الرئيسية » نصوص » مترجمة » الحسد الغاضب: جان بوديارد ونهب بغداد1
الكاتب : ستيفن سمث*
ترجمة : د.هناء خليف غني

الحسد الغاضب: جان بوديارد ونهب بغداد1
الكاتب : ستيفن سمث*
ترجمة : د.هناء خليف غني

“أجهشت بالبكاء عندما أحرقوا المكتبة الوطنية. ألم يكن ذلك وطني الذي أحرقوه؟”2
ثمة شكوك قوية تؤكد أن فشل الولايات المتحدة الأمريكية في حماية المواقع الأثرية العراقية لم يكن مجرد إهمال، بل تغاض متعمد. إنه، وفقاً لبعض المتخصصين بالآثار- “نوع من الرهبة والصدمة الثقافية،” الغرض منه القضاء على إحساس العراقيين بالثقافة المشتركة التي تجمعهم، وإحلال صفحة بيضاء محلها، صفحة فارغة تملؤها قوات الاحتلال الأمريكية والمسؤولين عن عملية إعادة البناء بما يشاؤون. تتناول هذه المقالة ما حدث في العراق منذ نيسان 2004، تحديداً أعمال النهب والسلب والتدمير التي طالت المواقع والمتاحف الاثرية والمكتبات العامة، مستندة في ذلك الى مجموعة من التقارير والدراسات الصادرة عن هيئات صحفية ورسمية وأكاديمية متنوعة. تبين هذه التقارير بما لا يدع مجالاً للشك حدوث “مجزرة ثقافية” متعمدة لم يشهد التاريخ الإنساني لها مثيلاً. يضعنا هذا الحدث، في الواقع، في مواجهة مباشرة مع ذلك النوع من الإذلال والمهانة الذي سيفضي في نهاية المطاف، حسبما يعتقد بوديارد، الى شن المزيد من الأعمال الإرهابية ذات الطابع الانتقامي ضد الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها في الغرب.
تحدث العديد من الصحفيين، في غضون الأسابيع الاولى من الحرب، عن شكوك قوية انتابتهم بشأن الطبيعة العشوائية نسبياً لأعمال النهب والسلب. “انها سنة الصفر بالنسبة للعراقيين، فمع القضاء على الكنوز والنفائس الأثرية القديمة في متحف الآثار وإضرام النار في مكتبة الوثائق الوطنية والمكتبات العراقية، تعرضت هوية العراق الثقافية إلى عملية محو بشعة. ولكن لماذا؟ من أشعل النيران؟ ما الغاية المجنونة التي دُمر هذا الارث الحضاري العريق لأجلها؟”3
ابتغاء الإجابة عن هذا السؤال، سنلجأ الى الاستعانة بالنموذج النظري الذي وضعه جان بوديارد المُبين في عدد من دراساته القيمة. في مقاله ذائع الصيت، “ضبط المجتمع وعقابه،”4 ذكر بوديارد أن الغاية الرئيسة التي يسعى الغرب جاهداً لتحقيقها تتلخص في جعل ثقافات العالم المتعددة قابلة للتبادل وخاضعة لنظام عالمي. إن الثقافات التي تفتقر للقيم تعمد الى الانتقام من قيم الثقافات الاخرى.”5 في المقال ذاته، سلط بوديارد الضوء على الديناميات المختلفة والبالغة التعقيد التي تنطوي عليها هذه العملية:

المفكر الفرنسي جان بودريار

“يُعد الغضب الحاسد الذي يستبد بالثقافات اللامبالية والأحادية والمتدنية التعريف(low definition) التي تفتقر الرسوخ والعمق التاريخي والتي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع ثقافات مرتفعة التعريف…يُعدَ السبب الرئيس في بروز النظام المعولم واعتماده أنموذجاً عالمياً. الحسد هو ما يشعر به النظام الواقعي، المتحرر من السحر والأوهام، الذي تلاشت قوته وانطفأ بريقه في مواجهة الثقافات الضاربة في القدم. إنه حسد المجتمع اللامقدس الذي يتجلى واضحاً في مواجهة البُنى والثقافات القربانية”.6
ثمة اعتقاد شائع، في هذا السياق، يفيد ان أهمية فقد القدرة على “الإعادة او الإعطاء بالمقابل” توازي من حيث مغزاها الثقافي، ما اصطلح بوديارد على نعته بـ “التبادل المُجحف.” فإذا كانت جميع الثقافات المعروفة قابلة للتبادل وخاضعة لنظام واحد، ستنتفي الحاجة الى التبادل الثقافي، وتبعاً لذلك، يؤدي الشعور بالمهانة، بنحوٍ محتومٍ، إلى تنامي مشاعر العداء والكراهية فضلاً عن تصاعد احتمالات شن المزيد من العمليات الإرهابية. إن القدرة على التبادل والاعطاء بالمقابل بين دول الشمال والجنوب او بالاحرى بين الغرب وبقية أنحاء العالم ستكفل، بلا ريب، توفير أرضية مشتركة يمكن للجنس البشري الركون اليها في مجال التعايش المشترك. وهذا تحديداً ما تشكو دول العالم ومجتمعاته من غيابه في ظل نظام العولمة وانتشار الحروب ومشاعر اليأس والمهانة المصاحبة لهما.
وابتغاء فهم طبيعة مشاعر الكراهية التي تعتمل في صدور العديد من سكان العالم نحو الغرب، يشدد بوديارد على ضرورة إعادة النظر بالمسلمات والبديهيات وتوخي الحذر في التعامل معها. وهو يُبين في هذا المجال:
“إن مشاعر الكراهية التي يبديها اللاغربيون تجاه الغرب وقيمه لا تعكس، بأي حال من الاحوال، ذلك النوع من الكراهية الذي يشعر به الأشخاص الذين أُخذ منهم كل شيء. بل إنه يمثل، في هذه الحالة، ذلك النوع من الشعور الذي يستبد بالاشخاص الذين حصلوا على كل شيء ، ولكنهم حُرِموا فرصة إعادة أو إعطاء أي شيء بالمقابل. إنها ليست كراهية المُستغلين إو المحرومين- بل المُهانين، الذين يعجزون عن الاعطاء بالمقابل. إنه هذا التفهم الرمزي تحديداً الذي يمكن الاستعانة به في تفسير الأسباب الكامنة وراء هجمات الحادي عشر من ايلول- أفعال اذلالية جاءت رداً على أفعال مُذلة ومهينة سابقة. إن أسوأ ما يمكن حدوثه لقوة عالمية ليس الهجوم عليها او تدميرها، بل اذلالها. لقد اُذلت القوة العالمية في الحادي عشر من ايلول، اذ قام الارهابيون بشيء لا يمكن للنظام العالمي اعادته بالمقابل. وغني عن البيان، ان الأعمال الانتقامية المسلحة ما هي الا احد اوجه الاستجابة الطبيعية وهي عاجزة قطعاً عن التعاطي مع التحدي الذي يمثله، رمزياً، الإرهابيون. ويعني هذا ان القوى العظمى قد مُنيت بهزيمة رمزية قاسية في الحادي عشر من ايلول،. وتمثل الهجمات المسلحة أو شن الحرب ردود افعال طبيعية على الأعمال العدوانية، ولكنها ليست كذلك في حالة مواجهة التحديات ذات الطبيعة الرمزية. إن مسألة تقبل التحدي الرمزي والقضاء عليه تتم عندما يُذل الطرف الاخر بالمقابل (وهذا قطعاً ما لا يحدث على ارض الواقع عندما يُقتل الاخر بالقنابل أو القصف الجوي او يُسجن في خليج غوانتانامو).7
يوحي تفهم بوديارد لمشاعر “الإذلال” بميل الولايات المتحدة الى التعامل مع شعوب العالم الواقعة خارج المدار الغربي بوصفها “نوعاً معيناً من ’الآخر العالمي‘”. وعلى وفق هذه المقولة، بالإمكان وضع العراقي في موقع قابل للتبادل مع شخص اخر من ’القاعدة‘ الذي يمكنه بدوره، ان يحل محل أي عربي، مسلم او اسيوي ويتبادل المواقع معهما. زيادة على ذلك، توحي راهنية المشهد المعاصر بأكتساب النزعة الانتقامية هذه لخصائص ’المجزرة الثقافية‘ خصوصاً بعد سقوط بغداد- أعمال انتقامية تُفسر مرة اخرى بوصفها اذلالاً اضافياً. ذكر أحد علماء الآثار العراقيين لجريدة نيويورك تايمز:
“إن التاريخ هو البوتقة التي تنصهر فيها هوية الأوطان وقيمها وحضارتها، فإذا نُهبت حضارة أمة، او دُمرت، كما حدث لحضارتنا، يتلاشى التاريخ ويندثر. الرجاء انقل كلامي هذا للرئيس بوش. الرجاء ذكره بالوعد الذي قطعه بشأن تحرير الشعب العراقي. إن ما حدث لم يكن تحريراً، بل اذلالاً”.8
لم تستغرق عملية نهب الكنوز الاثرية في بغداد سوى بضعة أيام كانت الفوضى وانعدام القانون السمتين الأبرز لهما. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا الى أي حد دمغ التغاضي المتعمد للولايات المتحدة الامريكية- من حيث تمثيله تمظهراً محتملاً “للحسد الغاضب” الذي تحدث عنه بوديارد- إلى أي حد دمغ هذا التغاضي مسار الحرب بدمغته؟ فنحن ندرك الان من خلال الصور الخاصة بإساءة معاملة السجناء العراقيين وانتهاك حقوقهم على أيدي القوات الامريكية في سجن ابو غريب، الدور الذي اضطلعت به الولايات المتحدة في دعم الممارسات المذلة والتستر عليها. في سياق القضية ذاتها، تؤكد العديد من المصادر اطلاع بعض من كبار المسؤولين في سلسلة الهرم القيادي في الجيش الامريكي على تفاصيل الانتهاكات التي قام بها حراس السجن.9 وهنا يتجلى بوضوح الحضور المكثف والطاغي “للحسد الغاضب” بوصفه القاسم المشترك بين مفردات خطة الاحتلال.
مسؤوليات قوات الاحتلال وتحديداً ما الآثار التي نُهبت؟ ابتغاء إقامة الأسس المناسبة لأستراتيجية التغاضي المتعمد حيثما يتعلق الأمر بالأعمال والتحف ذات القيمة الاثرية والفنية، سنبدأ بتفحص طبيعة استجابة الولايات المتحدة في بغداد لثلاث مؤشرات مهمة:1- ما المسؤوليات التي تعهدت القوات الامريكية بتحملها في غضون الأيام الاولى من الاحتلال وما مدى القدرة التي أظهرتها على حماية المواقع الاثرية؟ 2- ونظراً للمدة الطويلة التي استغرقتها حملة الإعداد لغزو العراق، هل تتحمل الولايات المتحدة باعتبارها الشريك الأكبر في الحرب، مسؤولية الحفاظ على الارث الثقافي والحضاري في العراق؟ 3- ما المدى الذي أسهمت فيه الاجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة (او ربما امتناعها عن اتخاذ أي اجراءات) في تسهيل عمليات الهجوم على المواقع الاثرية ونهبها؟
ثمة تمايز واضح، في الواقع، في قائمة الاولويات التي أعدتها الولايات المتحدة لمرحلة ما بعد الحرب، ويبدو ذلك واضحاً في حرصها على حماية المواقع الاقتصادية تحديداً دون الاثرية والثقافية. إن حماية الملفات والموجودات في وزارة النفط تكشف بما لا يدع مجالاً للشك عن حجم الإمكانيات التي تتمتع بها القوات الامريكية في حماية المؤسسات التي يرغبون في الحفاظ عليها، فقد خضعت هذه الوزارة، كما هو معروف، لعملية مراقبة مكثفة استعملت فيها الدبابات لحراسة المداخل والمخارج، وقد كان لهذا الاجراء الاثر الحاسم في الحفاظ عليها من الخراب الذي حل بنظيراتها من المؤسسات الحكومية العامة. ينبغي أن لا ننسى، في هذا السياق، حقيقة التجاور الجغرافي للعديد من المواقع الثقافية في منطقتين صغيرتين نسبياً. لقد توافرت الحكومة الامريكية، في ذلك الوقت، على عددٍ كافٍ من القوات في هاتين المنطقتين كفيل بحمايتهما من اعمال السلب والنهب، ولكنها امتنعت عن إصدار الأوامر الخاصة بذلك.10
تتحمل حكومة الولايات المتحدة، من الناحية العملية، مسؤولية حماية الارث الثقافي والحضاري للعراق بموجب ثلاث معاهدات دولية خاصة بحماية الآرث الثقافي للأمم في فترة الحرب وما يعقبها هي معاهدة لاهاي لعامي 1899 و 1907 وميثاق جنيف لعام 1947 والبروتوكولان الملحقان به وميثاق لاهاي لعام 1954 والبروتوكلات الملحقة به. تتناول هذا المعاهدات والمواثيق مجتمعةً الاخطار والتهديدات التي تتعرض لها المواقع الآثارية والثقافية في اثناء الحرب، ويلحظ عدم اهتمام الولايات المتحدة بهذا الجانب تحديداً، إذ افتقر برنامجها العسكري للخطط الكفيلة بمواجهة مخاطر الهجوم المباشر والدمار والسلب والسرقة التي قد تتعرض لها هذا المواقع.11
وبهذا الصدد، تحدث روبرت فسك، في أحد تقاريره الصحفية، عن مشاعر الحزن والآسى التي اعتصرت قلوب العراقيين وهم يشاهدون ما حل بأرثهم الحضاري والثقافي:
“لماذا؟ كيف أمكنهم فعل ذلك؟ لماذا سمح الامريكيون للعوام بتدمير هذا الارث الحضاري لوادي الرافدين الضارب في القدم في الوقت الذي كانت فيه النيران تلتهم المدينة والفوضى تعم شوارعها وبعد أقل من ثلاثة اشهر من اجتماع المسؤولين في البنتاغون مع علماء الاثار الامريكيين لمناقشة أهمية الكنوز الاثرية العراقية ومكانتها التاريخية ووضعهم متحف الاثار العراقي في قاعدة البيانات العسكرية الخاصة بالحرب؟ حدث كل هذا في وقت انهمك فيه وزير الدفاع الامريكي رامزفيلد بالتقليل من شأن التقارير الصحفية حول انتشار الفوضى واعمال السلب والنهب في بغداد.12 قال رامزفيلد: “عادةً ما تحدث امور كهذه. هذا أمر غير مقبول، والحرية بهذا الشكل غير مقبولة. الاحرار هم احرار في ارتكاب الاخطاء والجرائم والقيام بالأعمال المشبوهة”، وفي محاولة منه للتقليل من خطورة ما حدث انذاك، اردف رامز فيلد قائلاً: “يصر التلفزيون على اعادة بث اللقطة ذاتها لرجل يسرق قطعة اثرية”13. إن الامر المثير للسخرية حقاً فيما قاله رامزفيلد هو اشارته الى مفهوم جان بوديارد حول جعل الواقعي افتراضياً في العالم الهايبرواقعي.14
مما يلفت الانتباه أن عمليات النهب والسلب في المواقع الاثرية لم تكن عشوائية تماماً ، اذ لوحظ حضور العنصر المنظم في بعض من مفاصلها، وقد تألف هذا العنصر على نحو رئيس من مهربي الاثار والعسكريين الذين اسهموا، عبر افعالهم، بتشجيع الشرائح الأفقر والأضعف من ضحايا النظام السابق على أقتناص الفرصة للحصول على المغانم. زيادة على ذلك، فقد وفرت حالة الفوضى الشاملة وانعدام الامن الظروف المناسبة لأنتشار عصابات الجريمة المنظمة وتغلغلها في مختلف اوجه الحياة اليومية في البلاد.
تشمل قائمة الجرائم الفنية العشر الكبرى التي اعدتها وكالة الاستخبارات الامريكية في اعقاب الحرب القطع الفنية المسروقة والمنهوبة من المواقع الاثرية في العراق. وفقاً لهذه القائمة، يتراوح عدد القطع الاثرية التي ما تزال مفقودة من سبعة الى عشرة الاف قطعة، توجد الأغلى والأعلى قيمة منها أما في حوزة جامعي الاثار الاثرياء أو في طريقها الى مخازنهم. ويُرجح أن السبب في عدم عرض هذه القطع في السوق السوداء يعود الى شهرتها العالمية والى سعي جهات عدة الحصول عليها أو استردادها. الاخطر من ذلك، ربما، الغموض الذي ما يزال يلف مصير خمس وعشرين من اصل اربعين قطعة مسروقة هي الأغلى ثمناً وقيمة، منها تمثال الآلهة انتيمنا ورأس بالحجم الطبيعي لإله النصر ولوح من الذهب والعاج يصور لبوة تهاجم نوبياً15.
لقد اتسمت التقارير الأولية عن عمليات النهب والسرقة التي تعرض لها المتحف بالمبالغة في تقدير حجم المفقودات. وقد اخفق معدو هذه التقارير في تذكر حقيقة قيام القيمين على هذه المتاحف بنقل جزء من القطع المفقودة إلى اقبية وأماكن اكثر امناً قبل اندلاع الحرب بقليل. ولذا، سعى الباحثون في المسوحات والدراسات الميدانية اللاحقة الى تقديم أرقام أكثر دقة عن “القطع والأعمال الفنية المسروقة والمُستعادة”.
لقد اثارت عمليات النهب والسلب التي تعرضت لها المواقع الاثرية العراقية اهتماماً منقطع النظير، اذ حاولت العديد من الجهات الرسمية وغير الرسمية، مثل مجلة الاثار الامريكية، تعقب مصير القطع المسروقة. ذكرت المجلة، في تقدير مبدئي لها، تعرض (15) الف قطعة اثرية الى السرقة. في الحملة العالمية لإعادة القطع المسروقة التي تولت المجلة تغطية اخبارها تمكن المسؤولون من ارجاع خمسة الاف قطعة. وتمكن فرانسس دبلاوا، في موقعه الالكتروني الخاص بالأثار المسروقة، من جمع قاعدة بيانات بالغة الأهمية بمساعدة عدد كبير من المصادر البحثية والمسحية. ذكر فرانسس أن عدد القطع الاثرية المفقودة يناهز أحد عشر الفاً، وتشمل هذه القطع التي استعادتها دول أخرى ولم تُعيد تسليمها الى العراق. وهذا يعني عملياً انخفاض عدد القطع المفقودة إلى ثمانية الأف قطعة16.تتوافق هذه الارقام الى حد بعيد مع القائمة التي اعدتها وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. وهذا يعني أن اوضاع المتاحف والمواقع الاثرية أكثر اشراقاً ودعوةً الى التفاؤل مما عكسته التقارير الأولية عن عمليات النهب والسلب. ثمة فرق جوهري، في الواقع، بين النجاح في استعادة القطع الأثرية المسروقة والاحداث المؤسفة التي تعرضت لها بعض المؤسسات الثقافية والتربوية من حرق وسرقة الأف من الكتب والمخطوطات القيمة. إن الافكار المدونة في الكتب والنصوص تعد أقرب الى جوهر الثقافة من نظيراتها في القطع الفنية والاثرية، وبهذا المعنى، تخدم الاعمال الفنية غرض تعزيز الافكار النصية وشرحها وترجمتها. وفي ظل هذا الوضع، سيعاني الشعب العراقي عزلةً ثقافيةً شديدةً ستحرمه من تقدير قيمة ومعنى الكنوز الأثرية المعروضة في متاحفه إثر هذه الخسارة الفادحة في الإرث القرائي. كانت الاحداث في المكتبة الوطنية مأساوية حقاً. إذ شاهد الباحثون الذين زاروا المواقع الاثرية، ابتداءً من المتحف، بذهول حجم الدمار الهائل الذي لحق بها. وكان منير بوشناقي، الذي يعمل في منظمة اليونسكو، أحد شهود العيان الذين زاروا المواقع المتضررة. تحدث منير بمرارة عن فداحة الخسارة وبشاعة ما تعرضت له المكتبة. لقد شاهد بأم عينيه ارتفاع الرماد لمسافة تتراوح بين عشرين الى ثلاثين سنتمتراً في مخازن المكتبة التي اُضرمت النيران فيها17. وفي اثناء حديثه الى اعضاء هيئة المكتبات العالمية في آب 2005، كشف رينيه تيجلر عن الدمار المروع الذي حل بالتراث القرائي العراقي، اذ فقدت المكتبة الوطنية 25% من موجوداتها بينما قدرت خسائر دار الوثائق الوطنية من الكتب والمخطوطات بـ 60%.18 وإضافةً إلى ذلك، ذكر نبيل التكريتي، أحد الباحثين في مجال الاثار، استناداً الى معلومات جمعها من بعض العاملين في المكتبة الوطنية ودار الكتب والوثائق في ايار 2003، وجود (12) مليون وثيقة فيهما في أثناء دخول القوات الامريكية الى البلاد، منها “المجموعة الأكبر من مجلدات الجرائد العربية في العالم”. لقد اتت عمليات النهب والسلب على الجزء الاكبر من الدوريات، اما الجزء المتبقي فقد تمكن العاملون في المكتبة من نقله الى مكان اخر19. ثمة تقديرات اخرى عن حجم الخسائر الثقافية. ففي التقرير الذي اعدته هيئة مكتبات الشرق الاوسط، تحدث جيف سبير عن الأوضاع المفجعة للمكتبات العراقية في اثناء الأشهر الاولى من الحرب، اذ فقدت المكتبة الوطنية 60% تقريباً من الوثائق الخاصة بالعهدين العثماني والهاشمي الملكي، فضلاً عن 25% من الكتب20.
ما الذي فعلته (وما الذي لم تفعله) قوات الاحتلال: تعكس الحوادث المفجعة التي شهدتها اكاديمية العلوم العراقية فصلاً آخر من فصول قصة ما قامت به وما لم تقم به القوات الامريكية لحماية المواقع الثقافية العراقية. فعلى وفق ما ذكره بعض من العاملين في الأكاديمية، بدأت أعمال النهب بعد اجتياز أفراد من المدرعة الامريكية البوابة الامامية وتحطيمهم لشعارها وانزالهم العلم العراقي المرفوع عند مدخلها. عندئذ، هاجمت جموع السلابة واللصوص المبنى واستولوا على نصف موجوداته البالغة 58 الفاً من الأعمال المطبوعة. ويمكن، استناداً الى عدد الغرف التي أُفرغت في المبنى، تقدير الخسائر بأكثر من 80%.21
وزيادة على ذلك، يمثل ما حل بالمكتبة المركزية لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية(المعروفة بمكتبة الأوقاف) التي تضم مجموعة المخطوطات العامة الأقدم في العراق فصلاً اخر من فصول المأساة التي حلت بالارث الثقافي العراقي، فقد التهمت النيران، التي بقيت مشتعلة ليومين، المبنى المؤلف من طابقين. وعلى نحو مماثل للمواقع الثقافية الاخرى، فقد تمكن العاملون من نقل أكثرية المخطوطات السبعة الأف كأجراء احترازي، اما محاولتهم نقل الربع الأخير من المخطوطات البالغة (1740) مخطوطة فقد باءت بالفشل بعد اطلاق القوات الامريكية النار على أحد الحراس وتجريدهم الحرس المكلفين بحماية الموقع الجديد من الأسلحة. الأدهى من ذلك حديث العاملين في المكتبة عن وقوع عمليات نهب وحرق منظمة واسعة النطاق في ذات النهار الذي نُقلت فيه المخطوطات للموقع الجديد. وعلى وفق ما ذكره أحد شهود العيان “دخل خمسة عشر رجلاً بملابس مدنية يقودون سيارات مختلفة الموديلات منها لادة بيضاء وباسات ف دبليو بيضاء ايضاً. كان البعض منهم يحمل كاميرات تصوير تلفزيونية. وبينما تقدم أكثرية الرجال لنقل الصناديق وإضرام النار في المكتبة، تخلف اثنان منهم عند المدخل لتصوير ما حدث. وما أن انتهى الرجال من تحميل اثنين وعشرين صندوقاً في سياراتهم حتى عمدوا الى رش المكان بمادة صفراء حارقة اتت على المكتبة بأكملها في اقل من خمس عشرة دقيقة.22
تبين هذه الحوادث، بما لا يدع مجالاً للشك، الدور الذي نهضت به القوات الامريكية في اطلاق شرارة أو تسهيل اعمال النهب في المواقع الاثرية والثقافية وهذا ما حدث في بعض المتاحف ايضاً.
في الحادي عشر من نيسان 2003، نشرت صحيفة (Dagens Nyheter) الدانماركية تقريراً موقعياً مباشراً أدلى به خالد بيومي، أحد الدروع البشرية، تحدث فيه عن الدور الذي أدته القوات الامريكية في عمليات النهب: ((اطلق الجنود النار على اثنين من الحراس السودانيين خارج بناية الإدارة المحلية وعملوا بعد ذلك على فتح الأبواب الرئيسة للبناية على مصراعيها، ومن ثم تعالت الأصوات باللغة العربية تحث الناس على الاقتراب من المبنى. أخبر المترجمون العرب الناس بالتوجه الى المبنى وأخذ ما يرغبون به. انتقل الخبر بسرعةٍ بالغةٍ. عندئذ تدافع الناس لنهب المبنى وفي صباح اليوم التالي، انتقلت أعمال النهب الى المتحف العراقي الحديث الذي يقع على بعد ربع ميل شمالاً)).23
في السياق ذاته، اشار التقرير الذي اعده والتر سومرفيلد، استاذ ورئيس قسم الدراسات الشرقية القديمة في جامعة ماربرغ، بعد زيارته لبغداد في ايار 2003…أشار إلى بروز توجهٍ جديدٍ في ذلك الوقت: ((إن الحدث الأشد لفتاً للاهتمام والدهشة في الروايات التي شاعت انذآك بشأن اعمال النهب يتمثل في قيام الجنود الامريكين بتسهيلها عبر كسر أو اطلاق النار على بوابات محكمة الغلق، ومناداتهم على اللصوص والسلابة: ((ادخل، علي بابا، انه لكم!)). هذه العبارة الصادمة ترددت على أفواه عدد كبير من الشهود. “علي بابا” هي العبارة التي اختارها الامريكيون لوصف اللصوص العراقيين.24
كما ذكر أحد شهود العيان الذين التقى بهم سومرفيلد قيام الجنود الامريكيين بتحريض اللصوص على الدخول بقولهم “هذا كنزكم، تعالوا! ادخلوا، خذوه!”. وبالمثل، اخبر أحد حراس المسجد المجاور للمبنى الذين تحدث اليهم سومرفيلد عن ((رجوع الجنود الامريكيين الى المتحف في الرابعة والنصف من صباح اليوم التالي حيث أمر احد الضباط جنوده بدخول المتحف. الكويتيون كانوا بصحبة القوات الامريكية… لقد استولوا على العديد من القطع الاثرية القيمة وحملوها في سبع سيارات تابعة للجيش، ثم غادروا المكان بصحبة سيارات مدرعة)).25 ومن جانب اخر، ذكر مراسل البي بي سي، جونثان دوفي، وصفاً مماثلاً لدور القوات الامريكية في اعمال النهب في المعهد التقني في الناصرية. في لقائه مع عميد المعهد، الدكتور خالد مجيد، تحدث الأخير عن وصول القوات الامريكية في خمس عربات وامتناعهم عن حماية المكان من اللصوص. الأدهى اطلاقهم النار على حائط المعهد الجنوبي. اللصوص رأوا في ذلك “الضوء الاخضر”26، فأنقضوا على المبنى لنهبه.
لقد انتابت روبرت فسك الشكوك بشأن موجة الحرائق التي اعقبت اعمال النهب وهو يتفق مع سومر فيلد في تمثيلها حدثاً منفصلاً: ((وصل الاشخاص الذين اضرموا النار في المباني حال انتهاء عمليات النهب، وقد عملوا بشكلٍ منظمٍ على رش المباني المنهوبة بمادة الغازولين، ثم اشعلوا النيران فيها. المدة الفاصلة بين عمليات نهب المباني واحراقها بلغت اربعة ايام تقريباً.27
تحدث فسك كذلك عن جوانب مهمة أخرى في عمليات النهب مثل استخدام العصابات لباصات بيضاء وزرقاء للتنقل واختيارهم سلسلة من المؤسسات الحكومية اهدافاً لهم: ((الاشخاص الذين اشعلوا الحرائق كانوا من الجيش. لقد اتسم عملهم بالدقة المتناهية، أذ يعرفون تماماً طبيعة الأماكن التي هاجموها. كان بحوزتهم خرائط وقد أُبلِغوا مسبقاً عن الأهداف التي عليهم التوجه اليها. من المسؤول عن ذلك، من خطط لهم؟ هذا سؤال مهم ما يزال بحاجة الى إجابة.28 ثمة سؤال آخر هو كيف تمكنت العصابات من القيام بكل ذلك في ظل الوجود المكثف للقوات الامريكية التي كانت قوية بما يكفي للقضاء على الحرس الجمهوري المسلح تسليحاً جيداً؟29
لقد حددت المادة التاسعة من البروتوكول الثاني لميثاق هاغ الخاص بحماية الإرث الثقافي في حالة اندلاع الصراع المسلح30 القواعد الواجب مراعاتها من قبل الدول التي تحتل اراضي بلدان أخرى. استناداً لهذه المادة، تتحمل قوات الدولة المحتلة مسؤولية منع ((عمليات التصدير والنقل والاستيلاء غير الشرعي على الممتلكات الثقافية للدول الواقعة تحت الاحتلال))(وهذا قطعاً يشمل عمليات النهب). زيادة على ذلك، تتحمل هذه القوات مسؤولية الحد من الأنشطة والممارسات التي من شأنها ((تدمير المعالم والاثار الثقافية والتاريخية والعلمية))(يشمل ذلك الحرق العمد).31
ثمة اتفاق عام بين دائرة المدعي العام الامريكية والانتربول32 بشأن هوية مرتكبي الأعمال الاجرامية في المدة التي تلت الحرب. فقد نفى تقريرٌ خاصٌ بذلك صفة السرقة العرضية، وأكد أن عصابات الجريمة المنظمة هي المستفيد الرئيس من حالة الفوضى التي عمت البلاد. إذ كان أفراد هذه العصابات يعرفون أين يبحثون وكانوا على ثقة من امكانية تصريف بضاعتهم في سوق جامعي القطع الاثرية المتلهفين لشرائها. ولذا، فقد حصلوا على حصة الاسد من القطع الاثرية الأعلى ثمناً وقيمة. وعلى الرغم من ادراكهم خطورة ما يحدث واطلاعهم المباشر على التفاصيل، لم يعمل مشرعو القوانين الامريكية بالسرعة الكافية ولم يتخذوا الاجراءات اللازمة لحماية الارث الثقافي العراقي. لقد بقيت التشريعات الخاصة بحماية هذا الإرث مركونة على الرف لشهور في الكونغرس، ولم يصبح قانون الطوارئ لحماية الآثار الثقافية العراقية نافذ المفعول الا في الثالث من كانون الثاني 2004 (أي بعد عام ونصف من عمليات النهب). حرم هذا القانون استيراد القطع الاثرية من العراق ما لم يثبت انها ((لم تُنقل بفعل انتهاك قوانين العراق)). وزيادة على ذلك، خول القانون دائرة الجمارك الامريكية الاستيلاء على الآثار المسروقة التي ادُخلت البلاد بصورة غير شرعية وارجاعها الى العراق.33
إن ما حدث أمر مفجع تماماً، فحتى لو وجدت القطع المسروقة بحالة سليمة، فأن اللصوص قد ازالوا أرقام التصنيف عليها لتسهيل عمليات بيعها غير القانونية. إن سرعة نقل القطع الفنية من المتاحف وتحويلها إلى بضائع فنية أدى الى انتزاعها من سياقها الثقافي الطبيعي. وبهذا الصدد، بين فلب كينكوت، الصحفي في الواشنطن بوست طبيعة التغيرات الجذرية والنهائية التي اعقبت عمليات النهب والسلب: ((حالما تُسرق قطعة اثرية أو فنية من المتحف، تبدأ عملية تحويلها وتجريدها من سياقاتها الثقافية والاكاديمية والبحثية والاثارية. إنها تتحول إلى مجرد بضاعة))34 السؤال الذي يملي نفسه هنا ما مدى التوافق بين عمليات النهب التي تعرضت لها الكنوز الاثارية لبلاد وادي الرافدين وتحليل بوديارد لعملية تشريح تمثال الفرعون رعمسيس الثاني التي يرى فيها ((عنفاً غير مبرر ويتعذر إصلاحه موجه ضد جميع الأسرار. إنه العنف الذي تمارسه حضارة بلا أسرار)).35 تُعدَ الرغبة الشديدة في الكشف عن اثار التاريخ المصري حلقة الوصل الأهم في ظاهرة “الحسد الغاضب” الذي تشعر به القوى العظمى التي وجدت نفسها في مواجهة النظام الرمزي للإرث الحضاري العراقي (وبالتالي العالمي) الذي لا ينسجم والنظام العالمي الجديد.

عنف رمزي واذلال اضافي قيد التخطيط: في ضبط المجتمع وعقابه، بين بوديارد أن الحرب خليط من عدة أحداث: ((فهي امتداد معقد للعوامل السياسية والاقتصادية، ولذا تعمل الحروب، مثل الصراع في افغانستان، على تطبيع الوحشية والعنف فضلاً عن اخضاع الاطراف المتشددة لأجندتها. توظف الحروب كذلك للقضاء على بؤر المقاومة واستعمار واخضاع أي منطقة جغرافية أو عقلية)).36 وانسجاماً مع ذلك، يمكن القول إن الولايات المتحدة لم تخفق في حماية الارث الثقافي حسب، بل عملت على تدمير العديد من المواقع ذات الأهمية الرمزية. يندرج في هذا السياق قرار القوات الامريكية بناء قاعدة عسكرية في أحد المواقع الأثرية لمدينة بابل القديمة. فعلى الرغم من تحذير علماء الاثار من خطورة انشاء هذه القواعد في المناطق الاثرية ومطالبتهم القوات الامريكية بالتراجع عن القرار، مضت الاخيرة قدماً في تنفيذه. في أحد المواقع، حاول صيادو القطع التذكارية انتزاع الطابوق المزخرف المؤلف للتنانين الشهيرة في بوابة عشتار. المتحف البريطاني كان الاعنف في رد فعله على اقامة القاعدة العسكرية في تلك المنطقة: ((ان هذا الفعل، يماثل في وحشيته اقامة قاعدة عسكرية حول اهرامات مصر او حول الستونهنج )).38
يرى بوديارد إمكانية العثور على نماذج المحاكاة في صميم الصراع في العراق. وثمة ما يؤكد تخطيط البنتاغون لإقامة دزينة أو أكثر من “القواعد العسكرية الدائمة” في هذا البلد، مؤشراً بذلك لاحتلال طويل الأمد للبلاد. تؤلف هذه القواعد، على المدى البعيد، نقطة البداية لمخطط طويل الأمد لنشر الثقافة الامريكية وفرضها على جوانب الحياة المختلفة. في الكويت، شملت الاستعدادت العسكرية للحرب تشييد معسكرات وقواعد شبيهة بمدن زائفة. الأمر ذاته يحدث في العراق، إذ تتخذ القوات الامريكية من قصور النظام السابق في المنطقة الخضراء ومعسكراته قواعد عسكرية لها. وهذا يعني، وفقاً لنموذج بوديارد، إحلال شيء محل شيء آخر أو تركيبه فوقه. لنلاحظ، في السياق ذاته، إعادة تسمية المعسكرات التي اقامت فيها القوات الامريكية والتي تُعدَ إحدى التنازلات القليلة التي قدمتها هذه القوات مراعاةً لمشاعر العراقيين وأحاسيسهم، فمعسكر كوك سابقاً اضحى معسكر التاجي ومعسكر فكتوري اضحى معسكر النصر. هذه القواعد التي جُهزت بمخازن حديثة وقاعات طعام ومقاهي انترنت وقاعات عرض سينمائية هي النموذج المبشر بظهور “العراق الجديد”. اللافت للأنتباه ان العراق الذي تسعى الولايات المتحدة لتشييده هو صورة مستنسخة عنها.39
وبينما تنهمك الولايات المتحدة في تشييد نموذج لها في العراق، فأنها تدمر نوعاً اخر مختلفاً من المحاكاة على أراضيها. لقد وجد الحسد الغاضب “هدفاً جديداً” له في ميادين حروب المستقبل القريب-أي مدينة العالم الثالث. يتضمن برنامج تدريب القوات الامريكية، حالياً، الدخول في “فضاء المعارك الافتراضية” لشوارع مدن العالم الثالث وضواحيها الأفقر. إنهم يشيدون نماذج مدن وقرى مصغرة، عربية الطراز، لغرض وحيد هو تمثيل عمليات الهجوم العسكرية. وعلى نحو مماثل لنموذج مدينة الفلوجة المضاءة كهربائياً، ليس ثمة غاية وراء انشاء هذه النماذج المصغرة لمدن الشرق الأوسط عدا افتراض القوات الامريكية تعرضها للهجوم وبالتالي الاستعداد لصده.40
تمثل عملية انشاء نماذج معمارية مصغرة، في جوهرها، احد اشكال النماذج المتوفرة في السوفت وير ايضاً. و تخدم هذه النماذج، في هذه الحالة، غرض اذلال الثقافة التي تمثلها لا في مجال معرفة كيفية صد الهجوم عليها، وانما في الرغبة المتعطشة بالكشف عن الأسرار عبر نصب اجهزة التنصت وتعقب العدو.41 جدير باللحظ قابلية ساكني هذه المدن على التبادل بواسطة الشفرة الحاسوبية. وبهذه الطريقة ، تشيد القوى العالمية “الحسد الغاضب” في الذكاء الاصطناعي للعبة عالمية يمكن المشاركة فيها الى ما لا نهاية.
ينبهنا بوديارد كذلك الى احتمالية “الانعكاسية أو المقلوبية”(reversibility) الحاضرة دوماً في ظروف مثل هذه. في قضية سجن ابو غريب، يرى بوديارد أن ((اولئك الذين عاشوا بوساطة المنظر سيموتون به!)42 يمثل سجن ابو غريب متحفاً “للوحشية والعنف” أو ربما نموذجاً جديداً للإذلال، وهو يجسد في ذات الوقت “العدالة المتأصلة في الصورة” نظراً لقيام مرتكبي افعال الإذلال انفسهم بالتقاط الصور. وعلى وفق لبوديارد ((تجسد هذه المشاهد السلطة العبثية واللاهدفية التي لم تجد عدواً مقنعاً في مواجهتها وتتمتع بحصانة الإفلات من العقاب. الشيء الوحيد الذي نجحت هذه السلطة في القيام به هو اذلال نفسها والحط من قدرها والرجوع عن تعهداتها بأسلوبٍ احمق ومخزٍ؛ أسلوب يمثل العارض أو التمظهر الأخير لقوة لم تعد تعرف ماذا تفعل بنفسها.43
ربما لا تجسد عمليات النهب والحرق العمد والخسائر الفادحة التي مُنيت بها الثقافة العراقية شيئاً سوى قصةٍ ذي طابع “انعكاسي”، ويُرجح أن الثمن الذي ينبغي دفعه لحدوث عملية “عكس” أكبر من هذه هو ضياع الارث الثقافي لبغداد. اعتقد أن العالم لن يُخدع بعد الآن بشأن حقيقة الدوافع (شيء ما يتجاوز النفط قطعاً) التي قادت الامريكين الى العراق، اليس كذلك؟

الاستنتاجات: يبدو أنه ما أن زال ظل صدام حسين عن العراق حتى حل محله ظل الولايات المتحدة وحملتها لإعادة بناء لا العراق حسب، وانما عموم منطقة الشرق الأوسط. فإذا، كما ذكر بوديارد، ثمة محاولة لجعل ثقافات العالم قابلة للتبادل، فأن هذا الوضع سيفرز نوعاً مجحفاً من التبادل. وعلى الرغم من التاريخ الضارب في القدم والامجاد التليدة الماضية، فأن شُعوباً مهانة مثل الشعب العراقي ليس لها ما تعطيه بالمقابل عدا التحدي الرمزي للإرهاب. وعلى غرار الحرب على الارهاب، ثمة جانب واحد متفق عليه بشأن الحرب في العراق على الرغم من الاضطرابات العنيفة التي تشهده يتمثل في توفيرها الدافعية المناسبة وتشكيلها القاعدة التي ستنطلق منها المزيد من الهجمات الارهابية على الولايات المتحدة وحلفائها في الغرب. لقد شهد العالم ما حدث في بلدان عضوة في قوات التحالف التي غزت العراق: اسبانيا (2004) والمملكة المتحدة (2005). في حالة اصاب بوديارد في مقاربته لظاهرة الإذلال والتبادل الرمزي، فأن الولايات المتحدة وحلفائها حتماً سيبادرون الى تقديم أحد الاسئلة المهمة والخطيرة في المستقبل القريب: هل يستحق نهب بغداد وإذلال العراق كل هذا العناء؟

*ستيفن سمث:
صحفي مستقل يعيش في كانبيرا، استراليا. عمل لسنوات طويلة في مجال السياسة العامة للمكتبات وحالياً يعمل في مجال سياسة البث المذياعي والتلفزيوني. كتب العديد من المقالات التي استوحى افكارها من كتابات بوديارد وطروحاته لموقع العراق الالكتروني.

المصدر: المصدر المجلة الدولية لدراسات بوديارد (Vol 3, No. 2, July 2006)

الهوامش:
1- المقالة الحالية نسخة مُحدثة لمقالة نُشرت أول مرةٍ في الموقع الالكتروني للعراق في ايلول، 2003. قطعاً ،حدث الكثير في العراق منذ ذلك الوقت. يعد التعاون الوثيق وتعزيز العلاقات بين الباحثين الاثارين العراقيين ونظرائهم في الدول الأخرى احد أهم افرازات عملية نهب المواقع الأثرية والثقافية في العراق. أدى ذلك دوراً في تعزيز عملية تبادل المعلومات بشأن القطع الأثرية والفنية المفقودة والمستعادة. وبينما تناولت المقالة السابقة حصراً ما حدث في المتحف الوطني، يبدو واضحاً الان أن الخاسر الأكبر في عمليات النهب هي مخازن المخطوطات والمكتبات.
2- من الفلم الوثائقي “عن بغداد”، الذي تحدث عنه جف سبير في مقاله: “ضروري ولكن ضعيف: المكتبة في الأوقات الخطرة. تقرير عن اوضاع المكتبات الاكاديمية العراقية واستطلاع للجهود المبذولة للحفاظ عليها”. تقرير لجنة هيأة مكتبات الشرق الاوسط عن المكتبات العراقية منشور بالتعاون مع المعهد الشرقي، جامعة شيكاغو.
3- روبرت فسك. “النيران تلتهم المكتبات والرسائل والمخطوطات القيمة في الفصل الأخير من فصول قصة نهب بغداد.” في الاندبندنت، 15 نيسان، 2003.
4- جين بوديارد. ضبط المجتمع وعقابه.” المجلة العالمية لدراسات بوديارد. المجلد الثالث، العدد الثاني، (تموز 2006).
5- ينظر المصدر السابق.
6- المصدر السابق.
7- المصدر السابق.
8- جون ف. بيرنز. “اللصوص يجردون المتحف العراقي من كنوزه.” في نيو يورك تايمز (الثالث عشر من نيسان، 2003)
9- ينظر سيمور م.هرش. “سلسلة الأوامر: الطريق من الحادي عشر من سبتمبر الى أبو غريب.” نيويورك: هاربر كولنز، 2004. ينظر ايضاً تقرير اوليفيا روسيت “كشف الغطاء: سجناء ابو غريب” تلفزيون اس. بي. اس. التاسع من تشرين الثاني، 2004.
10- نبيل التكريتي. “تقرير عن اوضاع المخطوطات والمكتبات والملفات العراقية.” (التاسع من حزيران، 2003). تقرير لجنة هيئة مكتبات الشرق الاوسط حول المكتبات العراقية منشور بالتعاون مع المعهد الشرقي، جامعة شيكاغو. ينظر كذلك، “وزارة النفط الموقع الاكثر تحصيناً” في نيوز انترناشنال، باكستان (السابع عشر من نيسان، 2003)
11- جيمس ار. نافزغر. “حماية الإرث الثقافي في الحرب وما يليها”. ضياع الفن في العراق. المؤسسة العالمية لأبحاث الفن.
12- روبرت فسك.” حضارة منهارة” في الاندبندنت (الثالث عشر من نيسان، 2003)
13- لورنس سمولمان.”رامزفيلد يلقي بالنكات، ولكن العراقيين لا يضحكون”. الجزيرة نت. (13 نيسان 2003).
14- جين بوديارد. “محاكاة”. نيويورك: سيميونص، 1983:146.
15- مكتب الابحاث الفيدرالي في الولايات المتحدة. الجرائم الفنية العشر الكبرى- الأعمال الفنية المسروقة والمنهوبة في العراق وكذلك مقالة كم سنغوبتا. “العالم هو الخاسر الأكبر لضياع الارث الحضاري العراقي” في كانبيرا تايمز(التاسع من نوفمبر 2005)، واخيراً كم سنغبوتا “نهب حدائق بابل” الاندبندنت اونلاين (التاسع من تشرين الثاني 2005).
16- ماثيو بوغدانوس. “ضحايا الحرب: حقيقة ما حدث في المتحف العراقي” في مجلة الاثار الامريكية، المجلد 29، العدد 3، تموز 2005. ود. فرانسس دبلاوا. “تقديرات الخسائر في المتحف الوطني.” في الحرب العراقية والاثار. مشروع مشترك لمؤسسة الاثار ومعهد الدراسات الشرقية. جامعة فيينا.
17- ديفيد ترسيلين. “الهجوم على الارث الحضاري.” الاهرام الاسبوعي اونلاين. طبعة عدد 723 (30 كانون الاول، 2004- الخامس من كانون الثاني، 2005).
18- رينيه تيغلر. “البارحة حُرقت الكتب” الحرب في العراق.” محاضرة القيت في الحملة العالمية لحماية المواد الاثرية والثقافية، التي سبقت انعقاد مؤتمر الـ (IFLA) للكتب والمخطوطات النادرة، كوبنهاكن، المكتبة الملكية (الحادي عشر من اب، 2005).
19- نبيل التكريتي. “تقرير عن أوضاع المخطوطات والمكتبات والملفات العراقية.” (الثامن من حزيران، 2003). تقرير لجنة هيئة مكتبات الشرق الاوسط حول المكتبات العراقية منشور بالتعاون مع المعهد الشرقي، جامعة شيكاغو.
20- ينظر رقم 2.
21- نبيل التكريتي. المصدر السابق.
22- المصدر السابق.
23- اول روثنبورغ “القوات الامريكية تحث على نهب الاثار.” في (Dagens Nyheter) ترجمه الى الانكليزية جو فالساك من منظمة اكتشاف الحقيقة (الثاني عشر من ايار 2003).
24- والتر سومرفيلد. “التدمير المُنظم لثقافة العراق.” ترجمه كرسجين هس. جامعة ماربورغ: المانيا.
25- المصدر السابق.
26- جوناثان دوفي. “القوات الامريكية تشجع اللصوص في بغداد” شبكة اخبار البي بي سي، (السادس من ايار 2003).
27- ينظر هامش 24.
28- روبرت فسك وامي غودمان. “تباشير الحرب اللا-كولونيالية ضد الولايات المتحدة الامريكية تلوح في الافق :لقاء مع روبرت فسك حول راهنية المشهد الديمقراطي.” ز- نت العراق، الثاني والعشرون من نيسان، 2003.
29- نظراً لاحتواء النقاط اعلاه على عدد كبير من الادلة المهمة التي تثبت تعرض المواقع الثقافية والاثارية لهجوم مُخطط له، ثمة حاجة ملحة لإجراء تحقيق مستقلٍ حول مدى تورط الولايات المتحدة في ذلك.
30- اليونسكو، “البروتوكول الثاني لميثاق هاغ الخاص بحماية الممتلكات الثقافية في حالة الصراع المسلح.” الهاغ، السادس والعشرون من اذار، 1999.
31- امتنعت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عن توقيع الميثاق و البروتوكول الثاني الملحق به.
32- “ملاحظات المُدعي العام الامريكي جون اشكروفت.” الانتربول: الاجتماع الخاص بنهب الممتلكات الثقافية في العراق (السادس من ايار، 2003″ليون: فرنسا.
33- مجلس النواب الامريكي (القرار رقم 1047). “قانون الحماية الطارئة للآثار الثقافية العراقية” (اصبح نافذ المفعول في السابع من كانون الاول، 2004) تقرير المراكز الامريكية للأبحاث والمعلومات الشرقية حول العراق.
34- فلب كينكوت. “اختفاء الماضي.” في الواشنطن بوست (الثامن عشر من نيسان، 2003).
35- جين بوديارد، محاكاة. نيويورك: سيميونص، 1983:21.
36- ينظر هامش رقم 4.
37- (http://images google.cal/imgres?imgurl=http://www.luc.edu/depts/history/dedennis/visual_Arts/101images/02_1.21. ) خاص بالصور المرفقة بالمقال الاصلي.
38- روري مكارثي ومايف كندي. “الحرب تقضي على بابل. ” في الغارديان، الخامس عشر من كانون الثاني، 2005.
39- ديفيد ر. فرانسس. “القواعد الامريكية في العراق: سياسات عالقة وحسابات قاسية.” في الكرسجين ساينس مونيتور. و”الاستعدادت للحرب تجري على قدم وساق في الكويت.” في يو اس أي تودي (التاسع من شباط 2003).
40- جيوف مانوا. “مدينة مصغرة تنتظر الهجوم عليها (المدينية العسكرية).” في نت تايم (الثاني من اب 2005).
41- المصدر السابق.
42- بوديارد “فضائح الحرب” في المجلة الدولية لدراسات بوديارد. المجلد 2، العدد 1(كانون الثاني 2004).
43- المصدر السابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *