الرئيسية » مقالات » د. عبد الله العاني: الخاص والعام في يوميات جواد الحطاب (ملف/40)

د. عبد الله العاني: الخاص والعام في يوميات جواد الحطاب (ملف/40)

إشارة :

ببساطة .. لإحساس عميق وقناعة راسخة لدى أسرة موقع الناقد العراقي بأن الشاعر المبدع “جواد الحطاب” هو “ظاهرة” فذّة في الشعر العراقي المعاصر لا يمكن إلّا الوقوف عندها طويلا وتأملها ودراستها بعمق ، تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن تجربته الإبداعية المهمة ؛ شعرا ونثرا ، متمنية على الأحبّة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.  

(.. نحن الذين نتعاطى القتال، لنا وحدنا كامل الصلاحية في اختيار طريقة الموت … قنبلة ..طلقة قناص … أو انفجار لغم … وبالرغم من كل هذا الامتياز الباذخ، نصر دائما على أن نرى موتنا، وهو يعيش على نفقته الخاصة، بعيدا عن منة الأعداء وتبجّح أطلاقاتهم …)

 لو كنت من سكنة الشؤون الثقافية، لكانت من ادعى دواعي اعتزازي هي إصدار هذا المطبوع، ولا اخجل من إعلان إحساسي القاتل بالحسد إزاء جميع الأسماء التي ما تمنيت إلا أن يكون لي بينها موطئ قدم .

إذن فهو استباق لزوائل (العرض والنقد) التقليديين، حتى امنح أدب الحرب العراقي، قلادة فتح في هذا النوع من الكتابة، مع أن يوميات فندق ابن الهيثم، هي دراسة ميدانية لواقع البصرة الاجتماعي وتاريخها السياسي، معذرة،إنما هي قراءة ذكية لوحدة الوطن وناسه من جبال كردستان إلى مياه الاهوار، معذرة، بل هي سيرة ذاتية لشاعر مقاتل اسمه جواد الحطاب، المعذرة للمرة الأخيرة أقولها مرغما، فأمامي سيل مـــــــــــــــــن (المعذرات) إنها وثائق عسكرية لمسار ثمانية أعوام لعلع فيها الرصاص كما لم ينطبع في عرس الابن البكر لشيخ مشايخ العشيرة .

الكتاب بعد ذلك وقبلة، هو غير هذا، وكل هذا، وليس شيئا من هذا، ويخطى من يتوهم بان حشره في خانة من خانات الإبداع أمر مقدور عليه، لأنها تضيق به وتضيق بها، لان محتويات ابن الهيثم لها نصيب من القصة القصيرة والرواية والخاطرة والشعر والأدب التسجيلي والدراسة الاجتماعية والبحث الفولكلوري والتكوين الطبقي والتحليل العسكري ومواجع العشق ومآثر البطولة وشرف الوطنية والدعاية والمزحة واللعب إلى أقصى مديات اللعب، والجد إلى أعمق جذور الجد، ومع ذلك لا تنطبق عليها أية مواصفة جاهزة، كما لا يجوز الاعتقاد لحظة واحدة بأنها كشكول غني بالمعلومات يشبه تراثيات الأغاني، لا يجمع بين أحداثها جامع .

ابتعاداً عن صوت الإطراء، اقترابا من 239 صفحة ضاجة بصخب الحرب وتنهدات الحب، أقرر الحقائق التالية على مسؤوليتي الأخلاقية، وأولها: إن هذا الكتاب هو أول مطبوع عراقي يفضح ويلات الحرب ومشقاتها ومأساويتها لا كما يرسمها خيال خصب لمبدع أصيل،بل هو الحطاب كما رأى الأشياء على خارطة الحدث الميداني، والقصف والخوف والموت والشجاعة والشهداء، وله من جسده المرصع بكدماتها وجروحها وآثارها مئة شاهد وشاهد، بقدر ما يحبب الحرب إلى النفس ويجعلها مشتهاة ليكون لك فيها حظ أو بعض حظ عندما تكون الحرب شرفا وطنيا تمارس فيه مهنة القتل بقدر ما تكره القتل، وتنتظر رصاصتك الموعودة من غير مبالاة بقدر ما تمقت الموت حتى لو كنت في أرذل العمر .

وأقرر بان اللغة الشاعرية العالية في كل فقرة وسطر وجملة لم تفتر أو تتعب، فكانت واحدة، من أهم أرصدة الكتاب التي منحت العرض ذلك التنوع الأسلوبي، لشد القارئ وتشويقه، وعلى هذا الأساس تطرح جملة مواصفات فنية نفسها طرحا منظورا وفنيا، فالمؤلف وهو يرسم وقائع، وأحيانا وقائع يومية تفصيلية لخارطة الحرب، يقودك من غير أن تشعر إلى مسارب جديدة لا تمت إلى الحرب بصلة، مقدما صورا للبصرة وعاداتها وتاريخها، للثورات والانتفاضات ضد الانكليز .

ولو انتبهنا جيدا فلا بد أن نكتشف بان الحطاب لم يغادر الجو العام للحرب، ولكنها محاولة لخلق الموازنات الزمنية، أمس واليوم، الماضي والحاضر، الصلات الحميمية بينهما، وبذلك يظهر المشهد البصري الموسوم بالبطولة القتالية في صد العدوان مسوغا بخلفياته، ويمتلك شرعيته الكاملة . غير أن الكاتب يعمد الى ابعد من هذا بكثير عندما يقود قارئه إلى سياحات عاشقة، مواقف واستذكارات، ياسمين والقلب، وتأخذ هذه السياحة حيزا حجميا يعادل حجم الذاكرة العسكرية، لان ياسمين الكائنة المحظوظة لا تغادر مكانها في اشد الحالات الانفعالية للجبهة وتشمم رائحة الموت القادم مع كل خطوة اقترابية للعدو من الملاجئ، وقد يحصل لحظة الانشغال في عدم اشتغال البندقية والبحث عن بندقية شهيد، لكي يتواصل القتال ـ الدفاع ـ الهجوم، أن تنسحب المحظوظة إلى خطوط الذاكرة الخلفية ـ وهي حالات نادرة ـ لا يلبث نزيل ابن الهيثم أن يعترف لها وكأنه يعتذر، أو يكره إن يكذب عليها … أقول .. عندما يبتعد الكاتب عن خطه الرئيس، وصفا للقاء مع الحبيبة أو جولة في المدينة ..أو …أو .. فانه يمارس نوعا من لعب السرد الروائي … يخلق وهما لدى المتلقي بأنه يكتب بطريق الذاكرة المفتوحة وترك الحرية للأحداث أن تنساب على هواها كما تشاء بعفوية ومن غير رقيب، إلا أن ذلك لا يجب أن يدعو الى الاعتقاد بان الحطاب يتمتع بذاكرة مليئة بالثقوب، بل العكس تماما فهو يمتلك ذاكرة محكمة، تسمح للأحداث أن تدخل وتغادر بمقادير مقدرة وحسابات محسوبة، انه شيطان، وصاحب مخطط عدواني رهيب للتحكم في ترتيب ذاكرته، فهو يعود بك إلى الحدث الذي قطعة ولم يكمل فصله، وتظن بأنه نسيه، عودة تطيح بجميع ظنونك، وهكذا فان الانتقال مقصود لكسر الرتابة واحترام شكل من أشكال تقنية الرواية مع الحفاظ التام على الخيط السري وخطوط الطول والعرض الوهمية الموزعة توزيعا محسوما ومحسوبا بدقة … متى تنسحب متى تظهر .. لماذا تنسحب ولماذا تظهر .. وأساليب الانسحاب والظهور غنية لديه، ليس أوحدها (المفردة) التي تستدعي الرجوع، فمن حديث من كازينو الميريديان والجسر الذي (انحشر بين الرصافة والكرخ) يفد الى الذاكرة الجسر الخامس يوم عبر الإيرانيون و..ومعارك الخفاجية ـ الدهلاوية، انه إذن الجسر، او هذه المفردة، هو زورق الإبحار من المدينة واطيابها إلى الجهة وأطيانها (ص 78) ..

 ويمكن أن يتم الانتقال عبر الرسم اللوني لجو التشابه في لوحة الحرب ـ الحب (ص101) ويمكن ..ويمكن .. لا نستكثر على الشاعر المقاتل أن تتوحد لديه لغة الحرب والحب وتلتحم التحاما فهذا أمر مؤكد عرفته اغلب الأعمال المحلية منها والعالمية، ولكن يجب أن ندهش من تمادي الحطاب (العفوي أم المقصود .. ولله وحده يعلم “) من ذلك التنافذ بين جملتي الحرب والحب (مازلت حيا والساعة صفر في توقيت جميع الإذاعات الليلية .. ياسمين تقود هجوما واسعا، تسانده الذكريات، وقد تم الإيعاز إلى ساتر الروح الأمامية بالاستسلام وعدم المقاومة ..الخ ص 112)، هل هذا مجرد لعب ؟ هل كان الحطاب يعبث .. يمزح .. يسعى إلى تجربة مهاراته فـــي الكتابة المرحة؟ وأي مزاج نفسي هو الذي أملى هذا النوع ؟!

ولم يكن الكاتب ينجز وثائق حرب عسكرية لأغراض التاريخ حتى يعنى بالأرقام، لان مفهوم التاريخ والمستقبل له دلالاته الاعتبارية في ذهنه، أن يقدم ما كان كما كان عليه، أما مهمة التوثيق الرسمية بها ملايين الصحف والكتب والمدونات العسكرية والإحصائية ..ولهذا فان الأرقام والساعات والأيام لها صيغة شعرية أخرى (.. ابتدأت المعركة مع الضياء الأول ..ص 199) وعلى القارئ أن يستكمل (صورة الوقت).

أمر لا يستحق الإغفال، ربما كان في مقدمة الاستحقاقات، فالشاعر الموجود في معركة تدور رحاها في شمال الوطن غير قادر على امتلاك السر الإلهي ليدرك ماذا يدور من معارك في الجنوب، والعكس خاضع للوصف نفسه، بل انه حتى في المعركة الدائرة ضمن قاطع عمليات وجوده، ليس بمقدوره أن يرى إلا صورة المعركة المحدودة مكانيا وزمانيا ومحدودة في معرفة وقائعها ونتائجها، ولكن الكاتب استطاع أن يهب هذا الخاص صفة العام، والأفق الضيق صفة الشمول، وبدت الزاوية الضيقة التي يتحدث عنها وكأنها تقدم عالم المعارك على امتداد الجبهات ومئات كيلومتراتها المربعة، وأية ذلك انه كان على مدى أعوام الحرب الثمانية محشورا في ايفا عسكرية تنقله من شط العرب إلى قصر شيرين ومن المملحة إلى كردستان إلى الفاو إلى سربيل زهاب، فرأى كل شيء وعاش كل شيء وكتب يومياته الخاصة وكأنه يكتب يوميات جميع المقاتلين .. وجميع الأصدقاء والشعراء والناس خارج فعاليات الجهة الساخنة .. ويا لهذا الجندي الغريب كيف كان يمتلك ذاكرة قائد عسكري في غرفة العمليات، لا تفارق اهتماماته خارطة المعارك أولا بأول ولحظة بلحظة الى الحد الذي تقرا يومياته كما لو كنت تقرا شهادة محلل عسكري .. يستقري ويستنتج ويقرر .

(.. والآن، وبعد أن اطمأن الجميع أن لا قنابل، فسيخرج الدون كيشوتية وسينبتون مثل العشب الطفيلي على روث البهائم – آسف – سيكونون في الصدارة والحفاوة والأضواء والسفر، وسيكون لنا ـ آخر ما تبقى ـ ذكرياتنا، ووجوه الناس البسطاء الذي ارتفع العراق على أكتافهم العريضة … ص227)

لا باس عليك أيها البصري فأنت الذي قلتها، وكان القول جديرا بك: هذا نزيفي .. لم اطلب من احد أجرا عليه، ولم أزايد، قاتلت بصمت وبكيت بصمت، وصمت بصمت أيضا..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *