لماذا يخافك القتلة؟
(إلى علاء مشذوب بمناسبة ميتتهُ الاولى)
محمد علوان جبر (ملف/21)

الروائي المبدع محمد علوان جبر (اليمين) والروائي الشهيد علاء مشذوب (اليسار)

وأنت في ليلتك الأولى.. قلت :
لم اشعر بالوحشة …
سمعك ” علي لفته “
وأنت تطلب اغطية ثقيلة
أو مدفأة …. قلت :
لم تكن ليلة للوحشة أحبتي
لولا هذا البرد …
لامضيت الليل كله أجول في المقبرة
لا أعلم لماذا يخاف الملثمون الأولاد المرحين ؟ كذلك لا أعلم لماذا يضعون اذانهم قرب ذبذبات الأثير وهي تنقل لهم قفشات الأولاد الساخرين بينهم ، الأولاد الذين كبروا لكنهم لم يتخلوا عن مرحهم وجمال ارواحهم ؟

هكذا كان ماكان حينما وضِعْتَ “ياعلاء” تحت المرقاب السري لمن كان يخافك ” فتلثم وبدأ يتابع مرحك وشغفك بالإبداع والنشاطات الثقافية .
عرفتُ الراحل العزيز حينما قررنا أن نقيم جلسة احتفاء بالروائي علي لفته سعيد، التقينا في قاعة الإتحاد العام للادباء والكتاب في العراق ، وكلفت بأدارة الجلسة، يومها أسرني بأنه لايخشى شيء في العالم أكثر من المكرفونات والمنصات! ووسط نكاته الجميلة كان يعدد اصداراته واهتماماته الجمالية مسرحا وسينما ورواية وقصة وريبورتاجات صحفية وتحدثنا قليلا عن الرواية والكتابة وشجونها ، ولغرض مماحكته ، استغليت ادارتي لجلسة الروائي علي لفته سعيد ، وناديت على اسمه ليشارك ، وبلا تردد نهض وقبل أن يجلس رمقني بنظرة ذات مغزى والابتسامة لاتفارق وجهه ، وحينما تحدث ، تأكدت أنه لم يكن قد أعد ورقة ، لكنه ارتجل كلمة رائعة عن الرواية العراقية متهما دور النشر في جعلها سجينة حدود شارع المتنبي ، ولهذا يجب أن نعمل على اطلاقها عربيا وعالميا ، ومن يومها توطدت علاقتي به ، وحينما وجهت لي الدعوة بعد سنوات لحضور جلسة اقامها اتحاد ادباء كربلاء لي ، وحال وصولي كربلاء كان هو والاصدقاء الأحبة في استقبالي وضيافتي ، يومها إعتلى المنصة وتحدث عن تجربتي المتواضعة ، ثم تكررت لقاءاتنا في البصرة وبغداد على هامش مؤتمرات الرواية التي كان فيها ضيفا كريما وكبيرا ،
وتوالت اصداراته الروائية التي كرسها الى مدينته ووطنه ، مدينة كربلاء التي حملت روايته ” جمهورية باب الخان ” وهو أسم الشارع الذي اغتيل فيه ليلاً من قبل ملثمين! ولهذا اعيد سؤالي : لماذا يخاف القتلة الاولاد المرحين المنتجين الكبار في ارواحهم وعقولهم ؟ .
قبل اغتياله بشهور ، دعينا الى مؤتمر الرواية المنعقد في البصرة ، تزامن وقت انعقاد المؤتمر مع ثورة البصرة الغاضبة والمطالبة بأقل مايمكن أن يقدم للإنسان ، وهو الماء الصافي، الثورة التي انطلقت بعد زيادة نسبة الملوحة في شط العرب ، والذي تحول الى مايشبه الوباء، يومها استطعنا أن نقتنص لنا ساعات ليلية بعد انتهاء المحاضرات تسللنا من الفندق نحو ساحة العرائس ، حيث الجموع كانت تصرخ، وجدنا هناك الكثير من الدخان يتصاعد من مبنى المحافظة ومباني بعض الاحزاب .. شاركنا الثوار احاديثهم وانغمرنا معهم مشاركين بالحديث عن معاناتهم ، كان علاء هو الوحيد الذي يطلق النكات بين المتظاهرين منتزعا منهم الابتسامات البريئة والعفوية ، ومحرضا بعلنية على التواصل في احراق مابقي من البنايات .. خفنا عليه ممن يمكن أن يكون مندسا وسط المتظاهرين .. ونحن كنا بملابسنا الرسمية وسط الثوار وهم بالملابس الرياضية واغطية الرأس والكمامات .. واصل دكتور علاء اطلاق النكات حتى ونحن نمر قرب مكاتب الاحزاب المحترقة التي يتصاعد منها الدخان ، لم يكن يخاف. سحبناه نحو اقرب تاكسي نقلنا الى فندق الشيراتون حيث مكان اقامة الوفد ..
ولهذا اعيد ماقلته .. ( لماذا يخاف القتلة نكات وضحكات الأولاد الرائعين ؟).

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *