يبدو كانت مسرعة وأنا لازم أخرجها.
  كان زملاؤه قد اكتشفوا إنه لا يعرف شيئا عن القيادة، وذهبت بنفسي لمشاهدته مع أنه ليس عملي لأحدد مكانته المبنية أساسا على إجادته لعمله ،  وجدته ضعيفا ويحتاج إلى تدريب.. قلت له:
ـ اركب مع خميس وهو الذى يخرجها.
قال: يستحيل.. لن يخرجها غيري.
تركته وناديت لخميس. ركب البلدوزر، وهم بإدارته.. قفز خلفه عبد السلام وأخرج مطواة هدد بها خميس وهددني بذبحه إذا لم أوافق على قيادته للبلدوزر.. واضح أنه مجنون.
أنزلت خميس. وأمرت عبد السلام بالركوب وركبت معه وأمرت خميس بركوب بلدوزر آخر وعند السيارة المقلوبة، قلت:
ـ   إن البلدوزرين سيجرانها.
 أمرتهما بالاقتراب من السيارة بظهريهما وعلقت سلسلة فى كل بلدوزر، وقلت لعبد السلام :
ـأنت الذى ستجر أولا .
 ثم فككت سلسلته دون أن يلحظ وأمرته بالجذب، مشيراً إلى خميس للجذب مع  توجيه كلامي لعبد السلام:
ـ  برافو عبد السلام.. بالراحة.. لا تلتفت إلى الوراء.. واحدة واحدة. هايل. تقدم. برافو .
 وهكذا حتى سحب خميس السيارة.. ثم قلت للعمال والجميع:
ـ حيوا عبد السلام يا شباب.
 وأشرت لأحدهم بربط سلسلة عبد السلام فى السيارة وفك سلسلة خميس. ونزل  عبد السلام معتقدا  أنه فتح عكا.. منتشياً وسعيدا.. احتضنته، وقد شعرت بالرضا عن نفسي . كان المجنون يوشك على ارتكاب جريمة.
  على الحدود ذكرته بمهارته المشهودة فى قيادة البلدوزر وإنقاذ السيارات . تنهد وقال:
ـ يا سلام.. كانت أيام.. أنت أحسن مصري شفته فى حياتي.
 خطر ببالى أن ألقى علي رأسه جردل الحقيقة البارد  لمجرد التفرج على المتغيرات .. لكنى رأيت  أن المسألة كلها لا لزوم لها  ، وليبتعد  الشيطان عنا قليلا ولتمارس السعادة حقها فى الوجود  ولو بالوهم أحيانا .
    فى السلوم.. فتحت الشنط مرة أخرى، وهممت بتفريغها. قال الضابط: أبقها كما هي.. فحمدت الله على الرحمة.. اكتفى بجس الملابس بيديه . مررت من جمرك السلوم المصري بلا إزعاج .. كان همهم التفتيش عن الأجهزة، وقد طالبوني بدفع مائتي جنيه جمارك على أجهزة زملائي وملابس نسائهم الداخلية، لأنهم اعتبروها تفوق حد الاستخدام الشخصى لتبلغ حد التجارة، ففي حقيبة ثلاثين “كلوتا” وثلاثين “سوتيانا” وثلاثين “زجاجة شامبو” وفى حقيبة أخرى ثلاثة مسجلات وسبعة خلاطات وخمسين ولاعة وعشر باروكات ولم يقبلوا كلامي على إنها تخص خمسة أصدقاء.
ـ ادفع. ادفع.. حمدا لله على السلامة. نورت مصر.
   كنت أعلم أن أرض ليبيا أعلى من أرض مصر بنحو خمسمائة متر على الأقل، وقد ركبت البر من القاهرة إلى طرابلس والعكس، وصعدت وهبطت على الحدود، لكني لم أكن أتحمل مسئولية القيادة، الموقف مختلف. أنا الآن الذى أقود، وأحمل على السيارة المسكينة هذه المنقولات التى تحتوي على لوازم تكفى نساء شارع بكامله، أرسلها المصريون فى إطار عادة سخيفة إلى ذويهم.
 الهبوط القاسي إلى الأرض المصرية بشكل حلزوني حاد جداً، مسألة غاية فى الخطورة، النزول كان دورانا متصلا  كأنك فى أنبوب  مثل القلاووظ ومثل عمارة المساجد السامرائية التى منها طراز مأذنة جامع عمر بن العاص  ، تهبط كأنك تحفر الأرض ببريمة . أقبض بقوة على المقود وأثبته محولا إياه إلى أقصى اليمين . كان قلبى  خلال هذه الرحلة الصغيرة   ينبض فى عيوني، وأعصاب جسمي كلها تجمعت فى يدي وقدمىّ. السيارة تهبط وحدها. الهبوط يتم بصورة رأسية تماماً فى مشهد مرعب، لم يتوقف لساني عن الدعاء للعلي القدير أن يستر  ويحفظ.. صحيح أن الخبرة والذكاء وسلامة السيارة يمكن أن تفيد، لكن “الكبالن” كانت قد بدأت تطقطق وتئن منذ ما قبل “أمساعد”، وعلىّ أن أطلب العون.
ـ  وحياة حبيبك النبي تستر يا ستار،
  انقشعت الغمة الثانية وبقيت الثالثة.
     وصلت إلى الأرض واعتدلت السيارة التى كانت تسير ومقدمتها إلى أسفل ومؤخرتها إلى أعلى. التقطت أنفاسي وحاولت ألا ألتمس الراحة، فما زال أمامي الكثير، ولذلك عزمت على ألاَّ أقف إلا فى مرسي مطروح بعد مائتي كيلو، ومن حقي ساعتها أن أنام قليلاً وأرفه عن نفسي وأستحم إذا تيسر الماء النظيف والكافى ، وأتناول طعاماً جيداً.
     أنا لم أكن مهيأ للهجوم الأصفر المفاجئ، إذ لم يسبقه تمهيد من أي نوع.. كان يجب أن يكون هناك صفير أو ما يشبه البرق أو الرعد أو تنبيه صوتي حاد، أو أضواء أو شرر أو خطوط فى السماء تنبئ عن قرب حدوث حالة غريبة ونادرة.. فبعد خمسين كيلو مترا تقريباً داهمني غبار أصفر، رأيته بغتة كجبل أصفر طائر يملأ الأفق ويتقدم بسرعة ويغطي بكثافة كل ما يقابله. خلال دقيقة لم أعد أري شيئا غير عالم أصفر بلا ملامح. فضاء أصفر.. لم أعد أري زجاج السيارة، ولا أري شيئا فى المرايا، ولا أعثر فيها على وجهي. أسرعت بإغلاق الزجاج، لكن الهواء الأصفر دخل وأوشك أن يخنقني.
الغريب أني كنت أواصل القيادة ببطء فى حدود عشرين كيلو فى الساعة . انخفضت إلى نحو عشرة، لكني كنت أقود.. لا أعرف لماذا ولا إلى أين؟.
منتهي الحماقة أن أتصرف على هذا النحو معتمدا على أني أنادي الله، وأن الله لابد سيرعاني. وهم. إن الله لا يرضيه هذا حتى لو سجدت له وحمدته عشرة آلاف مرة، ودعوته مليون مرة.
   مشهد خرافي لا يظهر لا فى الأفلام ولا فى الأحلام. ولا أحسب القارئ مهما كانت خبرته ورحلاته يمكنه أن يتصور هذه الظاهرة النادرة. لم أعد قادرا على التنفس أو السمع أو الشم أو النظر ولا حتى الكلام. الكراسي صفراء والملابس والتابلوه والدواسات، كما تحولت الحياة والموت والتفكير والحب والندم والصبر والأشواق إلى اللون الأصفر.. وكذلك صار الكلام.. أدركت هذا عندما كنت أدعو الله.. أنفاسي صفراء ويداي وقدماي وحاضري ومستقبلي وأحلامي وأعضائي وخلاياي وربما دمى أيضا أصبح أصفر، ولابد أن وجهي وأهدابي وأسناني وشعري أصفر.. نطق وحده الكاسيت الذى كان مكتوما منذ بلغنا الحدود المصرية وغنى أغنيات صفراء متحشرجة وساورتني هواجس صفراء.
أخيرا قررت قراراً أصفر أن أتوقف عن هذه القيادة الصفراء.. لست أدري أين أنا الآن.. وكان لابد أن أحمد الله لأني لم أهبط إلى النهر أو البحر الأصفر.
أنتم لا تصدقون وأقسم بالله العظيم أن ذلك قد حدث.. خرجت من السيارة لأتأكد من أن العالم فعلاً كذلك ، وإنها ليست تخاريف مشتاق ومجهد ذاق كل ما هو مرير من أجل العودة إلى بنها ولقاء الأحباب. لم تكن هناك رياح.. فقط فضاء كثيف من الصفرة ولم أر السيارة، لكنى مستند عليها قابض على بابها فقد خشيت أن تحملني الريح بعيدا حيث ترميني إلى المجهول الأصفر.
قيل لي بعد شهور إن بعض المصريين عاشوا الهجوم الأصفر فى الكويت واسمه “الطوز” وأنا لا أظن أحداً رأي مثل ما رأيت.
لم أستطع أن أقرر ما الذي علىّ أن أفعله.. هل أدخل السيارة أم أظل خارجها، وأخيرا قررت البقاء بداخلها، فخارجها غير مأمون، ولا أظن أن ريحا عاتية يمكن أن تحمل السيارة بما فوقها من ملابس داخلية للنساء وتلقي بها فى البحر أو تعيدني إلى الحدود الليبية.. آه.. الآن تذكرت . الملابس النسائية كانت فى الأغلب صفراء.. هل يكون اصفرارها قد تضخم وابتلع العالم ؟..
      بللت منديلاً وربطته على نصف وجهي السفلي بحيث يغطي أنفي وعقدته خلف رأسي.. لا أدري كم من الوقت مضي، لعله يقترب من الساعة. تدريجياً شرعت الكثافة الصفراء تتحلل وتشف، وبعد دقائق شرعت المعالم فى الظهور. وهل ثمة معالم؟!. يا سبحان الله. شجرة صحراوية تقف أمامي بالضبط أو أقف أمامها. لا يفصلني عنها غير سنتمترات، وشجرة على شمالي على بعد نصف متر  وتمنع الباب اليسار الخلفى من  أن يفتح . كيف لم أحس أنني ابتعدت عن الطريق الرئيسي، وكيف دخلت وتوقفت بين الشجرتين ؟
 نزلت وسحبت خرقة ونظفت الزجاج، ألقيت عليه الماء المتبقي فى الكولمان ..  قررت ألاّ أشربه واكتفيت بغسل وجهي. طليت وجهى بالطين الأصفر دون أن أقصد . لمحت السيارات من بعيد مكدسة على الطريق الذى يبعد نحو نصف كيلو متر، وقد شرعت فى التحرك.
     اندفعت أعوض ساعة من الانتظار الأصفر المجهول، وأغذ السير. الشمس توشك على الغروب وأنا كذلك. تحاملت على نفسي حتى قطعت مائة كيلو متر ثم توقفت عند مقهى صغير داخل كشك خشبى.. شربت القهوة وملأت بها الترمس. خلعت قميصي وغسلت نصفي العلوي وخلعت حذائي وجوربي، وغسلت قدمي وقدت السيارة حافياً.. بعد نصف ساعة عدت إلى نقطة الصفر.. تحلل جسدي وباءت محاولاتي رغم القهوة بالفشل، فركنت ونمت والنوم له سلطان حتى العاشرة.
غسلت وجهي وشربت القهوة وانطلقت دون توقف إلا للتزود بالوقود، و”الكبالن” تطقطق، لكن السيارة كالجواد الأصيل تشعر برغبتي فى الانتهاء من هذا الماراثون.

 

                                       * * * *
وصلت بيتنا فى بنها نحو السادسة صباحاً. وكان أبى يفتح قفل البوابة الحديدية بعد أن عاد من صلاة الفجر.  توقفت فى وسط الشارع وأسرعت أقبل يديه ورأسه ، وعندما حاولت ركن السيارة بحذاء الرصيف. لم تتحرك.. ملت عليها فقبلتها وقلت لها:
ـ  شكرا.. قمت بالواجب وزيادة.. يومان راحة ثم نبدأ فى تلبية طلباتك يا غالية.
 أنزلت كل ما عليها فى مدخل البيت، وركنتها دفعا بعد أن سددت كتفي فى باب السائق.. وسرعان ما هبط الجميع وأحاطوني بمحبتهم وفرحتهم وتعاونوا فى حمل كل ما جئت به.
     أصرت أختى الوحيدة والمدللة عواطف التى تقترب من التاسعة عشرة  على أن تأخذ أكبر حقيبة، فكانت من حقائب المعارف. نبهتها.. أسفت لذلك واختارت أكبر واحدة من حقائبي، قالت لها أمي:
ـ اسألي أولا عما بها فقد لا يناسبك.
 قالت عواطف: أيا ما كان فيها فهو لابد يناسبني.
حملت حقيبتها الثقيلة، وهى سعيدة لأنها حازت ثروة، وأعادت على الجميع قولها، بأنها لن تسمح لأحد أن يشاركها فيها، وما لا يناسبها سوف تقايض عليه.. ولم تطق الانتظار حتى يطلع النهار، فدخلت غرفتها وأغلقتها عليها وفتحت الحقيبة، وأنا فى الخارج أمسك نفسي بصعوبة، وما هى إلا لحظة حتى صرخت عواطف إلى درجة البكاء ، فقد كانت الحقيبة مملوءة بالكامل بالكتب ولا شئ غير الكتب  .. لم يكن بالإمكان أن أترك كل هذه الكتب ورائي.. مضي الجميع يضحكون منها وعليها وأنا أولهم.
 مالت علىّ أمى وقبلتني مرات وهى تقول:
ـ ألف حمد الله على السلامة.. خلاص سافرت وتغربت وآن أن تبقي معنا الباقي من عمرنا.
 قبلت يديها داعياً لها بالصحة وطول العمر.
كان الهجوم الأصفر يتطلب تدليك جسمي عشر مرات على الأقل بالليفة الخشنة، دلكت أصابع قدمي وما بينها والكعبين وخلف الأذنين والإبطين وشعر رأسي وكل المخارج والمداخل حتى صار جسمي كحبة طماطم ناضجة، ثم أكلت الملوخية بالأرانب والباذنجان المخلل ،ونمت نوم الميتين.
 انزعجت الأسرة لأنها المرة الأولي التى يعلو فيها غطيطي. تجاوز ما نمته اثنتي عشرة ساعة. أفقت مع صلاة العشاء وسهرت معهم عدة ساعات ثم نمت حتى الصباح.
  قال لى  والدي ونحن نشرب القهوة:
ـ ستصحبني فى مشوار.
ـ بكل سرور
مضي حتى منطقة أتريب.. الحي المجاور لبنها الجديدة ويطل على الرياح التوفيقي.. أشار إلى عمارة أمام الصوامع والكوبري، وقال:
ـ ما رأيك؟
ـ فى أي شئ ؟.
ـ فى العمارة.
ـ ممتازة.. ما المناسبة؟
ـ هل تعجبك؟
ـ تعجبني، ولكني لا أريد أن أسكن فيها.
 أريد أن أستأجر شقة قريبة منكم.
قال أبى: شقتك فعلا ستكون قريبة منا، ولكن هذه عمارتك.
ـ ماذا؟
ـ نعم، لا يبقي عليها إلا ألفا جنيه.
ـ ماذا تقول يا حاج؟
ـ كل قرش أرسلته على مدي أربع سنوات أنفقناه أنا ووالدتك على الأرض والبناء.
أظن أن وجهي اصفر وروحي سقطت فى قدمي وزاغت نظراتي. تفجر إحساس بالغضب، على الأقل شعرت بالاختناق.
قلت: لكني لم أرسل أي قرش يا والدي.
قال: كنت ترسل نقودا لنا لنصرف منها على تحسين الأحوال ومصروفات لأخواتك وطلبات مدارسهم وغيرها.
ـ وماذا جري؟
ـ لم نصرف منها مليما ولم نعط أحدا قرشاً، فلم نكن بحاجة إليها.
وجدت صعوبة فى التنفس. بحثت عن كرسي أو حجر ولما لم أجد جلست على الرصيف المقابل.. أخيرا قلت بعد أن تحكمت فى أعصابي:
ـ لماذا يا حاج تفعل هذا؟
ـ كان لابد أن أفعل يا بني. الحياة تمضي إلى الضيق خاصة مع الشرفاء.
قاطعته:
ـ يا أبى.. هذا تصرف يصغرني فى نظر أخوتي.
ـ يا بني لم نفكر فى منظرك ومنظرهم.. فكرنا فى كيفية استثمار مالك فى شئ نافع، أنت نفسك قلت من سنتين أن الأزمات على مصر ستتوالى بسبب سياسة الانفتاح العشوائي وإطلاق يد اللصوص والفاسدين.
علا صوتى رغما عني:
ـ خطأ يا والدي.. خطأ كبير.. هذا المال ليس مالي. إنه مالهم ومالكم، وعرقي لكم فيه نصيب بصرف النظر عن سياسة الدولة. أنا طبعا شاكر جدا لكم . لكن ..                     
ـ أفق يا فؤاد ولا يجب أن تظل طوال عمرك عاطفي.. أنت لست عاطفياً فقط.. أنت..
لم أستطع أن أتحمل الحوار.. قلت:
ـ عن إذنك.. أنا راجع البيت.
رجعنا صامتين، وفور أن وصلنا، قال لأمي:
ـ تفضلي يا سيدتي.. ابنك غير راض عما فعلنا.
قالت : دعه يهدأ ويفكر.
 بعد أن هدأت قليلاً وعاكستني عواطف، والتف حولي أخوتي وبدأ حالي يعود إلى الوضع الطبيعي وأنسي الموضوع مؤقتاً.
قالت أمى:
ـ تعال لتتفرج على عشة الحمام.. هل تذكر أنني كنت دائماً نفسي فى برج حمام؟
صعدت معها إلى السطح، فوجدته أصبح شقة.. سألتها عن العشة.. قالت:
ـ انظر إلى هذه الشقة أولا ثم نصعد إلى الحمام.
دخلت شقة جميلة لا ينقصها إلا السكان شممت رائحة لعبة غير لطيفة . قالت أمى:
ـ هذه شقتك.. مبروك عليك.. قلنا نبنيها لك معنا.. من فلوسك لم يدفع لك أحد مليماً.
عدت إلى نقطة الصفر.. أكملت أمى علىّ وزاد العبء والذنب .
     تركت البيت كله وخرجت. فرت الدموع رغماً عنى. مضيت إلى النهر.. بيننا وبينه ثلاثون مترا. جلست على دكة حجرية أمام النهر أتأمل موقف والدي ونظرات أخوتي لي.. أحدق فى المياه الجارية ولا أراها.. ضحي أبى وأمى بكل مطالب الأسرة من أجلي. أنا لم أكن أتصور أن مائة جنيه أرسلها لشراء بنطلون لفتحي أو قميص لنازك أو فستان لعواطف يمكن أن يجمعوه ليشتروا به الطوب والأسمنت والحديد وأدوات السباكة. كلما أرسلت مليما مع زميل متجه إلى مصر اشتروا به البلاط والأحواض وأدوات الكهرباء.. ياه.
 قلت لنفسي فجأة: هذا غدر . كنت أود أن أعبر لهم عن حبي ورعايتي لهم ،  وما دام الله قد فرجها فليكن لكل منهم جانبا من الخير وأنا لم أذهب لكي أدخر.. أنا لست محتاجاً.. الرغبة كانت تغيير الجو والسفر والمعرفة.
      فوزي الكبير كان قد أنهي الجامعة واشتغل ثم تزوج واستقل، وكان علىّ أن أكون من بعده أخاً كبيراً لأخوتي. فكر والداي فىّ وفى مستقبلي المادي وأرادا أن يكونا أمينين جدا، وها أنا اعتبرهما من الخونة. ويمكن أن أتقبل أي صفة إلا أن أتهم بأني عاق بأهله.. صفة بشعة.. فماذا أفعل ؟ كيف أعيد ترتيب المشاعر والأفكار بحيث أصحح خطأي وفى الوقت نفسه أؤكد على رؤيتي من أن لأخوتي حقوقاً علىّ لا تنتهي طيلة حياتي؟  سأظل فى موضع المسئولية ما دام هناك فى بدني عرق ينبض.. ما حدث قد حدث، لكنه يتمثل فعلياً فى أشياء ستبقي، وربما يفيد منها أحفادي، أشياء ليست كالكلام تطويه الأيام وتمحوه. هل كثيرون فى الدنيا فعلوا مثل ما فعل والداي؟!
على أية حال.. لقد تزوجت وذهب السادات إلى إسرائيل وأنجبنا نهي ودينا وأشاعا فى حياتنا سعادة لا تنتهي.
   

 

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *